١٤٥ - حدثنا محمود بن خالد الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم الدمشقي، عن ابن ثوبان، عن عَبدة بن أبي لبابة، عن شقيق بن سلمة قال: رأيت عثمان وعليًّا يتوضآن ثلاثا، ويقولان: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ.
هذا حديث إسناده صحيح، ومعناه في الصحيح من حديث عثمان أيضا، ولما ذكره أبو عيسى في علله من حديث فليح، عن سعيد بن الحارث عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن زيد: أن عثمان توضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: هكذا رأيت النبي - ﷺ - يتوضأ. قال: سألت محمدًا عن هذا الحديث، قال: هو حديث حسن. قال أبو عيسى: وهو غريب من هذا الوجه.
وذكر أبو جعفر ابن مُنيع في مسنده من طريق ابن لهيعة، ثنا أبو النضر عمن رأى عثمان دعا بوضوء، وعنده الزبير وسعد بن أبي وقاص، فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: أنشدكم الله أتعلمون أن النبي كان يتوضأ كما توضأت؟ قالوا: نعم. وفي كتاب أبي عبيد: وعنده علي، وطلحة، والزبير، وسعد … الحديث.
ولما ذكر حديث ابن ماجه هذا بعض الحفاظ المبرزين قال: رواه ابن ماجه عن محمود بن خالد، عن الوليد، عن ابن ثوبان، عن عبدة، عن شقيق، قال: ثم عن أبي حاتم، عن أبي نعيم، ثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، فذكر نحوه.
ويشبه أن يكون ذلك وهمًا؛ لأن القائل: ثنا أبو حاتم … إلى آخره إنما هو أبو الحسن ابن سلمة القطان الراوي، عن ابن ماجه؛ لينبئ أن الحديث عنده عال من غير طريق ابن ماجه، فعل ذلك في غير حديث، ورأيته مفصولًا في نسخة، ويؤيد ما قلناه إعراض أصحاب الأطراف عن ذكره، والله أعلم.
١٤٦ - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا
[ ١ / ٣٧١ ]
الأوزاعي، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن ابن عمر: أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا ورفع ذلك إلى النبي ﷺ.
هذا حديث ذكره ابن حبان في صحيحه، عن الحسن بن سفيان، ثنا حبان، عن عبد الله، أنا المطلب … فذكره، وصححه ابن حزم أيضًا باحتجاجه به، ومع ذلك فهو معلّل بأمرين:
الأول: الانقطاع، قال ابن عساكر في كتاب الأطراف: تابعهما بشر بن بكر، ورواه الوليد بن مزيد، فجعله عن ابن عباس، وذكر الخلال حديثه هذا في علله، وفي المسند زيادة: وأنّ ابن عباس كان يتوضأ مرّة مرّة، ويسند ذلك إلى النبي - ﷺ -.
١٤٧ - حدثنا أبو كريب، ثنا خالد بن حيان، عن سالم أبي المهاجر، عن ميمون بن مهران، عن عائشة وأبي هريرة: أن النبي - ﷺ - توضأ ثلاثا ثلاثا.
هذا حديث معلّل بأمرين:
الأول: انقطاع ما بين ميمون وشيخيه، أما عائشة فذكر الكناني، قلت له، يعني أبا
[ ١ / ٣٧٢ ]
حاتم الرازي: ميمون هل سمع من عائشة شيئًا؟ قال: لا.
وأما أبو هريرة فذكر ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل: ثنا زحمويه سمعت أبا طالب قال: قلت لأحمد بن حنبل: ميمون بن مهران سمع من حكيم بن حزام؟ قال: لا، من أين لقيه؟ لم يرو إلا عن ابن عباس وابن عمر، فهذا حكم من أحمد على عدم سماعه من صحابي غير هذين، ولم نر له مخالفا نرجع إلى قوله.
الثاني: الاختلاف في حال خالد بن حيان أبي يزيد الرقي الكندي مولاهم الخراز، فأمّا ابن عمَار، وابن معين، وابن سعد، فذكروا أنه ثقة.
وأمّا الإِمام أحمد بن حنبل فقال: لم يكن به بأس، كان يروي عن جعفر غرائب.
وقال عمرو بن علي: ضعيف الحديث.
