١٦ - ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال رسول الله - ﷺ -: إنَّ أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد.
أخرجاه في الصحيح بلفظ: صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة، وذلك أنَّ أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، ولا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحطَّ عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة في حبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه أو يحدث فيه.
قوله: لا ينهزه، أي: لا يبعثه، ولا يشخصه إلا ذلك، ومنه انتهاز الفرصة، وهو الانبعاث لها والمبادرة، وهي بفتح الياء، نهز الرجل ينهز، وحُكي فيه ضم الياء، ومنه أنّ هذه المعاني أسباب الدرجات، وأضيف إلى ذلك أمور أخر وردت في ذلك من الدعاء عند دخول المسجد، والخروج منه، والسلام على أهل المسجد وتحيته، وغير ذلك، نقل أن التضعيف لمجرّد الجماعة، وهي كلّها زيادة على الدرجات.
١٧ - نا سويد بن سعيد، ثنا حفص بن ميسرة، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي، عن رسول الله - ﷺ - قال: من توضأ فتمضمض واستنشق، خرجت خطاياه من فيه وأنفه، وإذا غسل وجهه خرجت من وجهه،
[ ١ / ٩٥ ]
حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت خطاياه من يديه، فإذا مسح برأسه خرجت خطاياه من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه، حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة.
هذا حديث مختلف في إرساله واتصاله، وقد خرج مسلم معناه من حديث عمرو بن عبسة، وفيه طول، وفي آخره: فحدَّث عمرو بهذا الحديث أبا أمامة صاحب النبي - ﷺ - فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عنبسة، انظر ما تقول في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟ فقال عمرو: لقد كبر سني ورقّ عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على النبي ﷺ ولا على الله، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا حتى عد سبع مرات - ما حدثت به أبدا، ولكني سمعته أكثر من ذلك، وكما رواه حفص هنا رواه عن مالك في الموطأ يحيى بن يحيى والقعنبي وجمهور الرواة.
وقالت طائفة، منهم مطرف، وإسحاق بن عيسى الطباع عن مالك، عن زيد، عن عطاء، عن أبي عبد الله الصنابحي، واختلف عن زيد بن أسلم في ذلك، فقالت طائفة عنه ما قال مالك في أكثر الروايات عنه.
وقالت طائفة أخرى: عن زيد، عن عطاء، عن أبي عبد الله الصنابحي.
قال أبو عمر: وما أظن هذا الاضطراب جاء إلا من زيد بن أسلم، والصواب قول من قال فيه:، وروى زهير بن محمد، عن زيد، عن عطاء، عن عبد الله الصنابحي قال: سمعت
[ ١ / ٩٦ ]
رسول الله - ﷺ - يقول، فذكر قوله: إنّ الشّمس تطلع ومعها قرن الشيطان .. الحديث، وهو خطأ عند أهل العلم، والصنابحي لم يلق رسول الله - ﷺ قاله أبو عمر -، وزهير بن محمد لا يحتج به إذا خالفه غيره، قاله أبو عمر وقد روي عن ابن معين أنه سئل عن عبد الله الصنابحي يروي عنه المدنيون، فقال: يشبه أن يكون له صحبة، وأصح من هذا عن ابن معين أنه سئل عن أحاديث الصنابحي، عن النبي - ﷺ - فقال لمن سأله: ليست له صحبة، وبنحوه قاله الترمذي في كتاب العلل الكبير، عن البخاري، رحمهما الله تعالى.
وأما قول أبي عمر: إن زهير بن محمد لا يحتج به، فليس كذلك؛ لأنه ممن خرج حديثه الشيخان في صحيحيهما، ومن كانت هذه حاله لا يقال فيه ما ذكره، لا سيما مع عدم الحالة المصرَح بها، بل هو في المعنى متابع مالكا، وفي ذلك غنية، والله أعلم.
، وإنما فيهم الصنابح بن الأعسر الأحمسي كوفي، روى عنه قيس بن أبي حازم أحاديث، وفي الباب أيضا أحد يقال له عبد الله الصنابحي،.
