٧٣ - حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أبي قيس الأودي، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين.
هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه، فمن المصححين له: أبو حاتم البستي بذكره له في كتابه الصحيح، وأبو عيسى الترمذي بقوله: هو حسن صحيح، وذكره ابن حزم مصححا له ومحتجا به، وكذلك أبو الفرج في كتاب التحقيق، وقال الطوسي في أحكامه: يقال: هذا حديث حسن صحيح.
ومن المضعفين أبو داود؛ فإنّه قال إثر روايته: وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدّث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين، وروي هذا الحديث عن أبي موسى عن النبي ﷺ، وليس بالمتصل ولا بالقوي، ومسح على الجوربين: علي، وابن مسعود، والبراء، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، وروي ذلك عن عمر وابن عباس - ﵃ -.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدّث أبي بهذا الحديث، فقال: ليس يروى إلا من حديث أبي قيس وأبي عبد الرحمن بن مهدي أن يحدّث به، يقول: هذا حديث منكر.
وقال مهنأ: سألت أحمد عن حديث سفيان عن أبي قيس عبد الرحمن بن
[ ٢ / ٢٧٧ ]
ثروان عن هزيل، فقال: أحاديث أبي قيس ليست صحيحة، المعروف عن المغيرة أنّ النبي ﷺ مسح على الخفين.
وفي كتاب العلل للخلال: أنبأنا المروذي أنّ أبا عبد الله ذكر أبا قيس، فقال: ليس به بأس، قد أنكروا عليه حديثين؛ أحدهما: حديث المغيرة في المسح، فأمّا ابن مهدي فأبى أن يحدّثناه، وأمّا وكيع فحدّث به.
وفي كتاب التمييز لمسلم: ذكر خبر ليس بمحفوظ المتن: ثنا يحيى بن يحيى، ثنا وكيع، فذكره، ثم ذكر الذين رووا عن المغيرة مسح الخفين، ثم قال: قد بيّنا من ذكر أسانيد المغيرة في المسح بخلاف ما روى أبو قيس عن هزيل عن المغيرة ما قد اقتصصناه، وهم من التابعين الجلة، وكلّهم قد اتفق على خلاف رواية أبي قيس، ومن خالف بعض هؤلاء بين لأهل الفهم والحفظ في نقل هذا الخبر، والحمل فيه على أبي قيس أشبه، وبه أولى منه بهزيل؛ لأنّ أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخبارا غير هذا الخبر، سنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
قال مسلم: وأخبرني محمد بن عبد الله بن قهزاذ عن علي بن الحسن بن شقيق، قال: قال عبد الله بن المبارك: عرضت هذا الحديث - يعني: حديث المغيرة من رواية أبي قيس - على الثوري، فقال: لم يجئ به غيره، فعسى أن يكون وهما.
وفي كتاب السنن للبيهقي: قال أبو محمد - يعني: يحيى بن منصور -: ورأيت مسلم بن الحجاج ضعّف هذا الخبر، وقال: أبو قيس وهزيل لا يحتملان هذا، مع مخالفتهما للأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة، فقالوا: يمسح على الخفين، وقالوا: لا نترك ظاهر الكتاب لمثل أبي قيس وهزيل، فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس الدغولي، فسمعته يقول: سمعت علي بن محمد بن شيبان: سمعت أبا قدامة السرخسي يقول: قال ابن مهدي: قلت للثوري: لو حدثتني
[ ٢ / ٢٧٨ ]
بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منك، فقال سفيان: الحديث ضعيف - أو قال كلمة نحوها - وقال علي ابن المديني: خالف هزيل الناس، وكذلك قاله ابن معين.
وقال أبو بكر البيهقي: هذا حديث منكر، ضعيف، ضعّفه الثوري، وابن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي ابن المديني، ومسلم، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين.
وسئل عنه الدارقطني، فقال: يرويه الثوري عن أبي قيس عن هزيل، ورواه كليب بن وائل عن أبي قيس عمن أخبره عن المغيرة، وهو هزيل، ولكنه لم يسمّه، ولم يروه غير أبي قيس، وهو مما يغمز عليه؛ لأنّ المحفوظ عن المغيرة المسح على الخفين، ولما ذكر العقيلي هذا الحديث فيما أنكر على أبي قيس قال: الرواية في الجوربين فيها لين.
