١٦٦ - حدثنا الربيع بن سليمان، وحرملة بن يحيى قالا: ثنا محمد بن إدريس الشافعي -﵁- أنا مالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله -ﷺ- يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين، ثم تمضمض، واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما، وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه.
هذا حديث خرجه الجماعة في كتبهم، وقال ابن منده بعد ما أخرجه من حديث مالك: وهذا إسناد مجمع على صحته، رواه جماعة عن عمرو، ولم يذكر واحد منهم في صفة مسح الرأس أنه مسح جميع الرأس إلا مالك بن أنس. انتهى كلامه.
وفيه نظر لما ذكره ابن وهب في مسنده، ثنا يحيى بن عبد الله بن سالم، ومالك عن عمرو، وفيه: أنه أخذ بيديه ماء، فبدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بيديه إلى مؤخر الرأس، ثم ردهما إلى مقدمه، وهذا يقتضي متابعة يحيى بن عبد الله لمالك في هذه الصفة، وهو ممن أخرج مسلم حديثه في صحيحه، ولما ذكره ابن خزيمة في صحيحه، ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، ثنا ابن عيينة عن عمرو بن يحيى، وفيه: ثم مسح برأسه، وبدأ بالمقدم. وفي رواية خالد عنه عند أبي داود نحوه.
[ ١ / ٤٢٨ ]
وفي سنن النسائي عن ابن زيد: ومسح برأسه مرتين، وفي صحيح ابن حبان عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عمرو بن يحيى: ومسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر.
قال ابن عبد البر: وهم ابن عيينة فيه في موضعين:
الأول: قوله: عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهو خطأ، إنما هو عبد الله بن زيد بن عاصم، وأما ابن عبد ربه فهو الذي أري الأذان، وليس هو الذي يروي عنه يحيى بن عمارة هذا الحديث، وعبد الله بن زيد بن عاصم هو عم عباد بن تميم، وهو أكثر رواية من ابن عبد ربه، وقد كان أحمد بن زهير يزعم أن إسماعيل بن إسحاق وهم فيهما، فجعلهما واحدًا، والغلط لا يسلم منه أحد.
الثاني: ذكر المسح على الرأس مرتين، وأظنه والله أعلم تأول الحديث: فمسح رأسه بيديه أقبل بهما وأدبر، وما ذكرناه عن ابن عيينة فمن رواية مسدد، ومحمد بن منصور، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأما الحميدي فإنه ميَّز ذلك، فلم يذكره، أو حفظ عن ابن عيينة أنه رجع عنه، قال: وليس هذا الحديث في نسخة القعنبي، فإما أسقطه، وإما سقط. انتهى.
وفي ذلك نظر من حيث كونه موجودًا عنده، نص على ذلك أبو الحسن الدارقطني في كتاب أحاديث الموطأ، وأما قوله: إن سفيان تفرد بقوله: ابن عبد ربه، فليس كذلك، لما ذكر أبو قرة السكسكي في مسنده: ذكر ابن جريج أخبرت عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عمه أنه قال لعبد الله بن زيد، فذكر الحديث، وفي آخره: وعبد الله بن زيد الأنصاري هو الذي أري الأذان بالصلاة.
وفي كتاب الصحابة لأبي موسى المديني عن عمرو بن يحيى بن عمارة عن عمه عمرو بن أبي حسن قال: رأيت النبي - ﵇ - توضأ، فمضمض،
[ ١ / ٤٢٩ ]
واستنشق واحدة.
١٦٧ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عباد بن العوام، عن حجاج، عن عطاء، عن عثمان بن عفان قال: رأيت رسول الله -ﷺ- توضأ، فمسح رأسه مرة.
هذا حديث في إسناده علتان: ضعف، وانقطاع.