قال ابن إسحاق: عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الرحمن بن عسيلة، قال: لم يكن بيني وبين وفَاة النبي - ﷺ - إلا خمس ليال، توفي وأنا بالجحفة، كذا زعم أبو عمر أن الذي يروي عنه مرثد هو الذي يروي عنه عطاء، وأبو حاتم يخالف ذلك،، والذي يروي عنه أبو الخير فهو عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، روى عن أبي بكر،، وفي هذا أيضا توهيم من ادّعى أن مالكا وهم في تسميته عبد الله، وقد قيل ذلك له، فلم يرجع؛ بل أصر عليه، وزعم أن كذلك حفظ، ووجده كذلك في كتابه، ففي هذا دلالة أنه لم يرجع إلى ما قيل له؛ لعلمه أنّه غير صواب؛ إذ لو كان صوابا لكان أسرع الناس رجوعا إليه، مع تسليمه أنّ الخطأ لا يسلم أحد منه.
ذكر أبو الفضل أحمد بن علي بن عمرو السليماني في كتاب سماه الحث على اقتباس الحديث: قال إبراهيم بن المنذر: سمعت معن بن عيسى يقول: قلت لمالك بن أنس: إن الناس يقولون: إنك تخطئ في أسامي الرجال، تقول: عبد الله الصنابحي، وإنما هو أبو عبد الله الصنابحي، وتقول: عمر بن عثمان، وإنما هو عمرو بن عثمان، وتقول: عمر بن الحكم السلمي، وإنما هو معاوية بن الحكم! فقال مالك: هكذا حفظنا، وهكذا وقع في كتابي، ونحن نخطئ، ومَنْ يسلم من الخطأ؟!
ويزيد ذلك وضوحًا أيضًا ما ذكره الحاكم في المستدرك من حديث مالك عن زيد عن عطاء عن عبد الله الصنابحي: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وليس له علة، وإنما خرجا حديث عثمان، وأبي هريرة غير تام، وعبد الله الصنابحي صحابي مشهور،.
وترجم ابن قانع في معجمه حرف العين المهملة باسم عبد الله الصنابحي،
[ ١ / ٩٧ ]
وكذا ترجم عليه غيره من المؤلفين، وأما النسائي فإنه ذكر في كتاب مسند حديث مالك هذا الحديث عن قتيبة، ثم قال: عن الصنابحي، ولم يسمه، وهو ما أغفل ذكره أبو عمر، قال أبو الحسن بن القطان: ونسبة الوهم إلى مالك أو مَنْ هو فوقه خطأ، ولا سبيل إليه إلا بحجة بينة، ومالك لم ينفرد بما قال من ذلك عن زيد، بل قد وافقه عليه أبو غسان محمد بن مطرف أحد الثقات المخرج لهم في الصحيحين، وفي كتاب أبي جعفر البغوي، ثنا أبو أحمد، أنا أبان البجلي، حدثني أبو مسلم قال: دخلت على أبي أمامة وهو يتفلى في المسجد، فذكر حديثا فيه: مَنْ توضأ فأسبغ الوضوء، وغسل يديه ووجهه، ومسح على رأسه وأذنيه، ثم قام إلى صلاة مفروضة، غفر الله له في ذلك اليوم ما مشت إليه رجلاه، وقبضت عليه يداه، وسمعته أذناه، ونظرته عيناه، وحدث به نفسه من سوء، وقال: سمعته من النبي - ﷺ - ما لا أحصيه، قال: ثنا الحسن بن موسى، ثنا شيبان عن معاوية، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كعب بن مرة السلمي، أن النبي - ﷺ - قال: إذا توضأت فغسلت كفيك، خرجت ذنوبك من كفيك، فذكره مطولًا، فهذا كله يوضح لك أن ما قاله مالك ومَنْ تبعه صواب، وما قاله أبو عمر عكسه، وذكر البخاري في الأوسط: وحدثني يوسف بن راشد، ثنا إسحاق الطباع، أخبرني مالك، عن زيد، عن عطاء، عن الصنابحي بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: إذا توضأ، وهذا عندي أصح، وفي كتاب التمهيد: أجمع العلماء على أن غسل الوجه، واليدين، والرجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس فرض ذلك كله، لأمر الله تعالى به، لا خلاف علمته في شيء من ذلك، إلا في مسح الرجلين وغسلهما على ما نبينه بعد هذا في بابه إن شاء الله تعالى، وقد استدل بعض مَنْ لم يجز الوضوء بالماء المستعمل بهذا الحديث لخروج الخطايا معه،
[ ١ / ٩٩ ]
فوجب التنزه عنه، لأنه ماء الذنوب، وهذا عندي لا وجه له، لأن الذنوب لا تنجس الماء، لأنها لا أشخاص لها، ولا أجسام تمازج الماء، فتفسده، وإنما معنى قوله: خرجت الخطايا مع الماء إعلامًا منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده المؤمنين رحمة منه بهم.