وقال أبو عبد الرحمن النسائي: لم يتابع هزيل على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة مسح على الخفين، وقال ابن الجباب في كلامه على الموطأ: اضطرابه لا ينكر، قد صحّ عن النبي ﷺ أنّه مسح على النعلين وعلى القدمين، ولقائل أن يقول: أبو قيس عبد الرحمن بن ثروان وهزيل حديثهما في صحيح
[ ٢ / ٢٧٩ ]
البخاري، ووثّقهما غير واحد، وما روياه هنا ليس مخالفا لرواية الجمهور عن المغيرة مخالفة معارضة؛ بل هو أمر زائد على ما رووه، ولا يعارضه؛ لكونه طريقا مستقلا على حدة لم يشارك المشهورين في سندها، فيترجح قول المصححين لهذه العلة، والله أعلم.
وأمّا قول أبي داود: وروي هذا الحديث عن أبي موسى إلى آخره - يعني: المخرج عند ابن ماجه - في رواية الأسد أباذي عن المقومي، وليس ثابتا في روايتنا، وهو كما قال: ضعيف ومنقطع، فيفهم منه ألا مشارك له، وليس كذلك، لما ذكره الطبراني في المعجم الكبير من حديث يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال: كان رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والجوربين.
ولما ذكره الحربي في كتاب العلل من حديث أنس بن مالك: أنه توضأ ومسح على جوربيه ونعليه، ثنا علي بن مسلم، ثنا محمد بن القاسم، ثنا أبو طاهر، قال: رأيت أنسا، قال الحربي: أبو طاهر رجل مولى الحسن حدّث عنه شهر بحديث منكر، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق جيدة، رواها النسائي في كتاب الكنى عن عمرو بن علي، ثنا سهل بن زياد أبو زياد الطحان، ثنا الأزرق بن قيس، قال: رأيت أنسا، فذكره، فسلم مما أعلّه به الحربي. وحديث جرير بن عبد الله، وقد تقدّم ذكره.
وحديث أبي موسى ذكره في الأوسط، وقال: لا يروى عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد، تفرد به عيسى بن سنان.
وقال البيهقي في سننه، وذكر حديث أنس: وقد رفعه بعض الضعفاء، وليس بشيء، وأما تعداده الصحابة فقد أغفل ابن عمر وأبا مسعود وسعد بن أبي وقاص، ذكرهم ابن حزم، وقال: لا نعلم لهم مخالفا.
قال: وهو قول ابن المسيب،
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وعطاء، والنخعي، والأعمش، والحسن، وخلاس، زاد في المصنف: وإبراهيم، والضحاك، وسعيد بن جبير، ونافع، وفي كتاب الإشراف: وابن المبارك، وزفر، والثوري، والحسن بن صالح، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وداود بن علي، وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: لا يمسح عليهما، وقال مالك: لا يمسح عليهما إلا أن يكون مجلدين، انتهى كلامه.
وفيما حكاه عن أبي حنيفة نظر؛ لأن مذهبه جواز المسح عليهما إذا كانا مجلدين ومنعلين، كذا هو في المنافع وغيره، وحكى أبو عيسى في جامعه عن صالح بن محمد الترمذي: سمعت أبا مقاتل السمرقن ي يقول: دخلت على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه، فدعا بماء فتوضأ، وعليه جوربان، فمسح عليهما، ثم قال: فعلت اليوم شيئا لم أكن أفعله، مسحت على الجوربين، وهما غير منعلين، قال أبو عيسى: وبه يقول الشافعي، انتهى كلامه.
والحنفيون يذكرون أنّ الشّافعي لا يجوز المسح عليهما، وكذا ذكره أبو سليمان الخطابي، قال: إلا أن يكونا منعلين يمكن متابعة المشي عليهما.
