٢٨ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط، وقص الشارب.
خرجاه في صحيحيهما، وأما سعيد بن أبي سعيد فرواه عنه مالك في موطئه، عن أبي هريرة موقوفا به، ورواه أكثر رواة الموطأ إلا بشر بن عمر، فإنه رواه عنه مرفوعا، ولفظ ابن حبان قال: من فطرة الإِسلام: الغسل يوم الجمعة، والاستنان، وأخذ الشارب، وإعفاء اللحى، فإن المجوس تعفي شواربها، وتحفي لحاها، فخالفوهم، خذوا شواربكم وأعفوا لحاكم.
٢٩ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإِبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء يعني: الاستنجاء.
قال زكرياء: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
[ ١ / ١٢٢ ]
رواه مسلم في صحيحه والترمذي، وقال: حسن.
وقد اختلف في رفعه ووقفه؛ فرواه مرفوعا مصعب منفردا به عن طلق. ورواه سليمان التيمي وجعفر بن إياس، عن طلق، قال: كان يقال: عشر من الفطرة، كذا في كتاب النسائي، ورواية الرفع انفرد بها ابن أبي زائدة، عن مصعب، واختلف في تصحيحه؛ فأباه الإِمام أحمد بن حنبل فقال: مصعب بن شيبة أحاديثه مناكير، منها عشر من الفطرة، والنسائي.
وقال: حديث التيمي أشبه بالصواب من حديث مصعب، ومصعب منكر الحديث.
وفي موضع آخر: وحديث التيمي وأبي بشر أولى، كذا ذكره في سننه، وقال في المجتبى: ومصعب بن شيبة في حديثه شيء، وهذا غير الأول، والله أعلم، حيث قال: التيمي، وابن إياس أثبت منه وأصح حديثا، وأبو الحسن الدارقطني حيث قال: التيمي وابن إياس أثبت منه، وأصح حديثًا، وأبو عبد الله بن منده الأصبهاني، حيث قال: خرجه مسلم وتركه البخاري وهو حديث معلول، رواه التيمي عن طلق مرسلا. وقيل: الرفع صحيح اعتبارا بتوثيق مصعب عند ابن معين، والعجلي، وابن خزيمة لذكره حديثه هذا في صحيحه من حديث محمد بن بشر، نا زكريا، نا مصعب، وحديث محمد بن رافع، نا ابن نمير، عن زكريا لم يذكر العاشرة، لا يتيقن ولا يشك، وفي حديث عبده: العاشرة لا أدري ما هي إلَّا أن تكون المضمضة، وهي مدرجة، ومذهب مسلم بن حجاج وغيرهما، وستأتي أحاديث متابعة له وشاهدة.
٣٠ - حدّثنا سهل بن أبي سهل، ومحمد بن يحيى، قالا: ثنا أبو الوليد، ثنا حماد، عن علي بن زيد، عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن عمار بن ياسر أن
[ ١ / ١٢٣ ]
رسول الله - ﷺ - قال: من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط، والاستحداد، وغسل البراجم، والانتضاح، والاختتان.
هذا حديث معلول، ولما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة قال: هذا حديث ضعيف، ولم يبيّن سبب ذلك، وهو ما ذكره أبو داود حين تخريجه عن موسى بن إسماعيل، وداود بن رشيد، قال: ثنا حماد عَن علي بن زيد، عن سلمة بن محمد، قال موسى: عن أبيه. وقال داود: عن عمار، فعلى قول موسى يكون الحديث مرسلا؛ لأن أباه لم يذكر أحد أن له صحبة، وعلى قول داود يكون منقطعا؛ لأن حديثه عن جدّه، قال ابن معين: مرسل. وقال البخاري: لا يعرف أنّه سمع منه. وقال عنه: لم يره، ومع ذلك فحاله مجهولة، لم نر أحدا تعرض لذكرها، وإن كان أبوه هو: محمد بن عمار بن ياسر، والد سلمة بن محمد قد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وقد تابع داود حجاج بن منهال، وأبو عمر الضرير، وهدبة بن خالد فيما ذكره الطبراني في المعجم الكبير، فهذا كما ترى متابع لحديث طلق، ومنه ما ذكره أبو داود فيما رواه عنه ابن العَبد، قال: روي نحوه عن ابن عباس، قال: خمس كلها في الرأس، منها الفرق ولم يذكر إعفاء اللحية.
ورُوي نحو حديث حماد عن طلق بن حبيب ومجاهد عن بكر المزني قولهم: لم يذكروا إعفاء اللحية، وفي حديث محمد بن عبد الله بن أبي مريم، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن النبي - ﷺ -، وفيه إعفاء اللحية، وعن إبراهيم النخعي نحوه ذكر إعفاء اللحية، والختان، ولفظ الطيالسي عن حماد عن النبي - ﷺ - قال: الفطرة .. فذكره.