وقد اختلف الفقهاء في الماء المستعمل: فقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: لا يتوضأ به، ومَنْ توضأ به أعاد، لأنه ليس ماء مطلقًا ويتيمم واجده، لأنه ليس بواجد ماءً، وقال بقولهم في ذلك أصبغ بن الفرج، وهو قول الأوزاعي، وأما مالك فقال: لا يتوضأ به إذا وجد غيره من الماء، ولا خير فيه، ثم قال: إذا لم يجد غيره توضأ به، ولم يتيمم، لأنه ماء طاهر، لم يغيره شيء.
وقال أبو ثور وداود: الوضوء بالمستعمل جائز، لأنه ماء طاهر، لا ينضاف إليه شيء، وهو ماء مطلق، واحتجوا بإجماع الأمة على طهارته إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ نجاسة، وإلى هذا ذهب محمد بن نصر المروزي، ورُوي عن علي، وابن عمر، وأبي أمامة، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، والنخعي، ومكحول، والزهري، أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه، فوجد في لحيته بللًا أن يمسح بذلك البلل رأسه.
فهؤلاء كلهم اختاروا الوضوء بالماء المستعمل، وأما مالك والشّافعي وأبو حنيفة ومن قال بقولهم، فلا يجوز ذلك عندهم، ولو فعل لم يجزه، وكان عليه الإعادة لكلّ ما صلى بذلك الوضوء؛ لأنه قد أُدِّيَ به فرض، فلا يؤدى به فرض آخَر كالجمار وشبهها.
قال أبو عمر: الجمار مختلف فيه.
وقال بعض المنتمين إلى العلم من أهل عصرنا: إنَّ الكبائر والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة، واحتج بظاهر حديث الصنابحي، وبمثله من الآثار، وبقوله: فما ترون ذلك يُبْقِي من ذنوبه، وهذا جهل
[ ١ / ١٠٠ ]
بيّن، وموافقة للمرجئة، وكيف يجوز لذي لب أن يحمل هذه الآثار على عمومها، وهو يسمع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، وقوله ﵎: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا َ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ في آي كثيرة، ولو كانت الطهارة والصلاة وأعمال البرّ مكفرة للكبائر، والمتطهر المصلي غير ذاكر لذنبه ولا قَاصد إليه، ولا حضره في حينه ذلك الندم عليه لما كان لأمر الله تعالى بالتوبة معنى، ولكان كلّ من توضأ وصلى، يشهد له بالجنة بإثر سلامه من صلاته، وإن ارتكب قبلها ما شاء من الموبقات الكبائر، وهذا لا يقوله أحد ممن له فهم صحيح، وقد أجمع المسلمون أنَّ التوبة على المذنب فرض، والفروض لا يصح أداء شيء منها إلا بقصد ونية، وقال - ﵇ -: الندم توبة. وقال: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن ما اجتنبت الكبائر.
وهذا يبيّن لك ما ذكرنا، ويوضح لك أن الصغائر تكفر بالصلوات لمن اجتنب الكبائر، فيكون على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ﴾، كفرنا عنكم الصغائر بالصلاة والصوم والحج وأداء الفرائض، وإن لم تجتنبوا الكبائر، ولم تتوبوا منها، لم تنتفعوا بتكفير الصغائر، إذا واقعتم الموبقات المهلكات، وهذا كله قبل الموت، وبهذا قال جماعة المسلمين، وجاءت به الآثار الصحاح، ولو تدبر هذا القائل الحديث الذي فيه ذكر خروج الخطايا من فيه ويديه ورأسه ورجليه؛ لعلم أنّها الصغائر في الأغلب، ولعلم أنها معفو عنها بترك الكبائر.
دليله: قوله - ﵇ -: العينان يزنيان، والفم يزني، ويصدق ذلك كله الفرج، أو يكذبه. يريد - والله أعلم - أن الفرج بعمله يوجب الهلكة، وما لم يكن كذلك فأعمال البر تغسل ذلك كلّه، والله أعلم.