وقال ابن المنذر: وكره المسح عليهما: مالك والشافعي، وروي إباحته عن تسعة من الصحابة: علي، وعمار، وابن مسعود، وابن عمر، وأنس، والبراء، وبلال، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وأبو سعيد الخدري، وبه قال عطاء، والحسن، وابن المسيب، والنخعي، وابن جبير، والأعمش، والثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وزفر، وأما صاحبا أبي حنيفة، فقالا: يمسح عليهما إذا كانا ثخينين، لا يشفّان.
والجورب: قال أبو نصر: معرب، لفافة الرجل، والجمع جواربة، والهاء
[ ٢ / ٢٨١ ]
للعجمة. ويقال: الجوارب أيضا، كما قالوا في جمع الكيلج: الكيالج، وتقول: جوربه فتجورب؛ أي: ألبسه الجورب فلبسه، وقال الجواليقي: كثر حتى صار كالعربي، قال رجل من بني تميم لعمر بن عبيد الله بن معمر، وكانت تحته رملة أخت طلحة الطلحات وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله:
انبذ برملة نبذ الجورب الخلق … وعش بعيشة عيشا ذي رنق
.
وضرب العرب المثل بعائشة، وقال نافع بن لقيط الأسدي:
ومأولق أنصجت كية رأسه … فتركته دفرا كنتن الجورب
.
وقال مسكين الدارمي:
أثني علي بما علمت فإنني … مثن عليك بمثل ريح الجورب
.
وأما الأحاديث الواردة في المسح على النعلين؛ فمنها: ما رواه أبو داود عن أوس بن أبي أوس الثقفي: أنه رأى النبي ﷺ توضأ، ومسح على نعليه وقدميه.
وقال الجوزقاني: هذا حديث منكر، ولما ذكره عبد الحق سكت عنه - يعني: مصححا له - وتبع ذلك الخزرجي،،، وفي أنّه أوس بن أوس أو ابن أبي أوس خلاف معروف، واختصاره هو أنه رويت عن النبي ﷺ أربعة أحاديث؛ أحدها هذا.
والثاني: من غسل واغتسل يرويه أبو الأشعث عن أوس بن أوس.
والثالث: تحزيب القرآن، يرويه عثمان بن عبد الله بن أوس عن جدّه أوس بن حذيفة.
والرابع: في الصوم، فقيل في هذا كلّه: إنّه واحد، هو أوس بن أوس، وابن أبي أوس، وابن حذيفة، وذكر أبو عمر ابن عبد البر قول ابن معين: أوس بن أوس وأوس بن أبي أوس واحد، فخطأه فيه، وقال: إنّ أوس بن أبي أوس هو ابن حذيفة، جدّ عثمان بن عبد الله بن أوس، وله أحاديث منها: في المسح على القدمين، وفي إسناده ضعف، يعني: حديث المبدى بذكره، قال: ورواه الطحاوي فأسقط عطاء والد يعلى، وجعله من حديث يعلى عن أوس، وهو غير صواب، انتهى كلامه، وفيه نظر من وجوه:
الأوّل: قوله معترضا على أبي محمد: وما مثله صحيح، وأبو محمد - ﵀ - ليس هو بأبي عذرة تصحيحه، فقد سبقه إلى ذلك الحافظ أبو بكر الحازمي، بقوله: لا يعرف مجردا متّصلا إلا من حديث يعلى، وعلى تقدير ثبوته ذهب بعضهم إلى
[ ٢ / ٢٨٢ ]
نسخه، وهذا وإن كان لا يعطي تصحيحا فقد، ثم قال: وهذا من الأخبار التي رويت مجملة، وتفسيرها في أخبار أخر، ثم قال: ذكر البيان بأن مسح المصطفى على النعلين كان ذلك في وضوء النفل دون الوضوء الذي يجب من حدث معلوم، فذكر حديث النزال عن علي، فذكر وضوءه: فمضمض واستنشق، ومسح وجهه وذراعيه، ومسح رأسه، ومسح رجليه، ثم قام فشرب فضل مائه، ثم قال لي: حدثت أنّ رجالا يكرهون أن يشرب أحدهم وهو قائم، وإني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما فعلت، وهذا وضوء من لم يحدث.
