٥٣ - حدثنا محمد بن رمح المصري، أنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي يقول: أنا أول من سمع النبي - ﷺ - يقول: لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة، وأنا أول من حدث الناس بذلك.
هذا حديث ألزم الدارقطني الشيخين إخراجه، وخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي خليفة، نا أبو الوليد، ثنا غوث بن سليمان بن زياد المصري، ثنا أبي، قال: دخلنا على عبد الله بن الحارث بن جزء في يوم جمعة، فدعا بطست، وقال للجارية: استريني، فسترته، فبال فيه ثم قال: سمعت النبي - ﷺ - ينهى أن يبول أحدكم مستقبل القبلة.
وأشار الطبراني في الأوسط إلى أنه لم يروه عن غوث إلا أبو الوليد، وفي مسند ابن وهب: أخبرني الليث وعمرو بن الحارث وابن لهيعة، عن يزيد، قال لي الليث: وحدثنيه سهل بن ثعلبة عنه، قال ابن لهيعة: وحدثنيه سليمان بن زياد الحضرمي عنه. انتهى.
وحديثه عن سليمان ذكره أبو جعفر أحمد بن منيع المروزي في مسنده، عن الحسن بن موسى عنه مختصرا، ولما ذكره ابن يونس في تاريخه من جهة ابن السرح، ثنا محمد بن حميد أبو قرّة الرعيني، ثنا عثمان بن صالح، ثنا ابن لهيعة، عن يزيد، عن جبلة بن نافع الفهمي من بني شبابة، سمعت عبد الله بن الحارث … فذكره. قال: وهو حديث معلول. انتهى.
وفيه نظر؛ وذلك أنه إن أراد سنده الذي ساقه، فهو بلا شك معلول بابن لهيعة، وإن أراد علّة أخرى فكان ينبغي له بيانها مع خلو حديث الباب من علّة ظاهرة.
وإن أراد كون الليث اختلف عليه فيه بأن رواه عن قول الكجي، ثنا أبو الوليد، ثنا
[ ١ / ١٧٤ ]
ليث، ثنا يزيد وسهل بن ثعلبة، وتارة أفرده، فرواه عن سهل، عن عبد الله كما أسلفناه؛ فليس بعلّة أيضا لمتابعة عمرو بن الحارث له على تصريح يزيد بسماعه، وناهيك به جلالة ونبلا.
وذكره أبو القاسم في الكبير وفي الأوسط زاد الحسن بن ثوبان، وقال: لم يروه عن الحسن إلَّا رشدين بن سعد.
وأيضا فذكر الكجي في مسنده، ثنا أبو الوليد، ثنا ليث، ثنا يزيد وابن ثعلبة جميعا، فيشبه أن يكون تصحف على الناسخ، والنسخة التي نقلت منها في غاية الجودة، فالله أعلم.
فليس ما أورده قادحا في إسناد حديث الباب؛ إذ فيه دخول جبلة بين يزيد وعبد الله؛ لتصريح يزيد فيه بالسماع من عبد الله، ويكون على هذا سمعه منه وعنه؛ فأولا سمعه من جبلة فحدّث به، ثم إنّه رأى عبد الله فسأله عما سمعه عنه فحدّثه به؛ فحصل له نزول ثم علّو، وهذا شأن جماعة من العلماء.
٥٤ - حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، أنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد أنّه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: نهى رسول الله - ﷺ - أن يستقبل الذي يذهب الغائط القبلة، وقال: شرقوا أو غربوا.
هذا حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم بزيادة: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل الكعبة، قلنا: ننحرف عنها ونستغفر الله ﷿.
وفي مسلم: ببول أو غائط.
وفي النسائي من حديث مالك، عن إسحاق، عن رافع بن إسحاق، سمع أبا أيوب وهو بمصر يقول: والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكرابيس؟ وقد قال - ﵇ - الحديث.
ولعل قائلا يقول: سفيان والزهري يدلسان، ولم يصرحا هنا بالسماع، فلعلّ ذاك يكون علّة، فيقال له: ليس كما توهمت؛ لأن كلا من
[ ١ / ١٧٥ ]
المذكورين صرح بسماعه ممن فوقه، ففي البخاري ومسند الحميدي تصريح الزهري بسماعه إياه من عطاء، وكذا عطاء من أبي أيوب.
وفي مسلم: عن يحيى، قلت لابن عيينة: سمعت الزهري يذكر عن عطاء الحديث، فقال: نعم.
وقال الترمذي: حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح، وفي بعض النسخ: وأصح صحيح.
