٢٢ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا هشيم، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي: سئل رسول الله ﷺ عن المذي، فقال: فيه الوضوء، وفي المني الغسل.
هذا حديث أصله في الصحيحين من حديث ابن الحنفية عن أبيه، وخرجه أبو عيسى عن محمد بن عمرو السواق البلخي، ثنا هشيم، وثنا محمود بن غيلان، ثنا حسين الجعفي عن زائدة، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه الطبراني في الأوسط من حديث إسماعيل بن عمرو: ثنا زائدة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن حصين بن قبيصة، عن علي: كنت رجلا مذاء، فسألت النبي ﷺ، ثم قال: لم يروه عن حصين إلا زائدة، تفرد به إسماعيل، ومن طريق زائدة رواه أبو عبد الرحمن، قال أبو القاسم: ورواه غير إسماعيل عن أبي حصين عن حصين بن قبيصة، وخرجه أبو داود والحافظان ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث عبيدة بن حميد عن الركين بن الربيع عن حصين عنه، بلفظ: فذكر ذلك للنبي ﷺ، أو ذكر له.
وتفرد ابن حبان بحديث أبي عبد الرحمن عن علي: كنت رجلا مذاء، فسألت النبي ﷺ، فقال: إذا رأيت الماء فاغسل ذكرك، الحديث.
ولما ذكر المنذري حديث أبي داود أتبعه قول الترمذي: حسن صحيح.
[ ٢ / ٩٧ ]
وقد قدمنا ذلك في حديث الترمذي، قال ذلك في حديث يزيد لا هذا، ولم يخرجه في كتابه، إنما هو من عند أبي عبد الرحمن وأبي داود فقط، وأغفل ذكر ابن ماجه، ولا ينبغي له ذلك، ولما ذكر الإشبيلي حديث حصين سكت عنه إلا ما أبرز من ذكر حصين، وتعقب ذلك ابن القطان عليه بقوله: حصين من أهل الكوفة، روى عن علي وابن مسعود، وروى عنه الركين والقاسم بن عبد الرحمن، ولا تعرف حاله، وأعرض فيه عن عبيدة بن حميد فلم يعله فيه به، ولا بين كونه من روايته، وأصاب في ذلك، وإنما أخطأ حين ضعف من أجله حديث ابن مسعود: كانت صلاة النبي ﷺ في الشتاء، الحديث.
وعلى تضعيفه ذلك من أجل عبيدة كان يلزمه في هذا أن ينبه على كونه من روايته، وإذ لم يفعل فقد أخطأ - والله أعلم - انتهى.
حصين روى عنه أيضا حصين وأبو حصين المذكوران آنفا، ووثقه ابن حبان بذكره له في كتاب الثقات، وبما أسلفناه من توثيقه عند من صحح حديثه.
وقال ابن سعد: هو من أسد بني خزيمة بن مدركة، وروى أيضا عن سلمان؛ فزال - بحمد الله - ما أعله به أبو الحسن.
قال الدارقطني: ورواه عبيدة أيضا عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي، ولم يتابع على هذا القول، وهو من الحفاظ.
[ ٢ / ٩٨ ]
وقال في الأفراد: غريب من حديث الحجاج بن الحجاج عن الأعمش.
تفرد به إبراهيم بن طهمان عنه، ومن قال في هذا الحديث: عن الحجاج عن سليمان بن المنذر، فقد وهم وهما قبيحا، وأمّا تصحيح الترمذي حديث يزيد ففيه نظر؛ لما علم من اختلاف نظره فيه؛ فتارة يصحح حديثه، وتارة يحسنه، وتارة يُضعفه، وإذا صحح حديثا استدركه عليه، اللهم إلا أن يكون تصحيحه حديثه بالنظر لما عضده من متابعات وشواهد وغير ذلك، وقد تقدم ما للناس من الكلام في يزيد.
