١ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي ريحانة، عن سفينة قال: كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع.
هذا حديث رواه مسلم في صحيحه، وخرج هو والدارمي في مسنده بسماع إسماعيل من أبي ريحانة، وفي بعض طرقه: أو قال يطهره المد.
قال: وقد كان كبر، وما كنت أثق بحديثه، ولفظ العسكري: كان النبي - ﷺ - يغسله الصاع من الجنابة، ويوضئه المد.
وقال فيه أبو عيسى: حسن صحيح، ونحوه قاله أبو علي الطوسي في أحكامه، وفيه علة خفيت على من صححه، وهي الانقطاع المنافي
[ ١ / ٦٧ ]
للصحة فيما بين أبي ريحانة وسفينة، نص على ذلك أبو حاتم البستي، فإنه لما ذكره في الثقات تردد في سماعه من سفينة بعد وصفه إياه بالخطأ، وبنحوه ذكره الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل، فإن محمد بن موسى لما سأله عنه قال: ما أعَلم إلا خيرا، قلت: سمع من سفينة؟ قال: ينبغي، هو قديم، سمع من ابن عمر، فهذا من أبي عبد الله ظن وحسبان، لا قطع ببرهان، ولا كل من سمع من شخص ينبغي له السّماع من قرينه، هذا الزهري سمع جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر، ولم يسمع من بعض التابعين، والحسن سمع من علي وأبي عثمان، ولم يسمع ممن توفي بعدهما بنحو من ثلاثين سنة، والله أعلم.
ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث مرجى بن رجاء، ثنا أبو ريحانة، ثم قال: ولم يروه عن مرجى إلا يعقوب بن إسحاق الحضرمي.
٢ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، عن همام، عن قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
هذا حديث إسناده صحيح متصل، وإلى هذا أشار أبو عيسى، وفي كتاب أبي داود: رواه أبان، عن قتادة، قال: سمعت صفية. يعني بذلك ما رواه أبو بكر البيهقي في السنن الكبير: ثنا أبو الحسن علي بن أحمد المقرئ، ثنا أحمد بن سلمان، نا جعفر بن شاكر، ثنا عفان، نا أبان به، وفي سنن الدارقطني: بنحو المد
[ ١ / ٦٨ ]
وبنحو الصاع، وقال في العلل: رواه عن قتادة: الدستوائي، وابن أبي عروبة، وعمران القطان، والجماعة عن أبي الزبير.
وقيل: عن شعبة، كلّهم عن قتادة، عن صفية، وقال عمرو بن عامر: عن قتادة، عن ابن المسيب، عن عائشة، وقال حماد بن سلمة: عن قتادة، عن معاذة، عن عائشة، وقال شيبان: عن قتادة، عن الحسن، عن أمه، عن عائشة. وأصحها قول من قال: قتادة عن صفية.
ورواه أبو حصين وإبراهيم بن المهاجر، عن صفية، وقال: وهو غريب بهذا الإِسناد.
ورواه أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب التمييز بإسناد صحيح، عن محمد بن عبيد، نا يحيى بن زكرياء، عن موسى بن عبد الله الجهني - وكان ثقة - قال لي مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال.
وقال: أخبرتني عائشة أن النبي - ﷺ - كان يغتسل بمثل هذا.
وفي مسند أحمد بن منيع البغوي: حزرته ثمانية أو تسعة أو عشرة أرطال.
وفي هذا الإسناد بيان لصحة سماع مجاهد من عائشة، وسيأتي بيان ذلك بعد إن شاء الله تعالى، وفي قول الدارقطني: قال حماد، عن قتادة، عن معاذة، عن عائشة نظر؛ لما رواه الكجي في سننه، عن أبي عمر، ثنا حماد، عن قتادة، عن صفية أو معاذة - شَك حماد- عن عائشة، فهذا كما ترى حماد لم يقل عن واحدة منهما جزما، والله أعلم.