وفي الأوسط عن علي بنحوه، رواه عن ابن أحمد بن حنبل، حدثني أبو عبيدة بن فضيل بن عياض، ثنا مالك بن سعير، ثنا فرات بن أحنف، حدثني أبي عن ربعي عنه، وقال: لم يروه عن ربعي إلا أحنف أبو فرات، تفرّد به أبو عبيدة بن عياض.
وفي كلام ابن حبان نظر؛ من حيث إنّ عليا صلى بهذا الوضوء إماما، ذكر ذلك البيهقي من حديث سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن وهب.
ومن حديث ابن نمير عن سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان، قال: رأيت عليا بالرحبة بال قائما حتى أرغى، فأتي بكوز من ماء، ثم أخذ كفا من ماء، فوصف وضوءه، ثم قال: ومسح على نعليه، ثم أقيمت الصلاة فخلع نعليه، ثم تقدّم فأمّ الناس.
قال الأعمش: فحدثت إبراهيم به، فقال: إذا رأيت أبا ظبيان فأخبرني،
[ ٢ / ٢٨٤ ]
فرأيته قائما في الكناسة، فقلت: هذا أبو ظبيان، فأتاه، فسأله عن الحديث، وقال: حديث أبي ظبيان ثابت.
زاد في كتاب الأبواب أنّ عليا مسح عليهما، ثم خلعهما، فجعلهما في كمّه، ثم صلى بهم الفريضة.
وذكره عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن يزيد بن أبي زياد عن أبي ظبيان به، قال معمر: وأخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس عن النبي ﷺ بمثل صنيع علي هذا.
قال البيهقي: ورواه الثوري عن قابوس بن أبي ظبيان، وعبد العزيز بن رفيع، وسلمة بن كهيل، والزبير بن عدي، وورقاء بن إياس، كلّهم عن أبي ظبيان به.
الثاني قوله: إنّ الطحاوي رواه عن أوس بن أوس، فأسقط عطاء، فكذلك هو، ولكن الخرائطي ذكره في كتاب اعتلال القلوب، بثبوته في هذه الرواية من حديث عمر بن شبة، ثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن يعلى عن عطاء عن أبيه عن أوس بن أوس عن أبيه، وكذا رواه أبو القاسم الطبراني من حديث يحيى بن سعيد، عن شعبة، ولما رواه بحشل في تاريخه عن هشيم وإسحاق، ثنا شريك عن يعلى عن أوس به، قال: هذا غلط. وحديث هشيم - يعني الذي فيه: عن أبيه - أصح، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
الثالث: سكوته عن علة ذكرها الإمام أحمد، فهي أولى بالذكر مما تقدم، وهو قوله: لم يسمع هشيم هذا الحديث من يعلى،، فلعله سمعه من بعض الضعفاء، ثم أسقطه، فلئن كان ما قالاه صحيحا فهو أجدر بأن يكون علّة، لا سيما على ما ناقش به أبا محمد من كونه يقبل أخبار المدلسين وإن لم يصرحوا بالسماع، وليس لقائل أن يقول: لعلّه لم يعتد بهذه علّة؛ لأنه لو كان كذلك لنبه كعادته، والله أعلم.
