حدثنا محمد بن الصباح، نا سفيان بن عيينة عن ابن عجلان عن
القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ:"إنما
أنا لكم مثل الوالد، أعلمكم إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها،
وأمر بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة، ونهى أن يستطيب:-، الرجل
بيمينه" (١) هذا حديث خرجه أبو عوانة الإسفرايني في صحيحه من حديث
ابن عيينة، روى مسلم (٢) في صحيحه منه قطعة عن أحمد بن الحسن بن
خراش، نا عمر بن عبد الوهاب، نا يزيد بن زريع، نا روح عن سهيل عن
القعقاع:"إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها"
وتتبع ذلك عليه أبو الفضل الهروي الحافظ فزعم أن هذا الحديث أخطأ فيه
عمر بن عبد الوهاب على يزيد؛ لأنه حديث يعرف نا ابن عجلان عن
القعقاع، وليصر لسهيل في هذا الإِسناد أصل، ورواه ابن بسطام عن يزيد على
الصواب عن روح عن ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح بطوله، وحديث
عمر مختصر، وبنحوه قاله أبو الحسن الدارقطني في كتاب البيع، وقال في
موضع آخر: وكان في الكتاب مما تركه عن عمر الرياحي/عن يزيد بن رُوج
عن روح بن القاسم عن سهيل عن القعقاع … الحديث، وهو مما وهم فيه
الرياحي، وخالفه أمية فرواه عن يزيد عن روح عن ابن عجلان وهو الصواب،
قال ابن مسعود: إذا لم يروه عن كتابه بحال فلا معنى لنسبته إلى الوهم، وفي
ذلك نظر من حيث الموجودين كتاب مسلم لم يتركه بحال، وأخرجه أبو
حاتم بن حبان في صحيحه، كما رواه ابن ماجة مطولا عن أبي يعلي، نا
_________________
(١) صحيح. رواه أبو داود (ح/٧) والنسائي في"الصغرى" (١/٣٨) وابن ماجة (ح/٣١٣) والدارمي (١/١٧٣) وللبيهقي (١/٩١، ١٠٢، ١١٢) وابن خزيمة (٨٠) وابن حبان (١٢٨) وشفيع (٥٣) وتلخيص (١/١٠٢) والمشكاة (٣٤٧) وإتحاف (١/٣٣٦، ٨/٥٩٣، ٩/٩٤) وحبيب (١/٢٩) ومعاني (٤/٢٢٣) والكنز (٢٧٢٠٢٧) وابن عساكر في"التاريخ" (٣/ ٣٧٨) . وصححه الشيخ الألباني.
(٢) صحيح. رواه مسلم في (الطهارة، ح/٦٠) ونصب الراية (٢/١٠٢) . ٩٨
[ ١ / ٩٨ ]
إبراهيم بن الحجاج السامري، نا وهيب وأبو يعلي، نا محمد بن يحيى بن
سعيد العلاف، حدثني أبي، ونا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، نا الوليد بن
شجاع، نا ابن وهب، أخبرني حيوة والليث كلهم عن ابن عجلان، وكلهم
وفي مسند الحميدي، التصريح بسماع ابن عيينة من ابن عجلان، ورواه ابن
خزيمة في صحيحه عن بندار، نا يحيى بن سعيد، نا ابن عجلان به مطولا،
ورواه الدارقطني بلفظ:"نهى أن يستنجى بروث أو عظم" (١) وقال: إنهما
لا يطهران، ثم قال: إسناده صحيح، وفيه نظر؛ لأن في إسناده بن رجاء، وقد
أثبتنا عليه الثناء غير واحد، حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، نا يحيى بن سعيد
القطان عن زهير عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن
عبد الرحمن بن الأسود عن الأسود عن عبد الله بن مسعود:"أتى رسول
الله ﷺ إلى الخلاء فقال: ائتني بثلاثة أحجار، فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ
الحجرين وألقى الروثة وقال: هي رجس"هذا حديث خرجه البخاري (٢) عن
أبي نعيم: نا زهرة … فذكره وقد ردّ بكونه مدلسا؛ لأنّ الشعبي من العلماء
