٣٦ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن أبي بكير، نا إسرائيل، نا يوسف بن أبي بردة، سمعت أبي يقول: دخلت على عائشة فسمعتها تقول: كان رسول الله - ﷺ - يقول إذا خرج من الغائط: غفرانك.
قال أبو الحسن بن سلمة: أنبأ أبو حاتم، ثنا أبو غسان النهدي، ثنا إسرائيل نحوه.
خرجه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب حسن، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، عن يوسف، ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة، عن النبي ﷺ.
وفيما قاله نظر من وجوه:
الأول: قوله: لا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة: إن أراد مطلق القول عند الخروج ففي الباب أحاديث عدّة؛ منها: حديث أنس الآتي في هذا الباب عند ابن ماجه، وحديث أبي ذر: كان - ﵇ - إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، من عند النسائي، وذكر فيه خلاءه، وذكره أبو حاتم في كتاب العلل وضعفه، وحديث ابن عمر يرفعه: الحمد لله الذي أذاقني لذّته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني أذاه.
وحديث طاوس من سنن الدارقطني، عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: فليقل: الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني، وأمسك علي ما ينفعني، وحديث سهل بن أبي
[ ١ / ١٣٦ ]
حثمة بنحوه، ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية، وإن أراد قول: غفرانك فيتجه له قوله.
الثاني: استغرابه إيَّاه من غير تصحيح، وإن كانت الغرابة لا تنافي الصحة، ولذلك لم يلتفت ابن خزيمة إلى ذلك، بل ذكره في صحيحه، وكذلك ابن حبان والحاكم، وخرجه ابن الجارود في المنتقى، وقال أبو حاتم الرازي: هو أصح شيء في هذا الباب، وإن كانت هذه اللفظة لا تعطي تصحيحا مطلقا، وتشعر بأن في الباب غيره، بخلاف ما قاله الترمذي.
الثالث: الجمع بين قوله: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، وبين قوله: لا نعرف في هذا الباب إلَّا حديث عائشة، فإنه أثبت له غرابة السند بتفرد إسرائيل عن ابن أبي بردة، وغرابة المتن لكونه لا يعرف غيره، ثم وصفه بعد ذلك بالحسن، ولو لم تكن إلا الغرابة الراجعة إلى الإسناد؛ لما عارضت في ذلك، وأما أنه لا يعرف في الباب إلَّا هو مع قوله في الَحسن إنه يُرْوَى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر.
فهذا الحديث قد يوهم منافاة الحسن الذي وصفه به على شرطه، فيحتاج الجواب على ذلك، فنقول: لا يشترط في كل حسن أن يكون كذلك، بل الذي نحتاج فيه إلى أن يروى نحوه من وجه آخر هو ما كان راويه في درجة المستور، ومن لم تثبت عدالته ولا ارتقى إلى أن تدخل في الصحيح مع المتابعة روايته، فهناك نحتاج إلى تقويته بالمتابعات والشواهد ليصل بمجموع ذلك إلى الدرجة، وأما هذا فقد كان من شأنه أن يكون من الصحيح، فإن إسرائيل
[ ١ / ١٣٧ ]
المنفرد به متفق على إخراج حديثه عند الشيخين، والثقة إذا انفرد بحديث، ولم يتابع عليه لا يرتقي إلى درجة الصحيح، حتى يكون مع الثقة في المرتبة العليا من الحفظ والإتقان، وإن لم يتجاوز الثقة فحديثه هناك حسن، كما أن المستور مع التفرد لا يرتقي إلى درجة الحسن؛ بل تفرده مردود، فكذلك هذا الحديث، لو وجد شاهدا لما وقف عند مرتبة الحسن، وربما لم نقف عندها لما بينا من تصحيح من صححه، أو يكون الترمذي لما شرط الحسن وتقويته بالمتابعات عرف بنوع منه، وهو أكثره وقوعا عنده، لا بكل أنواعه، وهذا نوع آخر منه مستفاد من كلامه وكلام الخليلي والحاكم وغيرهما من الحفاظ؛ فعلى هذين القولين ينبني كلام الترمذي، أو تكون الغرابة بالنسبة إلى الراوي لا إلى الحديث؛ إذ الغرابة والحسن في المتن لا تجتمعان.
وذكر بعض الحفاظ أن جمهور الروايات على لفظ الخلاء بدلا من الغائط، ولفظ الغائط تفرد بها هاشم بن القاسم، عن إسرائيل، وحديث ابن ماجه المذكور يقضي على قوله؛ لأن يحيى قال ذلك عنه بما ينفي التفرد، والله أعلم.
