١٢ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن إدريس وأبو معاوية، قالا: حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: توضئوا منها.
هذا حديث قال عبد الله: سألت أبي عن الوضوء للصلاة من لحوم الإبل، فقال: حديث البراء وجابر بن سمرة صحيحان - إن شاء الله تعالى - وقال الأثرم عنه نحوه، وخرجه ابن الجارود في كتابه، وقال الحافظ أبو بكر بن خزيمة إثر تخريجه إياه: لم نر خلافا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل؛ لعدالة ناقليه، حكاه البيهقي عنه.
وخرجه الحافظ البستي في صحيحه من حديث إسحاق عن عبد الرزاق، أنبأنا الثوري، عن الأعمش، والحافظ ضياء الدين في صحيحه، وقال البيهقي في المعرفة: هو صحيح عند أكثر أهل العلم، وقد أقام الأعمش
[ ٢ / ٦٣ ]
إسناده، وأفسده الحجاج بن أرطاة وعبيدة الضبي، وهما ضعيفان، وقال ابن المنذر: ثابت أن النبي ﷺ قال: توضئوا من لحوم الإبل، وصححه أيضا أبو حاتم الرازي فيما حكاه عنه ابنه، ورواه أبو داود عن عثمان، ثنا أبو معاوية عن الأعمش بزيادة: وسئل عن لحوم الغنم، فقال: لا توضئوا منها، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: صلوا فيها، فإنها بركة.
ولما رواه الترمذي مختصرا عن هناد، ثنا أبو معاوية، قال: وفي الباب عن جابر بن سمرة وأسيد بن حضير، وقد رواه حجاج بن أرطاة عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد، والصحيح من حديث ابن أبي ليلى عن البراء، وروى عبيدة الضبي عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن عن ذي الغرة، ورواه حماد بن سلمة عن الحجاج فأخطأ فيه، فقال: عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه عن أسيد، والصحيح الأول روى عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى، وتفرّد بروايته عبد الله الرازي، واختلف على عبد الله فيه؛ فرواه عبيدة الضبي، فلم يسم ذا الغرّة، ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الرازي، وقيل: بل رواه عن أخيه عيسى، فقال: عن عبد الرحمن عن يعيش الجهني - وهو ذو الغرّة - وخالفه الأعمش؛ فرواه عن الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء، وقال بعض أهل العلم: إنّ البراء هو ذو الغرّة؛ سُمي بذلك لبياض كان في وجهه، ورواه أبو معمر عن عباد عن حجاج عن الرازي، فقال: عن أسيد بن حضير أو عن البراء - شكّ في ذلك -، ورواه حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال: عن السليل أو السليك عن النبي ﷺ.
ولما ذكر ابن أبي داود حديث ذي الغرّة في سننه قال: هذه سنة تفرّد بها أهل الكوفة.
الثاني: قوله: وفي الباب عن جابر وأسيد، وليس كذلك، بل في الباب غير هذين الحديثين، سنذكرهما بعد - إن شاء الله تعالى - وأما ما ذكره أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن الأعمش: سمعت عبد الله مولى قريش عن ابن أبي ليلى به، فيريد بمولى قريش عبد الله بن عبد الله، لا غيره، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٦٤ ]
١٣ - حدثنا محمد بن بشار، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا زائدة وإسرائيل، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتوضأ من لحُوم الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم.
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ.
قال: أأتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. قال: أأصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أأصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا.
رواه عن أبي كامل الجحدري عنه، وأتبعه برواية زائدة عن سماك، ورواية شيبان عن ابن موهب وأشعث، كلّهم عن جعفر بمثل حديث أبي كامل عن أبي عوانة.
قال: وقد روى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أنبأني من سمع جابر بن سمرة يقول: كنا نمضمض من ألبان الإبل، ولا نمضمض من ألبان الغنم، وكنا نتوضأ من لحوم الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم.
وفي مستخرج أبي نعيم عن أشعث، وفي المعرفة من حديث زائدة عن سماك، كلاهما عن جعفر عن جابر، قال: أتى رجل النبي ﷺ، وأنا عنده، فقال: يا رسول الله، أتطهر من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتطهر، وإن شئت فدع. قال: أفأصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أتطهر من لحوم الإبل؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا.
