٤٠ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، قال رسول الله - ﷺ -: لا يبولن أحدكم في مستحمه، فإنّ عامة الوسواس منه.
هذا حديث صحيح، خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه بلفظ: فإن عامة الوسواس يكون منه.
وقال البخاري في تاريخه الصغير: رواه - يعني الحديث - ابن المبارك، عن أشعث بن عبد الله. ورواه بعضهم عن أشعث بن جابر. انتهى.
وهو يقتضي التفرقة بينهما وليس كذلك للتذكرة بعد.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
، ذكر البرقاني: قلت له - يعني الدارقطني -: أشعث عن الحسن؟ قال: هم ثلاثة يحدثون جميعا عن الحسن: أحدهم الحمراني، منسوب إلى حمران مولى عثمان، بصري ثقة، وأشعث بن عبد الله الحداني يعتبر به، يروي عن الحسن، وأشعث بن سوار الكوفي، يعتبر به، وهو أضعفهم، وذكره ابن الجارود في كتاب المنتقى، وأحمد بلفظ: ثم يتوضأ فيه، وعلل برواية شعبة، عن قتادة، عن ابن مغفل موقوفا: البول في المغتسل يأخذ منه الوسواس، وفي لفظ: إنّ ابن المغفل سُئِلَ عن الرجل يبول في مغتسله؟
[ ١ / ١٤٥ ]
فقال: يخاف منه الوسواس؛ ولذلك قال بعض الحفاظ: الوقف أصح، وكذا رواه يزيد بن إبراهيم التستري، عن قتادة، عن الحسن، عن ابن مغفل: أنه كان يكره البول في المغتسل. وقال: إن منه الوسواس. وقال الإمام أحمد فيما حكاه عنه الخلال: إنما يُرْوَى عن الحسن مرسلا، ويشبه أن يكون هذا مستند أبي عيسى الترمذي في قوله: هذا الحديث غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث أشعث، وليس ذلك بعلّة؛ لأن أشعث يحتمل رفعه لحديث تابعه عليه غيره خلافا له وللبخاري وأحمد في قولهما: لا نعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه، وهو ما رواه الحاكم، وزعم أنّه على شرطهما، عن أبي بكر بن إسحاق، نا أبو المثنى، نا محمد بن المنهال، نا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عقبة بن صهبان، عن عبد الله بن مغفل قال: نهي - أو زجر - أن يبال في المغتسل.
وصيغة نهي أو زُجر من الصحابي محمولة على الرفع كما هو مقرر في هذا الفن، وما ذكره أبو القاسم في معجمه الكبير بسند لا بأس به، عن الحسين بن إسحاق القشيري، عن سهل بن عثمان، عن عليّ بن هاشم، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن ابن مغفل مرفوعًا، إذ المثبت أولى من النافي، ومن علم حجة على من لم يعلم.
وأمّا ما ذكره البيهقي من أن البخاري قال: يُروى أن أشعث هذا هو ابن جابر الحداني. وقال معمر: أشعث بن عبد الله، قال: وقيل: هو أشعث بن عبد الله بن جابر. فهذا اختلاف يدل على اضطراب الحفظ وعدم الضبط، فكلام لا حاصل تحته؛ لأن عبد الغني بن سعيد المصري، قال: أشعث بن جابر الحدَّاني البصري، وأشعث بن عبد الله البصري، وأشعث بن عبد الله بن جابر، وأشعث الأعمى، والأشعث الأزدي، والأشعث الجملي - واحد.
وفي كلام البيهقي المذكور
[ ١ / ١٤٦ ]
آنفا إشعار ببعض ذلك؛ فهو تارة ينسبه الراوي عنه إلى أبيه، وتارة إلى جدّه، وتارة إلى لقبه، وتارة إلى قبيلته، وتارة إلى غير ذلك، وما هذا سبيله فليس من الاضطراب في شيء، وأيضا فهذا اختلاف في نسبه ليس في نفسه ولا حاله، ولو كان مثل لك ضارا، لكان الذهلي وغيره أجدر بهذا.
وأيضا فقوله: فهذا اختلاف يدل على اضطراب الحفظ، إن أراد حفظ الذين سموه بذلك فليس بشيء؛ لأن معمرا وابن المبارك لا يحسن فيهما هذا، وإن أراد حفظه هو فليس بشيء أيضا؛ لأنه هو لا يتهم في نسب نفسه، فلا يَنسبُّ ذلك الاضطراب إليه، وسبب ذلك - والله أعلم - أنهم كانوا يحفظون ولا يكتبون، فتارة ينشط الراوي بنسب شيخه، وتارة يقتصر على بعض نسبه، أو يكون كثير الرواية عنه فيدلسه، أو غير ذلك من الأغراض، ومثل ذلك لا يعد اضطرابا، ولئن عددناه اضطرابا فبالنسبة إلى من أدَّى وأرَّخ، لا إليه، والله أعلم.