ثم نظرنا هل هو كذلك أم لا، فوجدنا هشيما صرح فيه بالتحديث المزيل للشبهة المذكورة: أنبأنا المسند المعمر فتح الدين الجودري، قراءة عليه وأنا أسمع، عن أبي الحسن البغدادي، أنبأنا الحافظ السلامي، أنبأنا الإمام أبو منصور محمد بن أحمد بن علي المعمري، أنبأنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر، أنبأنا الحافظ أبو حفص بن شاهين، ثنا أحمد بن سلمان الفقيه، ثنا بشر بن موسى، ثنا سعيد بن منصور، ثنا هشيم، أنبأنا يعلى بن عطاء عن أبيه أخبرني أوس به، ثم قال هشيم: هذا كان في مبدأ الإسلام، وأنبأنا الشيخ أبو الفتح القاهري - ﵀ - قراءة عليه وأنا أسمع، قال: أنبأنا الأخوان أبو المكارم عبد الله وأبو عبد الله الحسين، أبنا الحسن بن منصور، قال الأول: أنبأ، وقال الثاني: أنا الحافظ أبو بكر محمد بن حازم الهمداني، قرأت على محمد بن أحمد بن القاضي: أخبرك أبو طاهر أحمد بن الحسن الكرجي في كتابه، أنبأنا الحسن بن أحمد، أنبأ دعلج بن أحمد، أنبأ محمد بن علي، ثنا سعيد بن منصور، ثنا هشيم، أنبأنا يعلى بن عطاء عن أبيه، فذكره، وعن علّة أخرى ذكرها الحازمي في كتاب الناسخ والمنسوخ: حديث يعلى متزلزل؛ لأنّ بعضهم رواه عنه عن أوس، ولم يقل: عن أبيه، وقال بعضهم: عن رجل - يعني: مجهولا - والله أعلم.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وأما تخطئة أبي عمر ابن معين فغير جيد؛ لأنه قول قاله جماعة من العلماء، منهم: أبو جعفر بن منيع، وعبد الله بن محمد البغويان، وأبو بكر أحمد بن عبد الله البرقي في تاريخه، وأبو إسحاق الحربي في كتاب العلل، وأبو القاسم الطبراني في الكبير والأوسط، وأبو حاتم البستي في كتاب الصحابة، قال: وهو ابن حذيفة أيضا، وأبو عيسى الترمذي في كتاب التاريخ، وأبو أحمد العسكري في كتاب الصحابة - ﵃ أجمعين - وأبو داود الطيالسي - رحمه الله تعالى -، وفي تاريخ الجعفي الكبير: أوس بن حذيفة والد عمرو بن أوس، ويقال: أوس بن أبي أوس، ويقال: أوس بن أوس، وله صحبة، وفي معجم ابن قانع: أوس بن أوس بن ربيعة بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، روى عنه عبد الملك بن المغيرة، وأبو الأشعث، وعبادة بن نسي، وابن عمرو بن أوس عنه، فقالوا: ابن أوس، ومن قال: ابن أبي أوس: النعمان بن سالم، قال: سمعت رجلا، وفي رواية أخرى: اسمه عمرو، جدّه أوس بن أبي أوس، وفي رواية: أبوه ويعلى بن عطاء، وفي كتاب الصحابة لأبي مُوسى: اسم أبي أوس هذا جابر بن عوف الثقفي، وروى حديثه هذا من طريق محمد بن إدريس عن غسان عن حماد بن سلمة عن يعلى عن أبيه عن أوس بن أبي أوس واسمه جابر، ثم قال: وكذلك رواه حجاج عن حماد إلا أنه لم يسمه جابرا، قال: ولأبيه أيضا صحبة، وهو جد عمرو بن أوس، ذكره أبو عثمان سعيد السراج القرشي الأصبهاني في الأفراد، وكتبه عنه عبد الله بن مردويه - رحمهم الله تعالى -.
وحديث ابن عمر أنّه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما، ويقول: كذلك كان رسول الله ﷺ يفعل، رواه البزار عن إبراهيم بن سعيد، ثنا روح بن عبادة عن ابن أبي ذئب عن نافع عنه، وقال: وهذا الحديث لا نعلمه رواه عن نافع إلا ابن أبي ذئب، ولا نعلم رواه عنه إلا روح بن عبادة، وإنما كان يمسح عليهما؛ لأنه توضأ من غير حدث، وكان يتوضأ لكل صلاة من غير حدث، فهذا معناه عندنا، انتهى.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
وفيه نظر؛ لأنّ ابن عمر - وإن كان مذهبه الوضوء لكلّ صلاة - فليس ذلك من مذهبه ﷺ.
