٩٤ - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد قالا: ثنا وكيع، عن شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - قضى حاجته، ثم استنجى من تور، ثم دلك يده بالأرض.
هذا حديث خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه، فقال: ثنا إسحاق بن إبراهيم وإسماعيل بن مبشر قالا: ثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس، ثنا أبي، ثنا شريك، ثنا إبراهيم، به.
وقال في الأوسط: لم يروه عن أبي زرعة إلا إبراهيم. تفرد به شريك، وسكت عنه الإشبيلي، واعترض عليه ابن القطان، فقال: لا يصح لعلتين:
إحداهما: شريك، فإنه سيئ الحفظ، مشهور بالتدليس، وهو في سوء الحفظ مثل ابن أبي ليلى وقيس بن الربيع، وكلهم اعتراهم سوء الحفظ لما ولوا من القضاء.
والثانية: إبراهيم، فإنه لا تعرف حاله، وهو كوفي يروي عن أبيه مرسلًا، ومنهم من يقول: حدّثني أبي. انتهى كلامه.
وعليه فيه مآخذ، منها: تدليس شريك المخوف زال بحديث آدم عنه المصرح فيه بحدّثنا إبراهيم من عند ابن حبان، ومنها: تسويته بين شريك وقيس ومحمد في سوء الحفظ، وليس كذلك؛ لأنه ممن خرج مسلم حديثه في صحيحه. وقال فيه ابن معين: ثقة ثقة. وهو أحب إلي من أبي الأحوص، وجرير، ليس يقاس هؤلاء به. وفي رواية: ثقة إلا أنه لا يتقن، ويغلط، ويذهب بنفسه على سفيان وشعبة، قال فيه الإمام أحمد نحو ذلك، زاد: وهو في أبي إسحاق أثبت من زهير وإسرائيل، وخالف ذلك أبو داود، وسيأتي كلامه.
وقال وكيع: لم نر أحدًا من الكوفيين مثل شريك، وحدث عنه ابن مهدي، وقال العجلي: ثقة حسن الحديث. وقال ابن عدي: والغالب على حديثه الصحة
[ ١ / ٢٥٨ ]
والاستواء. وقال أبو داود: ثقة يخطئ على الأعمش، زهير وإسرائيل فوقه. وقال الآجري: وسمعت أبا داود يقول: إسرائيل أصح حديثًا من شريك، وسمعت أبا داود يقول: أبو بكر بن عياش بعد شريك، قال الآجري: سمعت أحمد بن عمار بن خالد، سمعت سعدويه يقول لإبراهيم بن محمد بن عرعرة: ارو هذا، أنا سمعت عبد الله بن المبارك، يقول: شريك أعلم بحديث الكوفة من سفيان.
وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، كتب الحديث، وكان يغلط، توفي في ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائة.
ولما ذكره الحربي في كتاب العلل قال: كان ثقة. وقال الفسوي في تاريخه: ثقة صدوق، صحيح الكتاب، رديء الحفظ، مضطربه.
وقال النسائي في التمييز: ليس به بأس، فكيف يشبه من يكون هذه حاله بابن أبي ليلى؟! القائل فيه شعبة بن الحجاج: ما رأيت أسوأ حفظًا منه.
قال أحمد: سيئ الحفظ، مضطرب في الحديث. وكذلك قاله يحيى بن سعيد، زاد: جدا.
وقال أبو حاتم: شغل بالقضاء فساء حفظه.
وقال ابن حبان: كان فاحش الخطأ، رديء الحفظ، فكثرت المناكير في حديثه، فاستحق الترك، تركه أحمد ويحيى، وكذلك زائدة.
وقال الدارقطني: هو رديء الحفظ، كثير الوهم.
وقال ابن طاهر في كتاب التذكرة: أجمعوا على ضعفه، وليس كما ذكر؛ لأنّ العجلي ذكره في تاريخه، فقال: كان صدوقا جائز الحديث، صاحب سنة، فلا إجماع إذًا، والله تعالى أعلم.
وأما قيس بن الربيع فقال فيه أحمد لما سئل عنه: لم يترك الناس حديثه، وقال: كان يتشيع ويخطئ في الحديث، ويروي أحاديث منكرة.
وقال الجوزجاني: ساقط.
وقال أبو داود: إ ما أتي من قبل ابن له، كان يدخل أحاديث الناس في فُرَج كتابه، ولا يعرف الشيخ ذاك.
