١٥٣ - حدثنا محمد بن بشار، ثنا أبو داود، ثنا خارجة بن مصعب، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عتي بن ضمرة السعدي، عن أبي بن كعب، قال رسول الله، ﷺ: إن للوضوء شيطانا يقال له ولهان، فاتقوا وسواس الماءِ.
هذا الحديث مختلف فيه؛ فممن صححه: الحافظ أبو بكر بن خزيمة وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي؛ بذكره له في الأحاديث المختارة، وأبو عبد الله ابن البيع بذكره له شاهدا في مستدركه، ونبه على تفرد خارجة به، وكذلك قال الترمذي: هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي، لا نعلم أحدًا أسنده غير خارجة، وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه، عن الحسن قوله، ولا يصح في هذا الباب عن النبي - ﷺ - شيء،.
وفي العلل لابن أبي حاتم، عن أبيه: كذا رواه خارجة، وأخطأ فيه، ورواه الثوري، عن يونس، عن الحسن قوله.
ورواه غير الثوري، عن يونس، عن الحسن أن النبي - ﷺ - … مرسل.
قال: وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: رفعه إلى النبي - ﷺ - منكر.
وفي موضع آخر: هو عندي منكر.
وفي كتاب التاريخ لأبي حاتم، وقال له الكَناني: روى هذا الحديث غير خارجة؟ فقال: لم يرو هذا الحديث غيره، وهو متروك الحديث، ولا يرويه عن
[ ١ / ٣٩٠ ]
يونس غيره، وفيما قالوه نظر؛ لأنا رأينا غير خارجة رواه أيضا، وأسنده وهو محمد بن دينار الثقة برفع البأس عنه عند ابن معين وأبي حاتم، الصدوق عند أبي زرعة، الحسن الحديث عند ابن عدي.
قال الهيثم بن كليب في مسنده: ثنا أبو بكر بن أبي خيثمة، أنبأ موسى بن إسماعيل المنقري، عن محمد بن دينار، عن يونس. فذكره مرفوعًا.
ولنذكر من حال أبي الحجاج خارجة بن مصعب الضبعي الخراساني ما يبين أمره ويوضحه، وذلك أنه ممن ذكر البخاري أنّ وكيعًا تركه قال: وكان يدلس على غياث بن إبراهيم، ولا نعرف صحيح حديثه من سقيمه.
وسئِل عنه ابن معين، فقال: ليس بشيء. وقال مرة: ليس بثقة.
وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث، ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، مثل مسلم بن خالد، لم يكن محله محل الكذب.
وقال أحمد: لا يكتب حديثه، وفي كتاب المروذي: سئل أحمد عنه فضعفه، وقال: ما روى عنه ابن المبارك شيئًا في كتبه، فقال له ابن أبي رزمة: بلى حديثًا واحدًا، قال: وقد قالوا لابن المبارك فيه، فقال: كيف أحدث عن رجل حدث بكذا؟! لحديث منكر.
وقال يحيى بن يحيى: هو مستقيم عندنا، ولا ننكر من حديثه إلا ما كان يُدلس عن غياث، وإنّا كنّا نعرف تلك الأحاديث.
وقال النسائي والأزدي وابن خراش: متروك الحديث.
وقال الدارقطني: هو وأخوه علي ضعيفان.
وقال ابن عدي: وهو ممن يكتب حديثه، وعندي أنّه إذا خالف في الإسناد أو المتن فإنّه يغلط، ولا يتعمّد الكذب، وإذا روى حديثًا منكرًا فيكون البلاء ممن روى عنه، فيكون ضعيفًا.
وقال ابن أبي شيبة: سألت عليًا عنه فقال: هو عندنا ضعيف.
وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج بخبره.
وفي كتاب الآجري: سألت أبا داود عنه، فقال: ضعيف، وفي موضع آخر: سمعت أبا داود يقول: خارجة أودع كتبه غياث بن إبراهيم، فأفسدها عليه.
وفي موضع آخر: سألت أبا داود عنه، فقال: ليس بشيء. وذكره العُقيلي، والبلخي،
[ ١ / ٣٩١ ]
ويعقوب بن سفيان، في الضعفاء. وقال الساجي: كان يرى الإرجاء، تركه وكيع.