٣ - حدثنا هشام بن عمار، نا الربيع بن بدر، نا أبو الزبير، عن جابر: أن رسول الله - ﷺ - كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع.
هذا حديث في إسناده علّتان:
[ ١ / ٦٩ ]
الأولى: ضعف الربيع بن بدر الملقب عليلة، فإن أبا إسحاق الجوزجاني وهاه.
وقال أبو حاتم الرازي: ذاهب الحديث.
وقال النسائي والأزدي والدارقطني: متروك الحديث.
وقال البستي: كان يقلب الأسانيد، ويروي عن الثقات المقلوبات، وعن الضعفاء الموضوعات.
وقال أبو داود: لا يكتب حديثه.
وقال يعقوب بن سفيان الفسوي في تاريخه الكبير: لا يُكتب حديثه.
وقال في موضع آخر: ضعيف متروك.
وقال البخاري في الأوسط: يخالف.
وذكره الساجي، والعقيلي، والبلخي، وأبو أحمد بن عدي، وأبو العرب القيرواني، وأبو إسحاق الحربي في الضعفاء.
الثانية: الاختلاف في سماع محمد بن مسلم بن تدرس أبي الزبير، من جابر، حتى قال أبو الحسن بن القطان وغيره: كل ما لم يصرح فيه بالسماع، ولم يكن من رواية الليث عنه منقطع.
ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث الربيع بن صبيح، عن أبي الزبير، وقال: لم يروه عن الربيع إلا الوليد بن مسلم.
تفرد به محمد بن أبي السري، ومن حديث أبي جَعفر محمد بن علي بن الحسين، عن جابر بمثله.
وقال: لم يروه عن شعبة - يعني عن مخول بن راشد - عن جعفر عنه إلا سعيد بن عامر الضبعي.
ولفظه عن جابر في المعجم الكبير: يجزئ من الغسل صاع، ومن الوضوء مد، وأرسله ابن أبي شيبة في المصنف. رواه عن:
[ ١ / ٧٠ ]
عبد الرحيم بن سليمان، عن الحجاج، عن أبي جعفر به، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق صحيحة سوى ما أسلفناه، ذكرها أبو عبد الله في مستدركه، عن أبي بكر بن إسحاق، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، نا هارون بن إسحاق، نا محمد بن فضيل، عن حُصَين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر.
وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرّجاه بهذا اللفظ.
ولما ذكره أبو داود في سننه من حديث أحمد، ثنا هشيم، نا يزيد بن أبي زياد، عن سالم به، ضعفه أبو محمد المنذري بيزيد، بقوله: لا يحتج به، وفيما قاله نظر في موضعين:
الأول: اضطرابه في يزيد؛ فتارة يحسن حديثا هو فيه، وتارة يضعفه، كما فعل هنا، وتارة يسكت عنه موهما صحته، وسنبيّنه - إن شاء الله تعالى - في أليق المواضع به، وليس لقائل أن يقول: فعله ذلك لما يعضده من متابع أو شاهد أو عدمهما، لما أسلفناه من متابعة الربيع بن بدر، وابن الحسين، وحصين.
الثاني:، رواه عن يزيد وحصين عن سالم، فسلم الحديث من طعن إن كان في يزيد، ذكر ذلك أبو بكر البيهقي، عن الحاكم، أنا أبو العباس، نا أحمد بن عبد الجبار، نا ابن فضيل به، وعلى البيهقي في هذا الإسناد استدراك؛ لأجل ضعف أحمد بن عبد الجبار، وعدوله عن حديث الحاكم المذكور قبل هذا، ورويناه في كتاب الحافظ أبي بكر بن خزيمة الصحيح عن هارون بن إسحاق الهمذاني من كتابه، نا ابن فضيل عنهما، فذكره.
[ ١ / ٧١ ]
٤ - حدثنا محمد بن المؤمل بن الصباح وعباد بن الوليد قالا: حدثنا بكر بن يحيى بن زبان، نا حبان بن علي، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، عن أبيه، عن جدّه قال رسول الله - ﷺ -: يجزئ من الوضوء مد، ومن الغسل صاع، فقال رجل: لا يجزئنا، فقال: هذا كان يجزئ من هو خير منك وأكثر شعرا، يعني النبي ﷺ.