١٨ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن بشار قالا: ثنا غندر محمد بن جعفر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن يزيد بن طلق، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن عبسة، قال رسول الله - ﷺ -: إن العبد إذا توضأ فغسل يديه خرت
[ ١ / ١٠١ ]
خطاياه من يديه، فإذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه، فإذا غسل ذراعيه ومسح برأسه خرت خطاياه من ذراعيه ورأسه، فإذا غسل رجليه خرت خطاياه من رجليه.
هذا الحديث خرجه أبو عبد الله في مستدركه من حديث عبد العزيز بن أبي حازم، عن الضحاك بن عثمان، عن أيوب بن موسى، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن ابن عبسة، وقال فيه: صحيح الإِسناد على شرطهما ولم يخرجاه، وأبو عبيد تابعي كبير، لا ينكر سماعه من عمرو. وفي الحديث صحة سماعه، وله شاهد على شرط مسلم، عن عمرو بن عبسة، وفي الأوسط من حديث سالم بن أبي الجعد عن أبي أمامة مرفوعًا: إذا توضأ أحدكم حط ما أصاب بفيه … الحديث، وفي موضع آخر من حديث شهر بن حوشب عنه: إن العبد إذا غسل يديه خرجت خطايا يديه … الحديث، وقال: لم يروه عن أبي أيوب الإفريقي إلا أبو فروة يزيد بن سنان، وأما حديث ابن ماجه ففي إسناده ضعف، وقد تقدَّم معناه من كتاب مسلم، وسبب ضعفه عبد الرحمن بن البيلماني الأنباري، والبيلمان: هي خرق تعمل منها القلوع. وقال الرشاطي: بيلمان من بلاد السند، قال فيه أبو حاتم الرازي: لين، وبنحوه قاله الإشبيلي، وقال الدارقطني: ضعيف، لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله! وقال أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث، روى عن ابن عمر بواطيل، ولما ذكره ابن حبان في كتاب الثقات قال: لا يجب أن يعتبر بشيء من حديثه، إذا كان من رواية ابنه؛ لأن ابنه يضع على
[ ١ / ١٠٢ ]
أبيه العجائب، وممن ضعفه أيضا: يعقوب بن طاهر، وذكر الحاكم في كتاب المدخل: أن الشيخين اتفقا على تخريج حديث عمرو بن عبسة، ولم يرد ذلك عبد الغني بن سعيد فيما ردّه، فكأنه قرّره، وتتبع ذلك عليهما الحافظ أبو محمد بن يربوع الشنتريني، فزعم أن مسلما تفرد بحديثه دون البخاري، والله أعلم.
١٩ - حدثنا محمد بن يحيى، نا هشام بن عبد الملك، نا حماد، عن عاصم، عن رز بن حبيش، أنّ عبد الله بن مسعود قال: قيل: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال: غر محجلون، بلق من آثار الطهور.
خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه، عن أبي يعلى، ثنا كامل بن طلحة، نا حماد به، ولفظ أحمد في مسنده: من آثار الوضوء.
وفي الأوسط عن أبي إسرائيل الملائي، عن عطية، عن أبي سعيد، قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟
قال: لم يروه عن أبي إسرائيل إلا حسن بن حسين العرني، وفيه حديث جابر بن عبد الله أيضا، وقال: لم يروه عن الأعمش، يعني عن أبي مسلم، عن جابر إلا يحيى بن يمان.
وفي صحيح مسلم حديث أبي هريرة يرفعه: أرأيت لو أنَّ رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض الحديث.
وفي كتاب الترمذي بيان الغرّة مم هي؟ إذ هي في الأحاديث السابقة مجملة عن عبد الله بن
[ ١ / ١٠٣ ]
بسر مرفوعا: أمتي يوم القيامة غر من السجود، محجلون من الوضوء.
قال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
٢٠ - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، نا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم، حدثني شقيق بن سلمة، حدثني حمران مولى عثمان، قال: رأيت عثمان بن عفان قاعدا في المقاعد، فدعا بوضوءٍ فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ مثل وضوئي هذا، غفر له ما تقدم من ذنبه.
وقال رسول الله - ﷺ -: ولا تغتروا.