فتبيّن بمجموع ما ذكر أنّ الصواب قول من ضعف الحديث بخارجة، ومن صححّه بوجوده وتفرده على ما زعم لا عذر له، وأنّ الحديث الذي أورده الهيثم صحيح الإِسناد، والله أعلم.
١٥٤ - حدّثنا علي بن محمد، ثنا خالي يَعْلى، عن سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هذا الوضوء، فمن زاد على هذا، فقد أساء أو تعدى أو ظلم.
هذا حديث خرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه، عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ثنا الأشجعي، عن سفيان ثم قال: لم يوصل هذا الخبر غير الأشجعي ويعلى، وخرجه أيضا ابن الجارود في المنتقى.
وخرجه أبو داود في باب: ما تفرد به أهل الطائف بلفظ: أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء، فغسل كفّيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، فمسح بإبهامه ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أُذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا، ثم قال: هكذا الوضوء. وإسناده صحيح إلى عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص أبي إبراهيم، وحاله مختلف فيها على أربعة أنحاء: هل هو ثقة أم لا؟ وهل حديثه متصل أم لا؟
فأما الأول: فذكر يحيى بن سعيد القطان أنه إذا روى عنه الثقات فهو ثقة يحتج به.
وقال الأوزاعي: ما رأيت قرشيا أفضل من عمرو.
وذكر ابن معين أنه ثقة في نفسه، إنما بلي بكتاب أبيه، عن جدّه.
وقال أبو الفتح الأزدي: سمعت عدة من أهل العلم بالحديث يذكرون أنّ عمرا فيما روى عن ابن المسيب وغيره فهو صدوق، وما
[ ١ / ٣٩٢ ]
رواه عن أبيه عن جدّه يجب التوقّف فيه.
وقال النسائي: سمعت ابن راهويه يقول: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عندنا عدل، وإنما دخل حديثه الوهن لرواية الضعفاء عنه، وقد روى عنه جماعة من الأئمة، قال أبو عبد الرحمن: وهو لا بأس به.
وسئل أبو حاتم: عمرو أحب إليك أو بهز عن أبيه عن جدّه؟ قال: عمرو، عن أبيه، عن جده أحب إلي.
وسأله الكناني عن حديث عمرو، عن أبيه، عن جده، فقال: يكُتب ما روى عنه الثقات، ولا يحتج بها، وفي رواية: وسئل عنه أيضا فقال: ما شأنه؟ وغضب، وقال: ما أقول فيه؟ روى عنه الأئمة.
وفي رواية يحيى بن منصور: يكتب حديثه.
وفي كتاب الطبقات لمحمد بن عبد الله البرقي: قال لي ابن معين: كان عمرو ثبتا.
وقال العجلي: هو ثقة.
وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن عبد الله، والحميدي، وإسحاق بن إبراهيم، وأبا عبيد، وعامة أصحابنا، يحتجون بحديث عمرو، عن أبيه، عن جده، ما تركه أحد من الناس.
قال محمد: قال حنبل: فمن الناس بعدهم؟
وقال أحمد بن تميم: قلت لمن يتكلم فيه: تقول ماذا؟ قال: يقولون: إن عمرا أكثر، أو نحو هذا.
وقال الدارقطني: لم يترك حديثه أحد من الأئمة، وإذا بين جدّه فهو صحيح.
وقال أبو زرعة: مكي، كأنه ثقة في نفسه، إنّما تكلم فيه بسبب كتاب كان عنده.
الثاني: قال أيوب السختياني: كنت إذا أتيته غطيت رأسي حياء من الناس.
وقال الليث: عليك بطاوس ومجاهد، رد عني من جواليقك: عمرو بن شعيب وفلانا.
وقال يحيى بن سعيد: حديثه عندنا واهٍ.
وقال أحمد: أنا أكتب حديثه، وربّما احتججنا به، ورّبما وجس في القلب منه شيء، وله مناكير.
وفي رواية: ليس بحجة، ومالك روى عن رجل عنه.
وفي سؤالات الميموني: سمعت أحمد يقول: عمرو له أشياء مناكير، وإّنما يكتب حديثه ليعتبر، فأما أن يكون حجة فلا. وفي هذا معارضة لما ذكره البخاري قبل.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه، ما
[ ١ / ٣٩٣ ]
روى عنه الثقات فيذاكر به، وفي رواية ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ليس بذاك.
وقال الآجري: سألت أبا داود: عمرو عندك حجة؟ قال: لا، ولا نصف حجة.
