٢٠ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، قالا: حدثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت.
هذا حديث لما رواه أبو داود عن عثمان: ثنا وكيع قال: وكذا رواه زائدة وعبد الحميد الحماني عن الأعمش، ثنا إبراهيم بن مخلد الطالقاني، ثنا عبد الرحمن بن مغراء، ثنا الأعمش، ثنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة بهذا الحديث.
قال أبو داود: قال يحيى بن سعيد لرجل: احك عني أن هذين الحديثين - يعني: حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة - قال: احك عني أنهما شبه لا شيء. وروي عن الثوري قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني - يعني: لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء -، وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثا، زاد ابن العبد واللؤلئي: صحيحا، انتهى كلامه.
ولقائل أن يقول: قول الأعمش، ثنا أصحاب لنا: لا يقدح في الإسناد الأول؛ لأمرين:
الأول: عبد الرحمن بن مغراء لا يقاوم زائدة والحماني ووكيعا.
الثاني: يحتمل أن أصحابه رووه له كما رواه له حبيب، ويكون لحبيب في هذا شيخان إذا قلنا بصحة إسناد الثاني، وقول الثوري: لم يحدثنا حبيب عن ابن الزبير، لا يؤثر في صحة هذا الحديث؛ لأن الشيخ غالبا لا يروي لأصحابه عن جميع مشايخه،
[ ٢ / ٨٠ ]
وقد يخص قوما دون آخرين، وقال أبو عيسى: سمعت محمدا يضعف هذا الحديث، وقال حبيب بن أبي ثابت: لم يسمع من عروة، وقد روى عن التيمي عن عائشة أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ، وهذا لا يصح أيضا، ولا نعرف لإبراهيم سماعا من عائشة، وليس يصح في هذا الباب شيء، قال أبو عيسى: وسمعت أبا بكر العطار يذكر عن ابن المديني، قال: ضعف يحيى بن سعيد هذا الحديث جدا، قال أبو عيسى: وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي ﷺ في هذا؛ لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد، وذكر الدارقطني عن يحيى بن سعيد أنه قال: إنما كان الثوري أعلم الناس بهذا، وزعم أن حبيبا لم يسمع من عروة شيئا، وبنحوه ذكره الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والحافظان؛ أبو بكر البيهقي، وأبو الحسن بن القطان، وأبو الفرج بن الجوزي، وابن سرور المقدسي، وأشار ابن حزم إلى عدم صحته، [وفي كتاب الخلال: سئل أبو عبد الله عن حديث عائشة في القبلة؛ فقال: هو غلط، وفي كتاب الميموني: قال أبو عبد الله: هذا الحديث مقلوب على حديث عائشة: قبل وهو صائم، وهو هذا الحديث بعينه، يرويه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قلت: فمن أين؟ أليس حبيب صالح الحديث؟! قال: بلى، ولكن لا أعلم أحدا روى عن حبيب عن عروة شيئا إلا هذا الحديث، وحديث آخر يرويه الأعمش، وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم: وسمعت أبي يقول: لم يصح حديث عائشة في ترك الوضوء من القبلة - يعني: حديث الأعمش عن حبيب عن عروة - وسئل أبو زرعة عن الوضوء من القبلة؛ فقال: إن لم يصح حديث عائشة قلت به، وأشار البغوي في شرح السنة إلى ضعفه.
وقال الشافعي: ليس بمحفوظ من قبل أن عروة إنما روى: أن النبي ﷺ قبلها صائما.
وقال البيهقي في المعرفة: والصحيح رواية عروة، والقاسم بن محمد، وعلي،
[ ٢ / ٨١ ]
ابن الحسين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، وعمرو بن ميمون، عن عائشة: كان - ﵇ - يقبل وهو صائم، وحديث حبيب معلول.
وقال في الخلافيات: اشتبه فساده على كثير ممن ليس الحديث من شأنه، ويراهُ إسنادا صحيحا، وهو فاسد من وجهين:
الأول: الانقطاع.
