٥٨ - حدثنا محمد بن رمح، أنبأنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن أبي سفيان، أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ: هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يكن فيه أذى.
هذا حديث إسناده صحيح؛ سويد بن قيس التجيبي المصري الأبذوي، وإن كان لم يرو عنه غير يزيد بن أبي حبيب، فقد قال أبو سعيد بن يونس: كانت له من عبد العزيز بن مروان منزلة، وكان يرسله في أموره، وذكر من ذلك أنه أرسله إلى ابن عمر بجائزة وكتاب، وذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات؛ فلذلك ساغ لابن الجارود ذكره في منتقاه، وسكت عنه أبو داود عندما رواه، ولفظ أبي جعفر بن منيع، فقالت: نعم، إذا علم أنه لم يصبه أذى، وفي لفظ للطبراني: إذا لم ير فيه أذى.
وفي لفظ له: أنه دخل على أم حبيبة، قال: فوجدت النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد، عاقده على قفاه، فقلت لأم حبيبة: أيصلي النبي ﷺ في ثوب واحد؟ قالت: نعم، وهو الذي كان فيه ما كان. وقال: لم يروه عن سعيد بن مسلم بن بانك - يعني: عن أبيه - عن معاوية بن أبي سفيان إلا خالد بن يزيد العمري، وذكره أيضا في موضع آخر من رواية عنبسة عن أم حبيبة، وقال: لم يروه عن عنبسة إلا ضمرة بن حبيب، تفرد به معاوية بن صالح، والله أعلم.
[ ٢ / ١٩٧ ]
٥٩ - حدثنا هشام بن خالد الأزرق، ثنا الحسن بن يحيى الخشني، ثنا زيد بن واقد، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ورأسه يقطر ماء، فصلى بنا في ثوب واحد متوشحا به، قد خالف بين طرفيه، فلما انصرف قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، تصلي بنا في ثوب واحد؟ قال: نعم، أصلي فيه، وفيه؛ أي قد جامعت فيه.
هذا حديث إسناده لا بأس به، ولو صحح لكان بذلك جديرا لما عضده من الشواهد، وأما ما ذكره أبو محمد الإشبيلي إثر تخريجه: خرجه البزار، وفي إسناده الحسن بن يحيى الخشني، وهو ضعيف جدا، ففيه نظر في موضعين:
الأول: ما عزاه لمسند البزار لم أره فيه، فلعله يكون مخرجا في كتاب السنن أو الأمالي، وليس اصطلاح أبي محمد، والله أعلم.
ولم ينبه أبو الحسن بن القطان على ذلك، فعلى هذا يكون لازما لهما.
الثاني: رده الحديث بالحسن أبي عبد الملك، ويقال: أبو خالد الدمشقي البلاطي، والبلاط: قرية على نحو فرسخ من دمشق، أصله خراساني، ذكره الإمام أحمد بن حنبل، فقال: ليس بحديثه بأس، حكاه عنه أبو داود في كتاب الآجري، وسئل عنه دحيم، فقال: لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازي: صدوق، سيئ الحفظ، وقال أبو أحمد بن عدي: هو ممن تحتمل رواياته، وقال ابن معين في رواية: ثقة، وقال أبو داود: ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا الحسن بن يحيى الخشني، وكان ثقة، وتكلم فيه غير هؤلاء بكلام مؤول، قال أبو عبد الرحمن النسائي: ليس
[ ٢ / ١٩٨ ]
بثقة. وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن معين في رواية: ليس بثقة، وفي كتاب أبي العرب عنه: ليس بشيء. وقال عبد الغني بن سعيد المصري: ليس بشيء. وذكره أبو جعفر العقيلي، فلم يزد على نقله كلام ابن معين فيه، وأبو زكريا في كتاب الضعفاء كذلك، ثم ذكر الساجي بعد حكاية كلام ابن معين كلام أبي داود عن سليمان، والله أعلم، وبقية من في الإسناد حديثهم في الصحيح؛ إلا الأزرق مفتي أهل الشام، فيما قاله أبو زرعة النصري؛ فإن أبا حاتم الرازي روى عنه في آخرين، وقال: صدوق.
٦٠ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا يحيى بن يوسف الزمي ح، وثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، ثنا سليمان بن عبيد الله الرقي، قالا: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: سأل رجل النبي ﷺ: الرجل يصلي في الثوب الذي يأتي أهله فيه؟ قال: نعم، إلا أن يرى به بأسا فيغسله.
هذا حديث خرجه أبو حاتم في صحيحه عن أبي يعلى، ثنا مخلد بن أبي زميل وعبد الجبار بن عاصم، قالا: ثنا عبيد الله به، وخالفه أبو الحسن البغدادي، فإنه لما سئل عنه قال: يرويه عبيد الله بن عمرو مرفوعا. وقيل: عن ابن عيينة، ولا يصح، والصحيح ما رواه أبو عوانة وأسباط بن محمد وعبد الحكم بن منصور، وغيرهم عن عبد الملك بن عمير عن جابر موقوفا من قوله، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: كذا رواه - يعني سليمان الرقي - عن عبيد الله مرفوعا، وإنمّا هو موقوف، انتهى.
، فزيادته مقبولة إجماعا، وتعلق بعضهم بأنه معارض بحديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ لا يصلي في شعارنا أو لحفنا. المذكور عند أبي محمد الإشبيلي صحيحا، قال في آخره:
[ ٢ / ١٩٩ ]
شك معاذ بن معاذ راوي هذا الحديث، وعليه فيه استدراكان:
الأول: ذكره الشكّ متبعا قوله رواية عند أبي داود، وهو ليس ثابتا في كثير من طرق الحديث، هذا أبو عيسى رواه ولم يذكر شكا، وقال فيه: حسن صحيح، وكذلك النسائي، لكنهما لم يذكرا الشعر، ذكرا اللحف فقط، وأما ابن حبان فإنّه ذكره في صحيحه بهما، وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: ثنا القواريري، ثنا معاذ بن معاذ، ثنا أشعث بن عبد الملك الحمراني، عن محمد - يعني ابن سيرين -، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ لا يصلي في شعرنا، ولا لحفنا.
الثاني: تصحيحه الحديث، وهو في كتاب أبي داود الذي نقله من عنده معللا بما أتبعه به، وهو ثنا الحسن بن علي بن سليمان، ثنا حرب، ثنا حماد، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عائشة: أنّ رسول الله ﷺ كان لا يصلي في ملاحفْنا.
قال حماد: وسمعت سعيد بن أبي صدقة، قال: سألت محمدا عنه فلم يحدثني به، وقال: سمعته منذ زمان، ولا أدري ممن سمعته، ولا أدري أسمعته من ثبت أم لا، فسلوه عنه.
وفي كتاب الخلال عن عبد الله: قال أبِي: ما سمعت عن أشعث أنكر من هذا، قال عبد الله: وأنكره - يعني: أباه - إنكارا شديدا، وهذان الاستدراكان واردان على أبي الحسن بن القطان أيضا بسكوته وإقراره، ولئن سلمنا صحته فليس معارضا لما تقدّم؛ لأنّ الصلاة في ثوب الرجل غير صلاته في ثوب زوجته؛ لأن الرجل يتحرز مما لا تتحرز منه المرأة، ولئن سلمنا ذلك فيكون مبسوطا بما في حديث ميمونة وعائشة، أو لعذر أوجب له ذلك، أو لبيان الجواز، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٠٠ ]