٢٣ - حدثنا محمد بن بشار، ثنا عثمان بن عمر، ثنا مالك بن أنس، عن سالم أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن المقداد بن الأسود، أنه سأل النبي ﷺ عن الرجل يدنو من امرأته فلا ينزل، قال: إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه، يعني: يغسله ويتوضأ.
هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه، فقال: ثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، ولفظه: يسأل عن الرجل إذا دنا من أهله، فخرج منه المذي، ماذا عليه؟ فإن عندي ابنة رسول الله ﷺ، وأنا أستحيي أن أسأله، قال المقداد: فسألت النبي ﷺ عن ذلك، فقال: إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة.
وبنحوه ذكره ابن الجارود في منتقاه، وابن حبان في صحيحه، وقال إثره: مات بالجرف سنة ثلاث وثلاثين، ومات سليمان بن يسار سنة تسع وتسعين، وقد سمع سليمان من المقداد، وهو ابن دون عشر سنين.
وقال أبو عمر: ورواه ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه
[ ٢ / ٩٩ ]
سمع عليا بالكوفة، قال: وقد خولف في ذلك عمرو، والحديث صحيح ثابت عند أهل العلم، وله طرق شتى عن علي والمقداد وعمار، وكلّها صحاح حسان، أحسنها ما ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: قيل لعطاء: أرأيت المذي، أكنت ماسحه مسحا؟ قال: لا، المذي أشد من البول.
أخبرني عايش بن أنس أخو بني سعد بن ليث، قال: تذاكر علي وعمار والمقداد المذي، فقال علي: إني رجل مذاء، فسلا عن ذلك النبي ﷺ، قال عايش: فسأله أحد الرجلين - عمار أو المقداد - وقال عطاء: قد سماه عايش ونسيته، وذكره ابن حزم مصححا له - أعني الحديث الأول -.
وأبى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي بقوله: هكذا رواه أبو النضر عن سليمان، ورواه بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان عن ابن عباس موصولا، أنبأ به أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أحمد بن عيسى، ثنا ابن وهب، أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، فذكره، انتهى كلامه.
وفيه نظر في موضعين:
، وقد انتقد الحافظ أبو الحسن البغدادي على مسلم إخراجه هذه الترجمة، والله أعلم.
الثاني: ما ذكر من انقطاع حديث سليمان، وليس هو بأبي عذرة هذا القول، لتقدم الإمام الشافعي بذلك بقوله: سليمان عن المقداد مرسل، لا نعلم سمع منه شيئا، وتبعه على ذلك الحافظ أبو الوليد الدمشقي وغيره، فغير صحيح؛ لما أسلفناه قبل، والمثبت مقدم على النافي؛ لا سيما مع بيان وجه ذلك وسببه، وأما قول أبي عمر: رواية يحيى عن مالك في هذا الحديث: فلينضح فرجه وليتوضأ.
وفي رواية ابن بكير والقعنبي وابن وهب وسائرهم: فليغسل فرجه وليتوضأ وضوءه للصل ة.
وهذا هو الصحيح، وقد رواه عبد الرزاق عن مالك، كما رواه يحيى: ولينضح فرجه.
ولو صحت رواية يحيى ومن تابعه كانت مجملة يفسرها رواية غيره؛ لأن النّضح يكون في لسان العرب مرة الغسل، ومرة الرش، انتهى ما ذكره.
وفيه نظر؛ لما تقدم من حديث الباب عن عثمان بن عمر عن مالك، بلفظ: ولينضح فرجه، وكذلك رواه أبو داود في سننه من حديث القعنبي، وذكر الدارقطني في كتاب أحاديث الموطأ: أن أبا مصعب وأحمد بن إسماعيل المدني وابن وهب ومعنا القزاز وعبد الله بن يوسف ويحيى بن بكير الشافعي وابن القاسم وعتبة بن
[ ٢ / ١٠٠ ]
عبد الله وأبا علي الحنفي وإسحاق بن عيسى والقاسم بن يزيد رووه عن مالك، بلفظ: فلينضح، إلا ابن وهب؛ فإن في بعض ألفاظه: فليغسل، فلو عكس أبو عمر قوله لكان مصيبا، والله تعالى أعلم.