وقد رواه عن أبي أيوب غير عطاء جماعة، منهم: عمر بن ثابت، ونافع بن إسحاق، وأبو الأحوص، وعبد الرحمن بن يزيد بن جارية، وعن الزهري جماعة، منهم: ابن أبي ذئب، ومعمر، ويونس، وابن أخي الزهري، والنعمان بن راشد، وسليمان بن كثير، وعبد الرحمن بن إسحاق، وأبو سعيد الجزري، ومحمد بن أبي حفصة، ويزيد بن أبي حبيب، وعقيل، واختلف عنه، فرواه سلامة ورشدين عنه، عن الزهري، عن أبيّ بن كعب، ووهم، والصواب أبي أيوب، وإبراهيم بن سعد، رواه عن الزهري، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية، عن أبي أيوب. وقيل: عن إبراهيم، عن الزهري، عن رجل، عن أبي أيوب، ورواه أيوب السختياني، عن الزهري، عن رجلين لم يسمهما، عن أبي أيوب، وأرسله نافع بن عمر الجمحي، عن الزهري، عن النبي - ﵇ -.
قال الشيخ أبو الحسن: والقول قول ابن عيينة ومن تابعه، قال الحميدي في مسنده: إن نافعا الجمحي لا يسنده. فقال: لكن أحفظه وأسنده كما قلت لك، ثم قال: إن المكيين إنما أخذوا كتابا جاء به حميد الأعرج من الشام قد كتب عن الزهري، فوقع الكتاب من خرجه، فكان المكيون يعرضون ذلك الكتاب على ابن شهاب؛ فأما نحن فإنما كنا نسمع من فيه.
[ ١ / ١٧٦ ]
٥٥ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، حدثني عمرو بن يحيى المازني، عن أبي زيد مولى الثّعلبيين، عن معقل بن أبي معقل الأسدي وقد صحب النبي - ﷺ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط.
، ويضم إلى جهالته انقطاع حديثه فيما ذكره العسكري من أن معقلا مات في أيام النبي - ﷺ - فإذا كان كذلك فيكون حديثه منقطعا؛ لأنه ليس صحابيا، ولا ذكره منهم أحد؛ فتعيّن انقطاع حديثه، هذا وعلى قول ابن سرور يكون متصلا؛ لأنه قال: إنه توفي في عهد معاوية، والقلبُ إلى قوله أميل؛ لأن الطبراني ذكر عن عمرو بن يحيى أن معقلا حدّثه مصرّحا بذلك، فترجح ما قاله من وفاته زمن معاوية، والله أعلم. وقاله مسلم في كتاب الوحدان من تأليفه.
وفيه نظر من حيث إن يحيى بن عمرو حدّث عنه فيما ذكره الطبراني في الكبير، ولم أر أحدا فيما أعلم تعرّض لمعرفة حاله، وسمّاه أبو داود الوليد. وذكره أبو عمر في كتاب الاستغناء في القسم الذين يعرف أسماءهم، ولم يسمه، ويشبه أن يكون ذلك وهما من فعله، وليس بكاف سكوت أبي داود عنه.
وقوله: أبو زيد مولى بني ثعلبة، وكذلك سكوت المنذري عنه.
وأما قول ابن قانع عن معقل بن أبي الهيثم الأسدي، كذا وقع، وإنما هو معقل بن أبي معقل؛ فليس بشيء؛ لأنه معقل بن الهيثم، وابن أبي معقل، وابن أبي الهيثم، وابن أم معقل، وكلّه واحد.
كذا ذكره ابن عبد البر وابن
[ ١ / ١٧٧ ]
بنت منيع وغيرهما، وعند ابن سعد علّة ثالثة؛ وهي أنّ الحديث من رواية معقل، عن أبي الهيثم، لا عن معقل.
بيان ذلك قوله: ثنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، ثنا مسلم بن خالد، حدثني عبد الرحيم بن عمرو، عن عمرو بن يحيى، عن أبي زيد، عن معقل، عن أبي الهيثم الأسدي، حليف لهم قد صحب النبي - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - نهى أن نستقبل القبلة ببول أو غائط.
قال مسلم: ثم لقيت عمرو بن يحيى، فحدثني بهذا الحديث عن معقل، عن أبي الهيثم. فهذا كما ترى معضل هنا، وإن كانت له صحبة ولأبيه، فهو بمنزلة تابعي، والله أعلم.
٥٦ - حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، نا مروان بن محمد، نا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: حدّثني أبو سعيد الخدري: أنه شهد على رسول الله - ﷺ - أنه نهى أن تستقبل القبلة بغائط أو بول.
٥٧ - حدثنا أبو سعد عمير بن مرداس الدونقي، ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم أبو يحيى المقرئ، ثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر سمع أبا سعيد يقول: إن رسول الله - ﷺ - نهى أن أشرب قائما، أو أبول مستقبل القبلة.
كذا هو في عدة نسخ، وفي بعض النسخ: هذه زيادة من القطان، ويشبه أن يكون صحيحا؛ لأني لم أر هذا الحديث مذكورا في شيء من كتب الأطراف، ولا رأيت عميرا مذكورا في شرح ابن ماجه، وكذلك المقرئ، والله أعلم.