لم يصرح إسماعه أو لم يأتيه ضيع ذلك المعتبرة، ذكر الحاكم أن علي بن
المديني قال: كان هو وإسرائيل قولان عن أبي إسحاق أنه كان يقول ليس أبو
عبيدة حدّثنا، ولكن الحديث في الاستنجاء بالأحجار، قال ابن الشاذكوني: ما
سمعت بتدليس قط لم أعجب من هذا ولا أخفى، قال أبو عبيدة: لم يحدثني
ذلك عبد الرحمن عن الأسود عن فلان ولم يقل حدثني فجاز الحديث وسار،
ولما ذكره الإِسماعيلي في صحيحه قال: كان يحيى بن سعيد لا يرضى أن
نأخذ عن زهير عن أبي إسحاق ما ليس بسماع لأبي إسحاق، ففي هذا
إشعار، بل تصريح الحديث ويزيد ذلك وضوحا ما علّقه البخاري بصيغة الجزم
في بعض النسخ المعتبرة حديث أبي نعيم فقال: وقال إبراهيم بن يوسف عن
_________________
(١) صحيح. رواه الدارقطني (١/٥٦) وفتح الباري (١/٢٥٦) . وكذا أسنده الحافظ ابن حجر.
(٢) صحيح. رواه البخاري في (الوضوء، باب (٢١") وابن ماجة (ح/٣١٤) وأحمد في "المسند" (١/٤٢٧) وابن خزيمة (٧٠) ومعاني الآثار (١/١٢٢) والطبراني في"الكبير" (١٠/
(٣) ٧٦) والعقيلي (٢١٤) والترمذي (ح/١٧) .
[ ١ / ٩٩ ]
أبيه عن إسحاق: عن أبي إسحاق: حدثني عبد الرحمن مُدَّةَ ويوسف معروف
بالسماع من جدّه أبي إسحاق، وإن كان البيهقي أبَى ذلك فم كتاب
الخلافيات فغير مسلم له، ويؤيّده ما ذكره الكرابيسي في كتاب المدلسين أبو
إسحاق يقول في هذا مرة: حدثني عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله، ومرّة:
حدثني علقمة عن عبد الله ومرة: حدثني أبو عبيدة، ومرة يقول: ابن أبو
عبيدة حدثنى جدي عبد الرحمن بن الأسود عن عبد الله وأما ابن أبي حاتم
فذكر عن أبى زرعة أنهم اختلفوا في هذا والصحيح عندي حديث أبى
عبيدة، وأما الترمذي فإنه ذكر أن أصح الروايات في هذا عنده حديث
إسرائيل، وبنَّ ابن أبي الربيع عن أبي عبيدة عن عبد الله فال: لأن إسرائيل
أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه على ذلك قيس وزهير
عن أبي إسحاق: ليس بذاك لأن سماعه منه بآخره سمعت أحمد بن الحسن
سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبالي
أن لا تسمعه من غيرهما إلَّا حديث إسحاق، ورواه زكريا عن أبي زائدة عن
أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله، وهذا حديث به
اضطراب، قال: وسألت الدارمي أي الروايات في هذا عن أبي إسحاق أصح
فلم يقضِ فيه بشيء، وسألت محمد عن هذا فلم يقضِ فيه بشيء، وكأنه
رأى حديث زهير أشبه فوضعه في جامعه، وأبو عبيدة لم يسمع من ثانية، ولا
زهير يعرف اسمه، وفيما قاله نظر من تأخره الأول:/بترجيحه حديث إسرائيل
على حديث زهير،/وهو معارض بما حكاه الإِسماعيلي عن القطان وما حكاه
الآجري، وسألت أبا داود عن زهير وإسماعيل عن أبي إسحاق فقال: زهير
فوق إسرائيل بكثير، وهذا يصلح أن يكون تامَا في الردّ على الترمذي؛ لتقديمه
إسرائيل على زهير في أبي إسحاق، ورأيت جماعة بايعوا زهيرَا فيما حكاه
الدارقطني، وهم: أبو حماد الحنفي وأبو مريم وشريك وزكريا ابن أبي زائدة في
رواية، وربما تقدم من متابعة يوسف له أيضَا من عند البخاري المصرّح فيها
بسماع أبي إسحاق من عبد الرحمن، وبأن زهيرا لم يختلف عليه، وبأن
إسرائيل بايع زهيرا كما أسلفناه.
