٥٥ - حدثنا محمد بن طريف، ثنا عبدة بن سليمان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عائشة - ﵂ - قالت: ربما فركته من ثوب النبي ﷺ بيدي.
٥٦ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: نزل بعائشة ضيف، فأمرت له بملحفة لها صفراء، فاحتلم فيها، فاستحيى أن يرسل بها وفيها أثر الاحتلام، فغمسها في الماء، ثم أرسل بها، فقالت عائشة: لِم أفْسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بإصبعه، ربما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بإصبعي.
هذا حديث خرّج مسلم - رحمه الله تعالى - في صحيحه أصله، وفي لفظ له من حديث شبيب بن غرقدة عن عبد الله بن شهاب الخولاني، قال: كنت نازلا على عائشة فاحتلمت في ثوبي، فغمستها فرأتني جارية لعائشة، فأخبرتها فبعثت إلي عائشة، فقالت: ما حملك على ما صنعت بثوبك؟ … الحديث. وفي لفظ: لقد رأيتني وإنّي لأحكّه من الثوب للنبي ﷺ بظفري.
٥٧ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله ﷺ فأحته عنه.
[ ٢ / ١٩٣ ]
هذا حديث خرجه مسلم أيضا، وقال البزار: وحديث إبراهيم عن الأسود عن عائشة قد روي من وجوه: فرواه مغيرة والأعمش وأبو معشر عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، ورواه منصور والحكم عن إبراهيم عن همام عنها، ورواه ابن أبي نجيح وحميد الأعرج عن مجاهد عنها، ورواه الزهري عن عروة عنها، ورواه يحيى بن سعيد عن عمرة والقاسم عنها، ورواه عنها غير من ذكرنا، وفي الكامل من رواية أحمد بن أبي أوفى عن عباد بن منصور عن عطاء عنها: لقد رأيتني أفرك الجنابة من ثوبه ﷺ، ثم لا أغسل مكانه، وقال: هذا حديث مستقيم، وإنما أنكر - يعني على أحمد بن أبي أوفى - مخالفته أصحاب شعبة، وقد وجدناه من غير طريق أحمد، فسلم من المخالفة كما زعم، قال أحمد بن منيع في مسنده: ثنا أبو قطن، ثنا عباد بن منصور، فذكره، وذكره أبو جعفر الطحاوي في شرح الآثار من حديث الأوزاعي عن عطاء عنها.
وذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث ابن جبير عنها، وقال: لم يروه عن سعيد إلا جعفر بن أبي المغيرة، ولا عن جعفر إلا مندل، تفرد به عون بن سلام، ورواه أيضا عن أبي سفانة النخعي عنها، وقال: لم يروه عن أبي سفانة إلا برد بن أبي زياد، تفرد به عبثر بن القاسم، ورواه أيضا من حديث أبي العنبس سعيد بن كثير، قال: حدثني أبي عنها، ومن حديث عائشة بنت طلحة، بلفظ: ربما حككت المني.
[ ٢ / ١٩٤ ]
وقال: لم يروه عن طلحة إلا كامل أبو العلاء ولا عنه إلا خالد بن يزيد، تفرد به العباس بن محمد، ولفظه: أفركه من ثوبه ﷺ - تعني: المني -.
ومن حديث أبي مجلز عن الحارث بن نوفل عنها بمثله، وفي لفظ عنده: كنت أفركه من مرط رسول الله ﷺ، وكانت مروطنا يومئذ الصوف.
