٩٩ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي رزين قال: رأيت أبا هريرة يضرب جبهته بيده، ويقول: يا أهل العراق إنكم تزعمون أني أكذب على رسول الله - ﷺ -؛ ليكون لكم المهنأ، وعلي الإِثم: أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات.
١٠٠ - ثنا محمد بن يحيى، ثنا روح بن عبادة، ثنا مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات.
هذا حديث اجتمع على تخريج أصله الأئمة الستة، وفي مسلم: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات، أولهن بالتراب.
وفي الترمذي: أولاهن أو أخراهن، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة. وقال: حسن صحيح.
وفي مسلم من حديث الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: فليهرقه وليغسله سبع مرات، زاد ابن خزيمة من حديث علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن الأعمش: وإذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش فيه حتى يصلحه. وزعم النسائي أن هذه الزيادات لم يتابع ابن حجر عليها أحد، أعني قوله: فليرقه.
وفي الصحيح: إذا شرب من حديث مالك، وكذا هو في
[ ١ / ٢٦٦ ]
الموطأ، قال أبو عمر بن عبد البر: هكذا قال مالك: إذا شرب، وغيره من رواة حديث أبي هريرة يقول: إذا ولغ. وهو الذي يعرفه أهل اللغة، وتابعه على ذلك الإِسماعيلي وابن منده، وليس كما قالوا لأمرين:
الأول: مالك - ﵀ - لم ينفرد بهذه اللفظة، بل تابعه عليها غيره، عن الأعرج، وهو المغيرة بن عبد الرحمن، وورقاء، فيما ذكره الجوزقي وغيره، ووقعت هذه اللفظة أيضا من رواية أبي همام محمد بن الزبرقان قال: ثنا هشام بن حسان، عن محمد، عن أبي هريرة.
الثاني: في قول أبي عمر: (هكذا قال مالك) يقتضي ظاهره اتفاق الرواة عنه على ذلك، فإنهم لو اختلفوا كان القول منسوبا إلى رواة هذه اللفظة عنه دون غيرهم، وقد رواه الإسماعيلي عن محمد بن يحيى بن سليمان، عن أبي عبيد القاسم بن سلام، عن عمر، عن مالك بإسناده سواء. ولفظه: إذا ولغ، وذكر الدارقطني - ﵀ - أنَّ أبا علي الحنفي رواه عن مالك كذلك أيضا، فظهر بمجموع ما تقدم بطلان قول من وهم على مالك، وأنه مما قرِف به بريء، والله تعالى أعلم.
وفي كتاب أبي الشيخ الأصبهاني: فليمصه بالماء سبعا، وفي الأوسط للطبراني من رواية هشام بن حسان ويونس بن عبيد، عن ابن سيرين: أولاهن بالتراب، ورواه أبان، عن قتادة، عنه: السابعة بالتراب، ورواه خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: أولاهن، قال البيهقي: غريب، إن كان حفظه معاذ، يعني: عن أبيه، عن قتادة، عن خلاس، فهو حسن؛ لأن التراب في هذا الحديث لم يروه ثقة غير ابن سيرين، عن أبي هريرة، وإنما رووه عن هشام، عن قتادة، عن ابن سيرين، ورواه ابن أبي عروبة، عن
[ ١ / ٢٦٧ ]
أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة: أولهن. وفي رواية أبان، وغيره، عن قتادة، عنه: السابعة. وفي رواية يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين: إحداهن. انتهى.
وفي قوله: لم يروه عن أبي هريرة ثقة غير ابن سيرين - نظر؛ لما أورده أبو الحسن الدارقطني في كتاب السنن بإسناد حسن، فقال: ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا يزيد بن سنان، ثنا خالد بن يحيى الهلالي، ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه يغسل سبع مرات، الأولى بالتراب.
والحسن أنكر سماعه من أبي هريرة جماعة. وفي كتاب الطبراني الأوسط ما يوضح لك أنّ ذلك ليس بصواب، وأن الصواب عكسه.
قال أبو القاسم: ثنا محمد بن زياد الأبزاري، ثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا أبو عاصم العباداني، ثنا الفضل بن عيسى الرقاشي، عن الحسن قال: خطبنا أبو هريرة. فذكر حديثًا طويلًا. قال في آخره: لا يُروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإِسناد. تفرّد به عبد الأعلى.
وهذا الحديث يؤيد قول من قال: إن الحسن سمع من أبي هريرة بالمدينة، وقد رأى الحسن عثمان يخطب على المنبر، والله أعلم.
وفي المعجم الصغير له قال: وقال بعض أهل العلم: إنه سمع منه.
وفي كتاب أبي موسى المديني المسمّى بالترغيب والترهيب، من حديث عمرو بن عدي، عن صالح بن محمد بن سلمة الكندي، عن حماد بن عبد الله، سمعت الحسن يقول: سمعت أبا هريرة يقول .. فذكر الحديث.