وقال يعقوب: أنكرت عليه أحاديث تفرد بها، وسئل عنه علي بن ميمون، فقال: كان منكرًا، وكان صاحب حديث. قال أبو بكر الخطيب: قوله: منكر، يعني في الضبط والحفظ، وشدة التوقي والتحرز. انتهى كلامه.
وفيه نظر، إذ لقائل أن يقول: لو لم يكن فيه إلَّا قول من وثقه لكان ما ذكرته حسنًا، ولكن لما رُئِي مضعفًا راويًا للغرائب جوز حمله على نكارة الحديث لا غيرها، اصطلاحًا لا لغة.
وقد وقع لنا حديث أبي هريرة من طريق صحيحة في مسند البزار، رواها عن ابن المثنى، عن الحجاج بن منهال، عن همام، عن عامر الأحول، عن عطاء بن أبي رباح عنه: أنّ النبي - ﷺ - توضأ ثلاثًا ثلاثًا. وقال: هذا الحديث لا نعلمه روي عن أبي هريرة بأحسن من هذا الإِسناد، وصحح الطْبري إسناده في تهذيب الآثار، وحديث عائشة من طريق متصلة، ذكرها أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب الكنى، فقال: حدّثنا الحسين بن حريث، ثنا الفضل بن موسى، عن جُعيد بن عبد الرحمن، أخبرني
[ ١ / ٣٧٣ ]
عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذباب، أخبرني سالم سبلان قال: أرتني عائشة كيف كان النبي - ﷺ - يتوضأ، قالت: يتمضمض ثلاثا .. الحديث.
١٤٨ - حدّثنا سفيان بن وكيع، ثنا عيسى بن يونس، عن فائد أبي الورقاء بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه مرة.
هذا حديث إسناده ضعيف؛ لضعف سفيان بن وكيع المتقدّم الذكر، ونكارة حديث فائد، وإن كان ليس من نظير ما ذكره لمتابعة أبي يعفور عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس الثقة الثبت له، فكأنه ليس بموجود في هذا الحديث، فلم يبق إلَّا تعليله بسفيان، وإن كان ليس علّة له، فقد وقع لنا من طريق سالمة منه، أنا بها الشيخ الإِمام المسند المعمر أبو بكر بن علي الحميري، أنبأنا عبد الهادي، عن فاطمة قالت: أنبأتنا فاطمة، أنا ابن ريذة، أنا أبو القاسم، ثنا الحسن بن إسحاق، ثنا علي بن بحر، أخبرني عيسى بن يونس، عن فائد: سمعت ابن أبي أوفى يقول: رأيت النبي - ﷺ - توضأ ثلاثا ثلاثا، ومسح بيده مرّة، وبه إلى أبي القاسم، أنا عليّ بن عبد العزيز، ومحمد بن يحيى المروزي، قالا: أنا أبو عبيد القاسم بن سلام، ثنا مروان بن معاوية، عن أبي الورقاء، عن عبد الله بن أبي أوفى أنه توضأ ثلاثا ثلاثا، فخلّل لحيته، وقال: رأيت النبي - ﷺ - يفْعل هذا، فصح إسناده على هذا، والله تعالى أعلم.
ولما ذكر أبو القاسم ابن عساكر هذا الحديث، لم يذكره من رواية عبد الرحمن، عن ابن أبي أوفى، ولا ذكر لمن اسمه عبد الرحمن رواية عنه، واستظهرت على ذلك بعدة نسخ، إنما ذكره من حديث فائد فقط، وعزاه لابن ماجه، وتبعه على ذلك جماعة من المتأخرين، منهم: ابن سرور، والحافظ المزّي في كتابيه، وحديث ابن ماجه يرد قولهم.
وممن نبه على أنّ عبد الرحمن هذا هو أبو يعفور الصغير: أبو
[ ١ / ٣٧٤ ]
حاتم بن حبّان، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو أحمد العسكري في كتاب الصحابة من تأليفهما، وقبلهم الحميدي في مسنده.
١٤٩ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعري قال: كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ ثلاثًا ثلاثا.