. الثانية: انقطاع ما بين عطاء وعثمان. ذكر ذلك ابن أبي حاتم في علله عن أبي زرعة حين سأله عن هذا الحديث، قال: وكذا رواه حماد بن زيد، وابن سلمة، وهشيم، وابن أبي زائدة، ويزيد بن أبي حبيب، والليث، وابن لهيعة، ورواه ابن جريج عن عطاء أنه بلغه عن عثمان، مرسل، وهو الصحيح عندنا، انتهى.
وبنحوه ذكره في المراسيل، وخالفه الليث، فرواه عن خالد عن سعيد بن أبي هلال عن عطاء، فقال: ومسح برأسه ثلاثًا حتى قفاه وأذنيه، وحديث حجاج معناه مخرج في الصحيح من حديث حمران، ويخدش فيما قاله رواية مسلم عنه: توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وكذا رواه الشافعي من جهة حمران، قال البيهقي: على هذا اعتمد الشافعي في تكرار المسح، وفي كتابه عنه: ومسح رأسه ثلاثًا، رواه من جهة عامر بن شقيق، وقد تقدم ذكر مَنْ صححه في كتاب أبي الحسن من جهة أبي حنيفة، وتفرد به عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي مرفوعًا ذكر الثلاث، قال: وغالب الروايات عن علي أنه مسح مرة واحدة، وفي مسند البزار من حديث أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي حية: رأيت عليًّا،
[ ١ / ٤٣٠ ]
فذكره، وفي كتاب أبي بكر البيهقي من حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج عن محمد بن علي عن أبيه عن جده عنه مثله، وفي مسند عثمان للقاضي أحمد، ثنا بندار، ثنا صفوان بن عيسى، ثنا محمد بن عبد الله بن أبي مريم المدني عن ابن دارة قال: شهدت عثمان توضأ بالمقاعد … فذكر الحديث، وفيه: ثم مسح برأسه ثلاثًا، وغسل رجليه ثلاثًا، وقال: رأيت النبي -ﷺ- يفعل مثل هذا.
وخرج أبو الحسن من حديث زيد بن حباب عن عمر بن عبد الرحمن بن سعيد المخزومي، حدثني جدي أن عثمان خرج في نفر من أصحابه حتى جلس على المقاعد، فدعا بوضوء، فغسل يديه ثلاثًا، وتمضمض، ومسح برأسه مرة واحدة، وغسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله -ﷺ- توضأ، كنت على وضوءٍ، ولكن أحببت أن أريكم كيف توضأ النبي ﵇، ولهذا قال أبو داود حين ذكر حديث عبد الرحمن بن وردان: ومسح رأسه ثلاثًا، وأحاديث عثمان الصحاح تدل على مسح الرأس مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثًا، وقالوا فيها: ومسح رأسه، لم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره.
وقال ابن سلام في كتاب الطهور: فهذه الأحاديث كلها تشهد أن مسح الرأس لم يكن إلا مرة واحدة، وكذلك وجدنا كثيرًا من الآثار بعد النبي ﵇، ولا نعلم أحدًا من السلف جاء عنه ذكر الثلاث إلا ما كان من إبراهيم التيمي. انتهى كلامه.
وفيه نظر، لما ذكره أبو عمر عن أنس، وابن جبير، وعطاء، زاد ابن المنذر: وزاذان، وميسرة.
١٦٨ - حدثنا هناد بن السري، ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي حية،
[ ١ / ٤٣٢ ]
عن علي: أن رسول الله -ﷺ- مسح رأسه مرة.
هذا حديث صححه أبو محمد الفارسي باحتجاجه به، وخرَّجه أبو داود في سننه بغير إنكار له عن عمرو بن عون، أنا أبو الأحوص، ولفظه: رأيت عليًا توضأ فذكر وضوءه كله ثلاثًا ثلاثًا، قال: ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: إنما أحببت أن أريكم طهور النبي ﵇.
قال ابن العبد: قال غير أبي داود: أخطأ فيه محمد بن القاسم الأسدي، فقال: عن الثوري عن أبي إسحاق عن حية، وإنما هو أبو حية، وتقدم من حديث عبد خير عن علي قبل بما فيه كفاية.
وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم تصحيح حديث أبي الأحوص عن أبي حية على حديث أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي، وكذا الدارقطني بقوله: ورُوي عن أبي إسحاق عن حية عن علي، وهو وهم، وعن أبي إسحاق، عن عبد خير، وحية، وعن أبي إسحاق، عن أبي حية، وعبد خير، وعن أبي إسحاق عن أبي حية، وعمرو، ورُوي عن أبي إسحاق عن أبي يحيى، وهو وهم، إنما أراد أبا حية، وعن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب، وعن أبي إسحاق وهذا هو والله أعلم الملجئ لابن السكن إلى تصحيحه، واعتمد ذلك أبو محمد الإشبيلي بسكوته عنه مصححًا له.
وقال الترمذي: هو أحسن شيء في الباب، وذكره الشيخ ضياء الدين في صحيحه، وقال البغوي في شرح السنة: هو حديث حسن، وأما أبو حية فذكره أبو عمر بن عبد البر في قسم الذين لا تعرف أسماؤهم، وكذا الحاكم، وابن سعد، ومسلم في الوحدان، وابن أبي حاتم، وخالف ذلك أبو حاتم البستي، فإنه لما ذكره في الثقات سماه: عمرو بن عبد الله، وقال الأمير أبو نصر بن ماكولا: مختلف في اسمه، فيقال: عمرو بن نصر، ويقال: عامر بن الحارث، والله أعلم
١٦٩ - حدثنا محمد بن الحارث المصري، ثنا يحيى بن راشد البصري، عن يزيد مولى سلمة، عن سلمة بن الأكوع قال: رأيت رسول الله -ﷺ- توضأ، فمسح رأسه مرةً.
هذا حديث ضعيف الإسناد برواية يحيى بن راشد، الذي قال فيه ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: شيخ، لين الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، في حديثه إنكار، وأرجو ألا يكون ممن يكذب. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: يعتبر به، صويلح، ويشبه أن يكون ابن حبان ذكره في الثقات، ولا أحقق ذلك لعدم تميزه، وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء، ورُوي نحوه عن
[ ١ / ٤٣٣ ]
رجل من الصحابة، ذكر حديثه ابن السكن، وحديث ابن أبي أوفى تقدم، وحديث المقدام عند أبي داود، وكذا حديث جد طلحة، والله أعلم.
وحديث البراء بن عازب مرفوعًا: مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة، ودور، يعني: دور إبهاميه وراء أذنيه، وحديث معاذ: ما كان النبي -ﷺ- يمسح رأسه فقط إلا مرة واحدة، وحديث عون بن أبي جحيفة مرفوعًا: ومسح رأسه مرة، ذكرها الدبوسي في الأسرار، وحديث عبادة بن الصامت المذكور في تفسير الكلبي مرفوعًا فيه: ومسح رأسه مرة، وحديث أبي أمامة مرفوعًا: مسح رأسه مرة، ذكره الدارقطني في الأصول من فوائده، ورواه ابن معروف من حديث شهر.
١٧٠ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، قالا: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: توضأ رسول الله -ﷺ- فمسح رأسه مرتين.
هذا حديث سبق الكلام عليه، قال أبو عمر: وهو مختلف في ألفاظه.
وفي كتاب أبي القاسم الأوسط: ومسح برأسه، يعني مرة، وقال: لم يروه عن الحسن بن عياش عنها إلا عبد الرحمن بن يونس، تفرد به العباس بن محمد بن حاتم، وفيه أيضًا: مسح رأسه بفضل ماءٍ كان في يده، فبدأ بمؤخر رأسه، ثم جره إلى قفاه، ثم جره إلى مؤخره، وقال: لم يروه عن سفيان، يعني الثوري، عن ابن عقيل، إلا عبد الله بن داود الخريبي، وفي حديث أبي داود عنها: فمسح الرأس كله من
[ ١ / ٤٣٥ ]
فرق الشعر كل ناحية لمنصب الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته.