هذا حديث إسناده ضعيف بابن لهيعة؛ فإنه ممن تكلّم فيه جماعة من العلماء فيهم كثرة، ومع ذلك فقد قال فيه الثوري: عنده الأصول وعندنا الفروع.
وقال ابن مهدي: وددت أنّي سمعت منه خمسمائة حديث، وأنّي غرمت مالي، وحدثت ابن وهب بحديث، فقال: من حدثك هذا؟ فقال: حدّثني به والله الصادق البار عبد الله
[ ١ / ١٧٨ ]
ابن لهيعة.
وروى البخاري في صحيحه حديثا، قال فيه عن ابن فلان، ولم يُسَمِّه، فذكر أبو نعيم الحافظ والإِسماعيلي وصاحب الأطراف أنّه ابن لهيعة.
وفي الروض الأنف لأبي زيد - رحمه الله تعالى -: كان مالك يحسن القول فيه، ويقول إن الذي رَوى عنه حديث العربان في الموطأ عن الثقة عنده، عن عمرو بن شعيب ابن لهيعة، ويقال: بل الثقة ابن وهب حدّثه به عن ابن لهيعة.
وذكر الآجري، عن أبي داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من كان بمثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟! وحدّث عنه أحمد بحديث كثير.
وإنّما ذكرت هذا لأنّ البيهقي قال في كتاب السنن الكبير: أهل الحديث أجمعوا على ضعفه، وأي إجماع مع مخالفة هؤلاء؟! فتأمّله، والله أعلم.
وفي حديث الدونقي بضم الدال وبعد الساكنة نون بعدها قاف، نسبة إلى دونق، قرية من نهاوند - شيء ليس في الحديث الأول، على تقدير أن يكون من الأصل، أو كان من غيره، فلا ضير، والله أعلم.
وذلك أن عمرو بن علي، قال عن ابن لهيعة: احترقت كتبه؛ فمن كتب عنه قبل ذلك مثل ابن المبارك والمقرئ أصح ممن كتب عنه بعد الاحتراق. وبنحوه قاله ابن سعد، وهذه ليست من حديث المقرئ، والله أعلم.
وخرجه الترمذي في العلل الكبير من حديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة: أنه رأى النبي - ﷺ - يبول مستقبل القبلة. وقال: حديث جابر عن أبي قتادة غير محفوظ، وفيه ردّ لما قاله أبو عيسى إثر حديث أبي أيوب: وفي الباب عن عبد الله بن الحارث، ومعقل، وأبي أمامة، وأبي هريرة، وسهل بن حنيف. وكذا حديث أبي سعيد المتقدّم، وحديث عبد الله بن مسعود المذكور عند ابن
[ ١ / ١٧٩ ]
عدي، وحديث ابن عباس المذكور عند الدارقطني، وضعفه، وقد تقدّم قريبا.
وحديث سراقة بن مالك بن جعشم، سأل ابن أبي حاتم عنه أباه فضعفه، ولفظه: إذا أتى أحدكم البراز فليكرمن قبلته لدينه.
وحديث عمرو بن العجلان عند ابن عدي: أن النبي - ﷺ - نهى أن نستقبل شيئا من القبلتين للغائط والبول.
ولفظ البرقي في تاريخه: نهى أن نستقبل القبلة بغائط أو بول وضعفه بعبد الله بن نافع.
وحديث رجل من الأنصار ذكره ابن وهب في مسنده، فقال: أخبرني مالك وابن سمعان، عن نافع، عن رجل من الأنصار، عن أبيه: نهى رسول الله - ﷺ - .. الحديث.
وفي السنن لأبي قرّة، ذكره مالك، عن نافع أنَّ رجلا من الأنصار أخبره.
وحديث أنس بن مالك: نهى رسول الله - ﷺ - أن يبول الرجل مستقبل القبلة. رواه أبو زكريا الموصلي في تاريخه، عن سليمان بن عرَّام الحناط، ثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، ثنا ضمرة بن ربيعة، عن عباد بن كثير الثقفي، عن الأعرج عنه.
وأمّا حديث أبي هريرة فذكره أبو القاسم في الأوسط. وقال: لم يروه عن يحيى بن أبي كثير، يعني: عن أبي سلمة عنه إلَّا حسين المعلم، ولا عن حسين إلا إبراهيم، ولا عن إبراهيم إلَّا القاسم، تفرد به أحمد بن حرب.
وحديث زيد أبي العجلان: سمع النبي - ﷺ - ينهى أن يبال مستقبل القبلة.
ذكره المنذر بن حرب، عن ابن أبي فديك، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه أن عبد الله بن عمرو العجلاني، حدث فذكره.
[ ١ / ١٨٠ ]