١٩٤ - حدّثنا محمد بن رمح، ثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن أبي هند، أن أبا مرة مولى عقيل حدثه أنّ أمّ هانئ بنت أبي طالب حدّثته: أنه لما كان عام الفتح قام رسول الله -ﷺ- إلى غسله فسترت عليه فاطمة ثم أخذ ثوبه فالتحف به.
هذا حديث اتفقا على تخريجه وذكر أبو عمر بن عبد البر من حديث سعيد بن أبي سعيد، عن أبي مرّة عنها قالت: أتاني يوم حموان فأجرتهما فجاء علي يريد قتلهما فأتيت النبي -ﷺ- وهو في قبة بالأبطح بأعلى مكة، فذكرت غسله، ثم قالت: قلت: يا رسول الله إني أجرت حموين لي وإن ابن أمي عليًا أراد قتلهما، فقال - ﵇ -: ليس له ذلك قد أجرنا من أجرت.
قال أبو عمر: الذي أجارته هو ولد هبيرة بن أبي وهب المخزومي واحدا كان أو اثنين، لأن في حديث أبي النضر ما يدلُّ على أنه كان واحدا. وفي حديث المقبري: اثنان، وهبيرة زوجها وولده حمو لها.
وقيل: إنّ الذي أجارته الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة المخزوميان.
وأمّا قول من قال: إنه جعدة بن هبيرة - فما أدري ما هذا؛ لأنّ جَعْدة ابنها لا حموها، ولم يذكر أهل النسب ابنا لهبيرة يسمّى جَعْدَة من غير أم هانئ، والله أعلم.
١٩٥ - حدّثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن محمد بن شرحبيل، عن قيس بن سَعْد قال: أتانا النبي -ﷺ- فوضعنا له ماءً فاغتسل ثم أتيناه بملحفة ورسية فاشتمل بها، فكأني أنظر إلى أثر الورس عليه.
هذا حديث إسناده ضعيف بابن أبي ليلى المتقدّم ذكره.
ورواه أبو محمد بن حزم
[ ١ / ٥٠٠ ]
في كتابه مصححا له من طريق عند أبي داود مختصرا.
وفي تصحيحه له نظر، وذلك أنّ أبا داود رواه في سننه عن هشام وابن مثنى قالا: ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، سمعت يحيى بن أبي كثير، حدّثني محمد بن عبد الرحمن، عن قيس قال: زارنا رسول الله -ﷺ- في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله، قال قيس: فرد سعد ردًّا خفيًا، قال قيس: فقلت: ألا تأذن لرسول الله -ﷺ-؟ قال: ذره يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله -ﷺ-: السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد ردا خفيا، ثم قال رسول الله -ﷺ-: السلام عليكم ورحمة الله، ثم رجع رسول الله -ﷺ- واتبعه سعد، فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك ردًا خفيًا لتكثر علينا من السلام، قال: فانصرف معه رسول الله -ﷺ- وأمر له سَعْد بغسل فاغتسل، ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله -ﷺ- يديه، وهو يقول: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عُبادة، قال: ثم أصاب النبي -ﷺ- من الطعام، فلما أراد الانصراف قرب له سعد حمارًا قد وطئ عليه بقطيفة، فركب رسول الله -ﷺ- فقال سعد: يا قيس اصحب رسول الله -ﷺ- فقال قيس: فقال رسول الله -ﷺ-: اركب، فأبيت، فقال: إما أن تركب وإما أن تنصرف، قال: فانصرفت.
قال أبو داود: رواه عمر بن عبد الواحد وابن سماعة، عن الأوزاعي مرسلا، لم يذكرا قيسا، فهذا كما ترى سقط من هذه الطريق محمد بن شرحبيل الذي لم يتصل والله أعلم.