[ ١ / ١٠٠ ]
الثاني: اعتماده على متابعة من ابن الربيع، وهي كل شيء لسنده ما يرمى
به من الضعف ومكاره الحديث، وإضرابه عن متابعة الثوري ويونس وهما هما.
الثالث: قوله أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، وإذا كان كذلك فكيف
يرجح على حديث متصل؟ الظاهر على انه قد قيل إنه سمع من أبيه فيما ذكر
صالح بن أحمد: نا ابن المديني، سمعت سلم بن قتيبة قال: قلت لشعبة: إن
البُري يحدثنا عن أبي إسحاق أنه سمع أبا عبيدة يحدّث أنه سمع ابن مسعود
فقال: أوَكان أبو عبيدة ابن سبع سنين، وجعل يقرب جهته. انتهى أن سمع
فلا ينكر سماعه من الغرباء جماعة المحدثين، فكيف من الآباء، وذكر ابن أبي
حاتم أنه سأل أباه عن أبي عبيدة هل سمع من أبيه؟ قال: فقال أنه لم يسمع
منه بل كان عبد الرحمن بن زياد يروى عن أبي مالك الأشجعي عن عبد
الله بن أبي هند عن أبي عبيدة، قال: خرجت مع أبي لصلاة الصبح، قال
أبي: ما أدري ما هذا، وما أدري ابن أبي هند من هو، وفي المعجم الأوسط
للطبراني من حديث زياد بن سعيد عن أبي الزبير: حدثني يوسف بن غياث
الكوفي، سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر أنه سمع أباه يقول:"أنه كان
مع النبي ﷺ في سفر إلى مكة،/وأنّ النبي ﷺ كان إذا خرج إلى الغائط
أبعد" (١) وسيأتي ذكره عن قريب.
الرابع: قوله في أبي عبيدة: ولا يعرف اسمه، وفي العلل الكبير عزا ذلك
إلى البخاري ولير كذلك؛ لأن مسلم بن الحجاج سماه في كتاب الكنى
عامرا.
الخامس: إخراجه عن الحديث المتصل إلى منقطع على زعمه، وهو ما رواه
الدارقطني عن حماد بن أحمد الدقاق، نا محمد بق عيسى بن حبان، نا
الحسن بن قيعة، نا يونس ابن أبي إسحاق عن أبي عبيدة وأبي الأحوص عن
ابن مسعود … فذكره.
السادس: اقتصاره على ما ذكر من التعليل والاضطراب، وأضرب عن
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، (ح/٣٣٣) . وكذا صححه للشْيخ الألباني.
[ ١ / ١٠١ ]
أشياء لان كان ذلك غير لازم له، وإنما ذكرناه تبرعا وإعلاما إذا تم غير ما ذكر
من غير أتباع تتبع، بل ليستدل على عرضنا في ذلك فمن ذلك ما رواه حماد
بن زريق وورقاء ومعمر وسليمان بن قدم وإبراهيم الصانع وعبد الكبير بن دينار
وأبو شيبة ومحمد بن جابر وشعبة بن الحجاج وصياح بن يحيى المزني وروح بن
مسافر عن أبي إسحاق عن علقمة عن عبيد الله، قال أبو الحسن الدارقطني
وكذلك قال إسحاق الأزرق عن شريك، وروى عن علي بن صالح بن حي بن
مالك بن مغول، ويوسف بن أبي إسحاق بن خديج بن معاوية، وشريك عن
أبي إسحاق عن الأسود عن عبد الله، ورواه أبو سنان عن أبي إسحاق عن
هبيرة ابن مريم عن عبد الله بزيادة"فتوضأ"ولم يمسّ بما قال الطبراني في
الأوسط: لم يروه عن أبي إسحاق عن هبيرة إلَّا أبو سنان، تفرد به الصباح بن
محارب ولفظ أبي نعيم في تاريخ أصبهان:"لا تستنجوا بالعظام والروث" (١)
ورواه من حديث أبي كريب، نا حفص، نا داود عن الشعبي عن علقمة
السابع قوله: رواه زكريا إلى آخره جازما بذلك، وليس هو كذلك، بل روى
عنه على وجوه، فمنها برواية عبد الرحمن والأزرق وإسماعيل بن أبان، وهي
المذكورة عند الترمذي، ومنها رواية سهيل عن يحمى عنه عن أبي إسحاق عن
عبد الرحمن/ولم ينسه، قال منجاب: عن يحيى عنه عن أبيه عن أبي
إسحاق عن الأسود، لم يذكر بين أبي إسحاق والأسود أحدا.