والثاني: عروة ليس بابن الزبير، إنما هو شيخ مجهول يعرف بالمزني
وأما قوله: ومنهم من قال: ليس هو عروة بن الزبير ففيه نظر؛ لما أسلفناه من رواية وكيع المصرح فيها بنسبه عند ابن ماجه والدارقطني، وأيضا فلا أحد من الغرباء يتجاسر على أم المؤمنين بقوله: من هي إلا أنت؟ ويحكي ضحكها غالبا إلا من كان ذا محرم منها، ويزيده وضوحا رواية هشام له عن أبيه كرواية حبيب.
ذكر ذلك الدارقطني في كتاب السنن من رواية حاجب بن سليمان عن وكيع عنه، وقال: وليس كذلك لمتابعة ذكر ذلك أبو الحسن في كتابه عن الحسين بن إسماعيل عن علي بن عبد العزيز الوراق - يعني: المصنف المشهور - عنه عن أبي أويس، قال: حدثني هشام، فذكره، ثم قال: لا أعلم حدث به عن عاصم غير علي بن عبد العزيز، ورواه أيضا من جهة شيبان بن عبد الرحمن، عن الحسن بن دينار، عن هشام، عن أبيه عروة بن الزبير: أن رجلا قال: سألت عائشة، الحديث. ومن جهة محمد بن جابر عن هشام، ومن جهة عبد الملك بن محمد عن هشام، ورواه عن عروة كروايتهما الزهري. قال أبو الحسن: ثنا ابن قانع، عن إسماعيل بن الفضل، عن محمد بن عيسى بن يزيد الطرطوسي، عن سليمان بن عمر بن سيار، عن أبيه، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عروة به.
وقال البيهقي حين ذكره: رواته إلى ابن أخي الزهري أكثرهم مجهولون، ولا يجوز الاحتجاج بأخبار ترويها المجاهيل، ورواه الدارقطني أيضا من جهة إسماعيل بن
[ ٢ / ٨٢ ]
موسى، ثنا عيسى بن يونس عن معمر، فأدخل بين الزهري وعروة رجلا - وهو أبو سلمة - ثم قال: هذا خطأ من وجوه.
قال البيهقي: إنما أراد الخطأ في متنه وإسناده جميعا؛ حيث أدخل أبا سلمة، وزاد في متنه: ثم صلى ولم يتوضأ، والمحفوظ ما سبق، والحمل فيه على من دون عيسى، وكيف يكون ذلك من جهة الزهري صحيحا، ومذهبه بخلافه، ورواه عن عروة أيضا محمد بن عمرو، وذكره عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد عن معبد بن نباتة عن محمد عن عروة به، وذكر الزعفراني عن الشافعي، قال: إن ثبت حديث معبد في القبلة لم أر به بأسا، ولا في اللمس، وزاد أن محمد بن عمرو لم يثبت له عن عروة شيء، انتهى.
فقد تبين لك أن عروة هذا هو ابن الزبير لا المزني لكونه مجهولا، ولم يرو عنه إلا ابن أبي ثابت، أخذا من إسناد حديثه المذكور عند أبي داود، ولو روى عنه من وصفناه لخرج عن الجهالة التي لم تزايله، فيما ذكره غير واحد من المؤرخين، والله تعالى أعلم.
وأيضا فقد رواه عن عائشة جماعة غير عروة، نذكر منه ما تيسر؛ فمن ذلك: رواية عطاء عنها أن النبي ﷺ: كان يقبل بعض نسائه ولا يتوضأ.
رواه البزار في مسنده عن إسماعيل بن يعقوب بن صبيح، ثنا محمد بن موسى بن أعين، حدثني أبي، عن عبد الكريم الجزري عنه، وقال: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من
[ ٢ / ٨٥ ]
رواية عائشة، ولا نعلمه يروى عن عائشة إلا من حديث حبيب عن عروة، ومن حديث عبد الكريم عن عطاء عنها، وقال في موضع آخر: وهذا الحديث إسناده إسناد حسن، وهو معروف من حديث عبد الكريم، ومحمد بن موسى ليس به بأس، قد احتمل حديثه أهل العلم، ولا نعلم فيه مطعنا يوجب التوقف عن حديثه، وسائر الرجال يستغنى بشهرتهم عن صفاتهم، وإسماعيل بن صبيح رجل ثقة مشهور، وقد رواه خطاب بن القاسم قاضي حران، وكان مشهورا أيضا عن عبد الكريم، انتهى كلامه.