وقال الأزدي: كان يعلّق النساء بثديهن، ويرسل عليهن الزنابير، وتكلم فيه غير هؤلاء.
[ ١ / ٢٥٩ ]
ومنها قوله: إبراهيم لا يعرف حاله، وليس كما قال، فإنه ممن روى عنه أبان بن عبد الله البجلي، وحميد بن مالك اللخمي، وداود بن عبد الجبار، وزياد بن أبي سفيان، وقيس بن مسلم الجدلي، وشريك، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات.
وقال ابن عدي: لم نضعفه في نفسه، وإنما قيل: لم يسمع من أبيه شيئا، وأحاديثه مستقيمة تكتب.
ومنها قوله: ومنهم من يقول حدثني أبي، وذلك لا يستقيم، وأنى له السّماع من أبيه مع قول ابن سعد فيه: مولده بعد موت أبيه.
وكذلك قاله الحربي في كتاب العلل، وبنحوه ذكره الآجري.
ومنها: إغفاله علّة هي في الحقيقة إن صحت علة الخبر لا ما ذكر، وهي ما ذكره أبو عبد الله أحمد بن حنبل حين سأله حنبل عنه؟ فقال: هذا حديث منكر.
وأشد من هذا ما ذكر أبو داود من رواية ابن العبد عنه: ثنا محمد بن عبد الله المخرمي، ثنا وكيع، عن شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن المغيرة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. فهذا كما ترى إبراهيم صرح بأنه لم يسمعه من أبي زرعة، إنما سمعه من المغيرة عنه، ولو كان أتى بلفظ يشعر بسماعه منه لكنا نقول: سمعه منه وعنه، فلما يأت بذلك، إنما قاله معنعنا؛ دلنا ذلك على انقطاع حديثه؛ لرؤيتنا واسطة بينهما، ولا أدري من هو في جماعة مسمين بهذا الاسم، وفي هذه الطبقة؟
ولفظ أبي داود: كان - ﵇ - إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة، فاستنجى ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر يتوضأ، ولما ذكره الحافظان أبو محمد المنذري، وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد في كتابيهما، قالا: خرجه أبو داود وابن ماجه، تبعا في ذلك الحافظ أبا القاسم ابن عساكر، وهو وهم منه؛ لأنّه ثابت في كتاب السنن للنسائي المجتبى والكبير، ولفظه: فتوضأ، فلما استنجى دلك يده بالأرض رواه عن محمد بن عبد الله بن المبارك، ثنا وكيع، عن شريك،
[ ١ / ٢٦٠ ]
وأشار الطبراني في الأوسط إلى أن إبراهيم تفرّد به وعنه شريك.
وأما قول من قال من العلماء المتأخرين: إن ابن خزيمة خرجه في صحيحه، فيشبه أن يكون وَهِمَ؛ لأنّي نظرت كتاب ابن خزيمة فلم أجد ذلك فيه، إنّما فيه حديثه، أعني إبراهيم، عن أبيه، الآتي بعد، فلعله اشتبه عليه، والله أعلم.
ورواه أبان بن عبد الله، عن مولى لأبي هريرة، عن أبي هريرة، قال - ﵇ -: ائتني بوضوء، ثم دخل غيضة، فأتيته بماء؛ فاستنجى ثم مسح يده بالتراب، ثم غسل يده.
ذكره الدارمي في مسنده، عن محمد ابن يوسف عنه، وأبو زرعة اختلف في اسمه، فذكر الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب الأسماء والكنى من تأليفه أنَّ اسمه عمرو بن عمرو بن جرير بن عبد الله. أنا محمد بن عيسى، سمعت عباسًا، سمعت يحيى يقول: اسم أبي زرعة بن عمرو بن جرير: عمرو بن عمرو بن جرير. وفرَق بينه وبين أبي زرعة هَرِم. وقال عن علي: هرم أبو زرعة ليس هو ابن عمرو بن جرير، إنما هو آخر.
ثم في الطبقات لابن سعد: كان لجرير ابن يقال له عمرو، وبه كان يكنى، هلك في إمارة عثمان، فوُلد له ابن، فسماه جرير بن عبد الله باسم أبيه، وغلب عليه أبو زرعة، وأبى ذلك أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات، وأبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستغناء، فلم يذكرا غيره.
زاد أبو حاتم: وقد قيل: اسمه كنيته.
وأما أبو حاتم الرازي وأبو زرعة فسمّياه عبد الرحمن.
وأما مسلم فاختلف قوله، فسماه في الطبقات عبد الله، وفي الكُنى هرما.