وأخرجه ابن منده، وقال: هذا إسناد
[ ٢ / ٦٧ ]
صحيح، أخرجه الجماعة إلا البخاري لجعفر بن أبي ثور، وفي قوله ذلك نظر؛ لأن هذا الحديث ليس في كتب الجماعة - خلا القشيري وابن ماجه - وقال البيهقي في المعرفة: هو صحيح عند أكثر أهل العلم، وأمّا البخاري فإنّه لم يخرجه، ولعله إنّما لم يخرج حديث ابن موهب وأشعث لاختلاف وقع في! وفي تاريخ محمد الأوسط: جعفر بن أبي ثور بن جابر السوائي، قال سفيان وزكريا وزائدة: عن سماك عن جعفر بن أبي ثور بن جابر عن جابر، عن النبي ﷺ في لحوم الغنم، وقال حماد بن سلمة: عن سماك عن جعفر بن أبي ثور عن جدّه جابر، وقال النضر عن شعبة عن سماك:
[ ٢ / ٦٨ ]
سمعت أبا ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة عن جابر، قال محمد: هذا كلّه وهم إلا ما قال سفيان وزائدة: جعفر بن أبي ثور.
وقال أهل النسب: ولد جابر بن سمرة: خالد، وطلحة، ومسلمة، وهو أبو ثور، وروى عن جعفر محمد بن قيس الأسدي وابن موهب، ثنا عبد الرحمن بن أبي شيبة، ثنا أبو نباتة عن ابن موهب عن عمه عثمان بن عبد الله بن موهب، عن رجل بالكوفة سماه لي فلم أحفظه، كان أبوُه صحب النبي ﷺ أن أباه أخبره، أنه سأل النبي ﷺ: أنتوضأ من الغنم؟ قال: لا.
ثنا موسى، ثنا أبو عوانة، ثنا عثمان بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر مثله، وبنحوه ذكره في الكبير، وقال أبو حاتم: اسم أبي ثور: مسلم، وقال بعضهم: مسلمة، وحكى مسلم وعبد الله في علله عن الإِمام أحمد: جابر جده من قبل أمه، وقال اللالكائي: نافع بن سفيان، وهو ابن معاوية، وكذلك روى عثمان بن موهب، وروى عنه أبو عوانة وشيبان بن عبد الرحمن مثله، ووافقه محمد بن قيس وأشعث، وقال أبو أحمد الحاكم: قول شعبة غلط بكل حال، ومن قال: أبو ثور، فهو مخطئ، وزعم مسلم في كتاب الكنى أن محمد بن إسماعيل قال: اسم أبي ثور الذي روى عن جابر بن سمرة: اسمه مسلم، وتبعه على ذلك أبو عمر، ولا أدري كيف هذا، ولا كيف يتجه هذا القول مع ما تقدم من كتابيه؟! ولما ذكره أبو حاتم في كتاب الثقات، قال: جعفر بن أبي ثور، وهو أبو ثور بن عكرمة، فمن لم يحكم صناعة الحديث يتوهم أنهما رجلان مجهولان - والله أعلم -.
ورواه أبو الحسن في الأفراد من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن جابر، وقال: تفرد به عيسى بن يونس عن الأعمش، وأسنده عن جابر، وغيره يرويه عن
[ ٢ / ٦٩ ]
الأعمش، ويسنده عن البراء، وفيه خلاف على عبد الله الرازي عن ابن أبي ليلى.
١٤ - حدثنا أبو إسحاق الهروي إبراهيم بن عبد الله بن حاتم، ثنا عباد بن العوام، عن حجاج، عن عبد الله بن عبد الله - مولى بني هاشم - وكان ثقة، وكان الحكم يأخذ عنه، ثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير، قال رسول الله ﷺ: لا تتوضئوا من ألبان الغنم، وتوضئوا من ألبان الإبل.
هذا حديث تقدم كلام أبي عيسى عليه، وقال أبو حاتم: ليس بصحيح، وأهمل ذكره الحافظان الدمشقيان - ابن عساكر وأبو الحجاج - فلم يذكراه في كتاب الأطراف، وهو ثابت في نسخ ابن ماجه كما ترى.
ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث عمران القطان عن الحجاج، ولفظه: قال النبي ﷺ: توضئوا من لحوم الإبل، ولا تصلوا في مناخها، ولا توضئوا من لحوم الغنم، وصلوا في مرابضها.
وقال: لم يروه عن عمران إلا أبو عمرو بن عاصم الكلابي، وهو حديث ضعيف؛ لضعف راويه أبي أرطاة الحجاج بن أرطاة بن ثور بن هبيرة بن شراحبيل بن كعب بن سلامان بن عامر بن حارثة بن سعد بن مالك بن النخع، وإن كان الثوري قد قال فيه: عليكم به، فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه، وقال ابن أبي نجيح: ما جاءنا مثله، وقال حماد بن زيد: كان عندنا
[ ٢ / ٧٠ ]
أفهم لحديثه من الثوري.