وفي موضع آخر: قال أبو داود، عن أحمد: أصحاب الحديث إذا شاءوا احتجوا بحديث عمرو، عن أبيه، عن جدّه، وإذا شاءوا تركوه.
وقال ابن عدي: أحاديثه عن أبيه عن جدّه اجتنبها الناس مع احتمالهم إيّاه، ولم يدخلوه في صحيح ما خرجوه. وقالوا: هي صحيفة.
ولما ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء قال: قال سفيان بن عيينة: غيره خير منه.
وفي كتاب ابن أبي حاتم عنه: وكان حديثه عند الناس فيه شيء.
وقال أبو عمرو بن العلاء: كان قتادة وعمرو بن شعيب لا يُعاب عليهما بشيء، إلا أنّهما كانا لا يسمعان شيئا إلَّا حدّثا به.
وفي كتاب الساجي: ثنا ابن المثنى، ثنا حماد بن سلمة، عن حميد، قال: الناس يتهمون عمرًا في حديث رواه عن أبيه، عن جدّه، عن عمر بن الخطاب: أن النبي - ﵇ - قضى في موالي المرأة لعصبتها دون ابنها، وذكره البرقي في كتاب الطبقات في باب من ينسب من الثقات إلى الضعف.
الثالث: قال البخاري في تاريخه الكبير: شعيب بن محمد سمع عبد الله بن عمرو، سمع منه ابنه عمرو.
وقال أبو عاصم: عن حَيوة، عن زياد بن عمرو: شعيب بن محمد سمع عبد الله بن عمرو، قال البخاري: إنّما أردنا بهذا أن شعيبًا سمع من عبد الله.
وقال أبو جعفر أحمد بن سعيد الدارمي: عمرو ثقة، روى عنه الذين نظروا في الرجال، واحتج أصحابنا بحديثه، وسمع أبوه من عبد الله بن عمرو.
وقال أبو الحسن البغدادي: رأى شعيب عبد الله. وقال في كتاب السنن: قال محمد بن علي الوراق: قلت لأحمد بن حنبل: عمرو بن شعيب سمع من أبيه شيئًا؟ قال: يقول: حدّثني أبي، قلت: فأبوه سمع من ابن عمرو؟ قال: نعم أرَاهُ قد سمع منه، قال: وسمعت أبا بكر النيسابوري، يقول: هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد صح سماع عمرو من أبيه شعيب، وسماع شعيب من جدّه
[ ١ / ٣٩٤ ]
عبد الله، وبنحوه قاله ابن سرور.
وأمّا قول البيهقي في المعرفة: لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في سماع عمرو من أبيه، وإنّما الخلاف في سماع شعيب من جدّه عبد الله.
وقد ذكرنا في مسألة الجماع في الإحرام ما دلّ على سماع شعيب من عبد الله بن عمرو، وما نذكره بعد من الخلاف، يرد عليه قوله، والحمد لله وحده.
الرابع: ذكر العقيلي عن يحيى: حديث عمرو كتاب، إنما هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله، وهو يقول: أبي عن جدّي، عن النبي - ﷺ -، فمن هنا ضُعّف أو نحو هذا.
وقال الدوري عنه: إذا حدّث عمرو عن أبيه فهو كتاب، وفي كتاب الطبقات للبرقي: كانوا يرون ما روى عن أبيه، عن جدّه كتابا.
وقال أبو زرعة: إنّما أنكروا عليه أنه روى صحيفة كانت عنده، وكان مغيرة بن مقسم لا يعبأ بصحيفة عمرو، وقال: ما يسرني أن صحيفته عندي بتمرتين أو بفلسين.
وفي كتاب الساجي: عن أبيه عن جده - لا حجة فيه، وليس هو بمتصل، وهو ضعيف من قبل أنه مرسل، وجد شعيب كتب عبد الله بن عمرو، فكان يرويها عن جدّه إرسالًا، وهي صحاح عن ابن عمرو، غير أنه لم يسمعها.
وفي تاريخ ابن أبي خيثمة الأوسط: سئل يحيى عن حديث عمرو، عن أبيه، عن جدّه، فقال: ليس بذاك، قال: وسمعت هارون بن معروف، يقول: لم يسمع عمرو من أبيه شيئًا، إنما وجده في كتاب، وبنحوه قاله الترمذي.