ورواه النسائي من طريق ابن أبي ليلى، فقال عمرو بن شرحبيل، عن قيس بنحوه. وعن محمد بن حاتم، عن حبان، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أن النبي - ﵇ - مرسل. زاد البزار فقال: اللهم صلِ على
[ ١ / ٥٠١ ]
الأنصار وعلى ذرية الأنصار وعلى ذرية ذرية الأنصار، ثم أوكف سعد حمارًا له عليه قطيفة فقال لابنه: اذهب فرد الحمار فقال رسول الله -ﷺ-: اركب على صدر حمارك فإنك ربه، قال: هو لك يا رسول الله.
وذكر هنا حديث ميمونة في اغتساله من الجنابة، وسيأتي ذكره، وفي معناه حديث وائل بن حجر من حديث إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل، عن سعيد بن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن جدّه عنه مرفوعا. فذكر الوضوء، وفيه: ولم أره تنشف.
وحديث عبد الله بن جعفر: ذهب - ﵇ - إلى الحائط فقضى حاجته ثم توضأ فأقبل والماء يقطر من لحيته على صدره.
ذكرهما أبو علي الحسن بن علي بن شبيب العمري في كتاب ما ينبغي للرجل أن يستعمله في يومه وليلته.
١٩٦ - حدّثنا العباس بن الوليد وأحمد بن الأزهر قالا: حدّثنا مروان بن محمد، ثنا يزيد بن السمط، ثنا الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن سلمان الفارسي: أن رسول الله -ﷺ- توضأ فقلب جُبة صوف كانت عليه فمسح بها وجهه.
هذا حديث قال عنه أبو القاسم في الأوسط: لم يروه عن الوضين إلا ابن السمَطَ، تفرّد به مروان الطاطري.
يعني: الوضين بن عطاء بن كنانة بن عبد الله بن مصدع الخزاعي، أبا كنانة الدمشقي، وإن كان قد قال فيه أحمد بن حنبل: هو ثقة، وفي موضع: ما كان به بأس، كان يرى القدر، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وكذلك قاله دُحَيم،
[ ١ / ٥٠٢ ]
وقال أبو داود: صالح الحديث، قيل له: هو ثقة؟ قال: نعم ثقة. وتكلّم فيه السعدي بقوله: واهي الحديث.
وقال الحربي: غيره أوثق منه.
وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث، ولما ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء قال: نا أحمد بن يحيى، ثنا الهيثم بن خارجة، ثنا الوليد بن مسلم قال: رأيت الوضين وكان صاحب خُطب، ولم يكن في حديثه بذاك، وذكره الساجي في كتاب الضعفاء، وزعم أنّ عنده حديثًا منكرًا، وهو: وكاءَ السه العينان، ورد ابن عدي هذا الحديث به.
وقال ابن عدي: القول فيه قول دحيم؛ لأنه أعرف به، وضعفه أبو الحسن بن القطان، وما أرى بحديثه بأسا، وكذلك البلخي، ولما ذكر الترَمذي حديث عائشة، عن سفيان بن وكيع، ثنا عبد الله بن وهب، عن زيد بن حباب، عن أبي معاذ، عن الزهري، عن عروة عنها، قالت: كان للنبي - ﵇ - خرقة يتنشف بها بعد الوضوء.
قال: وفي الباب عن معاذ، نا قتيبة، ثنا رشدين، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عتبة بن حميد، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ، قال: رأيت رسول الله -ﷺ- إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب وإسناده ضعيف، ورشدين وابن أنعم يضعفان في الحديث.
وقال ابن القاسم في الأوسط: لا يروى هذا الحديث عن معاذ إلا بهذا الإِسناد تفرّد به رشدين، قال أبو عيسى: وحديث عائشة ليس بالقائم، ولا يصح عن النبي -ﷺ- في هذا الباب شيء، وأبو معاذ يقولون: هو سليمان بن أرقم وهو ضعيف عند أهل الحديث. انتهى كلامه.
وفيه نظر من وجوه:
[ ١ / ٥٠٣ ]
الأول: أبو معاذ يقولون فيه: هو ابن أرقم، يعني تخرّصًا لا يقينًا، وقد أبى ذلك الإِمام أحمد بن حنبل حين سأله مهنأ عنه، فقال: هو حديث منكر منكر، وأبو معاذ ياسين بن معاذ وهو ضعيف وهو أقوى من سليمان بن أرقم.