٩٥ - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو نعيم، نا أبان بن عبد الله، حدّثني إبراهيم بن جرير، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - دخل الغيضة فقضى حاجته، وأتاه جرير بإداوة من ماءٍ، فاستنجى بها، ومسح يده بالتراب.
[ ١ / ٢٦١ ]
هذا حديث رواه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه، عن محمد بن يحيى، كما رواه أبو عبد الله، ولما خرجه أبو عبد الرحمن النسائي إثر حديث شريك المتقدم قال: هذا أشبه بالصواب من حديث شريك، ومع ذلك ففيه علّتان، يضعف الحديث بواحدة منها:
الأول: ما أسلفناه من أن جريرًا توفي قبل ولادة ابنه إبراهيم.
وقال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه، وكذلك قاله يعقوب.
ولما ذكر الدارقطني حديثه عن أبيه في المسح على الخفين، ومن رواه عنه كذلك - قال: خالفهما شريك؛ فرواه عن إبراهيم، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، وهو أشبه، والله تعالى أعلم.
وذكر بعضهم أنه لم يذكر عنه أحد قوله: حدثني أبي إلا داود بن عبد الجبار، وهو متهم بالكذب.
الثانية:.
ذكره بحشل في تاريخه: ثنا حسين بن عبد الرحمن، ثنا موسى بن داود، ثنا هشيم عن عروة بن عبد الله أبي عبد الله البزاز الهمداني عن الشعبي عنها أنها قالت: إن شئتم أريتكم المكان الذي كان رسول الله ﷺ يدلك يده إذا توضأ.
التور بتاء ثالث الحروف: إناء يشرب فيه. ذكره الجوهري. وفي الجمهرة لابن دريد: التور عربي معروف، هكذا يقول قوم. وقال آخرون: هو دخيل. فأمّا التور الرسول فعربي صحيح، وقال الجواليقي: هو إناء معروف يذكره العرب، قال أبو عبيد عن أبي عبيدة: ومما دخل في كلام العرب الطست والتور والطاجن، وهي فارسية كلها.
وقال الزمخشري في الأساس: هو إناء صغير مذكر عند أهل
[ ١ / ٢٦٢ ]
اللغة، ومررت بباب العمرة على امرأة تقول لجارتها: أعيريني تويرتك. وسُمي بذلك لأنه يتعاور ويردد، سمي بالتور وهو الرسول الذي يدور بين العشاق، مأخذه من التارة؛ لأنه تارة عند هذا، وتارة عند هذا.
وذكر أبو موسى في المغيث: أنّه إناء يشبه الإِجانة من صفر أو حجارة، يتوضأ منه ويؤكل، والجمع أتوار.
والغيضة: الأجمة، وهي مغيض ماء يجتمع، فينبت فيه الشجر، والجمع: غياض، وأغياض، وغيض الأسد: أي ألف الغيضة. ذكره في الصحاح.
وقال أبو موسى: هو شجر ملتف، وفي الجامع: يقال لما كثر من الطرفاء والأثل وما أشبهه: غيض. وقال أبو حنيفة: الغيضة: ما كان من الغرب خاصة، والِذي جاءت به الأشعار خلاف هذا، قال رؤبة:
في غيضة شجراء لم تمعَّر … من خُشْب عاس وغاب مثمر
فجعلها من المثمر وغير المثمر، وجعلها أيضا غابة، وأي غَرب بنجد يلي غُرب الأرياف إذا اجتمعت، فهي غياض، وكذلك إن كانت من غير الغرب بعد أن تجتمع وتلتف، قال الطرماح:
ومخاريج من شعار وغيـ … ـل وغماليل مُدجنات الغياض
والغلول: بطن من الأرض، غامض، ذو شجر، والغال نحو منه، ذكر ذلك أبو عمرو فجعلها غياضا، وهي ألفاف من الشجر، وليست منابت غرب، وشبيه به الغيل، والغيطلة، والغابة.
وفي الغريب المصنف: ونحو منه السرداج، والخبراء، والسَّلان، والعقرة.
وفي كتاب أسماء الشجر لأبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري: ومثله الحرجة، والنوطة، والفرش، والوهط، والسليل، والرجلة، وقصيمة، ودبيل، والقصيصة، والسبت، وعببة، وباعجة، وربض، وصربة، والأباءة، والعصل، والشجراء، والأجمة، والخميلة، والخمر.
[ ١ / ٢٦٣ ]