هذا حديث إسناده جيّد، ولولا الاختلاف في حال رواته لقيل فيه: صحيحا، لما عضده من الشواهد والمتابعات، ولأنه لم يتكلم فيهما بقادح، يُرّد به حديثهما، وللعرفان بحال الواسطة وعينه، أما ليث فهو ابن أبي سليم أنس. كذا ذكره ابن الجوزي، ويشبه أن يكون وهم؛ لأن العقيلي فرق بين ليث بن أبي سليم زياد، وبين ليث بن أنس بن زنيم الليثي الراوي، عن ابن سيرين، يكنى أبا بكر، ويقال بكير، كوفي. وإن كان ابن سرور ذكر أنّ الشيخين رويا له، فيشبه أن يكون وهما؛ وذلك أن الكلاباذي، والحاكم، واللالكائي، والحبال، والباجي، لم يذكره أحد منهم في كتابه، اللهم إلَّا لو قال: إنّ محمدا استشهد به، وروى له في رفع اليدين، وقرنه مسلم بأبي إسحاق الشيباني لكان صوابًا، وكذلك قاله ابن معين، زاد أبو الحسن: سئل وكيع عن حديث من حديثه، فقال: ليث ليث، وقال: كان سفيان لا يسمي ليثا.
وقال البخاري: كان صدوقًا.
وقال ابن عدي: أحاديثه صالحة، وروى عنه شعبة، والثوري، وغيرهما من ثقات الناس، ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه، فقد قال أبو معمر: كان ابن عيينة لا يحمد حفظه، وفي رواية: ضعيف. وقال ابن
[ ١ / ٣٧٥ ]
مهدي: ليث، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، ليث أحسنهم عندي.
وقال جرير: كان ليث أكثرهم تخليطًا.
وقال عيسى بن يونس: كان قد اختلط، كان يصعد المنارة ارتفاع النهار فيؤذن.
وقال أحمد بن حنبل: هو مضطرب الحديث، ولكن حدث الناس عنه.
وفي علل الترمذي عنه: لا يفرح بحديثه.
وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا يشتغل به، مضطرب الحديث. زاد أبو حاتم: هو أحب إلي من يزيد بن أبي زياد.
وقال الفلاس: كان يحيى لا يحدّث عنه، وكان ابن مهدي يحدّث عنه.
وقال الدارقطني: صاحب سنة، وكذلك قاله ابن معين، زاد أبو الحسن: يخرج حديثه، إنّما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب.
وقال يحيى بن سعيد: لا يحمد حديثه. ذكره عنه الحاكم.
وقال ابن سعد: كان رجلا صالحا عابدا ضعيفا في الحديث، يقال: كان يسأل عطاء وطاوسا ومجاهدا عن الشيء، فيختلفون فيه، فيروي أنّهم اتفقوا من غير تعمّد لذلك.
وقال الساجي: صدوق فيه ضعف، كان سيئ الحفظ، كثير الغلط، وكان أبو داود لا يدخل حديثه في كتاب السنن الذي صنفه.
وفيما قاله نظر من حيث إنّ أبا داود إذا أطلق كان في العرف محمولا على السجستاني، فإن كان عناه فهو قد خرج حديثه في كتابه، وإن كان غيره فيلزمه بيانه.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ضعيف.
وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وروى عنه شعبة، والثوري وغيرهما من ثقات الناس، ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه.
وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: قال ابن معين: ليس بذاك، وفي كتاب الآجري: قال يحيى: ليس به بأس، وفي كتاب العقيلي عنه: هو أضعف من يزيد، ويزيد فوقه، وفي رواية: ضعيف، إلَّا أنه كان يُكتب حديثه.
وفي كتاب البلخي: قال صدقة بن الفضل المروزي: ليث أضعف العالمين.
وقال السعدي: يضعّف حديثه، ليس بثبت.
وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه القطان
[ ١ / ٣٧٦ ]
وابن مهدي، وأحمد، وابن معين. انتهى كلامه.
وفي إطلاقه ذلك نظر؛ لأنا أسلفنا عن الفلاس تحديث القطان عنه، وثناء أحمد عليه، وكذلك ابن معين.
والصواب في ذلك قول الساجي: كان يحيى القطان بأخرة لا يحدّث عنه، ففي هذا جمع بين قول أبي حاتم والفلاس، وأما ابن معين فلا وجه لما حكاه عنه.
وقال ابن المديني: مجاهد أحبّ إلي منه.
وقال العجلي: كوفي جائز الحديث.