وفي كتاب الطحاوي عنها: فمسح رأسه على مجاري الشعر، ومسح صدغيه وأذنيه، وقد ذكر في كيفية مسح الرأس غير ما تقدم، ففي حديث أبي هريرة المذكور عند ابن قانع من حديث إسماعيل بن مسلم عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عنه يرفعه: إذا مسح رأسه وضع يده على النصف من رأسه، ثم جرهما إلى مقدم رأسه، ثم أعادهما إلى ذلك المكان الذي بدأ منه، وجرهما إلى صدغيه، وفي حديث المغيرة بن شعبة عند مسلم مرفوعًا: فمسح ناصيته، وعلى العمامة، وفي كتاب أبي داود حديث أنس بن مالك مرفوعًا: فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة. ضعفه ابن القطان، وابن السكن، وصححه الإشبيلي، وفي حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده في كتاب أبي داود: ومسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القذال، وهو أول القفا، وفي رواية: مسح رأسه من مقدمه إلى مؤخره، حتى أخرج يديه من تحت أذنيه، وفي كتاب ابن الجارود: ومسح رأسه حتى بلغ القذال، وفي كتاب ابن السكن: فمسح باطن لحيته وقفاه، وفي كتاب تاريخ أصبهان لأبي نعيم من حديث ابن عمر: أنه كان إذا توضأ مسح عنقه، وقال: قال ﵇: مَنْ توضأ ومسح عنقه لم يغل بالأغلال يوم القيامة، رواه عن محمد بن أحمد بن محمد، نا عبد الرحمن بن داود، ثنا عثمان بن خرزاذ، ثنا عمرو بن
[ ١ / ٤٣٦ ]
محمد بن الحسن المكتب، ثنا محمد بن عمرو بن عبيد الأنصاري، عن أنس بن سيرين عنه به، حتى أتى على سالفيه يصف ذلك بيده.
وفي حديث معاوية بن أبي سفيان المذكور عند أبي داود من جهة المغيرة بن فروة، ويزيد بن أبي مالك عنه مرفوعًا: فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء، فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه، حتى قطر الماء، أو كاد يقطر.
وفي الأوسط للطبراني من جهة الضحاك بن مزاحم، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، قال ﵇: من نسي مسح الرأس، فذكر وهو يصلي، فوجد في لحيته بللًا، فليأخذ منه، ويمسح رأسه، فإن ذلك يجزئه، فإن لم يجد بللًا، فليعد الوضوء والصلاة، قال: لم يروه عن الضحاك إلا نهشل بن سعيد، تفرد به عن عامر بن إبراهيم.
وفي حديث عائشة من عند النسائي مرفوعًا: وضعت يدها في مقدم رأسها، ثم مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخره، ثم مدت بيدها بأذنيها، ثم مدت على الخدين، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه، وحديث واسع بن حبان عند جميعها.
قال أبو عمر: أجمعوا على أن مَنْ مسح برأسه فقد أحسن، وفعل أكمل ما يلزمه، وكلهم يقول بمسح الرأس مسحة واحدة موعبة كاملة، لا يزيد عليها إلا الشافعي، فإنه قال: أكمل الوضوء أن يتوضأ ثلاثًا كلها سابغة، ويمسح برأسه ثلاثًا، ورُوي ذلك عن أنس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وغيرهم، وكان ابن سيرين يقول: يمسح برأسه مرتين، وكان مالك يقول في مسح الرأس: يبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب بيده إلى مؤخره، ثم يردهما إلى مقدمه، على حديث عبد الله بن زيد، وبه
[ ١ / ٤٣٧ ]
يقول الشافعي وأحمد.