وفي مسند أحمد من حديث هانئ بن هانئ عن علي: كنت رجلا مذاء، فأمرت المقداد، فسأل النبي ﷺ، فضحك، وقال: فيه وضوء. وفي رواية لأبي داود من طريق ابن العبد، نا القعنبي، ثنا أبي، عن هشام بن عروة [عن أبيه، عن حديث حدثه عن علي، قال: قلت للمقداد: قال أبو داود: ورواه المفضل] بن فضالة، والثوري، وابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن علي.
ثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، عن هشام، عن أبيه: أن عليا، قال أبو داود: ورواه الثوري وجماعة عن هشام، عن أبيه، عن المقداد، عن علي، وفيه: فليغسل ذكره وأنثييه.
ورد أبو محمد المنذري هذا الحديث بقوله: قال أبو حاتم: عروة عن علي مرسل، وفيه نظر في موضعين:
الأول: أن هذا بعينه ذكره أبو داود نفسه في كتاب التفرّد، بقوله: وحديث هشام عن أبيه عن علي ليس بمتصل، إلا أن ابن إسحاق قال: عن عروة عن المقداد عن علي، انتهى.
فإن كان لم يسمعه من علي كان متصلا بوساطة المقداد، كما ذكره أبو داود.
الثاني: لا حاجة بنا إلى ذكر قول أبي حاتم: عن عروة عن علي مرسل؛ لكونه صرح في نفس السند بالانقطاع بقوله: حدثه عن علي، وخرجه الكجي عن حجاج. ثنا حماد، عن قتادة، عن الحسن، عن المقداد: أنه سأل النبي ﷺ عن المذي، فقال: كل فحل يمذي، وليس فيه إلا الطهور.
[ ٢ / ١٠٢ ]
وقد اختلفت ألفاظ حديث علي - ﵁ - فذكر ابن حبان بعد تصحيحه حديث المقداد وعمار أنّ عليا أمرهما، وحديث أبي عبد الرحمن أنه هو السائل، قد يتوهم بعض المستمعين لهذه الأخبار أن بينها تضادا أو تهاترا، وليس كذلك؛ لأنّه يحتمل أن يكون علي أمر عمارا أن يسأل فسأله، ثم أمر المقداد أن يسأل فسأله، ثم سأل هو بنفسه، والدليل على صحة ما ذكرت أن متن كل خبر بخلاف متن الخبر الآخر؛ ففي خبر أبي عبد الرحمن: إذا رأيت الماء فاغسل ذكرك وتوضأ؛ وإذا رأيت المني فاغتسل، وفي خبر إياس بن خليفة عن عمار: يغسل مذاكيره ويتوضأ، وليس فيه ذكر المني، وخبر المقداد مستأنف، فينبئك أنه ليس بالسؤالين اللذين ذكرناهما؛ لأن فيه: سأل عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي، ماذا عليه؟ فإنّ عندي ابنته، فذلك ما وصفنا على أن هذه أسئلة متباينة في مواضع مختلفة لعلل موجودة - والله أعلم - انتهى الذي قاله بطريق الاحتمال.
وتقدم من عند أبي عمر مبينا، وقد ورد في بعض الألفاظ أن النبي ﷺ هو السائل له.