الثامن: رواية إسرائيل المرجحة عنده مضطربة أيضا بما ذكره عباد القطراني
وخالد العبد عنه عن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله، ورواه الحميدي عن
ابن عيينة عنه عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد، وإنما منعنا من
استقصاء الخلاف على أبي إسحاق في هذا قول الدارقطني: اختلف عنه فيه
اختلافا شديدا- والله تعالى أعلم- والذي يظهر من ذلك أنّ أبا إسحاق
سمعه من جماعة، ولكنه كان غالبا إنّما يحدثهم به عن أبي عبيدة، فلما نشط
قال: ليس أبو عبيدة الذي هو في ذهنكم أبي حدّثكم عنه حدّثني وحده،
ولكن عبد الرحمن، يؤيد ذلك مجيئه عنه أيضا عن غير المذكورين أو يكون
_________________
(١) تاريخ أصبهان: (٢/٣٤٩) .
[ ١ / ١٠٢ ]
من باب السلب والإيجاب نفي حديث أبي عبيدة، وثبت حديث عبد الرحمن
وهذا امتد على الترمذي لكونه نفي لحديث ابنه هو، ولعلّ البخاري لم ير ذلك
متعارضا وجعلهما إسنادين، وأسانيدهما قدّمناه، وروى الدارقطني في سننه
هذا الحديث من جهة أبي إسحاق عن علقمة، وفي أخره"ائتني بحجر"وفي
لفظ"ائتني"بغيرها، وهو منقطع فيما بين أبي إسحاق وعلقمة، ورواه ابن
خزيمة في صحيحه من طريق سالم بن أبي إسحاق وأبي عبيدة وزهير بزيادة
تستفاد، فقال: نا سعيد عبد الله بن سعيد الأشج زياد بن الحسن بن فرات عن
أبيه عن جدّه عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبيد الله، قال:
"أراد النبي ﷺ أن يتبرز، فقال: ائتني بثلاثة أحجار، فوجدت له حجر ورثة
حمار فأمسك الحجرين وطرح الروثة وقال: هي رجس".
قال الإمام أبو بكر: فيه بيان على أن أرواث الحمر نجسة، وإذا كانت
أرواث الحمَر نجسة بحكم النبي﵇- كان حكم جميع أرواث ما
لا يؤكل لحومها من ذوات الأربع مثل أرواث الحمر. حدثنا محمد بن
الصباح، نا سفيان بن عيينة، ونا علي بن محمد، نا وكيع جميعا عن هشام/
بن عروة عن ابن خزيمة عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت، قال رسول
الله ﷺ:"في الاستنجاء ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع" (١) كذا صرّح به
ابن المديني في الأحاديث المعلّلة التي رواها عنه الباغندي. ذكره البستي في
كتاب الثقات، وعمارة روى أيضَا الزهري وأبو جعفر الحمصي ومحمد بن
زرارة، وغيرهم، ذكره العجلي فقال: تابعي ثقة، ولما ذكر البستي الثقات قال:
توفى بالرقة سنة خمس ومائة، وهو ابن خصر وسبعين سنة، ووثقه النسائي
أيضا، قال ابن سعد: توفى بالمدينة، وفي أوّل كلام الواقدي عبد المالك،
وكان ثقة قليل الحديث، ومع ذلك فقد علل بالاضطراب والاختلاف في
إسناده، وذلك أنّ الجمع الغفير رووه عن هشام، تقدّم منهم عبيدة بن سليمان
وابن نمير وأبو أسامة ومحمد بن بشر العبدي وعبد الرحمن بن سليمان
وعلي بن مسهر والمفضل بن فضالة، واختلف على ابن عيينة؛ فرواه كرواية
_________________
(١) صحيح، شرح المعاني (١/١٢١) واستذكار (١/٢٣٠) .