وفيه نظر؛ لما نذكره بعد - إن شاء الله تعالى -، ولما ذكر أبو محمد الإشبيلي هذا الحديث، قال: موسى بن أعين ثقة مشهور، وابنه مشهور، روى له البخاري، ولا أعلم لهذا الحديث علّة توجب تركه، ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول يحيى بن معين: حديث عبد الكريم عن عطاء حديث رديء؛ لأنه غير محفوظ.
قال أبو محمد: وانفراد الثقة بالحديث لا يضره، فإما أن يكون قبل نزول الآية، وإما أن تكون الملامسة الجماع كما قال ابن عباس، ولما رواه الدارقطني من جهة جندل بن والق، ثنا عبيد الله بن عمرو عن غالب عن عطاء، قال: غالب هو ابن عبيد الله، متروك.
وقال صاحب الذخيرة: هذا حديث لا يصح؛ لأنّ غالبا يتهم بالوضع، قال أبو الحسن: ثنا عثمان بن أحمد الدقّاق، ثنا محمد بن غالب، ثنا الوليد بن صالح، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري بمثله، ثم قال: يقال إن الوليد وهم في قوله: عبد الكريم، إنما هو حديث غالب، ورواه الثوري عن عبد الكريم عن عطاء من قوله، وهو الصواب.
ولما ذكر أبو بكر هذا الحديث في كتاب الخلافيات لم يتكلم على الوليد بشيء إلا بقول عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: لِمَ لم تكتب عن الوليد؟ فقال: رأيته يصلي في المسجد الجامع، ويسيء صلاته،
[ ٢ / ٨٦ ]
وفي موضع آخر قال: ورواه سلمة بن صالح منفردا به ولم يتابع عليه، قال الحاكم: عن محمد بن عبد الرحمن الكوفي عن عطاء عن عائشة، وروى عن عبد الكريم عن عائشة مرفوعا، وهو وهم، والصحيح: عن عطاء من قوله، انتهى.
والذي يشبه أن يكون ابن معين أراد الطريق التي أسلفناها من عند الدارقطني أولا، يؤيد ذلك قول ابن عدي: والحديث الذي ذكره أبو زكريا هو ما روى عبيد الله بن عمرو عنه عن عطاء، فذكر حديث القبلة، ثم قال: إنما أراد ابن معين هذا الحديث؛ لأنه غير محفوظ، ثم قال: ولعبد الكريم أحاديث صالحة مستقيمة، يرويها عن قوم ثقات، وإذا روى عنه الثقات فحديثه مستقيم، وقول الدارقطني: يقال: إن الوليد وهم في قوله: عن عبد الكريم؛ فقد ينازع في ذلك على طريقة معلومة لمتأخري المحدثين والفقهاء إذا كان ثقة، ويطالب قائل ذلك بالدليل على ما حكم به من الوهم، وما تقدّم من متابعة ابن أعين تضعف قوله، وتقتضي أن للحديث أصلا من رواية عبد الكريم، وقال ابن الحصار في كتابه تقريب المدارك: وقد طعنوا على عبد الكريم؛ لانفراده برفع هذا الحديث، وليس ذلك مطعنا، وانفراد الثقة برفع الحديث لا يقدح فيه، وحديثه هذا مسند صحيح.
وأمّا رواية الثوري له موقوفا فهي مسألة مشهورة عند الفقهاء والأصوليين فيما إذا وقف ثقة ورفع ثقة، وعبيد الله بن عمرو من الثقات المخرج حديثهم في الصحيحين، وأيضا فعطاء صاحب فتوى معروف بذلك، فيجوز أن يكون أفتى بما روى، كما نقل ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين، فلا يقوي القرينة في غلط من رفع كلّ القوة،
[ ٢ / ٨٧ ]
وأما ما ذكره البيهقي عن الوليد فليس عيبا ترد به أحاديثه؛ لاحتمال أن يكون يرى رأي العراقيين، وصلاة بعضهم عند أحمد غير صحيحة، ولئن سلمنا له الطعن فيه؛ فحديث البزار المذكور ليس فيه الوليد، والله أعلم.