وقال ابن حبان في كتاب الثقات: شعيب يروي عن ابن عباس، روى عنه ابنه عمرو، ويُقال: إنه سمع جدّه عبد الله، وليس ذلك بصحيح عندي.
١٥٥ - حدثنا أبو إسحاق الشّافعي إبراهيم بن محمد بن العباس، ثنا سفيان، عن عمرو سمع كريبًا سمعت ابن عباس يقول: بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي - ﷺ - فتوضأ من شنة وضوءًا يقلله، فقمت، فصنعت كما صنع.
[ ١ / ٣٩٥ ]
هذا حديث خرجه الشيخان في صحيحيهما مطولًا بذكر الصلاة وغيرها، وسيأتي طرف منه بعد - إن شاء الله تعالى - وميمونَةُ هي بنت الحارث بن حَزْن بن بجير بن الهُزَم بن رُؤيبة بن عبد الله بن هلال أخت لبابة الكبرى أم ابن عباس، ولبابة الصغرى أم خالد، عَصْيماء وعزة وأم حفيد هُزَيلة لأب وأم، وأخواتها لأمها: أسماء وسلمى وسلامة بنات عُمَيس، تزوجها - ﵇ - بسرف وهو محرم.
وقيل: وهو حلال في شوال سنة سبع، وبنى بها به، وتوفّيت به سنة ثلاث. وقيل: ست وستين. وقيل: إحدى وخمسين. وقيل: اثنتين وخمسين، وضعفها ابن عساكر، خلا الحادي والخمسين. وقيل: سنة ثمان وثلاثين، ذكره البكري أبو عُبيد، وهي آخر زوجة تزوجها ﷺ.
١٥٦ - حدثنا محمد بن المصفى الحمصي، ثنا بقية، عن محمد بن الفضل، عن أبيه، عن سالم، عن ابن عمر، قال: رأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يتوضأ، فقال: لا تسرف لا تسرف.
هذا حديث إسناده معلل بأمور، منها:
بقية بن الوليد بن صائد بن كعب بن حريز الكلاعي الحميري الميَّتمي، وإن كان مسلم قد خرج له حديثًا في صحيحه واحدًا في كتاب النكاح، واستشهد به البخاري في باب: من أخف الصلاة، وصحح له الترمذي أحاديث.
وقال ابن المبارك في تاريخه: كان صدوقًا، ولكنه كان يكتب عمن أقبل وأدبر.
وقال ابن معين: كان شعبة مبجلا لبقية حين قدم بغداد.
وقال أبو زرعة: ما له عيب إلا كثرة روايته عن المجهولين، فأما الصدق فلا يؤتى من الصدق، إِذا حدّث عن الثقات فهو ثقة.
وقال يعقوب: هو ثقة إذا حدث عن المعروفين، ويحدّث عن قوم متروكي الحديث، وعن الضعفاء، ويحيل عن أسمائهم إلى
[ ١ / ٣٩٦ ]
كناهم، وعن كناهم إلى أسمائهم، ويحدث عمن هو أصغر منه.
وقال محمد بن سَعْد: كان ثقة في روايته عن الثقات، ضعيفا في روايته عن الضعفاء.
وقال النسائي: إذا قال: ثنا وأنبأنا، فهو ثقة، وإذا قال: عن فلان، فلا يؤخذ عنه؛ لأنه لا يدرى عمن أخذه.
وقال العجلي: هو ثقة فيما روى عن المعروفين، وما روى عن المجهولين فليس بشيء.
وعن عبد الله بن أحمد قال: سمعت عطية بن بقية يقول: أنا عطية بن بقية وأحاديثي نقية، فإذا مات عطية ذهب حديث بقية.
وذكر الحازمي أنه ثقة في نفسه، وإذا روى عن المعروفين فمحتج به، فقد قال ابن عيينة، وسئل عن حديث، فقال: أنا أبو العجب أنا بقية بن الوليد، ثم قال: لا تسمعوا من بقية ما كان في سُنة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره.
وقال أبو مسهر: بقية ليست أحاديثه نقية فكن منها على تقية.
وقال أحمد بن حنبل: إذا حدّث عن قوم ليسوا بمعروفين فلا تقبلوه.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وفي سؤالات السلمي للدارقطني: وأخرج البخاري عن بقية وبهز اعتبارا. قال: لأن بقية يحدث عن الضعفاء، وبهز متوسط.