وزاد الدولابي: قال الحسن: قلت ليزيد بن هارون: أكان الثوري أحفظ من الحجاج وأثبت؟ قال: لم يكن بأثبت منه، ولكن كان أرضى منه، وقال العجلي: كان فقيها أحد مفتي الكوفة، وكان فيه تيه، وكان يقول: أهلكني حب الشرف، وولي الشرطة وقضاء البصرة، وكان جائز الحديث إلا أنّه صاحب إرسال، وإنما يعيب الناس منه التدليس، وقال الإمام أحمد: كان من الحفاظ، وفي حديثه زيادة على حديث الناس، ليس يكاد له حديث إلا فيه زيادة، وقال ابن معين: صدوق، ليس بالقوي، يدلس عن العرزمي عن عمرو بن شعيب، وفي رواية معاوية بن صالح عنه: ثقة، وقال أبو زرعة: صدوق مدلس، وقال أبو حاتم: صدوق يدلس عن الضعفاء، يكتب حديثه، فإذا قال: ثنا، فهو صالح، لا يرتاب في صدقه وحفظه إذا بين السماع، وقال حماد بن زيد: قدم علينا جرير بن حازم، فقال: ثنا قيس بن سعد عن ابن أرطاة، فلبثنا ما شاء الله، ثم قدم علينا الحجاج ابن ثلاثين - أو إحدى وثلاثين - فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان، ورأيت عنده مطرا الوراق وداود بن أبي هند جثاة على أرجلهم، يقولون: يا أبا أرطاة، ما تقول في كذا؟ وقال هشيم: سمعته يقول: استفتيت وأنا ابن ست عشرة.
وقال ابن عدي: إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري وعن غيره، وربما أخطأ في بعض الروايات؛ فأما أن يتعمد الكذب فلا، وهو ممن يكتب حديثه، وقال الخطيب: كان أحد العلماء بالحديث والحفاظ له، وقال الحاكم في تاريخ نيسابور: وثقه شعبة وغيره من الأئمة، وأكثر ما عيب فيه التدليس، والكلام فيه يطول.
وقال أبو حاتم البستي في ترجمة سليمان الأسدي: سيد شباب أهل العراق ابن أرطاة، وخرج حديثه مسلم في صحيحه مقرونا بابن أبي غنية، والبخاري في كتاب الأدب.
وقال أبو الحسن: لا بأس به، فقد قال فيه الإمام أحمد بن حنبل: يروي عمن لم يلقه، لا يحتج بحديثه، وقال يحيى: ضعيف، وقال مرة: لا يحتج به، وقال يحيى
[ ٢ / ٧١ ]
ابن سعيد القطان: هو وابن إسحاق عندي سواء - يعني: في الضعف - فلا أحدّث عنهما، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال البخاري في التاريخ الأوسط: متروك لا نقربه، وقال الساجي: متكلّم فيه، وذكر عن ابن خزيمة: لا أحتج به إلا فيما قال: حدثنا، أو سمعت.
وفي الذخيرة لابن طاهر: حجاج متروك الحديث، وقال ابن حبان: تركه ابن المبارك ويحيى بن سعيد القطان وابن مهدي وابن معين وأحمد، وفي كتاب العقيلي: عن يحيى بن الحارث المحاربي، قال: أمرنا زائدة أن نترك ابن أرطاة، وقال ابن إدريس: كنت آتيه فأجلس على بابه حتى تطلع الشمس، فلا يخرج إلى صلاة جماعة فتركته، ولما ذكره أبو العرب في كتابه الضعفاء قال: كان يقول: ترك الصلاة في الجماعة من المروءة، قال أبو العرب: وهذا من مثالبه، وقال ابن سعد: كان شريفا مريا، توفي في خلافة جعفر، وكان ضعيفا في الحديث، وبنحوه ذكره يعقوب بن سفيان في تاريخه، وابن أبي خيثمة في الأوسط، والبلخي في كتاب الضعفاء.
الثاني: إبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي، وإن كان ابن معين قال: لا بأس به، وقال صالح بن محمد: صدوق، وقال الدارقطني: ثقة ثبت، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، فقد قال فيه أبو داود: ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي، وهما تلميذاه، وأعرف به ممن سواهما، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٧٢ ]
١٥ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا يزيد بن عبد ربه، ثنا بقية، عن خالد بن يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري، عن عطاء بن السائب: سمعت محارب بن دثار، سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: توضئوا من لحوم الإبل، ولا توضئوا من لحوم الغنم، وتوضئوا من ألبان الإبل، ولا توضئوا من ألبان الغنم، وصلوا في مراح الغنم، ولا تصلوا في معاطن الإبل.
هذا حديث قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه أحمد بن عبدة عن يحيى بن كثير عن عطاء بن السائب عن محارب، الحديث، فقال: إني كنت أنكر هذا الحديث لتفرده، فوجدت له أصلا: ثنا ابن المصفى عن بقية، حدثني فلان - سمّاه - عن عطاء عن محارب بنحوه، قال: وحدثني عبيد الله بن سعد الزهري، حدثني عمي يعقوب عن أبيه عن ابن إسحاق، حدثني عطاء بن السائب أنّه سمع محاربا يذكر عن ابن عمر بنحو هذا، ولم يرفعه، قال أبي: حديث ابن إسحاق الموقوف أشبه، انتهى.