وفي كتاب النصيحة للآجري، وتفسير القرآن العظيم للثعلبي بإسناد لا يحضرني الآن ذكره، وفي كتاب المناهي تأليف أبي القاسم عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الفضل الأزجي: ثنا أبو بكر محمد بن أحمد المفيد، ثنا محمد بن أحمد الغساني، ثنا مهدي بن جعفر الرملي، ونا أبو الخليل العباس بن
[ ١ / ٢٦٨ ]
الخليل الطائي الحمصي، ثنا يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير الحمصي، قالا: ثنا ضمرة بن ربيعة، ثنا عباد بن كثير بن قيس الثقفي، ثنا عثمان بن الفرج، عن الحسن بن أبي الحسن قال: حدّثني سبعة رهط من الصحابة: عبد الله بن عمر، وأبو هريرة الدوسي، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار، وأنس، عن النبي - ﷺ - .. فذكر حديثًا مطولًا عن الحسن. قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة، عن قصور الجنة، فقالا: على الخبير بها سقطت … الحديث.
وفي مسند أبي داود الطيالسي بإسناد على شرط الشيخين: ثنا عباد بن راشد، ثنا الحسن، ثنا أبو هريرة، ونحن إذ ذاك بالمدينة، قال: يجيء الإِسلام يوم القيامة .. الحديث.
ثنا أبو الأشهب، عن الحسن قال: قدم رجل من أهل المدينة فلقي أبا هريرة .. فذكر حديثًا طويلًا، في آخره قال أبو داود: سمعت شيخا في المسجد الحرام يحدّث بهذا الحديث، قال: وقال الحسن وهو في مجلس أبي هريرة لما حدث هذا الحديث .. فذكر كلامًا.
وفي كتاب الناسخ والمنسوخ لابن شاهين: ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، وما كتبته إلا عنه، ثنا أحمد بن محمد اليمامي، ثنا النَّضر بن محمد، ثنا شعبة، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أبي هريرة، قال -﵇-: إذا أراد أحدكم أن يغشى المرأة .. الحديث. قال: هذا حديث صحيح غريب، ما كتبناه عن أحد إلَّا عن عبد الله بن سليمان.
وقال الدارقطني في كتاب العلل: ثنا دعلج، قال: سمعت موسى بن هارون يقول: سمع الحسن من أبي هريرة، إلا أنّه لم يسمع منه عن النبي - ﷺ -: إذا قعد بين شعبها الأربع، بينهما أبو رافع، ولما خرج الترمذي حديث: لعن
[ ١ / ٢٦٩ ]
عبد الدينار وعبد الدرهم من حديث يونس، عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا. قال فيه: حسن غريب.
وقال في حديث أبي هريرة: إن موسى كان ستيرا عن عبد بن حميد، عن روح بن عبادة، عن عوف، عن الحسن ومحمد بن خلاس عنه. قال: هذا حديث حسن صحيح.
ولما خرج ابن حبان في صحيحه حديث الإِسراء من جهة همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس عن مالك بن صعصعة، قال في وسطه: قال قتادة: وثنا الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون منه، ثم رجع إلى حديث أنس فذكره.
وأما ما في كتاب المراسيل لابن أبي حاتم: ثنا علي بن الحسن الهسنجاني، ثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي، ثنا إسماعيل بن علية، عن شعبة، عن قتادة قال: قال الحسن: إنا والله ما أدركنا إلا وقد مضى صدر من أصحاب محمد - ﷺ - الأول.
قال قتادة: إنما أخذ الحسن عن أبي هريرة، قلت له: زعم زياد الأعلم أن الحسن لم يلق أبا هريرة؟ قال: لا أدري. فظاهره يحتمل إنكار قول زياد وعدم رجوع قتادة إليه، وأنه أخبر بالواقع الذي عنده، وكأنه يقول لا أدري، متهكما بقول زياد، والله تعالى أعلم.
فقد ظهر بمجموع ما تقدم صحة قول من قال: إنه سمع من أبي هريرة، وفساد قول من خالف ذلك.
وفي كتاب البزار، عن يونس، عن ابن سيرين: أولهن أو آخرهن.
وفي رواية عطاء، عن أبي هريرة مرفوعًا: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فلا يجعل فيه شيئًا حتى يغسله سبع مرات.
قال في الأوسط: لم يروه عن صفوان بن سليم عن عطاء إلا إبراهيم
[ ١ / ٢٧٠ ]
ابن محمد. تفرد به إسماعيل بن عياش.
وفي مشيخة ابن المني: إذا ولغ الكلب في الإِناء غسل سبع مرات، أولاهن بالتراب، وإذا ولغ الهر غسل مرة.
وستأتي محصلات ولوغ الهر، وفي تاريخ أبي عبد الله محمد بن الحسين بن عمر اليمني، ومن خطه نقلت: ثنا الحسين بن عبد الله، ثنا الربيع بن سليمان الجيزي، ثنا سعيد بن عفير، ثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: يغسل الإِناء من الخمر كما يغسل من الكلاب.
قال أبو عبد الله: تفرد به يحيى بن أيوب.
١٠١ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شبابة، ثنا شعبة، عن أبي التياح، سمعت مطرفًا، يحدث عن عبد الله بن المغفل أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا ولغ الكلب في الإِناء، فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب.