ومن ذلك: رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عنها: أنا بها القدوة المعمر أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر المنبجي، بقراءتي عليه: أخبركم أبو إسحاق إبراهيم بن خليل بن عبد الله الدمشقي، قراءة عليه، يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وستمائة، بجامع حلب، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن علي بن المسلم اللخمي المعروف بابن الخرقي، بقراءة أخي، سنة ست وثمانين وخمسمائة، أنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الخضر السلمي، في ربيع الأول سنة ست وعشرين وخمسمائة، أنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن محمد الصوفي، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن أبي نصر، أنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة، سنة أربعين وثلاثمائة، ثنا العباس بن الوليد بن مزيد، ثنا محمد بن شعيب بن شابور، عن سعيد بن بشير، عن منصور بن زاذان، حدثه عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت: كان النبي ﷺ يخرج إلى الصلاة، ثم يقبلني ولا يتوضأ.
قال أبو القاسم في معجمه الأوسط، ورواه من حديث سعيد: لم يروه عن الزهري إلا منصور، ومن ذلك: زينب السهمية الآتي حديثها بعد، ومن ذلك: إبراهيم التيمي عنها: أن النبي ﷺ قبّلها، ولم يتوضأ.
رواه أبو داود عن محمد بن بشار، ثنا يحيى وعبد الرحمن، ثنا سفيان، عن أبي
[ ٢ / ٨٨ ]
روق عنه، وقال: هذا مرسل؛ التيمي لم يسمع من عائشة، وقد سبق كلام البخاري فيه، وقال الدارقطني: لم يروه عن إبراهيم غير أبي روق عطية بن الحارث، ولا نعلم حدث به غير الثوري وأبي حنيفة من حديث يحيى بن نصر بن حاجب عنه.
واختلف فيه، فأسنده الثوري عن عائشة، وأبو حنيفة عن حفصة، وكلاهما أرسله، وإبراهيم لم يسمع من عائشة ولا من حفصة، ولا أدرك زمانهما، وفيه نظر؛ لما علم أن مولده - على ما ذكره البيهقي - سنة خمسين، وتوفيت حفصة سنة إحدى وأربعين - على ما قاله أبو معشر وابن أبي خيثمة -، وعائشة كانت وفاتها سنة سبع - أو ثمان - وخمسين، والله أعلم.
وأما إجماعهم على إرساله فليس كذلك؛ لما ذكره أبو الحسن في سننه مسندا من طريق صحيحة، فقال: ورواه معاوية بن هشام - يعني: المخرج حديثه في صحيح مسلم - عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم عن أبيه - يعني: المخرج حديثه في الصحيحين - عنها، فوصل إسناده، واختلف عنه في لفظه؛ فقال عثمان بن أبي شيبة - فيما ثناه البغوي عنه بهذا الإسناد -: أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم، وقال غيره: كان يقبل ولا يتوضأ.
ولما ذكر البيهقي هذا في المعرفة قال: معاوية ليس قويا، لم يزد على ذلك، وليس بعلة يرد بها حديثه لما أسلفناه، والله تعالى أعلم.
٢١ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا محمد بن فضيل، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن عائشة: كان رسول الله ﷺ يتوضأ، ثم يقبل، ويصلي ولا يتوضأ، وربما فعله بي.
هذا حديث قال فيه ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه، فقالا: الحجاج يدلس في حديث الضعفاء، ولا يحتج بحديثه، وقال أبو الحسن: زينب هذه مجهولة، ولا تقوم بها حجة، ونحوه قاله أبو عمر في الاستذكار، وقال الحاكم أبو عبد الله - فيما ذكره عنه البيهقي في الخلافيات -: هذا الإسناد لا تقوم به حجة؛ حجاج - على جلالة قدره - غير مذكور في الصحيح، وزينب ليس لها ذكر في حديث آخر، قال أبو بكر:
[ ٢ / ٩٠ ]
وقد رواه الأوزاعي عن عمرو عنها، وقد قيل: عن عمرو، عن أبيه، عن جدّه مرفوعا: كان يقبل ولا يحدث وضوءا.
رواه العرزمي عنه، وهو متروك، انتهى كلامه.