وفي كتاب الآجري: قال أبو داود أحمد بن يونس سمعت فضيل بن عياض يقول: كان ليث أعلم أهل الكوفة بالمناسك، سمعت أبا داود يقول: سمعت يحيى يقول: عامة شيوخه لا يعرفون.
الثاني: شهر بن حوشب أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو الجعد الأشعري الحمصي، ويقال: الدمشقي، وإن كان مسلم قد خرج حديثه مقرونا، وحسّن الترمذي والبخاري حديثه، وروى له في كتاب الأدب.
وقال أحمد: ما أحسن حديثه، ووثّقه، وفي رواية: هو حسن الحديث، وقوى أمره، قال: وإنما يتكلم فيه ابن عون، يعني بقوله: تركوه، وفي رواية: لا بأس به، وفي رواية: ثبت.
وقال العجلي: ثقة. وكذلك قاله ابن معين.
وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم.
وقال موسى بن هارون: ضعيف، وبمثله قاله ابن سَعْد.
وقال يعقوب بن شيبة: سمعت ابن المديني، وقيل له: ترضى حديث شهر؟ فقال: أنا ما أحدّث عنه، قال: وكان ابن مهدي يحدث عنه، قال: وأنا لا أدع حديث الرجل إلا أن يجتمعا عليه يحيى وعبد الرحمن، يعني على تركه. قال يعقوب: وهو ثقة، على أنّ بعضهم قد طعن فيه.
وقال الفسوي في تاريخه: وإن قال ابن عون: تركوه، فهو ثقة، وفي هذا رّد لما ذكره أبو عبد الله في تاريخ نيسابور: وثقه ابن معين وأبو زرعة الرازي، وشذّ عنه سائر المشائخ، والله أعلم.
وقال أبو حاتم: هو أحبّ إلي من أبي هارون وبشر بن حرب، وليس بدون أبي الزبير، ولا يحتج به.
وقال أبو زرعة: لا
[ ١ / ٣٧٧ ]
بأس به.
وقال محمد بن عبد الله بن عمّار: روى عنه النّاس، وما أعلم أحدًا قال فيه غير شعبة، قيل: يكون حديثه حجة؟ قال: لا.
وقال صالح بن محمد: لم يوقف منه على كذب، وكان رجلًا يشك، إلَّا أنه روى أحاديث تفرّد بها لم يشركه فيها أحد، وقد تركه شعبة وطعن فيه، ولم يحدّث عنه ابن مهدي.
وقال النسائي وابن عدي: ليس بالقوي.
زاد ابن عدي: ولا يحتج بحديثه.
وقال ابن حبان: كان يروي عن الثقات المعضلات، عادل عبّاد بن منصور في الحج، فسرق عيبته، فهو القائل:
لقد باع شهر دِينَهُ بخريطةٍ … فمن يأمن القراء بعدك يا شهر
كذا ذكره، ويشبه أن يكون وهمًا؛ لأنّ المعروف أنّ الخريطة إنمّا كانت من بيت المال، حين وليه ليزيد بن المهُلب.
وقال الهذلي: كان على خزائن يزيد، فلما سأله عنها أتاه بها، فدعا يزيد الذي رفع عليه، فشتمه، وقال لشهر: هي لك، فقال: لا حاجة لي فيها، فقال القطامي الكلبي، ويقال: سنان بن مُكْمل النميري، البيت، وبعده:
أخذت له شيئًا طفيفًا وبعته … من ابن خز نبيداد هذا هو الغَدْرُ
وصحَّف بعض حفّاظ عصرنا هذا البيت، فقال من ابن جرير: إنّ هذا هو الغَدْرُ، ويقال: الشرقي المسمّى الوليد بن القطامي، وهو الحسين بن جمال النسابة. وقال مرة النخعي لشهر:
يا ابن المهلب ما أردت إلى امرئ … لولاك كان كصالح القراء
فتبيّن بما ذكرناه فساد قول من عَزا ذلك لعبّاد، أعني الشعر والخريطة، اللهم إلا لو ذكر خيانته له لكان صوابا من فعله؛ لأن شعبة شهد عليه أنّه رافق رجلا من أهل الشام فخانه. فيما ذكره الساجي.
ثم ذكر قصته في بيت المال بعد، فجعلهما مرّتين، وهو الأشبه، والله أعلم.