وقد قال كذلك: كان النبي ﷺ يفعل على ضعفه؛ لأنه حديث منكر الإسناد، والخبر مجهول، وخرّجه البيهقي من حديث روح، ولما ذكره أبو الحسن بن القطان صححه، وحديث ابن عباس، وتوضأ وضوء النبي ﷺ، وفيه: ثم قبض قبضة من الماء، فرشّ على رجله اليمنى، وفيها النعل، ثم مسحها بيده؛ يد فوق القدم، ويد تحت القدم، ثم صنع باليسرى مثل ذلك، خرّجه أبو داود من رواية هشام بن سعد، وحديثه في صحيح مسلم، وتكلّم فيه بعضهم، وفي لفظ عن ابن عباس: أن النبي ﷺ: توضأ مرة مرة، ومسح على نعليه.
ذكره الحربي من حديث عبد الرزاق عن معمر، قال: لو شئت حدثتكم أنّ زيد بن أسلم حدثني عن عطاء عن ابن عباس، فذكره، ثم قال: الحمد لله الذي لم يقدر على لسان معمر أن يحدث ابن الجراح عن سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء عنه.
وقال: هكذا رواه رواد، وهو ينفرد عن الثوري بمناكير هذا أحدها، والثقات رووه عن الثوري دون هذه اللفظة، وقد روي عن زيد بن الحباب عن سفيان هكذا، وليس بمحفوظ، والصحيح رواية الجماعة، ورواه الدراوردي وهشام بن سعد عن زيد، فحكى في الحديث: ورشّ على
[ ٢ / ٢٨٨ ]
الرجل، وفيها النعل.
قال: وذلك يحتمل أن يكون غسلها في النعل، فقد رواه سليمان بن بلال، وابن عجلان، وورقاء، ومحمد بن جعفر، وابن أبي كثير عن زيد بن أسلم، فحكوا في الحديث غسله رجليه، والحديث واحد، والعدد الكثير أولى بالحفظ من العدد اليسير، مع فضل حفظ من حفظ فيه الغسل بعد الرش على من لم يحفظه، انتهى كلامه.
وفيه نظر من وجوه:
.
الثاني: قوله: ليس بمحفوظ يشعر أنه لم يأت به غيره، وقد سبق مجيئه من حديث.
وفي مصنف عبد الرزاق بسند كالشمس على شرط الشيخين، وذكره ابن خزيمة في صحيحه من حديث سفيان عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس.
وقال بعده: والدليل على أن مسح النبي ﷺ على النعلين كان في وضوء تطوع، لا
[ ٢ / ٢٨٩ ]
في وضوء واجب عليه، ثم ذكر حديث سفيان عن السدي عن عبد خير عن علي، وفيه: هكذا وضوء النبي ﷺ للطاهر ما لم يحدث، وخرجه أحمد بن عبيد الصفار في مسنده بزيادة: هكذا فعل رسول الله ﷺ ما لم يحدث، ولما ذكره أبو داود في كتاب التفرد قال: الذي تفرد به في هذا الحديث مسح باطن الأذنين مع الوجه وظاهرهما مع الرأس. وقال: حديث عبد خير عن علي ليس بالبين. وقد أسلفنا ما يدفع هذا قبل، والله أعلم.
وقد أسلفنا لخبر زيد بن حباب شواهد ومتابعات دلّت على أنّ لحديثه أصلا، وأنّ الثقات رووه عن سفيان بهذه اللفظة، لا كما زعم.
الثالث: قوله: فأما المسح على الرجلين فهو محمول على غسلهما؛ لأنّ المسح سنة لمن تغطت رجلاه بالخفين، فلا يعدى بها موضوعها، والأصل وجوب غسل الرجلين إلا ما خصّته سنة ثابتة أو إجماع لا يختلف فيه، وليس على النعلين ولا على الجوربين واحد منهما، انتهى.
وعليه فيه اعتراضات:
الأول: مقتضى صناعة الحديث النظر في الإسناد بصحة أو غيره، وأمّا التأويلات وغيرها فمن نظر الفقيه.
الثاني: قوله: وليس عليهما سنة ثابتة، وقد أسلفنا أحاديث صحيحة وحسنة في هذا الباب وغيره، ولله الحمد والمنة.
[ ٢ / ٢٩٠ ]