٢١ - حدّثنا هشام بن عمار، نا عبد الحميد بن حبيب، نا الأوزاعي، حدثني يحيى، حدّثني محمد بن إبراهيم، حدثني عِيسى بن طلحة، حدثني حمران، عن عثمان، عن النبي - ﷺ - نحوه.
هذا حديث إسناده صحيح؛ لأن الوليد إنما نحذر منه التدليس أو التسوية، وهنا أمِنا ذلك لتصريحه بسماعه، وسماع شيخه ومتابعة عبد الحميد له - وإن كان قد أتى بعيسى مكان شقيق - وهما ثقتان، فلا يضر ذلك الحديث، ويكون محمد سمعه منهما، أو يكون القول في ذلك قول الوليد لتقدمه به على عبد الحميد، فإن بعضهم، وهو أبو حاتم، يزعم أنَّه ليس بصاحب حديث.
وقال النسائي: ليس بالقوي، ويكون أراد ذكر شقيق، فوهم إلى عيسى، والله تعالى أعلم.
وله أصل في الصحيحين من حديث الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن حمران من غير زيادة ولا تغتروا، وهي في صحيح أبي حاتم البستي. قال:، ثنا ابن سلم، ثنا عبد الرحمن به. ولفظه: قال رسول الله - ﷺ -: من توضأ مثل وضوئي هذا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ثم قال - ﵇ -: ولا تغتروا، وفي حديث مسلم زيادة: وكانت صلاته
[ ١ / ١٠٤ ]
ومشيه إلى المسجد نافلة.
[وفي الباب غير حديث، من ذلك حديث أبي أمامة يرفعه: مَنْ توضأ، فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة، خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه، رواه الطبراني في معجمه الكبير عن شهر بن حوشب عنه، وفي آخره: قال أبو ظبية: وأنا سمعت عمرو بن عبسة يحدث بمثل هذا الحديث، حدث، فذكر كما ذكر أبو أمامة، وحديث سلمان الخير مرفوعًا: مَنْ توضأ، فأحسن الوضوء، تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق، رواه من حديث ابن جدعان عن أبي عثمان عنه، وحديث كعب بن مرة البهزي يرفعه: إذا توضأت، فغسلت كفيك خرجت خطاياك من كفيك، فإذا غسلت وجهك خرجت خطاياك من وجهك … الحديث، رواه ابن جرير عن منصور عن سالم عنه، وحديث أبي أيوب يرفعه: مَنْ توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، غُفِرَ له ما تقدم من عمل، أكذلك يا عقبة بن عامر؟ قال: نعم. رواه عن ابن عبد الحكم عن قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، ثنا أبو الزبير، عن سفيان بن عبد الرحمن، عن عاصم بن سفيان الثقفي عنه، وحديث جابر مرفوعًا: أمتي الغر المحجلون من آثار الوضوء، رواه الطبراني في الأوسط، وقال: لم يرو هذا عن الأعمش يعني عن أبي مسلم عنه إلا يحيى بن يمان].
قوله: واستنشق، يعني حرك الماء، بريح الأنف، قال القزاز: النشق مصدر نشقت الشيء أنشقه نشقا، إذا شممته، واسم ما يستنشقه النشوق، والشيء منشوق ومستنشق، وتقول: نشق الرجل بمعنى استنشق؛ ولذلك قال المتلمس:
[ ١ / ١٠٥ ]
ولو أن محموما بخيبر مدنفا … تنشق رباها لأقلع صالبه
أي: وجد ريحها، وتقول للرجل: استنشق يا فلان هذه الريح، وهذه ريح مكروهة النشق، أي الرائحة، ومنه قول رؤبة:
كأنه مستنشق من الفرقِ … حرا من الخردل مكروه النشق
وفي الغريبين: أي يبلغ الماء خياشيمه.
وذكر ابن قتيبة أنّ الاستنشاق والاستنثار سواء، مأخوذ من النثرة، وهي طرف الأنف، ويشبه أن يكون وهِم؛ لأنّ أهل اللغة فرّقوا بي هما، وفي نفس الحديث: فليجعل في أنفه ثم لينتثر، فدلَّ أنَّ النثر طرح الماء بريح الأنف متبددا، وقد أنكر ذلك عليه غير واحد من الأئمة.
قوله: أشفار عينيه، يعني حروف أجفانه، واحدها شُفر بضم الشين، كذا ذكره ثعلب، وذكر ابن قتيبة فتح الشين في أدب الكاتب.