وكان الحسن بن حي يقول: يبدأ بمؤخر رأسه، ورُوي عن ابن عمر أنه كان يبدأ من وسط رأسه، ولا يصح، فأما قول الحسن فموجود في حديث الربيع الدائر على ابن عقيل.
وأصح حديث في هذا الباب حديث ابن زيد، واختلف الفقهاء في مسح بعض الرأس، فقال مالك: الفرض مسح جميعه، وإن ترك شيئًا منه كان كمن ترك غسل شيء من وجهه، وهو قول ابن علية.
قال ابن علية: قد أمر الله أن يمسح الرأس في الوضوء، كما أمر أن يمسح الوجه في التيمم، وأمر بغسله في الوضوء، وقد أجمعوا على أن الوجه يمسح كله، ولم يقل أحد: إن مسح بعضه سنة، وبعضه فريضة، فلما أجمعوا على أن ليس مسح بعضه سنة كان مسح كله فريضة.
واحتج إسماعيل وغيره من المالكية بقول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز الطواف ببعضه، فكذا مسح الرأس.
وقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، معناه امسحوا رءوسكم، ومَنْ مسح بعض رأسه فلم يمسح رأسه، ومن الحجة أيضًا لهم أن الفرائض لا تؤدى إلا بيقين، واليقين ما أجمعوا عليه من مسح جميع الرأس، هذا هو المشهور من مذهب مالك، ولكن أصحابه اختلفوا في ذلك، فقال أشهب: يجوز مسح بعض الرأس، وقال غيره: الثلث فصاعدًا، وأما الشافعي فقال: الفرض مسح بعض الرأس، ولم يحد، وهو قول الطبري، وقد رُوي عنهما: إنْ مسح ثلث الرأس فصاعدًا أجزأه.
قال الشافعي: احتمل قول الله ﷿: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ بعض الرأس، ومسح جميعه، فدلت السنة أن مَسح بعضه يجزئ. وقال في موضع: فإن قيل: فقد قال الله تعالى في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾، أيجزئ بعض الوجه في التيمم؟ قيل له: مسح التيمم في الوجه بدلّ عن عموم غسله، ولا بُدّ أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل منه، ومسح الرأس أصل، فهذا فرق ما بينهما.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن مسح المتوضئ ربع رأسه أجزأه، ويبدأ بمقدم رأسه إلى مؤخره، قال
[ ١ / ٤٣٨ ]
الدبوسي: وإن كرر إقبالًا وإدبارًا لم يكن به بأس، وأخذ الماء لكلِّ مرّة بدعة.
واختلف أصحاب داود، فقال بعضهم كقول مالك، وقال بعضهم: المسح ليس شأنه في اللسان: الاستيعاب، والبعض يجزئ.
وقال الثوري والأوزاعي والليث: يجزئ مسح بعض الرأس ويمسح المقدم، وهو قول أحمد.
وقال أبو حنيفة: إن مسح رأسه أو بعضه بثلاثة أصابع فما زاد أجزأه، وإن مسح بأقل من ذلك لم يجزئه، والمرأة عند جميع العلماء في مسح رأسها كالرجل سواء، واتفق مالك والشّافعي وأبو حنيفة وأصحابهم: أنّ الرأس لا يجزئ مسحه إلا بماء جديد، ومن مسح رأسه بما فضل من البلل في يديه من غسل ذراعيه لم يجزئه.
وقال الأوزاعي وجماعة: يجزئ. انتهى كلامه.
وفي تضعيفه الرواية عن ابن عمر إذا بدأ بوسط رأسه - نظر؛ لما ذكره ابن حزم محتجا به، ولا يحتج بضعيف، وروينا عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يدخل يده في الوضوء، فيمسح به مسحة واحدة، اليافوخ فقط.
ورويناه أيضا من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع عنه، قال: ولا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف لما رويناه عن ابن عمر في ذلك، والله أعلم.
وفي حديث أبي هريرة المذكور عند ابن قانع تقوية له.
[ ١ / ٤٣٩ ]