وأما عبد الله الحاكم فإنه لما ذكر ٥ في مستدركه، قال: أبو معاذ هو الفضل بن ميسرة، روى عنه يحيى بن سعيد وأثنى عليه، وهذا حديث صحيح، وقد روي عن أنس وغيره ولم يخرجاه، فليس قوله بأولى من قوليهما.
الثاني: قوله: ولا يصحّ عن النبي -ﷺ- في هذا الباب شيء - مردود بحديث أم هانئ، لو لم يكن في الباب غيره، على رأي من لم يفرق بين التنشُّف من الغسل والوضوء.
الثالث: اقتصاره على ذكر حديث معاذ وأغفل ما أسلفناه، وكذا حديث أبي بكر ﵁: أن النبي -ﷺ- كانت له خرقة يتنشف بها بعد الوضوء.
قال البيهقي: إسناده غير قوي، قال: وإنما رواه أبو عمرو بن العلاء، عن إياس بن جعفر أن رجلا حدّثه: أن النبي -ﷺ- كانت له خرقة أو منديل يتنشف بها بعد الوضوء وهو المحفوظ.
وقال الدارقطني في كتاب الأفراد والغرائب: هكذا رواه الصولي، عن أبي العيناء، عن سعيد بن أوس عنَ أبي عمرو بن العلاء، عن أنس بن مالك عنه.
ورواه عون بن عمارة، عن أبي عمرو، عن إياس بن صبيح، عن رجل: أن النبي -ﷺ- كانت له خرقة أو منديل.
وقال غيره: عن أبي عمرو، عن إياس بن جعفر، عن رجل، عن النبي -ﷺ-.
[ ١ / ٥٠٤ ]
وحديث أنس بن مالك قال البيهقي: أنا أبو الحسين بن بشرانّ، أنا ابن السماك، أنا حنبل بن إسحاق، ثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو قال: سألت عبد الوارث عن حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: أن النبي -ﷺ- كان له خرقة أو منديل فإذا توضأ مسح وجهه، فقال: كان في قطينة، فأخذه ابن علية فلست أرويه، قال الشّيخ: وهذا لو رواه عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس لكان إسناده صحيحا إلَّا أنه امتنع من روايته، ويحتمل أنه كان عنده بالإسناد الأوّل، يعني إسناد حديث أبي العلاء بن العلاء المتقدّم.
ولما سئَل أبو حاتم عنه قال: رأيته في بعض الروايات، عن عبد العزيز: أنه كان لأنس خرقة. وموقوف أشبه، ولا يحتمل أن يكون مسندا.
وحديث منيب الأزدي، أنا به المسند المعمر أبو بكر بن علي الحميري بقراءتي عليه، أخبركم المشائخ أبو المفاخر المخزومي وابن الشمعة وغيرهما، أنا عبد العزيز بن أبي الفتح بن عمر، أنا أبو زرعة، أنا والدي الحافظ محمد بن طاهر المقدسي، أنا الحسن بن أحمد السمرقندي، أنا أبو العباس جعفر بن محمد الخطيب، أنا الخليل بن أحمد، أنا بن ديزل، ثنا يحيى بن يونس، حدثني أبو الحسن سنبل الشامي، ثنا سليمان بن عبد الرحمن التيمي، ثنا عتبة بن حماد الحكمي، ثنا مُنِيبْ بن مدرك الأزدي، عن أبيه، عن جده قال: رأيت رسول الله -ﷺ- في الجاهلية وهو يدعو الناس إلى التوحيد والإِيمان وهم يردون عليه ويسفون التراب على وجهه حتى تعالى النهار، فأقبلت جارية تحمل قدحا ومنديلًا فأخذ النبي -ﷺ- القدح فغسل وجهه، يعني توضأ، ومسح بالمنديل وجهه ثم قال: يا بنية .. فذكر حديثًا طويلا. قال ابن طاهر: رواه أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، عن سليمان التيمي مختصرًا، وعلونا
[ ١ / ٥٠٥ ]
فيه إليه.