وأمّا ما ذكره عبد الحق الإشبيلي من أنّ هذا الحديث أرسله الأشعث، عن الحسن ولم يسمعه منه، لما ذكره العقيلي، عن القطان قال: قيل للأشعث: أسمعته من الحسن؟ قال: لا، فوهم منه على العقيلي لم يقله، والذي فيه رواه ابن المديني، عن يحيى القطان، عن الحسن بن ذكوان، عن الحسن، قيل لابن ذكوان: أسمعته من الحسن؟ قال: لا، قال العقيلي: لعله سمعه من الأشعث عنه. وابن ذكوان لا مدخل له فيما نحن بصدده.
وأمّا ما ذكره أبو القاسم في الأوسط، من أنّه لم يروه عن الأشعث إلَّا معمر؛ فحبذا بمعمر وما رواه، وهذا هو الذي صيّره عند الترمذي غريبا، والله أعلم.
وقد روي عن جماعة من الصحابة نحوه: منهم عمران بن حصين، وعائشة، وابن مسعود، وأبو بكرة، ورجل له صحبة، وحديثه عند أبي داود، وإسناده صحيح، وإن كان قد أعله بعضهم ما لا يقدح فيه،
[ ١ / ١٤٧ ]
والله أعلم، وعبد الله بن سرجس، وحديثه عند أبي داود والنسائي، وابن عمر، وحديثه في تاريخ الموصل، وسيأتي في باب المتمندل، وحديث الحارث بن يزيد الجهني: نهى النبي - ﷺ - أن يبال في الماء المجتمع المستنقع ذكره أبو موسى من حديث بشر بن عمارة، عن الأحوص بن حكيم، عن الحارث بن زياد عنه.
المستحم: المغتسل، مشتق من الحميم، وهو الماء المسخن لملازمة المغتسل له غالبا.
وحكى الأزهري عن ابن الأعرابي إطلاق الحميم على البارد، فهو من الأضداد، وفي الصحاح: الغسول: الماء الذي يغتسل به، وكذلك المغتسل، قال الله تعالى: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾، والمغتسل: المكان الذي يغتسل فيه، وهو المراد هنا، وعامة: يعبر بها عن الجميع، وتستعمل في الأكثر توسعا، والوسواس - بالفتح -: حديث النفس، قَال في المطالع: هو ما يلقيه الشيطان في القلب، وقَد يطلق ويراد به الشيطان، وبالكسر المصدر، سمعت محمد بن يزيد، سمعت علي بن محمد الطنافسي يقول: إنّما هذا في الحفرة، فأمّا اليوم فلمغتسلاتهم الجصّ والصاروج والقير، فإذا بال فأرسل عليه الماء فلا بأس به.
الجص بكسر الجيم، حكاه ثعلب، وحكى أبو عبيد في الغريب ويعقوب في الاصطلاح: فتح الجيم أيضا، وكذلك المطرز قال: ويقال له أيضا الصُّرّاج، والقَصة. زاد ابن هشام: والقَصّ والصاروج بصاد مهملة وجيم، قال القزاز: هو الجير الذي تعمل به الحمامات، وقال الجواليقي: هو النورة وأخلاطها التي تصرّج بها الحياض، وهو فارسي معرب، وكذلك كل كلمة فيها صاد وجيم؛ لأنهما لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب. وبنحوه قاله الجوهري وصاحب الجمهرة. والقار، قال أبو حنيفة: هو شجر مرٌ. قال بشر بن أبي حازم:
[ ١ / ١٤٨ ]
يسومون الصلاح بذات كهف … وما فيها لهم سلعٌ وقار
وقال ابن الأعرابي: يقال هذا أقير منه، إذا كان أمر، وفي الجامع: القار والقير لغتان، وهو الذي يطلى به السفن، وبنحوه قاله في الصحاح، وبنحو ما قاله الطنافسي قاله أبو سليمان الخطابي وأحمد بن حنبل، قال الترمذي: ورخص فيه، يعني إطلاق البول في المغتسل سواء أكان جددا أو غير جدد - ابن سيرين، والقاسم بن محمد.
[ ١ / ١٤٩ ]