جاء ذلك مبينا في حديث حسن الإسناد رواية عن المسند المعمر أبي زكريا يحيى بن يوسف المقدسي، قال: حدثني ابن رواح، أخبرنا الحافظ أبو طاهر البغوي - ﵀ - قراءة عليه وأنا أسمع، في رمضان سنة أربع وسبعين وخمسمائة، أنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار، قراءة عليه وأنا أسمع، ثنا أبو الحسن الفالي، أخبرنا القاضي أبو عبد الله بن خربان، أنا القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، ثنا الحسن بن علي قاضي الأهواز، نا محمد بن علي الوراق، ثنا أبو نعيم، ثنا رزام الضبي، قال: سألت جوابا التيمي عن المذي، فقال: سألت عنه أبا إبراهيم يزيد بن
[ ٢ / ١٠٣ ]
شريك، فألجأ الحديث إلى علي، وألجأ علي الحديث إلى النبي ﷺ، فقال: رآني النبي ﷺ وقد شحبت، فقال لي: يا علي، لقد شحبت، قلت: شحبت من اغتسال الماء، وأنا رجل مذاء، فإذا رأيت منه شيئا اغتسلت، قال: لا تغتسل منه يا علي، الحديث.
فعلى هذا يحمل ما في مسند أحمد عن عبد الله، قال: حدثني أبو محمد شيبان، ثنا عبد العزيز بن مسلم، نا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، قال: كنت رجلا مذاء، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: في المذي الوضوء، وفي المني الغسل. ويحتمل أن يكون لما بعث علي من بعث ليسأل رآه - ﵇ - شاحبا، ونزل علي - ﵁ - جوابه عن ذلك بمنزلة السؤال ابتداء على طريق التجوز، والله تعالى أعلم.
وأما رواية سعيد بن بشير عن محمد بن عبد الرحمن عن الأعمش عن يحيى بن الجزار عن علي: أمر المقداد؛ فخطأ.
قال ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه.
وفي السنن الكبير، من جهة ابن جريج عن عطاء: أنّ عليّا كان يدخل في إحليله الفتيلة من كثرة المذي.
٢٤ - حدثنا أبو كريب، ثنا عبد الله بن المبارك، وعبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، ثنا سعيد بن عبيد بن السباق، عن أبيه، عن سهل بن حنيف، قال: كنت ألقى من المذي شدة، فأكثر منه الاغتسال، فسألت رسول الله ﷺ، فقال: إنما
[ ٢ / ١٠٤ ]
يجزيك من ذلك الوضوء، قلت: يا رسول الله، كيف بما يصيب ثوبي؟ قال: إنما يكفيك كف من ماء، فتنضح به من ثوبك حيث ترى أنه أصابه.
هذا حديث خرجه الحافظ البستي في صحيحه عن أبي يعلى: ثنا أبو خيثمة، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا ابن إسحاق.
وخرجه ابن خزيمة عن يعقوب بن إبراهيم، ثنا ابن علية، وثنا محمد بن أبان، ثنا ابن أبي عدي عن ابن إسحاق، وخرجه ابن حزم مصححا له، وقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، ولا نعرفه مثل هذا إلا من حديث ابن إسحاق، وفي مسائل حرب: أرأيت ما يصيب ثيابي منه؟ قال: تعمد إلى كف من ماء، وفي كتاب الأثرم: كنت ألقى من المذي عناء، فقال: يجزيك أن تأخذ حفنة من ماء، فترش عليه، وقال: قلت لأبي عبد الله: ما تقول فيه: قال: لا أعلم شيئا يخالفه، وأخبرنا محمد بن شداد أنه سمع أبا عبد الله يقول: لو كان غير ابن إسحاق، وقال صالح: قال أبي: حديث ابن إسحاق، لا أعرفه عن غيره، ولا أحكم لابن إسحاق، وفي كتاب الخلال: سئل أبو عبد الله عن المذي يصيب الثوب، كيف العمل فيه؟ قال: الغسل ليس في القلب منه شيء، حديث محمد بن إسحاق ربما تهيبته، انتهى كلامه.
وفيه نظر؛ لما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث إدريس بن محمد بن أبي الرباب الرملي، ثنا أسباط بن عبد الواحد، عن العلاء بن هارون - يعني: الموثق عند أبي زرعة وابن حبان - ثنا سعيد به، وقال: لم يروه عن العلاء إلا أسباط.
تفرد به إدريس.
