١٣٦ - حدّثنا عبد الله بن الجراح وأبو بكر بن خلاد، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - تمضمض واستنشق من غرفة واحدة.
هذا حديث خرجه ابن ماجه في موضعين آخرين، وهو قطعة من حديث مطول رواه البخاري في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وِلفظه: وجمع بين المضمضة والاستنشاق، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ، والحافظ أبو بكر في صحيحه، وجوده الإِمام أحمد فيما حكاه الخلال.
ولما خرجه أبو عيسى قال: حديث ابن عباس أحسن شيء في هذا الباب وأصح، وروى رشدين بن سعد وغيره هذا الحديث، عن الضحاك بن شرحبيل، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب: أن النبي - ﷺ - توضأ مَرة مرة وليس هذا بشيء، والصحيح ما روى هشام بن سعد والثوري وعبد العزيز بن محمد، عن زيد، عن عطاء، وبنحوه قاله أبو حاتم الرازي حين سأله ابنه، عن حديث رواه ابن لهيعة، عن الضحاك هذا.
١٣٧ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شريك، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي: أن رسول الله - ﷺ - توضأ، فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا من كف واحد.
هذا حديث خرجه الحافظان أبو بكر بن خزيمة وأبو حاتم البستي في صحيحيهما من حديث خالد بن علقمة الهمداني، عن عبد خير مطولًا.
وقال فيه الترمذي:
[ ١ / ٣٥٢ ]
حسن صحيح، ولما ذكره البغوي في شرح السنة قال: حديث عبد خير صحيح حسن، أنا بذلك العلامة أبو الحسن بن موسى الحجازي بقراءتي عليه في شهور سنة إحدى عشرة وسبعمائة جميع كتاب الطهارة منه والزكاة والحج، ومناولة لباقي ذلك.
وأخبرني أنه سمع بعضه من لفظ شيخه شيخ الإِسلام شمس الدين زكي بن الحسن وبقيته قراءة عليه وأنا أسمع بثغر عدن في شهور سنة تسع وستين وستمائة.
قال: أخبرني الفقيه رشيد الدين زاهد بن محمد بن أحمد بن وكيع، أنا شيخ الإسلام عماد الدين أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله المروروذي، قال: أنا البَغوي .. فذكره.
ورواه النسائي في مسند علي مطولًا: فملأ فمه فمضمض واستنشق، ونثر بيده اليسرى، يفعل هذا مرارًا في الحديث ثلاث مرات.
وكذا ذكره أحمد بن سنان القطان في مسنده، ورواه شعبة فقال: عن مالك بن عرفطة، ووهمه في ذلك أبو داود، والنسائي، والدارقطني، والإمام أحمد، ومسلم في كتاب شيوخ شعبة من تأليفه، والبزار، وقال: قد رواه غيَر واحد عن خالد بن علقمة، ولا نعلم أحدًا أحسن له سياقًا ولا أتم كلامًا من زائدة.
ولما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل عن أبي زرعة قال: وهم فيه شعبة. إنما أراد خالد بن علقمة. ورواه سفيان موقوفًا، لم يرفعه.
وفي ذلك نظر؛ لأن الدارقطني ذكر رواية الثوري هذا الحديث مرفوعًا، ثم قال: وخالف الجماعة الحجاج بن أرطأة، فجعله عن خالد، عن عمرو ذي مر، ووهم في ذلك، والصواب قول من قال: عبد خير عن علي. انتهى.
وفي توهيم الجماعة شعبة وعصبهم الجناية برأسه تعسّف؛ لأمرين:
الأوّل: لروايته ذلك كرواية الجماعة: سفيان، وشريك، وأبو عوانة، وأبو
[ ١ / ٣٥٣ ]
الأشهب، وغيرهم، نص على ذلك أبو الحسن البغدادي.
الثاني: متابعة أبي عوانة له. نص على ذلك مطلقًا من غير تقييد أبو داود في رواية ابن العبد، والترمذي في جامعه، وأبو حاتم كما أسلفناه، والدارقطني، وعن الإِمام أحمد أنه رجع عن ذلك لما قيل له: إن شعبة وهم، وقَال: ما يدريني أنا سمعته، وهو يخالفني في اسمه، فقلت: لعله أعلم مني، فاتبعته، وتبسم أبو عبد الله عند هذا. وقال: خالد بن علقمة كوفي ثقة. وحكى الدارقطني عنه أنه قال فيه أيضا: خالد بن عرفطة، وهو غير شيء أيضا؛ لأن خالد بن عرفطة روى عن أبي سفيان، عن جابر روى عنه واصل مولى أبي عيينة، ذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وفي مسند الدارمي متابع له، وهو حسن بن عقبة المرادي المذكور في الثقات للبستي.
١٣٨ - حدّثنا علي بن محمد، ثنا أبو الحسين العكلي، عن خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد الأنصاري، قال: أتانا رسول الله - ﷺ - فسألنا وضوءًا، فأتيته بماء فمضمض واستنشق من كف واحد.
هذا حديث أصله في الصحيحين، وقال فيه أبو عيسى: حسن غريب، وقد روى مالك وابن عيينة وغير واحد هذا الحديث عن عمرو، ولم يذكروا هذا الحرف (من كف واحد)، وإنما ذكره خالد بن عبد الله، وهو ثقة حافظ عند أهل
[ ١ / ٣٥٤ ]
الحديث. انتهى كلامه.
وفيه نظر في موضعين:
الأول: قوله: عن مالك وغيره، لم يذكروا من كف واحد، إن أراد اللفظ فكذلك هو، وإن أراد المعنى فليس كذلك؛ لأن لفظ حديث مالك وغيره: فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة، وفي لفظ: ثلاث مرات من ثلاث غرف وفي رواية: من ثلاث حفنات، وفي رواية: فمضمض واستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات من ماء، فهذا كما ترى مالك وغيره ذكروا معنى ما ذكره خالد، والله أعلم.
الثاني: تحسينه الحديث مع شهادته للمنفرد به بالحفظ، والحافظ إذا تفرد بحديث عنده كان صحيحًا، لا سيما إذا عضده متابع وشاهد كهذا، مع قطع النظر عمن صححه قبل.
وذكر أبو عبيد في كتاب الطهور: وجدنا الآثار عن النبي - ﷺ - مثبتة، فبعضها معناه أنهما كانا بغرفة واحدة، وفي بعضها: جدد لكل واحد منهما غرفة، ففي هذا شاهد أنّ الأمرين جميعًا واسعان، وأنهما من سنته، وقد عملت العلماء بالرخصة فيهما.
[ ١ / ٣٥٥ ]