وفي الجامع: شفير كلّ شيء حدّه، وفي المحكم: وشافره أيضا، وأما الفراء فَحَكَى فيه الضم، وأنكره بعضهم.
قوله: خرت خطاياه، قال في الجمهرة: خر يخر خرًّا، إذا هوى من علو إلى سفل، وكل واقع من حائط وغيره فقد خرّ، يخر خرًّا، وكذلك الرجل إذا سقط وهو قائم على وجهه.
وقال الهروي: سقط يخر خرورا بضم الخاء، وبنحوه قال الجوهري.
قوله: غرة، يريد البياض في الوجه، والغرَّة بياض في وجهة الفرس تفوق الدرهم، يقال: فرس أغر، والأغر الأبيض، وقوم غرّان، قال امرؤ القيس:
ثياب بني عوف طهارى نقية … وأوجههم عند المشاهد غران
ورجل أغر: أي شريف، وفلان غُرةُ قومه: أي سيدهم، وغُرَّةُ كل شيء أوّله وأكرمه، ذكره صاحب الصحاح، وفي الجمهرة: وكلّ شيء بدا لك من وضوءٍ أو صبح، فقد بدت لك غرته. وقال القزاز: الأغر والغراء: الأبيض والبيضاء، ومنه
[ ١ / ١٠٦ ]
قول الأعشى:
غراء فرعاء مصقول عوارضها … تمشي الهوينا كما يمشي الوَجِي الوَحِل
وقيل: الغراء الواسعة الجبهة، وقيل: هي البيضاء النقية العرض.
وقالت الأعراب: هي التي تتسع جبهتها وملاح ما بين عينيها، وتتباعد قصبتها من جبينها.
وقيل: هي البيضاء العينين، وهذا امرؤ غر محجّل، أي واضح، ولذلك قال الشاعر:
ألا حييا ليلى وقولا لها هلا … لقد ركبت امرأ أغر محجلا
وفي كتاب النبات لأبي حنيفة: الغراء من نبات التبر، ولها زهرة بيضاء شديدة البياض ناصعة.
وقال أبو نصر: الغراء ثمرة بيضاء، يعني بالثمرة الزهرة، قال أبو حنيفة: ونباتها مثل نبات الجزر، وحبّها كحبّه، وهي طيبة الريح، وخالف ذلك أبو زياد، أنشد أبو العباس للقلاخ، يقوله لإِبراهيم بن النعمان بن بشير، لما زوج أخته من يحيى بن أبي حفصة مولى عثمان:
لله درّ جياد كنت سائسها … ضيعتها وبها التحجيل والغرر
وفي الكناية: وإذا كان بوجه الفرس بياض يسير بقدر الدرهم فما دون ذلك، فذلك القرحة، والفرس أقرح، فإذا جاوز ذلك فهو الغرة، فإن كانت قوائمه الأربع بيضَاء لا يبلغ البياض منها الركبتين فهو محجل، فإن كان البياض بيديه دون رجليه فهو أعصم.
وذكر الأصمعي أنه الذي يرتفع البياض إلى موضع القيد، قال: ومنه الحجل. وفي الصحاح: التحجيل: بياض في قوائم الفرس، أو في ثلاث منها، أو في رجليه، قلّ أو كثر بعد أن تجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين، فإذا كان في قوائمه الأربع فهو محجل أربع، وإن كان في الرجلين جميعا فهو محجل الرجلين، فإن كان بإحدى رجليه وجاوز الأرساغ فهو محجّل الرجل اليمنى أو اليسرى، فإن كان البياض في ثلاث قوائم دون رجل أو دون يد، فهو محجل ثلاث
[ ١ / ١٠٧ ]
مطلق يد أو رجل، فلا يكون التحجيل واقعا بيد أو يدين، ما لم يكن معها أو معهما رجل أو رجلان، فإن كان محجل يد ورجل من شق فهو ممسك الأيامن، مطلق الأياسر، أو ممسك الأياسر مطلق الأيامن.
وأما المقاعد فذكر القاضي في المشارق أنَّها موضع عند باب المسجد. وقيل: مصاطب حوله. وقيل: هي دكاكين عند دار عثمان.
وقال الداوودي: هي الدرج. وفي سنن الدارقطني: هي عند مصلّى الجنائز عند المسجد.
[ ١ / ١٠٨ ]