[ ١ / ١٠٣ ]
الجماعة أولا، وقيل: عنه عن هشام عن أبيِ وجزة عن عمارة، ورواه أبو
معاوية الضرير عن هشام عن عبد الرحمن بن سعد عن عمرو بن خزيمة،
ورواه إسماعيل بن عياش عن هشام عن أبيه عن عمارة، وهشام من أهل
الحجاز؛ فرواية إسماعيل عنه غير معتبرة والصواب الأول. قاله ابن المديني،
والبخاري، وأبو زرعة الرازي. حدّثنا علي بن محمد، ثنا وكيع عن
الأعمش، وثنا محمد بن بشار، نا عبد الرحمن، نا سفيان عن منصور،
والأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سليمان قال: قال له
بعض المشركين وهم يستهزؤون به: إني أرى صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى
المخراة قال: أجل:"أمرنا أن لا نستقبل القبلة، وأن لا نستنجي بأيماننا، ولا
ينبغي بدون ثلاثة أحجار" (١) وفي حديث ابن رياح عنه:"نهى أن نستنجي
بعظم حائل، أو روثة أو جمجمة " (٢) قال الدارقطني: علي لا يثبت سماعه
من ابن مسعود، وعن ابن مسعود، أن النبي﵇-/قال:"ائتني
أتمسح به، ولا تقربني حائلا ولا رجيعا" (٣) وفي إسناده ليث (٤) بن أبي سليم
ليس فيها رجيع ولا عظم، ورواه مسلم (٥) في صحيحه بلفظ:"لقد نهانا أن
نستقبل القبلة بغائط وبول"وقال فيه الترمذي (٦): حسن صحيح، وذكر
الحربي في كتاب العلل: كان سفيان إذا حكى عن اثنين حكى أصح الروايتين،
وإنهما قد فعل ذلك في غير حديث منها عن الأعمش ومنصور عن إبراهيم،
فذكر حديث سليمان فقال: عن سليمان، وأما منصور كان يقول: عن رجل
من أصحاب النبي ﷺ. كذا حكاه عن منصور وجرير وشعبة وزائدة وإسرائيل
_________________
(١) حسن. رواه أبو داود (ح/١٠) وابن ماجة (ح/٣١٩، ٣٢٥) وأحمد في"المسند" (٤/ ٢١٠) وابن عدي في"الكامل" (١/٢٤٧) والفتح (١/٢٤٦) وابن أبي شيبة (١/١٥١) . قلت: والحديث حسن لتعدد طرقه، وقد حسنه الترمذي في"سننه: ح/١٦".
(٢) رواه الدارقطني: (١/٥٦) .
(٣) رواه أحمد (١/٤٢٦) والطبراني (١٠/٧٥) .
(٤) ليث بن أبي سليم، تقدمت ترجمته في"المغنى للضعفاء للإمام الذهبي". (٥، ٦) صحيح. رواه مسلم في (الطهارة، ح/٥٧) والترمذي (ح/١٦) وقال:"هذا حديث حسن صحيح"وأبو داود (ح/٧) والنسائي في"الصغرى" (١/٣٨) ومعاني (٤/٢٣٢) .
