٥٢ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل بن علية، عن حميد، عن بكر بن عبد الله، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: أنه لقيه النبي ﷺ في طريق من طرق المدينة وهو جنب، فانسل، ففقده النبي ﷺ، فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله، لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل، فقال رسول الله ﷺ: المؤمن لا ينجس.
هذا حديث أجمع على تخريج أصله الأئمة الستة - رحمهم الله تعالى - إلا أن مسلما رواه مقطوعا. قرأت على الإِمام بدر الدين يوسف بن عمر، أخبركم الحافظ رشيد الدين، قراءة عليه، قال: وقع في مسلم إسناد هذا الحديث فيما رأيته من النسخ مقطوعا؛ حميد عن أبي رافع، قال: وكذلك هو في روايتنا من طريق الجلودي، وقد سقط من إسناده رجل بين حميد وأبي رافع؛ هو بكر بن عبد الله المزني، فإن حميدا إنّما يروي هذا الحديث عن بكر عن أبي رافع، كذلك أخرجه البخاري وأبو داود فمن بعده في سننهم بلا خلاف أعلمه بينهم في ذلك، وكذلك رويناه في مسند ابن أبي شيبة، وكذلك هو في مسند الإِمام أحمد، وقد ذكر أبو مسعود وخلف الواسطي أنّ مسلما أخرجه أيضا كذلك، إلا أني لم أره في جميع النسخ التي رأيتها من كتاب مسلم إلا مقطوعا، وكذلك قال الحافظ أبو علي
[ ٢ / ١٨٣ ]
الجياني أنه وقع إسناد هذا الحديث في النسخ كلها: حميد عن أبي رافع، قال: وفي هذه الرواية انقطاع، إنما يرويه حميد عن بكر عنه، وقال أبو الحسن في كتاب الوهم والإِيهام: وكذلك رواه ابن السكن من رواية عبد الرحمن بن بشر بن الحكم عن يحيى بن سعيد عن حميد عن بكر، قال: فإذن إنما قصر به عن يحيى بن سعيد، زهير بن حرب أسقط منه بكرا من بينهما، انتهى كلامه.
وفيه نظر؛ من حيث زعم أنّ المقصر به هو ابن حرب - يعني وحده -، وليس كذلك؛ بل المقصر به مسلم أيضا عن شيخه الذي رواه عنه أبو بكر بن أبي شيبة، فإن أبا بكر رواه متصلا كرواية الجماعة، كما تقدم من عند ابن ماجه، ومسلم قصر به عنه على هذا، والله أعلم.
وأمّا إنكار العطار قول أبي مسعود وخلف، فكذلك هو فيما رأيت من النسخ، ولكن يشبه أن يكون قولهما صحيحا لما ذكره الحافظ أبو نعيم في كتاب المستخرج: حدثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف بن يعقوب القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا يحيى بن سعيد ح، وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أحمد بن الحسين الحذاء، ثنا علي ابن المديني، ثنا يحيى بن سعيد ح، وثنا محمد بن إبراهيم بن علي وعبد الله بن محمد بن جعفر، قالا: ثنا أحمد بن علي، ثنا أبو خيثمة، ثنا يحيى بن سعيد ح، وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أبو بكر بن أبي عاصم، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن علية، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أنه لقيه ﷺ في طريق، الحديث.
[ ٢ / ١٨٤ ]
قال: رواه مسلم عن زهير بن حرب عن يحيى بن سعيد، وعن أبي بكر عن إسماعيل بن علية جميعا عن حميد، فلعل من ذكرناه رأى ذلك في نسخة لم تقع لغيره - والله أعلم -، وكذا فعله البغوي في شرح السنة لما رواه عن عياش، ثنا عبد الأعلى، ثنا حميد، عن بكر - هو ابن عبد الله المزني -، عن أبي رافع، فقال: رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن علية، عن حميد، والله أعلم.
أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد، ثنا أبو الحارث الطاهري، أنبأنا الحسن بن محمد بن حكيم، ثنا أبو الموجه، ثنا ابن أبي شيبة، ثنا ابن علية، ثنا حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: أنه لقي النبي ﷺ، الحديث.
قال: هذا حديث متفق على صحته، أخرجه مسلم عن أبي بكر عن إسماعيل عن حميد.
٥٣ - حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع ح، وثنا إسحاق بن منصور، أنبأنا يحيى بن سعيد جميعا، عن مسعر، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: خرج النبي ﷺ فلقيني وأنا جنب، فحدت عنه فاغتسلت، ثم جئت، قال: ما لك؟ قال: كنت جنبا، قال رسول الله ﷺ: إن المسلم لا ينجس.