وفي كتاب الترمذي، عن النضر: شهر تركوه،
[ ١ / ٣٧٨ ]
ويشبه أن يكون وهما، وذلك أنّ الساجي والعقيلي والسعدي وغيرهم إنما ذكروا روايته عن ابن عون، لا عن نفسه. وقال البستي: ضعيف.
وفي تاريخ ابن أبي خيثمة، عن ابن معين، عن مسلم، عن رجل ذهب على يحيى اسمه، قال: كنت مع شهر في طريق مكة، فكنّا إذا نزلنا منزلا قال: هاتوا عوديا سووا طنبوريا، فإنا إنّما نأكل به خبزنا، يعني الحديث، وفي كتاب العقيلي نحوه، وعن قتادة قال: جاء شهر يستأذن على الأمير، قال: فخرج الآذن فقال: إن الأمير يقول: لا نأذن له فإنه سبائي قال: فقلت: إنّ خادم البيت يخبرك بما في أنفسهم، قال: ثمّ قال قتادة: لا غفر الله لمن لا يستغفر لهما، يعني عليا وعثمان ﵄.
وقال الساجي: فيه ضعف وليس بالحافظ.
وقال السعدي: أحاديثه لا تشبه أحاديث النّاس، عن عمرو بن خارجة: كنت آخذًا بزمام ناقة النبي - ﷺ -، وعن أسماء بنت يزيد قالت: كنت آخذة بزمام ناقته أيضًا، كأنه مولع بزمام ناقة النبي - ﵇ -، وحديثه دال عليه، فلا ينبغي أن يغتر به وبروايته، وقال موسى بن هارون: ضعيف، وذكره مسلم في مقدمته بالضعف، وكذلك الرازي، فتبين بمجموع ما ذكر أنّ لا قادح فيهما، وذلك أن ليثا غالب ما رمي به الجمع والاختلاط، أمّا الأول فهذا الحديث عار منه، وأمّا الثاني فقد رمي به جماعة من المجمع على عدالتهم، وهذا إنما كان اختلاطه في آخر عمره، وسفيان ممن أخذ عنه قديما.
وأما رميه بالاختلاط وسُوْء الحفظ فقد أسلفنا له متابعات وشواهد أمن ذلك معها منهما، وأمّا شهر فمعظم ما رمي به إّنما أتى على لسان شاعر مرمي بالكذب متغرّض، لا يدرى أمحقّ أم مبطل؟ ولئن كان محقا تؤول على أنّ له حقًا في بيت المال أخذ بعضه، وهذا لا قدح فيه.
وأمّا خيانته لعباد إن ثبت فيحتمل أن تكون مزحا أو ظفرا، أو لأنه يرى اختلاف الآراء يوجب إباحة الأموال، وذلك أن عبادًا رماه ابن حبان بالدعاء إلى القدر، فإن كان بهذه المثابة كان عند بعضهم كافرًا، وأما تسويته الطنبور فهو قول مردود بما ذكره
[ ١ / ٣٧٩ ]
عثمان بن نويرة عنه قال: دُعي شَهْر إلى وليمة وأنا معه، فدخلنا فأصبنا من الطعام، فلما سمع شهر المزمار وضع أصبعيه في أذنيه وخرج حتى لا يسمعه.
وعلى تقدير صحته فهو مذهب لأهل المدينة مشهور لا عيب فيه على من تعاطاه ممن يراه، وأمّا رميه بأنه سبائي فإنما جاء على لسان من لا يعرف اسمه ولا حاله ولا عينه، ومثل هذا لا يقبل خبره، فكيف تفرده بما لم يأت غيره من الأئمة؟! ولئن كان ما قاله صحيحًا فلا عيب فيه على من لا يدعو إليه.
وأما ترك شعبة له فإنّما هو بسبب خيانته لعباد كما تقدّم مبينًا، وأما قول ابن عون فيه: تركوه، فقد قيل فيه بالنون والزاي، بمعنى طعنوه، وهو الصحيح؛ لأنا أسلفنا كلام الأئمة، وليس فيهم أحد تركه ولا حرج بذلك، فبقي محمولًا على الطعن الذي بيّناه، الذي لم يسلم غالبًا منه أحد.
وأمّا قول السعدي فيحمل على بغضه للشيعة وتعصّبه عليهم لفرط نَصبه، والله أعلم.