وقال ابن عدي: يخالف في بعض رواياته الثقات، وإذا روى عن أهل الشام فهو ثبت، وإذا روى عن غيرهم خلط، وإذا روى عن المجهولين فالعهدة منه، لا منهم، وهوْ صاحب حديث.
وفي الخلافيات لأبي بكر في أثناء كلام له: كيف وقد أجمعوا على أن بقية ليس بحجة. انتهى. وهو كلام يحتاج إلى تأويل وصرف عن ظاهره.
وقال أبو حاتم بن حبان: سمع من شعبة ومالك وغيرهما أحاديث مستقيمة، ثم سمع من أقوام كذابين، عن شعبة ومالك، فروى عن الثقات بالتدليس ما سمع من الضعفاء، وكان أصحابه يفعلون ذلك، ولا يحتج به.
وفي كتاب العقيلي عن بقية قال: ذاكرت حماد بن زيد بأحاديث، فقال: ما أجود أحاديثك لو كان لها أجنحة. يعني: أسانيد.
وقال وكيع: ما سمعت أحدا أجرأ على أن يقول: قال النبي - ﷺ - من بقية.
وقال أبو عبد الله: وما سمعته يتناول أحدا إلا بقية، ولما ذكره الساجي في كتاب الضعفاء، قال: فيه اختلاف.
الثاني: محمد بن الفضل بن عطية العَبسي أبو عبد الله المروزي، قال فيه ابن
[ ١ / ٣٩٧ ]
معين: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه. وفي رواية: كان كذابا. وفي رواية: حديثه حديث أهل الكذب.
وقال الجوزجاني: كان كذابا، سألت ابن حنبل عنه فقال: ذاك عجب يأتي بالطّامات، ولم يرضه، وهو صاحب حديث: ناقة ثمود، وبلال المؤذن.
وقال ابن المديني: روى عجائب، وضعفه.
وقال النسائي ومسلم: متروك الحديث.
وقال صالح بن محمد: كان يضع الحديث.
وقال عبد الرحمن بن يوسف ابن خراش: متروك الحديث.
وقال مرة: كذاب.
وقال أبو بكر: قلت له - يعني الدارقطني - عنه، قال: متروك.
وقال ابن أبي حاتم: ثنا محمد بن يحيى، أخبرني صالح ابن الضريس يقول لعمرو بن عيسى، وحدث عن محمد بن الفضل، فقال: ألم أنهك عن هذا الكذاب؟
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: ليس بشيء.
وقال الآجريّ: سألت أبا داود عنه فوهاه.
وقال عمرو بن علي: متروك الحديث كذاب.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ذاهب الحديث، ترك حديثه.
وقال عبد السلام بن عاصم: سمعت إسحاق بن سليمان يسأل عن حديث من حديثه، فقال: تسألوني عن حديث الكذابين؟
وقال ابن راهويه: قال لي يحيى بن يحيى: كتبت عن محمد بن الفضل ثم مزّقته، قلت: كان أهلهُ.
قال إسحاق: وكان أبوه ثقة.
وقال ابن عدي: وله غير ما ذكرت من الحديث، وعامة حديثه ما لا يتابعه عليه الثقات.
وقال أبو موسى المديني: ومحمد هذا ممن لا يُرتاب في تركه، وكان أبو بكر بن أبي شيبة شديد الحمل عليه.
وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحل كتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار.
وقال الدارقطني: ضعيف.
وبنحوه قاله الفسوي في تاريخه.
الثالث: أبوه فضل بن عطية، وإن كان ابن معين قال فيه: ليس به بأس. وبمثله قاله أبو زرعة، ووثقه أبو داود لما سأله عنه الآجري، وابن حبان ذكره في كتاب الثقات، فقد قال فيه: يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه؛ لأن ابنه في الحديث ليس بشيء.
وقال عمرو بن علي وأبو أحمد بن عدي: ضعيف، وذكره في كامله من حديث ابن
[ ١ / ٣٩٨ ]
لفضل، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - كان يتعوذ بالله من وسوسة الوضوء. فخالف هذه الرواية في الإسناد واللفظ.
١٥٧ - حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا قتيبة، ثنا ابن لهيعة، عن حيي بن عبد اللَه المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله - ﷺ - مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف؟ قال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار.