وفي حديث يعلى بن الأشدق، عن عبد الله بن جراد - وهو مختلف في صحبته - قال
[ ١ / ١٢٤ ]
- ﵇ -: السواك من الفطرة. وفي حديث ابن عباس المذكور عند أبي نعيم من جهة إسماعيل بن عياش عن النبي - ﷺ -: أنّ جبريل أبطأ عليه، فذكر ذلك له، فقال: كيف لا نبطئ عنكم وأنتم حولي لا تستنون، ولا تقَلِّمون أظفاركم، ولا تنقون شواربكم، ولا تحفون من حواجبكم؟.
وحديث ابن عمر عند أبي أمية الطرسوسي، نا مكي بن إبراهيم، عن عاصم، عن نافع عنه: إن الفطرة قص الشارب وحلق العانة، حدثنا جعفر بن أحمد، ثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد مثله.
٣١ - حدثنا بشر بن هلال الصواف، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك قال: وقّت لنا في قصّ الشارب، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، ألا نترك أكثر من أربعين ليلة.
هذا حديث صحيح رواه مسلم، عن يحيى بن يحيى وقتيبة، كلاهما عن جعفر به، قال ابن منده عند تخريجه إياه من حديث جعفر: وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم، وتركه البخاري من هذا الوجه.
ورواه هشيم وغيره، عن صدقة الدقيقي، عن أبي عمران، عن أنس قال: وقت لنا رسول الله - ﷺ - في قص الشارب … الحديث، وقال: هذا إسناد صحيح على رسم البخاري. انتهى.
وفيِما قاله نظر، وذلك أن صدقة بن موسى أبو المغيرة، ويقال: أبو محمد السلمي الدقيقي البصري ليس من شرط البخاري في شيء، وأنى ذلك مع قول ابن معين فيه: ليس بشيء، وفي موضع آخر: ضعيف، وبنحوه قاله النسائي. وقال ابن عدي: بعض أحاديثه مما يتابع عليه، وبعضها مما لا يتابع عليه، وهو ضعيف. وقال ابن حبان: كان شيخا صالحا إلَّا أنّ الحديث لم يكن صناعته؛ فكان إذا روى قلب الأخبار، فخرج عن حد الاحتجاج به، ولما خرّج الترمذي حديثه هذا خرج بعده
[ ١ / ١٢٥ ]
حديث جعفر. وقال: هذا أصح من الأول، وهو في ذلك كما قيل:
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا … خراش وبعض الشر أهون من بعض
لأن جعفر بن سليمان تكلّم فيه غير واحد، وإن كان مسلم قد خرج حديثه منفردا به، منهم سليمان بن حرب، وابن المديني، وابن سعد، وابن عدي، ويحيى بن سعيد وغيرهم، والله أعلم.
ولما ذكره البزار من جهة جعفر، قال: لا نعلم أحدا مشهورا رواه عن أنس إلا الجوني، وصدقة ليس عندهم بالحافظ، ولا نعلم رواه عن النبي - ﷺ - إلَّا أنس بن مالك.
الأصل في الفطرة: الفطر وهو: المصدر مفتوح الفاء، وهو الابتداء والاختراع، يقال: فطره الله تعالى، أي: ابتدأه واخترعه، وكذلك افتطر فيما ذكره الزمخشري في أساس البلاغة، قال ابن عباس: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها، وهي لفظة تقال بالاشتراك على الخلقة والجبلة التي خلق الله تعالى الخلقَ عليها، وفي الحديث: كل مولود يولد على الفطرة، قيل: على نوع من الجبلة والطبع المنتهي لقبول الدين، فلو تُرك عليها لاستمر على لزومها وعلى معرفة الله - تعالى - والإقرار به، أي: يولد على ما كان أقر به لما خرج من ظهر آدم. حكى ذلك القزاز في تفسير غريب البخاري، وزعم أنّ الأول أولى الوجوه فيها.
وقال الخطابي: فسّره أكثر العلماء بالسنة، وقد جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عمر مرفوعا: من السنة: قص الشارب، ونتف الإِبط، وتقليم الأظفار، وفي صحيح ابن حبان من حديث زيد بن أرقم مرفوعا: من السنة: قص الشارب، من لم يأخذ من شاربه فليس
[ ١ / ١٢٦ ]
منا. وفسرها آخرون بالدين، منهم الماوردي، ويدلّ عليه وروده صريحا في بعض الروايات.