[ ٢ / ١٠٥ ]
٢٥ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن بشر، ثنا مسعر، عن مصعب بن شيبة، عن أبي حبيب بن يعلى بن منية، عن ابن عباس: أنّه أتى أبي بن كعب، ومعه عمر، فخرج عليهما، فقال: إني وجدت مذيا فغسلت ذكري وتوضأت، فقال عمر: أويجزئ ذلك؟ قال: نعم، قال: أسمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم.
هذا حديث قال أبو القاسم في الأوسط: لم يروه عن مسعر عن مصعب إلا محمد بن بشر - يعني: العبدي المخرج حديثه في الصحيحين - وأبو حبيب ذكره أبو حاتم في كتاب الثقات، فصح على هذا إسناده؛ ولهذا ساغ للشيخ ضياء الدين تخريجه في المختارة، والله أعلم.
وفي الباب غير ما حديث؛ فمن ذلك: حديث عبد الله بن سعد الأنصاري، قال: سألت رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: ذاك المذي، وكل فحل يمذي، فاغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة.
رواه أبو داود، عن إبراهيم بن موسى، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد به، ولما ذكره في التفرد مطولا قال: الذي تفرد به منه قوله: وأنثييك. وروى ابن ماجه عن العلاء بن الحارث عن حرام بهذا السند قصة مؤاكلة الحائض في موضعين، ليس فيها ذكر المذي، وكذلك الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وفي بعض النسخ: حسن غريب، وخرجه ابن الجارود في منتقاه،
[ ٢ / ١٠٦ ]
واعترض الإشبيلي حين ذكره من عند أبي داود، بقوله: لا يصح غسل الأنثيين، ولا نحتج بهذا الإسناد، يعني: متابعة لابن حزم؛ حيث قال فيه: غريب، وحرام ضعيف.
قاله من عند نفسه ولم يعزه، وقال ابن القطان: هو كما قال، ولكن بقي عليه أن يُبيّن منه موضع العلة، وهو الجهل بحال حرام بن حكيم الدمشقي، وإذا جعلناه علة للخبر فقد تناقض فيه؛ وذلك أن أبا محمد لا يزال يقبل أحاديث المساتير الذين يروي عن أحدهم أكثر من واحد، وحرام هذا يروي عنه مع العلاء: عبد الله بن العلاء، وزيد بن واقد.
قاله أبو حاتم، وترجمه باسم ابنه أبو محمد بعد ترجمة أخرى، ذكر فيها حرام بن معاوية، وروي عن النبي ﷺ مرسلا، وروي عن عمر، فروى معمر عن زيد بن رفيع عنه، وروى عبيد الله بن عمرو عن زيد بن رفيع، فقال: عن حرام بن حكيم بن حرام، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول ذلك، فجعلهما كما ترى رجلين، وتبع في ذلك البخاري، وزعم الخطيب أنّ البخاري وهم في ذلك، وبين أنه رجل واحد يختلف على معاوية بن صالح في اسم أبيه، وممن عمل فيه عمل البخاري وابن أبي حاتم الدارقطني - رحمهم الله تعالى - انتهى كلامه.
وفيه نظر في موضعين:
الثاني: متابعة عبد الحق في قوله: لا يصح غسل الأنثيين، وذلك أنا قدّمنا قبل من عند أبي داود فأدخلها في لفظه على غيره، وإن كان المنذري والخزرجي في تقريبه قد ذكرا انقطاعه فقد قدّمنا إبطاله، وأيضا ففي حديث سليمان بن حيان عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي، وفيه: فقال - ﵇ -: يغسل أنثييه وذكره، ويتوضأ وضوءه للصلاة.
ذكره الحافظ أبو عوانة يعقوب بن إسحاق - ﵀ - والحافظ ضياء الدين المقدسي في صحيحيهما، وفيه رد لما قاله الإِمام أحمد لما سأله أبو داود: ما قال غسل الأنثيين إلا هشام بن عروة في حديثه، وأما الأحاديث كلها فليس فيها ذا.