وحديث أبي مريم إياس بن جعفر بن الصلت، عن فلان، رجل من الصحابة: أن رسول الله -ﷺ- كان له منديل أو خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ رواه النسائي في كتاب الكنى، عن إبراهيم بن يعقوب، ثنا سهل بن حماد، ثنا أبو عمرو بن العلاء، أخبرني أبو مريم .. فذكره.
وروى مَسعَر، عن سويد مولى عمرو بن حُريث: أن عليًا اغتسل فأتي بثوب فدخل فيه، يعني تنشف به، وهذه رواية وكيع، عن مسعر.
ورواه أبو نعيم، عن سُوَيد مولى عمرو بن حُريث، عن عمرو بن حُريث: أنه أتى عليًا وقد اغتسل فأخذ ثوبًا فلبسه، أو قال: دخل فيه ذكرهما أبو بكر الإِسماعيلي في جَمعه حديث مُسعَر.
وقد اختلف الناس في التمندل: فأمّا ابن المنذر فذكر أنه أخذ المنديل بعد الوضوء: عثمان والحسن بن علي وأنس بن مالك وبشير بن أبي مسعود، ورخّص فيه الحسن وابن سيرين وعلقمة والأسود ومسروق والضحاك، وكان مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي لا يرون به بأسا.
وروينا عن جابر أنه قال: إذا توضّأت فلا تتمندل. وكره ذلك عبد الرحمن بن أبي ليلى وابن المسيب والنخعي ومجاهد وأبو العالية، وعن ابن عباس كراهيته في الوضوء دون الغسل من الجنابة.
ورخص فيهما آخرون، قال أبو بكر: ذلك كلّه مباح.
قال أبو عيسى: إنما كرهه من كرهه من قبل أنه قيل إن الوضوء يوزن.
روي ذلك عن ابن المسيب والزهري، ثنا محمد بن حميد، ثنا جرير، حدّثنيه علي بن مجاهد وهو عندي ثقة، عن ثعلبة، عن الزهري قال: إنما كره المنديل بعد الوضوء؛ لأن الوضوء يوزن.
وفي تاريخ الموصل: ثنا العلاء بن أيوب، ثنا سليمان بن محمد
[ ١ / ٥٠٦ ]
ابن حيان، ثنا يحيى بن عنبسة، عن حميد، عن أنس قال ﵊: لا يتوضأ أحدكم موضع استنجائه فإن الوضوء يوضع مع الحسنات.
وذهب أبو محمد إلى أنه يكره للمغتسل أن يتنشف في ثوب غير ثوبه الذي يلبس، فإن فعل فلا حرج، ولا يكره ذلك في الوضوء.
وأما المنديل فنونه وياؤه زائدتان، وميمه مكسورة، قاله الجوهري، تقول منه: مندلت بالمنديل وتمندلت، وأنكرها الكسائي.
وتمدل بالمنديل لغة في تندل، وفي الجامع: والندل: المسح بالمنديل من غير استعمال، ولا يقال: مدلت؛ لأن المنديل مفعيل من ندلت يده ندلا؛ إذا غمرت، فقيل: منديل؛ لأنه يمسح به ذلك، ويقال: مندل في معنى منديل، وحكى ابن جني فتح الميم، قال: واشتقاقه من الندل وهو الجذب.
وأبو مرة اسمه زيد لزم عقيلًا فنسب إليه وإنما هو مولى أم هانئ، وأم هانئ اسمها فاختة، وصححه الكلاباذي، وقيل: هند، وقال بعضهم: جمانة، قال ابن الحذاء: وهو خطأ، إنما جمانة أمها، وهي شقيقة علي، وفي ذلك نظر؛ لأنّ أم علي لا خلاف في أن اسمها فاطمة إلَّا أن يكون جمانة لقبها، والله أعلم.
[ ١ / ٥٠٧ ]