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه، ولفظ ابن حبان في صحيحه: كان النبي ﷺ إذا لقي الرجل من أصحابه ماسحه ودعا له، قال: فرأيته يوما بكرة فحدت عنه، ثم أتيته حين ارتفع النهار، فقال: إني رأيتك فحدت عني الحديث. وفي الباب حديث ابن مسعود رواه أبو عبد الرحمن بإسناد صحيح عن إسحاق بن منصور،
[ ٢ / ١٨٥ ]
أنبأنا يحيى، ثنا مسعر، حدثني واصل، عن أبي وا ل، عن عبد الله: أن النبي ﷺ لقيه وهو جنب فأهوى إلي، فقلت: إني جنب، فقال: إن المسلم لا ينجس.
وهو حديث ثابت في سائر نسخ النسائي، ولم يذكره صاحبا الأطراف ابن عساكر والمزي.
وقال أبو عيسى: وفي الباب عن ابن عباس، فلعل ظانا أن عبد الله هذا هو ابن عباس، وليس بابن مسعود، فليعلم أن شقيقا لم يرو عن ابن عباس شيئا في كتب الأئمة، والله أعلم.
ولم نر لابن عباس حديثا - فيما نعلم - إلا ما ذكره البخاري معلّقا عنه: المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا. ولما ذكره أبو عبد الله في مستدركه، قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وروى الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه، ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، قال: سألت عائشة: عن الرجل يأتي أهله، ثم يلبس الثوب فيعرق فيه، أنجس ذلك؟ فقالت: قد كانت المرأة تعدّ خرقة أو خرقا، فإذا كان ذلك مسح بها الرّجل الأذى عنه، ولم نر أن ذلك لا ينجسه، وفي حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، قالت: ثم صليا في ثوبيهما. وسيأتي حديث معاوية عن أخته، عن أم حبيبة: أنّ النبي ﷺ كان يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه.
قرأت على شيخنا العلامة أبي الحسن المكي - رحمه الله تعالى - أخبركم علامة دهره وفريد عصره شمس بن الخرقي، بقراءتكم عليه، في رجب سنة تسع وستين وست مائة، أنبأنا الفقيه رشيد الدين زاهد بن محمد بن
[ ٢ / ١٨٦ ]
أحمد بن وكيع المروروذي، أنبأنا الإمام شيخ الإسلام أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله المروروذي، أنبأنا محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود، قال: معنى قول ابن عباس: أربع لا يجنبن؛ الإنسان، والثوب، والماء، والأرض: يريد الإنسان لا يجنب بمماسة الجنب، ولا الثوب إذا لبسه الجنب، ولا الأرض إذا أفضى إليها الجنب، ولا الماء إذا غمس الجنب يده فيه. وفي كتاب الدارقطني من حديث المتوكل بن فضيل عن أم القلوص الغاضرية، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ لا يرى على الثوب جنابة، ولا على الأرض جنابة، ولا يجنب الرجل الرجل. وقال عطاء: يحتجم الجنب، ويقلِّم أظفاره، ويحلق رأسه، وإن لم يتوضأ. وقال الحافظ رشيد الدين: قول أبي هريرة: فانخنست منه، فيه أربع روايات:
فانبجست بنون ثم باء معجمة بواحدة بعدها جيم، ومعناه اندفعت منه، وقال الترمذي: معناه تنحيت عنه.
الثانية: فانخنست منه بنون بعدها خاء معجمة ثم نون، ومعناها انقبضت وتأخرت عنه.
الثالثة: فاختنست بتقّدم الخاء المعجمة وبعدها تاء معجمة باثنتين من فوقها ثم نون، ومعناها معنى التي قبلها.
الرابعة: فانتجست بنون ثم تاء معجمة باثنتين من فوقها ثم جيم، ومعناها: اعتقدت نفسي نجسا، لا أصلح لمجالسة رسول الله ﷺ وأنا على تلك الحالة، وقد ذكر في هذه الكلمة قول خامس؛ وهو فانبخست بنون ثم باء معجمة بواحدة
[ ٢ / ١٨٧ ]
بعدها خاء من النخس، وهو النقص، فإن صحت هذه الرواية فقد ذكر بعض العلماء أنّ معناها أنّه ظهر له نقصانه عن مماشاة رسول الله ﷺ؛ لما اعتقده في نفسه من النجاسة، فرأى أنّه لا يقارنه ما دام في تلك الحال.
وقال الحافظ: ومعنى هذه الأقوال يرجع إلى شيء واحد، وهو الانفصال والمزايلة على وجه التوقير والتعظيم له ﷺ، وذكر الحافظ أبو محمد المنذري فيه قولا سادسا؛ وهو فانتجشت بنون وتاء ثالث الحروف وشين معجمة، من النجش، وهو الإسراع. قال الزمخشري: والأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان، وفي الحديث: نهى عن النجش: وهو تنفير النّاس من شيء إلى غيره، وذكر بعضهم قولا سابعا؛ وهو: فاحتبست بحاء مهملة وبعد التاء ثالث الحروف باء وسين مهملة من الاحتباس، والله أعلم.
قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، وثبت عن ابن عمرو وابن عباس وعائشة أنهم قالوا ذلك، وهو مذهب الشافعي والنعمان، ولا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهما.
قال أبو بكر: وعرق اليهودي والنصراني والمجوسي عندي طاهر، وخالف قوله هذا أبو محمد بن حزم، فزعم أنّه منهم نجس تمسكا بقوله ﷺ: إن المؤمن لا ينجس، وبقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، والله أعلم.
واستنبط أبو حاتم البستي من حديث أبي هريرة أنّ الجنب إذا وقع في البئر، وهو ينوي الاغتسال، لا ينجس ماء البئر، خلافا لمن قال ذلك.
وقوله: سبحان الله، قال أبو بكر بن الأنباري في الكتاب الزاهر: معنى سبحانك: تنزيها لك يا ربنا من الأولاد والصاحبة والشركاء؛ أي نزهناك من ذلك، قال الأعشى:
أقول لما جاءني فخره … سبحان من علقمة الفاخر
.
[ ٢ / ١٨٨ ]
أراد: تنزيها لله من فخر علقمة، وفي كتاب الاشتقاق للنحاس يعجب الأعشى بالتسبيح من فخره، كما يقول القائل إذا تعجب: سبحان الله، وقال القزاز: معناه: براءة الله من السوء، قال الجوهري: إنّما لم ينون؛ لأنه معرفة عندهم، وفيه شبه التأنيث. قال ابن الأنباري: ويكون التسبيح الاستثناء، من ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾، معناه: قال: أعدلهم قولا: هلا تستثنون، ويكون التسبيح الصلاة، من ذلك ما روي عن الحسن أنه كان إذا فرغ من سبحته، قال: معناه: إذا فرغ من صلاته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. قال أبو عبيدة: معنى نسبح لك: نحمدك ونصلي لك. ويكون التسبيح النور، من ذلك الحديث: لولا ذلك لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء. ويكون من التنزيه؛ قال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا﴾.
وقال الفراء: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ منصوب على المصدر، كأنك قلت: سبحت الله تسبيحا، فجعل السبحان في موضع التسبيح، كما تقول: كفّرت عن يميني تكفيرا، ثم تجعل الكفران في موضع التكفير، فتقول: كفرت عن يميني كفرانا، قال زيد بن عمرو بن نفيل، أو ورقة بن نوفل:
سبحان ذي العرش سبحانا يدوم له … رب البرية فرد واحد صمد
سبحانه ثم سبحانا يعود له … وقبلنا سبح الجودي والجمد
.
وفي الأساس: سبّحت الله وسبّحت له وكثرت تسبيحاته وتسابيحه، ومن المجاز:
وسبحى في ثلاث تعجب … واسلك بسبحات وجهك
.
وقال أبو موسى الحافظ في كتابه المغيث: سبحان الله قائم مقام الفعل؛ أي: أسبحه، وسبحت أي: لفظت بسبحان الله، وقيل: معنى سبحان الله: التسرع إليه،
[ ٢ / ١٨٩ ]
والخفة في طاعته، من قولهم: فرس سابح، وذكر النضر بن شميل أنّ معناه: السرعة إلى هذه اللفظة؛ لأن الإنسان يبدأ فيقول: سبحان الله، وذكر أنه سأل في المنام عن هذا ففسّر له هكذا.
وقوله: إنّ المؤمن لا ينجس، قال أبو نصر: يقال: نجس الشيء ينجس نجسا، فهو نجس ونجس أيضا. وقال الفراء: إذا قالوه مع الرجس أتبعوه إيّاه، قالوا: رجس نجس بالكسر، وأنجسه غيره ونجسه بمعنى.
وقال القزاز: النجس فيه ثلاث لغات: النجس بكسر النون وبفتحها، وبفتحها وفتح الجيم، وكل شيء قذر فهو نجس، والجمع أنجاس، تقول: هو نجس، وهم أنجاس، وفي بعض اللغات يقال للواحد: نجس، وللجمع نجس، وذلك إذا لم يكن على طهارة من الجنابة، وفي كتاب ابن القوطية: وعلى فعِل وفَعُل: نجس الشيء ونجُس نجسا، ونجاسة ضد طهر، وفي كتاب المطالع: نجُس بضم الجيم وفتحها، يقال: ثوب نجَس ونجِس، وكذلك في التثنية والجمع، والذكر والأنثي، قاله الكسائي، وقال غيره: إنما يقال بفتحهما، فإذا أتبعه الرجس كسرت النون.
[ ٢ / ١٩٠ ]