وحديث حسان بن عبد الرحمن الضبعي، قال - ﵇ -: لو اغتسلتم من المذي كان أشد عليكم من الحيض.
ذكره أبو موسى في كتاب الصحابة بسند جيد.
وحديث رافع بن خديج: أنّ عليا أمر عمارا أن يسأل النبي ﷺ عن المذي، وقال: يغسل مذاكيره ويتوضأ.
ذكره ابن حبان في صحيحه، وإن كان الإِمام أحمد قال - فيما ذكره البيهقي في المعرفة - حديث المقداد أصح، فليس فيه تضعيفه - والله أعلم -.
وحديث ابن عباس: أن رجلا قال: يا رسول الله، إني كلما توضأت سال، فقال: إذا توضأت فسال من قرنك إلى قدمك فلا وضوء عليك.
ذكره الدارقطني، وقال: لا يصح، ومن حديث أبي بن كعب مرفوعا - في غسل الفرج من المذي.
ذكره أبو القاسم في
[ ٢ / ١٠٧ ]
الأوسط، وقال: لم يروه عن مسعر - يعني: عن مصعب بن شيبة، عن أبي حبيب بن يعلى بن منية، عن ابن عباس - إلا محمد بن بشر.
الغريب: قال الأموي: مذيت وأمذيت، وهو المذي والمني والودي مشدّدات، قال أبو عبيد وغيره: يخفف المذي والودي، قال: والصواب عندنا أن المني وحده بالتشديد، والآخران بالتخفيف، قال ابن دريد: هو ما يخرج عند الإنعاظ، وربما شدد، واختلفت النسخ من كتاب العين في الودي، ففي بعضهما مشدد، وفي بعضها مخفف، وقال صاحب الصحاح: المذي بالتسكين، فقال: كل ذكر يمذي، وكل أنثى تقذي، وبنحوه ذكره الفراء، وقال: لم يسمع في المني - يعني اللغتين - قال أبو الحسن: الصواب عندي أن يكون المني وحده مشدّدا، والأخريان مخففتين، وفي الحديث: المذاء من النفاق، هو أن يكون الرجل يجمع الرجال والنساء فيماذي بعضهم مذاء ومماذاة، وأمذيت فرسي: وهو أن يخليه يرعى، فيجوز أن يكون المذاء من هذا، كأنه تخلية الرجل امرأته لما تريد في الحرام، قال الهروي: هو أرق ما يكون من النطفة، وفي الاستذكار عن مالك: وهو عندنا أشد من الودي؛ لأنّ الفرج يغسل من المذي، والودي عندنا بمنزلة البول، قال: وليس على الرجل أن يغسل منه أنثييه إلا أن يظن أنه قد أصابهما منه شيء، قال: والودي يكون من الحمام، يأتي إثر البول أبيض خاثرا، وقال: والمذي يكون معه شهوة، وهو رقيق إلى الصفرة، يكون عند الملاعبة وعند حدوث الشهوة، انتهى.
قد أسلفنا أن حديث غسل الأنثيين صحيح، والنضح هنا المراد به الرش.
جاء ذلك مبيّنا فيما أسلفناه من حديث سهل، والله أعلم.
قال ابن المنذر: وأوجب غسله من البدن جماعة من الصحابة، وهو مذهب مالك والشافعي وكثير من أهل العلم
[ ٢ / ١٠٩ ]
غير أحمد بن حنبل، فإنه قال: أرجو أن يجزئه النضح، والغسل أحب إليّ.
وقال أبو جعفر في بيان المشكل: إنما أمر بغسل المذاكير ليتقلص المذي بذلك، فلا يخرج؛ لأنّ الماء يقطعه كما أمر من ساق بدنة - ولها لبن - أن ينضح ضرعها بالماء حتى لا يسيل؛ لا أن ذلك واجب كوجوب وضوء الصلاة، والدليل عليه: ما توافر من قوله: فيه الوضوء، فأخبر بالواجب فيه، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ١١٠ ]