هذا حديث إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة المتقدم الذكر، وحيي بن عبد الله أبي عبد الله المعافري المصري، قال فيه أحمد بن حنبل: أحاديثه مناكير.
وقال البخاري: فيه نظر.
ولما ذكره ابن عدي قال: أرجو أنه لا بأس به.
وقال النسائي: ليس بالقوي، وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء.
ولما ذكره الساجي قال: عنده مناكير.
وقال ابن معين: لا بأس به، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وفي هذا المعنى حديث إسناده صحيح، رواه أبو حاتم البُستي في صحيحه من حديث الجريري، عن أبي العلاء، قال: سمع عبد الله بن مغفل ابنا له، وهو يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: يا بني سل الله الجنة، وتعوذ به من النّار، فإني سمعت النبي - ﷺ - يقول: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور وفي الدعاء، ثم قال: سمع هذا الخبر الجريري، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير وأبي نعامة العدوي، فالطريقان جميعا محفوظان، وحديث أبي نعامة المشار إليه، روى ابن ماجه حديثه في كتاب الدعاء مقتصرا على ذلك.
ورواه أبو داود مطولا في كتاب الطهارة، وحديث عمران بن الحصين. ذكره البيهقي في
[ ١ / ٣٩٩ ]
كتاب السنن، وحديث ذي مخبر: أن النبي - ﷺ - توضأ وضوءا لم يلت منه التراب. ذكره البرقي في تاريخه، من رواية آدم، عن حريز، ثنا يزيد بن صالح عنه، وحديث أبي كاهل: قال لي رسول الله، ﷺ: يا أبا كاهل ضع الوضوء منك مواضعه، وأبق فضل وضوئك لأهلك، لا تعطش أهلك، ولا تشق على خادمك.
رواه أيضا عن آدم، ثنا الهيثم بن جماز، عن ابن أبي كثير عنه.
وحديث أبي الدرداء ذكره أبو عبيد في كتاب الطهور، فقال: ثنا أبو أيوب ونعيم بن حماد، عن بقية، ثنا أبو بكر بن أبي مريم، قال: قال أبو أيوب، عن شريح بن عبيد، وقال نعيم: عن حبيب بن عبيد، عن أبي الدرداء، عن النبي، ﷺ: أنه مر بنهر فنزل وأخذ قعبا معه، فملأه من الماء، ثم تنحى عنه، فتوضأ، ففضل من ذلك الماء، فرده إلى النهر، وقال: يبلغه الله - ﷿ - إنسانا أو دابة وأشباهه ينفعهم الله تعالى به.
وذكره أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عُبيد في مسند أبي الدرداء بنحوه.
ولما ذكر ابن أبي حاتم هذا الحديث في العلل قال: قال أبي: حبيب عن أبي الدرداء مرسل.
وحديث أنس بن مالك قال - ﵇ -: لا خير في صب الماء، وقال: إنه من الشيطان يعني: كثرة صب الماء.
ذكره أبو نعيم في تاريخه من حديث محمد بن جعفر الوركاني، ثنا سعيد بن ميسرة، عنه.
الشيطان: اشتقاقه من قولهم: دار شطون، ونوى شطون، أي: بعيدة. قال نابغة بني شيبان:
فأصبحت بعدما وصلت بدارٍ … شَطُون لا تُعاد ولا تعودُ
[ ١ / ٤٠٠ ]
بمعنى تباعده من الخير، أو تكون لغيه وهلاكه، أخذ من قولهم: قد شاط الرجل يشيط، إذا هلك، قال الأعشى:
قد نطعن العير في مكنون فائله … وقد يشيط على أرماحنا البطل
أراد: وقد يهلك على أرماحنا. ذكره ابن الأنباري وأبو القاسم الزجاجي.
وقوله: أساء، قيل: أساء في الأدب، بتركه السنة والتأدب بآداب الشّرع، وظلم نفسه بما نقصها من الثواب، بترداد المرات في الوضوء.
وقيل: ظلم: جاوز الحد، ونقص: يحتمل أن يريد به نقصان العضو، والشنّة: كل وعاءٍ من أدم خلق، والجمع الشنان، وقد تشان: إذا أخلق.
قال أبو عمر: الشن: قطران الماء من الشنة، شيء بعد شيء، وهو الشنين، قال الشاعر:
يا من لدمع دائم الشنين
وفي الصحاح تقييد الشنة بالصغيرة.
[ ١ / ٤٠١ ]