وبنحو ما قلناه ذكره ابن القطان في كتاب الوهم والإِيهام فقال: لم أسمع لمضعفه حجة، وما ذكروه من تزييه بزي الجند وسماعه الغناء بالآلات، وقذفه بأخذ خريطة، فكذب عليه، إما لا يصح وإما خارج مخرج لا يضره، وشر ما قيل فيه: إنه يروي منكرات عن ثقات، وهذا إذا كثرت منه سقطت الرواية به، والله أعلم.
وأما قول ابن دحية في كتابه العلم المشهور: وأعظم جرحه أنه كان شرطيًا للحجاج، وليس كذلك، ولئن كان إنّما كان عاملًا لابن المهلب ولئن عمل للحجاج حمل على جبره له، كما جبر غيره.
وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق ليس فيها ليث، مشعرة بانقطاع ما بين شهر وأبي مالك بدخول واسطة بينهما، ولكنه غير ضار لثقته وعدالته، رواها ابن أبي شيبة في مسنده، عن محمد بن بشر، عن سعيد، عن قتادة، عن شهر، عن عبد الرحمن بن عمر أنَّ أبا مالك جمع قومه … فذكره مطولًا.
[ ١ / ٣٨٠ ]
١٥٠ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء: أن رسول الله - ﷺ - توضأ ثلاثا ثلاثًا.
هذا حديث مختلف في صحته وضعفه للاختلاف في حال ابن عقيل المذكور قبل. وقال الترمذي فيه: حسن.
وفي حديث الزبير وسعد وطلحة والمطلب وابن أبي أوفى وأبي مالك الأشعري المذكورين قبل - ردٌّ لما أغفله الترمذي حين تعداده الصحابة الذين رووا هذا المعنى.
وكذا حديث المقدام بن معديكرب وابن عباس المذكورين عند أبي داود، والله أعلم.
وحديث وائل بن حجر المذكور عند البزار، ﵀. وحديث عبد الله بن جعفر المذكور عند الطبراني في الأوسط. وقال: لم يروه عن إبراهيم إلا قتادة، تفرّد به الزبير.
وحديث أبي الدرداء ذكره إبراهيم بن محمد بن عبيد في مسنده، عن سهل بن إسماعيل النصيبي، ثنا سهل بن زنجلة الرازي، ثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، ثنا تمام بن نجيح، عن الحسن عنه: توضأ رسول الله - ﷺ - فغسل يده ثلاثا؛ وتمضمض ثلاثًا .. الحديث.
وحديث المغيرة بن شعبة عند الطبري في التهذيب، رواه عن أحمد بن محمد بن موسى الطوسي، ثنا يعقوب بن محمد، ثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، حدثني عباد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، وحديث علي من طريق أبي إسحاق، عن الحارث عنه، وحديث أبي أمامة من طريق سنان بن ربيعة، عن شهر
[ ١ / ٣٨١ ]
عنه، وروى البغوي من حديث أبي أمامة أيضًا، عن يزيد، ثنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن سميع عنه.
وحديث معاوية بن أبي سفيان قال: رأيت النبي - ﷺ - توضأ ثلاثًا ثلًاثا، وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، ثنا به المسند أبو محمد النصري - ﵀ -، أنا أحمد بن عبد الله القدوة، أنا يوسف بن عبد الله الدمشقي، أنا أبو طاهر الخشوعي، أنا أبو محمد بن الأكفاني، نا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد التميمي، أنا أبو القاسم تمام بن محمد بن عبد الله الرازي الحافظ، قال: حدّثني أبو الحسن علي بن الحسن بن علان، أنا أبو علي أحمد بن الحسن بن عبد الله المقرئ، ثنا عليّ بن محمد بن أبان المصري، حدّثني أبي، عن علي بن أبي جميلة، عن أبيه عن عبد الملك بن مروان، حدّثني أبو خالد حدثني أمير المؤمنين معاوية به. ولما خرجه أبو داود في كتاب التفرد، قال: تفرد به علي.