وفيه بيان لصحة الحديث المذكور؛ حيث قال: ورواه الأوزاعي عن عمرو، ويخرج حجّاج من أن يكون علة له على قول من أعلّه به، [وعلى تقدير أن يكون ثقة، كان حديثه عن عمرو منقطعا، قال ذلك ابن المبارك، ولم يبق إلا النظر في حال زينب فقط؛ هل كما قيل: مجهولة، أم لا؟ فنظرنا فإذا أبو حاتم البستي ذكرها في كتاب الثقات؛ فزال عنها - بحمد الله - اسم الجهالة، وصح حديثها على هذا، لما أسلفناه من متابعات وشواهد، والله تعالى أعلم].
وأما قول البزّار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن غير عائشة، ففيه نظر؛ لما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث أبي علي الحنفي، عن زفر بن الهذيل، عن ليث بن أبي سليم، عن ثابت بن عبيد، عن أبي مسعود الأنصاري: أن رجلا أقبل إلى الصلاة، فاستقبلته امرأته، فأكبّ عليها فتناولها، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فلم يأمره بالوضوء، وقال: لم يروه عن زفر إلا أبو علي.
ولما ذكره أبو الفرج في كتاب العلل من حديث ركن بن عبد الله الشامي - القائل فيه ابن حبان: يروي عن مكحول نسخة أكثرها موضوع، ولا يحل الاحتجاج به - عن مكحول، عن أبي أمامة، أنه قال: قلت: يا رسول الله، يتوضأ للصلاة، ثم يقبل المرأة أو يلاعبها، أينقض ذلك وضوءه؟ قال: لا.
ولما ذكره الإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن
[ ٢ / ٩٢ ]
أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ: أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم، ثم لا يفطر، ولا يحدث وضوءا.
رواه من جهة ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط، قال: لم يروه عن الأوزاعي إلا يزيد بن سنان.
تفرد به سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه.
وقد تقدم حديث حفصة من كتاب الدارقطني، وحديث عمرو بن العاص من عند البيهقي، وفي قوله: ولا نعلمه يروى عن عائشة من حديث حبيب وعبد الكريم أيضا نظر؛ لما أسلفناه، والله تعالى أعلم.
وفي كتاب التمهيد: روي عن عمر بن الخطاب بإسناد صحيح ثابت: أنه كان يقبل امرأته، ويصلي قبل أن يتوضأ.
وروى الدراوردي عن ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: أن عمر قال: القبلة من اللمم فتوضأ منها، وهو وهم عندهم وخطأ؛ لأن حفاظ أصحاب ابن شهاب يجعلونه عن ابن عمر لا عن عمر، وذكر إسماعيل بن إسحاق أن مذهب عمر بن الخطاب في الجنب: لا يتيمم.
فدل على أنه كان يرى الملامسة ما دون الجماع كمذهب ابن مسعود، قال أبو عمر: فإن صح عن عمر ما قاله إسماعيل ثبت الخلاف في القبلة عنه - والله تعالى أعلم -، وصحح الحاكم ذلك عن عمر في مستدركه، والبيهقي في كتاب الخلافيات، قال أبو عمر: وأما ابن مسعود فلم يختلف عنه أن اللمس ما دون الجماع، وأن الوضوء واجب على من قبّل امرأته كمذهب ابن عمر سواء، وهو ثابت عن ابن عمر من وجوه، وممن رأى الوضوء في القبلة من التابعين: عبيدة السلماني، وابن
[ ٢ / ٩٣ ]
المسيب، والشعبي، وحماد.
وقال البيهقي في المعرفة: وعن ابن مسعود أيضا، من طريق شعبة عن مخارق عن طارق بن شهاب عنه، قال: هذا الإسناد صحيح موصول.
قال أبو عمر: والنخعي، ومكحول، والدمشقي، وابن شهاب، وزيد بن أسلم، وسعيد بن عبد العزيز، ويحيى الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك وأصحابه، وهو قول جمهور أهل المدينة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ وأما الذين ذهبوا إلى أن اللمس هو الجماع فعبد الله بن عباس، وعائشة - فيما ذكره في الإشراف - ومسروق، والحسن، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس اليماني، وعبيد بن عمير، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وسائر الكوفيين إلا ابن حي، ورووا عن علي بن أبي طالب مثل ذلك، واختلف في ذلك عن الأوزاعي، والحجة لأصحابنا أن إطلاق الملامسة لا تعرف العرب منها إلا اللمس باليد، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾.