وقال البيهقي في المعرفة: بين عائشة ومحارب منقطع، ولفظه عنده: من ثياب النبي ﷺ وهو في الصلاة، وقال الخلال: سئل أحمد عن حديث جعفر عن الزهري عن عروة عن عائشة: كنا نراه في مرط إحدانا ثم نفركه، فقال أبو عبد الله: ما أنكره، وفي لفظ لابن خزيمة في صحيحه من حديث الأسود عنها: كنت أحك الجنابة من ثوبه كالنخامة، وفي حديث محارب بن دثار عنها: أنها كانت تحتّ المني من ثوبه ﷺ، وهو يصلي، وذكر الكلام في كتاب الخلال عن أحمد، زاد حماد بن سلمة فيه زيادة حسنة: فكان يُصلِّي فيه، وقال مهنأ: قلت لأحمد: أي شيء تنكر من حديث عباد بن منصور؟ قال: كان يحدث عن القاسم عن عائشة: كنت أفرك المني من ثوبه ﷺ. قلت: وهذا منكر؟ قال: نعم، من وجه القاسم.
وفي كتاب ابن حزم: روينا من طريق أبي حذيفة عن سفيان، فمرة قال: عن الأعمش، ومرة قال: عن منصور، ثم استمر عن إبراهيم عن همام بن الحارث عن عائشة في المني: أنّ رسول الله ﷺ كان يأمر بحتّه، قال: تفرّد به أبو حذيفة موسى بن مسعود البصري، وهو ضعيف مصحف، كثير الخطأ، يروي عن سفيان البواطيل، قال الإمام أحمد: هو شبه لا شيء، كأن سفيان الثوري الذي يحدّث عنه أبو
[ ٢ / ١٩٥ ]
حذيفة ليس بسفيان الذي يحدّث عنه الناس.
قال ابن المنذر: اختلفوا في طهارة المني، فممن غسله من ثوبه عمر بن الخطاب، وأمر بغسله جابر بن سمرة وابن عمر وعائشة وابن المسيب، وقال مالك: غسل الاحتلام من الثوب أمر واجب مجمع عليه عندنا، وعلى هذا مذهب الأوزاعي والثوري، غير أنّ الثوري يقدره بالدرهم، وفيه قول ثان: وهو أنّه طاهر يفرك من الثوب. وممن رأى أنه يفرك من الثوب: سعد بن أبي وقاص وابن عمر، وقال ابن عباس: امسحه بأذخرة أو خرقة، ولا تغسله إن شئت. وقال ابن المسيب: إذا صلى فيه لم يعد، والمني عند الشّافعي وأبي ثور ليس بنجس. وقال أحمد: يفركه. وقال أصحاب الرأي: إذا جف يحته بخرقة. قال أبو بكر: والمني طاهر، واختلفوا في المني يصيب الثوب يخفى مكانه، فكان عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: يغسل ما رأى، وينضح ما لم ير، وقال ابن عباس: ينضح الثوب. وبه قال النخعي وحماد. وقال عطاء: ارششه. وقالت عائشة: إن رأيته فاغسله، وإن لم تره فانضحه.
وفي مسند ابن منيع الكبير: ثنا إسحاق بن يوسف، ثنا محمد بن قيس، عن محارب عنها، أنّها كانت تحت المني من ثوب النبي ﷺ وهو في الصلاة.
وكان ابن عمر وأبو هريرة والحسن يقولون: إذا خفي مكانه غسل الثوب كله. وفيه قول ثالث: وهو أنّ الفرك يجزئه، فإن كان لا يدري مكانه فرك الثوب كلّه، هذا قول إسحاق.
وفيه قول رابع: وهو أنه طاهر؛ هذا قول الشّافعي وأبي ثور، فعلى هذا القول يجزئه إن لم يفركه، وقال أبو محمد بن حزم: والمني طاهر في الماء كان أو في الجسد أو في الثوب، ولا تجب إزالته والبصاق بمثله ولا فرق، وقد كذب من تخرص بلا علم، فإن قال: كانت عائشة تفركه بالماء لقولها: كنت أفركه يابسا بظفري، قال أبو سليمان الخطابي: في قول عائشة: كنت أفرك المني، دليل على طهارته، ولو كانت عينه نجسة لما طهر يابسه بالفرك كالعذرة، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ١٩٦ ]