وحديث أنس بن مالك قال: رأيت النبي - ﵇ - يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، وخلّل لحيته مرتين أو ثلاثا، ثم قال: هكذا أمرني ربي، أنا به المسند العلامة أبو الفتح المقرئ - رحمه الله تعالى - أنا أبو الفضل الموصلي، أنا عمر بن طبرزد، أنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، أنا عمر بن إبراهيم الخفاف، أنا أبو الحسين محمد بن المظفر الحافظ البزار، ثنا أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن عبد الجبار الصوفي، نا عبد الرحمن بن صالح، ثنا أسد بن عمرو، عن موسى الجهني، عن يزيد الرقاشي عنه.
ولما ذكره في الأوسط من حديث الزبير بن محمد، ثنا قتادة بن الفضيل الرهاوي، ثنا إبراهيم بن أبي عبلة، عن أنس بن مالك، قال: لم يروه عن إبراهيم إلا قتادة، تفرد به الزبير.
وبنحوه قاله أبو الحسن في الأفراد.
وحديث زيد بن ثابت، أنا به المشائخ المسندون أبو عبد الله محمد بن
[ ١ / ٣٨٢ ]
إبراهيم بن ثابت، وأبو يوسف يعقوب بن عوض، وعبد الله بن إبراهيم بن إسماعيل الشطنوفي قراءة عليه وأنا أسمع، أنا المسند المعمر أبو حامد بن أبي محمد بن علي قراءة عليه ونحن نسمع، أنا أبو الحسن المبارك بن الحسين المقرئ قراءة عليه، أنا الحافظ أبو محمد الحسن بن محمد الخلال إملاءً، ثنا يوسف القواس، ثنا محمد بن إبراهيم بن نيروز الأنماطي، ثنا محمد بن عمر بن نافع، ثنا علي بن الحسين، ثنا مالك، عن ربيعة، عن ابن المسيب، عن زيد وأبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دعا بماء فتوضأ مرة مرة، فقال: هذا الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به، وتوضأ مرتين مرتين، وقال: هذا يضاعف الله به الأجر مرتين، وثلاثًا ثلاثا، وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي.
أنا الشيخ الزاهد ضياء الدين الزرزاري المقرئ - ﵀ - قراءة عليه وأنا أسمع، أنا الشيخ نجيب الدين قراءة عليه، عن اللبان والجمال، أنا أبو علي، أنا إبراهيم، أنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن أيوب، نا أحمد بن يحيى الحلواني، نا أحمد بن حنبل سنة ثمان وعشرين في المحرم، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا سعيد الجريري، عن أبي عائذ سيف السعدي، وأثنى عليه خيرًا، عن يزيد بن البراء بن عازب قال: وكان أميرًا بعمان، وكان خير الأمراء، قال: قال لي: اجتمعوا فلأريكم كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ، وكيف كان يصلي، فإني لا أدري ما قدر صحبتي إياكم، فجمع بنيه وأهله، فدعا بوضوء، فمضمض، واستنشق، وغ ل وجهه ثلاثًا، وغسل هذه اليد - يعني اليمنى - ثلاثًا، وغسل هذه ثلاثا - يعني اليسرى - ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل هذه الرجل ثلاثا - يعني اليمنى -، وغسل هذه الرجل ثلاثًا - يعني اليسرى -، ثم قال: هكذا ما ألوت أن أريكم كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ. ثم دخل بيته، فذكر صفة الصلاة.
وحديث معاذ بن جبل قال: كان
[ ١ / ٣٨٣ ]
رسول الله - ﷺ - يتوضأ واحدة واحدة، واثنتين اثنتين، وثلاثًا ثلاثًا، وغسل رجله غسلًا.
ذكره ابن شاهين، عن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم المارستاني، ثنا روح بن عبد الرحمن البوشنجي، ثنا الهيثم بن ربيع أبو المثنى العقيلي، ثنا الأصبع بن زيد، عن سليمان بن الحكم، عن محمد بن سعيد، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم عنه.
وحديث أبي أمامة: أن رسول الله - ﷺ - توضأ ثلاثا ثلًاثا، ومسح المأقين، ورواه قاسم في كتاب الدلائل، عن موسى بن هارون، ثنا يحيى بن إسحاق، نا حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر عنه، وحديث أبي رافع ذكره في الأوسط بلفظ: ومسح برأسه وأذنيه، وغسل رجليه ثلاثًا، وقال: لا يروى عن أبي رافع إلا بهذا الإِسناد، تفرد به الدراوردي، يعني: عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عنه.
[ ١ / ٣٨٤ ]