وقال ﷺ: اليدان تزنيان، وزناهما اللمس، ومنه بيع الملامسة، وهو لمس الثوب باليد، وحديث ابن عباس: لعلك مسست، وفي المستدرك عن عائشة: كان يقبّل ما دون الوقاع.
قال أبو عمر: وقد قرئت الآية: (أو لامستم النساء) وذلك يفيد اللمس باليد، وحمل الظاهر والعموم على التصريح أولى من حمله على الكناية، وقد روى عبد الملك بن عمير، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ، قال: أتى رجل النبي
[ ٢ / ٩٤ ]
ﷺ فسأله عن رجل أتى امرأة لا تحل له، فأصاب منها ما يصيب الرجل من امرأته إلا الجماع، فقال - ﵇ -: توضأ وضوءا حسنا.
فأمره بالوضوء لما نال منها ما دون الجماع - والله أعلم - انتهى كلامه.
وفي استدلاله بحديث معاذ نظر؛ لأن آخره يبين أن المقصود بالوضوء الصلاة لأجل التكفير لا لأجل اللمس، يتبين ذلك بسوقه من كتابي الدارقطني والبيهقي، وزعم أنه في كتاب المستدرك، وهو منقطع فيما بين عبد الرحمن بن أبي ليلى ومعاذ أن رجلا قال: يا رسول الله، ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له، فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته إلا قد أصابه منها، إلا أنه لم يجامعها؟ فقال: توضأ وضوءا حسنا، ثم قم فصل، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، فقال معاذ: أهي خاصة له أم للمسلمين عامة؟ فقال: بل للمسلمين عامة.
وأما قوله: إطلاق الملامسة لا تعرف العرب منها إلا اللمس باليد ففيه نظر؛ لما عليه أئمة اللغة: أبو عمرو بن العلاء، وابن السكيت، والفارابي، وابن دريد، والجوهري، والبطليوسي، والمبرد، وصاعد بن القوطية، وابن القطاع، وابن سيده، والفراء، وابن الأعرابي، وثعلب، وابن الأنباري، وأبو عبيد بن سلام، والعسكري، والخطابي، والأزهري، والهروي، وابن جني، وابن قتيبة، والقزاز، والتبريزي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، وغيرهم.
وفي كتاب الإشراف: وقال عطاء: إن قبل حلالا فلا إعادة عليه، وإن قبل حراما أعاد الوضوء، ولما ذكر ابن حزم حديث عائشة قال: لو صح لما كان لهم فيه حجة؛ لأن معناه منسوخ بيقين؛ لأنه موافق لما كان عليه الناس من قبل نزول الآية، ووردت الآية بشرع زائد، ولا يجوز تركه ولا تخصيصه، فإن احتجوا بحديثها
[ ٢ / ٩٥ ]
الصحيح: التمست النبي ﷺ في الليل، فوقعت يدي على باطن قدمه وهو ساجد.
فلا حجة لهم فيه؛ لأن الوضوء إنما هو على القاصد إلى اللمس، لا على الملموس من دون أن يقصد هو إلى فعل الملامسة؛ لأنه لم يلامس، وأيضا فليس فيه أنه كان في صلاة، وقد يسجد المسلم في غير صلاة، وحتى لو صحّ أنه كان في صلاة، وهذا ما لا يصح فليس في الخبر أنه لم ينتقض وضوءه، ولا أنّه صلى صلاة مستأنفة دون تجديد وضوء، ثم لو صح أنه كان في صلاة وصح تماديه عليها، وأنه صلى غيرها دون تجديد وضوء - وهذا كله لا يصح أبدا - فإنه كان يكون في الخبر موافقا للحال التي كان الناس عليها قبل الآية بلا شك، وكذا حديث صلاته وهو حامل أمامة؛ لأنه ليس فيه نص أن يديها ورجليها مست شيئا من بشرته - ﵇ - إذ قد تكون موشحة برداء أو بقفازين أو جوربين، أو يكون ثوبها سابغا، وهو الأولى أن يظن بمثلها بحضرة الرجال، وإذا لم يكن ما ذكرنا في الحديث فلا يحل لأحد أن يزيد فيه ما ليس منه؛ فيكون كاذبا، وإذا كان ما ظنوا ليس في الخبر وما قلنا ممكنا، والذي لا يمكن غيره بطل تعلّقهم به، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٩٦ ]