وأما إعفاء اللحية فهو توفيرها، قال الجوهري: عفا الشعر والنبت وغيرهما: كثر. زاد ابن سيده في المحكم: وطال. قال الجوهري: ومنه قوله حتى عفوا أي كثروا، عفوته، وعفيته، لغتان، والعافي: الطويل الشعر، وفي كتاب الأضداد لابن السكيت: عفا الشعر، إذا وفا، وعفا إذا درس، قال الهروي: ومنه قوله - ﵇ -: فعلى الدنيا العفا أي الدروس، كره لنا أن نعفها كفعل بعض الأعاجم، وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن.
وأما الأظفار، فهو جمع ظفر، مضموم الظاء والفاء، وبضم الظاء وإسكان الفاء وبكسر الظاء وسكون الفاء، وأظافير جمع أظفور لغة في الظفر، ورجل أظفر: طويل الأظفار عريضها، وظفر حديد الظفر. قاله في الأساس.
والبراجم: واحدها برجمة، بضم الباء، وهي عقد الأصابع ومفاصِلها، وبه سميت البراجم من تميم وعبد القيس.
وقال أبو عبيد: البراجم والرواجب جميعا: مفاصل الأصابع. وأبى ذلك غيره؛ فقال الرواجب: هي ما بين العقد من داخل، واحدها راجبة، والبراجم من ظهور الأصابع.
والإِبط: باطن المنكب، يذكر ويؤنث، والتذكير أعلى، والجمع آباط. قال الجواليقي: وبعض المتحذلقين يقوله بكسر الباء، والصواب سكونها. انتهى.
يشهد لقائل ذلك قول الراجز فيما أنشده القزاز:
كان هواء في خواء إبطه … ليس بمهل البروك فرشطة
وأما المبرد فزعم أن ذلك للاتباع كقول عبد مناف بن ربع الهذلي:
إذا تأوب نوح قامتا معه … ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا
[ ١ / ١٢٧ ]
والعانة: النابت من الشعر حول القبل، وقيل: منبت الشعر هناك، وتصغيرها عوينة. وانتقاص الماء، بقاف وصاد مهملة، فُسر بالاستنجاء، ويؤيّده ورود ذلك صريحا في الموقوف عن ابن عباس، والحديثان واحد في تعداد خصال الفطرة، والمعنى: انقطاع البول بالماء عند الغسل، قاله أبو عبيد. وقد قيل: الماء يذهب الماء، وزعم ابن الأثير أنّ الصواب بفاءٍ وصاد مهملة، والمراد: نضحه على الذكر، من قولهم: لنضح الدّم القليل نفصة، وجمعها نفص، والأول أعرف.
والختان قال الأزهري: أصله القطع، ويطلق على قطع الغُلفَة من القبل تارة، وعلى موضع القطع أخرى، والمراد الأول، ويقال فيه: الختانة، قاله الجوهري، يقال: ختن الغلام والجارية يختِنهما ويختُنهما ختنا وختانا، فيما قال أبو زيد، وقال: الختن للرجال، والخفض للنساء، والختين: المختون والمختونة، الذكر والأنثى في ذلك سواء، وحكم ذلك يذكر في بابه إن شاء الله تعالى.
وفي قوله: إلا أن تكون المضمضة، قال عياض ﵀: ولعلها الختان، وهو أولى؛ لأنه في حديث أبي هريرة مذكور، واستضعف ذلك لوجهين:
أحدهما: أنّ خصال الفطرة لم ترد على جهة الحصر، ولهذا اختلف تعدادها في الأحاديث، وجاءت بصيغة التبعيض بالنص على شيء منها في حديث الخمس، لا يدل على فرد معنى نسيه راوٍ في حديث العشر.
الثاني: ما رجّح بعينه، بوروده في حديث أبي هريرة، معارض بورود ما تقدّم في حديث عمار وعبد الله بن عباس.
ويرجّح ذلك لأمرين:
أحدهما: في حديث عمار وابن عباس مع حديث عائشة كالمتن الواحد من جهة تعداد العشر، فما قصر في ضبطه بعض رواته يقرب إتمامه من ضبط الآخر؛ ولهذا
[ ١ / ١٢٨ ]
أوردهما ابن ماجه في باب واحد، وكذلك غيره.
الثاني: المضمضة والاستنشاق قريبان؛ فورود المضمضة يقرب ورود الآخر، واختلف في الناسي لذلك؛ فعند وكيع عن زكريا أنه مصعب، كما في الكتاب، وقال يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه: إنه هو. روى ذلك مسلم في صحيحه.
وقيل غير ذلك كما أسلفناه من صحيح ابن خزيمة.
[ ١ / ١٢٩ ]