وفي الباب حديث آخر من رواية جابر بن يزيد الجعفي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن أبي ليلى، عن سليك الغطفاني، عن النبي ﷺ، في الوضوء من لحوم الإبل.
ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل، وأشار إلى ضعفه لتفرد ابن يزيد به، وتقدّم ذكره قبل.
قال ابن المنذر: قال بالوضوء منه جابر بن سمرة، ومحمد بن إسحاق - صاحب المغازي - وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو خيثمة، ويحيى بن يحيى، وكان مالك والثوري والشافعي والنعمان لا يوجبون منه وضوءا، قال أبو بكر: وبالثابت عن النبي ﷺ نقول، وفي كتاب المعرفة: قال الشافعي في
[ ٢ / ٧٣ ]
بعض كتبه: إن صح الحديث في الوضوء من لحوم الإبل قلت به، وقال علي بن الحسين الأفطس: رأيت محمد بن الحسن يتوضأ من لحوم الإبل، وقال أبو محمد بن حزم: وأكل لحوم الإبل عمدا نيئة أو مطبوخة أو مشوية وهو يدري أنه لحم جمل أو ناقة ينقض الوضوء، ولا ينقضه أكل شحومها محضة، ولا أكل شيء منها غير لحمها، فإن كان يقع على بطونها أو رءوسها أو أرجلها اسم اللحم عند العرب نقض الوضوء وإلا فلا. وبهذا القول يقول أبو موسى الأشعري، زاد أبو عمر في الاستذكار: وأبو ثور - ﵏ أجمعين -، قال الخطابي: ذهب عامة أهل الحديث إلى إيجاب الوضوء منه، وأما عامة الفقهاء فمعنى الوضوء عندهم متأوّل على الوضوء الذي هو النظافة ونفي الزهومة، كما روي: توضئوا من اللبن، فإن له دسما.
كما قال: صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل.
وليس ذلك من أجل أن بين الأمرين فرقا في باب الطهارة والنجاسة؛ لأن الناس إما قائل يرى نجاسة الأبوال كلها، أو قائل يرى طهارتها، والغنم والإِبل سواء عند الفريقين، وإنما نهي عن ذلك لنفارها، وذلك مأمون في الغنم، ومعلوم أن في لحمها من الحرارة والزهومة ما ليس في لحم الغنم، انتهى كلامه.
ولقائل أن يقول: إنما نهي عن الصلاة في أعطان الإبل لما يخالطها من الشياطين، وذلك بين في حديث حمزة بن عمرو الأسلمي: ولا تصلوا في معاطن الإبل؛ على ظهر كل بعير شيطان، فإذا ركبتموهم فسموا الله، ولا تقصروا عن حاجتكم.
وفي حديث عبد الله بن مغفل: ولا تصلوا في معاطن الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين.
ذكرهما أبو القاسم في معجمه، ويكون ذلك لنهيه - ﵇ - عن الصلاة في الوادي من أجل الشيطان
[ ٢ / ٧٤ ]
الذي به، والله تعالى أعلم.
الإبل: جماعة لا واحد لها من لفظها، وكذلك الغنم، قاله في التلخيص، وفي كتاب الصحاح: وهي مؤنثة؛ لأن اسم الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، وإذا صغرتها دخلتها الهاء، فقلت: أبيلة وغنيمة ونحو ذلك، وربما قالوا للإبل: إِبْل - بتسكين الباء - للتخفيف، والجمع آبال، فإذا قالوا: إبلال وغنمان، فإنما يريدون قطيعين من الإبل، وأرض مأبلة أي: ذات إبل، والنسبة إلى الإبل إبلي، يفتحون الباء استيحاشا لتوالي الكسرات.
والمراح - بالضم - حيث تأوي إليه الإِبل والغنم بالليل، وبالفتح: الموضع الذي يروح منه القوم أو يروحون إليه، كالمغدي للموضع الذي يغدى منه، حكاه المنذري. والعطن، وجمعه أعطان: مبرك الإبل حول الماء، ذكره أبو عبيد.
وفي كتاب الصحاح: العطن والمعطن واحد الأعطان، والمعاطن: وهي مبارك الإبل عند الماء لتشرب عللا بعد نهل، فإذا استوفت ردت إلى المراعي والأظماء، وعطنت الإبل بالفتح تعطن عطونا: إذا رويت، ثم تركت، فهي إبل عاطنة وعواطن، وقد ضربت بعطن أي: بركت، وكذلك تقول: هذا عطن الغنم، ومعطنها لمرابطها حول الماء، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٧٥ ]