هذا حديث في إسناده ضعفاء.
الأول: حبان بن علي العنزي أبو علي الكوفي، ﵀ وغفر له، روى عن التابعين، قال فيه حجر بن عبد الجبار: ما رأيت فقيها بالكوفة أفضل منه.
وقال يحيى بن معين: صدوق، وفي رواية: ليس حديثه بشيء.
وقال ابن نمير: في حديثه وحديث أخيه مندل بعض الغلط.
وقال أبو زرعة: ليّن.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وسئل عنه ابن المديني فضعفه.
وقال الدارقطني: متروك. ومرة قال: ضعيف، ويخرج حديثه.
وقال أبو الحسان الزيادي: توفي سنة اثنتين وسبعين ومائة، ويقال: سنة إحدى، فإن مولده سنة إحدى عشرة.
وقال البخاري: ليس هو عندهم بالقوي.
وقال النسائي: ضعيف، وكذلك قاله ابن سعد.
وقال العجلي: صدوق.
وقال الخطيب: كان رجلا صالحا دينا.
وقال أبو داود: لا أحدّث عنه.
وقال المرزباني: قال حبان لأخيه مندل، وكان يسمى عمرا:
عجبا يا عمرو من غفلتنا … والمنايا مقبلات عنقا
قاصدات نحونا مسرعة … يتخللن إلينا الطرقا
وإذا أذكر فقدان أخي … أتقلب في فراشي أرقا
وأخي أين أخ مثل أخي … قد جرى في كل خير سبقا
وقال ابن قانع: ضعيف، وبنحوه قال ابن طاهرٍ.
[ ١ / ٧٢ ]
الثاني: يزيد بن أبي زياد، وقد اختلف فيه.
فأمّا البخاري في الأوسط فإنه قال: ابن زياد أو ابن أبي زياد، وفي الكبير، قال: ابن زياد عن الزهري منكر الحديث، وتتبع ذلك عليه أبو محمد ابن أبي حاتم، فقال: قال أبو زرعة: إنّما هو يزيد بن أبي زياد، وسمعت أبي يقول كما قال. انتهى.
فعلى ما أسلفناه في التاريخ الأوسط لا وهم عليه، وكذا فرّق النسائي بين ابن زياد وابن أبي زياد.
وقال في ابن زياد: متروك الحديث.
وقال الآجري: سألت أبا داود، عن ابن أبي زياد فقال: ثبت، لا أعلم أحدا يترك حديثه، وغيره أحب إليّ منه.
وقال ابن سعد: كان ثقة في نفسه إلا أنّه اختلط في آخر عمره فجاء بالعجائب.
وقال ابن المديني وابن معين: ضعيف الحديث لا يحتج به.
وقال ابن المبارك: ارْمِ به.
وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، كل أحاديثه موضوعة وباطلة.
وقال ابن حبان: كان صدوقا إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغيّر، وكان يتلقّن ما لقن، فوقعت المناكير في حديثه، فسماع من سمع منه قبل التغيّر صحيح، وبنحوه ذكره اساجي.
وذكر ابن الجوزي يزيد بن زياد، وقيل: ابن أبي زياد، ويقال: أبو زياد اسمه، واسم أبيه: ميسرة، في ترجمة واحدة، وبنحوه ذكره ابن سرور المقدسي، وذكر أنّ مسلما روى له.
وقال ابن نمير: ليس بشيء.
وقال الترمذي: ضعيف في الحديث.
الثالث: عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب أبو محمد الهاشمي المدني، سمع جماعة من الصحابة، كان أحمد بن حنبل وإسحاق يحتجان بحديثه، ولكن ليس بالمتين عندهما، قاله الحاكم.
