٣٨ - حدثنا سويد بن سعيد، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن خالد بن سلمة، عن عبد الله البهي، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - كان يذكر الله على كل أحيانه.
رواه الترمذي عن أبي كريب، ومحمد بن عبيد، ثنا يحيى، عن أبيه. وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة، وزعم بعض المتأخرين من العلماء أن في كلام الترمذي ما يقتضي أن يحيى بن زكريا تفرد به عن أبيه، وليس كذلك؛ لأن إسحاق بن يوسف الأزرق رواه عن زكريا أيضا، قال: ولكنه بيحيى أشهر. انتهى كلامه.
وفيه نظر من حيث إن الترمذي لم يبيّن أي بني زائدة تفرّد به، ويحيى وأبوه يصدق على كل منهما ابن أبي زائدة؛ فيحتمل أن يكون المعني به عنده بالتفرد زكريا لا ابنه، ويحتمل الآخر، وإذا كان كذلك، فليس لنا أن نقول: أراد واحدا بعينه؛ إذ لم يبيّن هو بنفسه ذلك، وإذا تطرق الاحتمال سقط الاستدلال.
وفي قول الترمذي: حسن غريب، يريد بذلك تفرد به ابن أبي زائدة، وكان ينبغي أن يكون على رأيه صحيحا لا حسنا؛ لأن تفرد ابن أبي زائدة لا يحطه عن درجة الصحيح؛ ولذلك لم يعتمده مسلم؛ بل خرجه في صحيحه، وأيضا فرجاله عند الترمذي ممن يصحح أحاديثهم دائبا.
٣٩ - حدثنا نصر بن علي الجهضمي، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا همام بن يحيى، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن النبي - ﷺ - كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه.
هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه، فممن صححه أبو حاتم البستي في
[ ١ / ١٤١ ]
صحيحه، والترمذي، وقال: حسن صحيح غريب، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، إنما خرجا حديث نقش الخاتم فقط، وزعم أبو عبد الرحمن النسائي أنه غير محفوظ، وقال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس أن النبي - ﷺ -: اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه، والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام، زاد في التفرد: نخاف أن يكون هذا الحديث ليس بمحفوظ.
وفيه نظر من وجوه:
الأول: قوله: هذا حديث منكر، وهو مردود بما أسلفناه.
الثاني: قوله: لم يروه إلا همام، مردود برواية يحيى بن المتوكل، ذكره الحاكم عن علي بن حمشاذ، ثنا عبيد الله بن عبد الواحد، ثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي، نا يحيى بن المتوكل البصري، عن ابن جريج، عن الزهري به.
ورواه أبو نعيم في تاريخ بلده من حديث عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى به.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وفيما قاله نظر؛، وأظن - والله أعلم - أن تضعيف يحيى هو الذي ألجأ البغوي إلى أن قال فيه حين رواه في شرحه من جهة إسحاق بن الخليل عنه: هذا حديث غريب، والبيهقي في قوله: هذا شاهد ضعيف.
[ ١ / ١٤٢ ]
الثالث:.
وفي مسند أنس بن مالك لأبي علي إسماعيل بن قيراط العذري: قالوا لابن جريج، فقال: طارئ، إنما لبسه يوما واحدا.
والخاتم فيه لغات: فتح التاء وكسرها، وبألف بعدها وما آخر الحروف قبلها عوضا عن الألف مع فتح الخاء، وختام وختم، وعلى هذا قول الأعشى:
وصهباء طاف يهوديها … وأبرزها وعليها ختم
قال اللبلي: فأمّا الذي يختم به فبالكسر لا غير، وجمعه خياتيم على إبدال الياء من الواو.
والحديث أصل في استحباب رفع ما فيه اسم الله تعالى عند الخلاء؛ لأن خاتمه - ﵇ - كان نقشه محمد رسول اللَّه وعلى ذلك فقهاء الأمصار، واختلفوا في الاستصحاب؛ فأباحه مالك وأحمد بشرط الستر إن كان خاتما، فإدارة فصه إلى الكف وإن كان درهما فبصره، هذا لحديث العرزمي، عن نافع، عن ابن عمر: كان - ﵇ - يتختم في خنصره الأيمن، فإذا دخل الخلاء جعل الكتاب مما يلي كفه، وإن
[ ١ / ١٤٣ ]
كان في اليسرى جعله في اليمنى، وقد جاء ذلك مصرحا به أيضا في حديث رواه علي بن أبي طالب عند ابن طاهر، وقال فيه الجوزقاني: حديث منكر، وضعف أيضا حديث ابن عمر، وأبو حنيفة والشافعي قالا بكراهة الاستصحاب تنزيها، والله أعلم.
[ ١ / ١٤٤ ]