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه بزيادة: أمر النبي - ﷺ - بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب، ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: إذا ولغ … الحديث.
١٠٢ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا ابن أبي مريم، أنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال رسول الله - ﷺ -: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات.
هذا حديث ظاهر إسناده صحيح على شرط الشيخين، وليس كذلك؛ لقول ابن عساكر في كتاب الأطراف: وفي نسخة عبد الله وهو أشبه، ولما ذكر ابن سرور مشائخ سعيد بن الحكم بن أبي مريم لم يذكر عبيد الله فيهم، إنما ذكر عبد الله، وبذلك
[ ١ / ٢٧١ ]
يخرج الإِسناد من الصحة إلى الضعف؛ لما قيل في.
وفيه ردّ لما قال الترمذي إثر حديث أبي هريرة: وفي الباب عن ابن مغفل، وأغفل أيضا حديث علي بن أبي طالب من عند الدارقطني، يرفعه: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالبطحاء.
وإسناده لا بأس به، ولما رواه أبو القاسم في الأوسط مطولا قال: لم يروه عن أبي إسحاق، يعني عن هبيرة بن يريم، عن علي - إلا إسرائيل، ولا عنه إلَّا الجارود بن يزيد، ولا يُرْوَى عن علي إلَّا بهذا الإِسناد.
قوله: إذا ولغ، الولغ من الكلاب والسباع كلها هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع، فيحركه فيه، عن ثعلب: تحريكًا قليلا أو كثيرًا. قاله المطرز.
وقال مكي في شرحه: فإن كان غير مائع، قيل: لعقه ولحسه. قال المطرز: فإن كان
[ ١ / ٢٧٢ ]
الإِناء فارغا، يقال: لحس، فإن كان فيه شيء، قيل: ولغ. وقال اللبلي: هذا يقتضي أنه إذا كان في الإِناء شيء، مائعا كان أو غيرَ مائع، فإنه يقال فيه: ولغ، وهو خلاف ما تقدّم قبل عنه وعن غيره.
وقال ابن درستويه: معنى ولغ: لطعه بلسانه، شرب فيه أو لم يشرب، كان فيه ماء أو لم يكن، وفي الصحاح: ولغ الكلب بشرابنا، وفي شرابنا ومن شرابنا، وقال المطرز: ولا يقال: ولغ في شيء من جوارحه سوى لسانه.
وقال ابن جنِّي في شرحه شعر المتنبي: أصل الولغ: شرب السباع بألسنتها الماء، ثم كثر فصار للشرب مطلقًا. وعن ثعلب: سمعت ابن الأعرابي وقد سئل: أيكون الولوغ في الطير؟ قال: لا يكون إلَّا في الذباب وحده، وتبعه على ذلك المطرز في كتاب الياقوت، والجوهري، وغيرهما، وأنشد المطرز:
تذب عنه كف بها رمق … طيرا عكوفًا كزور العرس
عما قليل خلسن مهجته … فهن من والغ ومنتهس
وفي كتاب الفصيح: ولَغ - يعني بفتح اللام - الكلب في الإناء، يلغ ويولغ: إذا ولغه صاحبه، وينشد هذا البيت:
ما مر يوم إلَّا وعندهما … لحم رجال أو يولغان دما
وذكر عنه المطرز أنه يقال فيه: ولِغ بكسر اللام، ولكنّها لغة غير فصيحة، وتبعه على ذلك أبو علي وابن القطاع وابن سيده في المحكم، وأبو حاتم السجستاني في تقويم المفسد، زاد: وسكن بعضهم اللام، فقال: ولْغ. قال ابن جني: مستقبله يلَغ بفتح اللام وكسرها، وفي مستقبل ولِغ بالكسر يلَغ بالفتح. زاد ابن القطاع: ويلِغ بكسر اللام كما في الماضي.
وقد جاء في بعض ألفاظ حديث أبي هريرة مرفوعًا: يغسله بالماء ثلاثًا أو خمسا أو سبعًا، ولكن في الطريق إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف، وعنه عبد الوهاب بن الضحاك، قال
[ ١ / ٢٧٣ ]
الدارقطني: تفرّد به، وهو متروك الحديث، وغيره يرويه عن إسماعيل بهذا الإسناد: فاغسلوه سبعًا. وهو الصواب.
ومن طريق عبد الملك، عن عطاء، عنه: إذا ولغَ الكلب في الإناء، فأهرقه، ثم اغسله ثلاث مرات.
قال الدارقطني: هذا موقوف، ولم يروه هكذا غير عبد الملك، عن عطاء، وبهذا تعلّق الحنفيون اعتمادًا منهم على أن أبا هريرة لا يخالف ما روى إلا لأمر ثبت عنده في روايته.
وغيرهم يقول: الحجة في روايته، لا في رأيه، وهو الصواب، وعليه أكثر المحدثين.
وقال الحربي بأن حديث الثلاث منكر، والأصل فيه موقوف، ليس فيه: فليرقه وليغسله ثلاث مرات.
[ ١ / ٢٧٤ ]