٣٧ - حدثنا هارون بن إسحاق، ثنا عبد الرحمن المحاربي، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن وقتادة، عن أنس بن مالك: كان النبي - ﷺ - إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى، وعافاني.
هذا حديث ضعيف؛ لضعف راويه إسماعيل بن مسلم المخزومي المكي أبي ربيعة، قال فيه سفيان: كان يخطئ في الحديث، وضعفه ابن المبارك. وقال فيه أحمد: منكر الحديث. وقال يحيى بن سعيد القطان: لم يزل مختلطا، وليس بشيء، كان يحدّث بالحديث على ثلاثة ضروب.
وقال ابن المديني: ضعيف، لا يكتب حديثه، أجمع أصحابنا على ترك حديثه. وقال النسائي وابن الجنيد: متروك
[ ١ / ١٣٨ ]
الحديث.
وقال الحربي: في حديثه شيء.
وقال السعدي: واهي الحديث جدا.
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث مختلط.
وقال أبو زرعة: ضعيف.
وقال البخاري: تركه ابن المبارك، وربما روى عنه، وتركه يحيى وابن مهدي.
وقال الفلاس: كان يرى القدر، وهو ضعيف، يحدث عن الحسن وقتادة بأحاديث بواطيل، وهو متروك الحديث، وقد اجتمع أهل العلم على ترك حديثه، وإنّما يحدّث عنه من لا ينظر في الرجال.
وقال يعقوب وابن معين: لا شيء.
وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة عن أهل الحجاز، والكوفة، والبصرة، إلَّا أنه ممن يكتب حديثه، قال أبو الفرج ابن الجوزي: وجملة من يجيء في الحديث إسماعيل بن مسلم خمسة، هذا أحدهم.
والثاني: أبو محمد العبدي، سمع أبا المتوكل والحسن.
والثالث: مولى بني مخزوم، يروي عن ابن جبير.
والرابع: ابن أبي فديك دينار، مولى بني الديل.
والخامس: مولى رفاعة الزرقي، يروي عن محمد بن كعب، لم نعلم في أحد منهم طعنا إلَّا في الأول. انتهى كلامه.
وقد أغفل إسماعيل بن مسلم السكوني شامي، قال فيه الدارقطني: يضع الحديث.
وإسماعيل بن مسلم اليشكري حدّث عن ابن عون حديثا منكرا، ذكره العقيلي، وإنما ذكرت ذلك انتصارا لابن عدي؛ لأنه ذكر في كامله أنهم ثلاثة، فزاد أبو الفرج اثنين، ولو تتبعنا ذلك حق التتبع لألفينا أكثر من ذلك، ولله الحمد، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق سالمة من إسماعيل هذا، ذكرها الحاكم في تاريخ بلده، فقال:
[ ١ / ١٣٩ ]
ثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد، ثنا أبو بكر محمد بن ياسين، ثنا أبي، ثنا عبد السلام بن نهشل بن سعيد، عن أبيه، عن قرّة، عن الحسن، عن أنس قال: كان النبي - ﷺ - إذا دخل الخلاء قال: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبث، الشيطان الرجيم، وإذا خرج قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.
وأما الغفران فمصدر كالمغفرة، قال الخطابي: نصبه بإضمار الطلب، وقيل في تأويل قوله ذلك قولان:
الأول: أنه استغفر من تركه ذكر الله تعالى مدّة لبثه على الخلاء.
الثاني: قيل معناه التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم الله بها عليه، فأطعمه ثم هضمه، ويحتمل أن يكون فعله - ﵇ - ذلك للتشريع والتعليم، فحق من خرج سالما معاذا مما استعاذ من الخبث والخبائث، أن يؤدي شكر نعمة الله عليه في إعاذته وإجابة سؤاله، وأن يستغفر الله خوفا ألا يؤدي شكر تلك النعمة، وهو قريب من حمد العاطس على سلامته.
ويحتمل أن تكون لما كانت حالة التخلي محظورا فيها الذكر والتوجه إلى الله تعالى، حَسُن أن يكون الذكر والاستغفار أوّل ما يصدر منه عند الخروج، كما كان آخر ما ختم به عند الدخول، كقول الشاعر:
وآخر شيء أنت أول هجعة … وأول شيء أنت عند هبوبي
ونص جماعة من الفقهاء منهم أحمد، على أنه يسن قول ذلك إذا خرج المتخلي، وعند غيرهم: من الآداب، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ١٤٠ ]