وقال ابن سعد: منكر الحديث لا يحتج بحديثه، وكان كثير العلم، ومات سنة خمس وأربعين ومائة.
وقال أبو معمر: كان ابن عيينة لا يحمد حفظه.
وقال ابن معين: ليس بذاك، وفي رواية: ضعيف.
وقال أبو حاتم: ليّن الحديث ليس ممن يحتج بحديثه، يكتب حديثه، وهو أحب
[ ١ / ٧٣ ]
إلي من تمام بن نجيح، وسئل عنه أبو زرعة، فقال: يختلف عليه في الأسانيد.
وقال العجلي: جائز الحديث.
وقال الترمذي: صدوق، ولكن تكلّم فيه بعضهم من قبل حفظه.
وقال الفسوي: صدوق وفي حديثه ضعف.
وقال ابن عدي: يكتب حديثه.
وقال الترمذي: صدوق، لكن تكلّم فيه بعضهم من قبل حفظه.
وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ يحدث على التوّهم، فيجيء بالخبر على غير سننه، فوجب مجانبة أخباره.
وأما الحاكم فإنه صحّح حديثه في مستدركه، وذكره أبو عبد الله البرقي في كتاب الطبقات، في باب من ينسب إلى الضعف في الرواية ممن يُكتب حديثه.
وروي لنا عن القطان أنه قال: عاصم عندي نحو ابن عقيل في الضعف.
الرابع: أبو عبد الله محمد بن عقيل، وهو مجهول لا يُعرف حاله، ولا نعرف له غير روايته عن أبيه ورواية ابنه عنه، والله أعلم.
ومع هذا فباعتبار مجموع الأحاديث المتقدّمة يكون حسنا؛ لما أسلفناه من الاختلاف في رجال إسناده، وفيه زيادة على ما قاله الترمذي عند حديث سفينة، وفي الباب عن عائشة وجابر وأنس بن مالك، وأغفل أيضا حديث أم سلمة من رواية الحسن عن أمه عنها، ذكره الطبراني في الأوسط. وقال: لم يروه عن أشعث بن عبد الملك - يعني عن الحسن - إلا سيف بن محمد، تفرد به جمهور بن منصور، وحديث أنس عند البخاري: يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمدّ، وحديث ابن عباس من عنده أيضا مرفوعا: يجزئ في الوضوء مد، وفي الغسل صاع.
وقال: لم يروه غير خصيف، عن عكرمة عنه إلا عبد العزيز بن عبد الرحمن الباسلي.
تفرّد به لوين، وذكره أبو الحسن الدارقطني في كتاب الأفراد من حديث إسرائيل، عن مسلم
[ ١ / ٧٤ ]
الأعور، عن مجاهد، وأشار إلى تفرّد إسرائيل به، وحديث أم عمارة، عن أبي داود يرفعه: أتي بماء قدر ثلثي المد وإسناده صحيح، وحديث زينب بنت أبي سلمة بمعناه. ذكره القشيري.
وحديث أبي أمامة ذكره الطبراني في المعجم الكبير وابن عدي في الكامل من حديث الصلت بن دينار، عن شهر بن حوشب، وضعفه بهما، وحديث أبي سعيد مرفوعا من مسند ابن أبي أسامة من حديث عطية عنه، وحديث الربيع بنت معوذ، ذكره الدارقطني في سننه من جهة ابن عقيل عنها، وحديث أم سعد بنت زيد بن ثابت أن النبي -ﷺ- قال: الوضوء مد، والغسل صاع، ذكره ابن الأثير في معرفة الصحابة، وحديث ابن عمر ذكره أبو محمد عبد الحق، وضعفه، وحديث أبي روح، ذكره في المصنف عن عبيدة، عن عبد الملك بن عمير بنحوه.
وكان الشافعي وأحمد يقولان: ليس معنى هذا الحديث على التوقيف أنه لا يجوز أكثر منه، ولا أقل منه؛ بل هو بقدر ما يكفي، والله أعلم.
[ ١ / ٧٥ ]