[ ١ / ١٠٤ ]
وفضيل، فلما جمع سفيان بين الأعمش ومنصور استحيا أن يقول عن سليمان،
وزعم أبو عيسى أن في الباب عن عائشة وخزيمة وجابر وخلاد بن السائب عن
أبيه، وفي ذلك نظر؛ لإِغفاله حديث أبي هريرة المتقدم أيضا، وحديث سعد
المتقدّم أن النبي ﷺ قال:"أو لا يجبر أحدكم حجرين للمسربة" (١) رواه
الدارقطني وقال: إسناده حسن، وحديث ابن عباس مرفوعا:"ثم استطب
بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاثة حفنات من تراب" (٢) رواه الدارقطني
وضعفه، وحديث أنس بن مالك قال ﵇:"الاستنجاء بثلاثة أحجار"
ذكره البيهقي (٣)، وضعفه بعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، وحديث أبي
أيوب من عند ابن عبد البر مرفوعا:"إذا تغوط أحدكم فليستنج بثلاثة
أحجار، فإن ذلك مطهرة" (٤) وحديث أبي أمامة من عند أبي أحمد مرفوعا:
"يطهر المؤمن بثلاثة أحجار" (٥) وضعفه، وحديث الزبير بن العوام، نا أبو بكر
المقدسي ابن الحمدي إجازة، نا شهدة، نا ابن خزيمة نا البزار، نا الإِسماعيلي،
أخبرني موسى بن جعفر بن محمد بن التاجر، نا يعقوب بن سفيان، نا
سليمان بن سلمة، نا معه ابن نمير معروف بن حذاء الخبري عن أبيه عن عمه
ابن ربيعة، نا الزبير بن العوام قال:"صلى بنا النبي ﷺ/صلاة الصبح في
مسجد المدينة، فلما فرغ قال: أيكم يتبعني إلي وفد الجن الليلة" (٦) فذكر
الحديث، وفيه:"فأخذ عطفا وروثة فضمّ إحداهما بالأخرى"، وروى فيه:
"فملهما ثم قال:"هذا طعام الجن"قال الزبير: فلا يحل لأحد سمع هذا
_________________
(١) حسن. رواه الدارقطني في"سننه": (١/٥٦) .
(٢) ضعيف. المصدر السابق.
(٣) ضعيف. شفع (٥٤) والحلية (٥/١٥٠) وابن أبي شيبة في"مصنفه" (١/١٥٤) .
(٤) صحيح. الجوامع: (١٥٢١) والمجمع (١/٢١١) وعزاه إلى الطبراني في"الكبير" و"الأوسط"ورجاله موثوقون، إلا أن أبا شعيب صاحب أبي أيوب لم أر فيه تعديلا ولا جرحا. وأ حمد (٣/٣٣٦) وأزهر (٣١) .
(٥) ضعيف. رواه الطبراني في"الكبير" (٨/٢٤٨) والميزان (٥٣٥٩) . قلت: وضعفه لضعف عبيد الله بن زحر.
(٦) رواه أحمد: (١/٤٤٩) . قلت: ولقد رأيته موضوعا في"لسان الميزان"ولم أجد له أصلا.
[ ١ / ١٠٥ ]
الحديث أن يستنجى بعظم ولا روثة ولا بغير حديث عقبة بن عامر:"نهى
رسول الله ﷺ عن الكي" (١) .
وكان ابن جص في الحنتم، وكان إذا اكتحل اكتحل وبزاد إذا استنجى
استجمر وندا رواه أحمد بن جابر بن أبي عبيدة في مسند عقبة من حديث
تراجعه عن الحرث بن يزيد عن عبد الرحمن بن يزيد عنه، وحديث خلاد بن
السائب الذي أشار إليه، ذكره ابن زبير في معجمه عن البغوي، نا هدبة نا
حماد بن الجعد، نا قتادة، نا خلاد، ويتحقق بهذا: الاستنجاء بالتراب، وهو
في حديث رواه عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:"رأيت
عمر بن الخطاب، قال: فمسح ذكره بالتراب ثم التفت إلينا وقال: هكذا
علمناه ذكره أبِو القاسم في الأوسط وقال: لم يروه عن أبي ليلى إلا عطاء
ولا عن عطاء الأروح بن جناح. تفرد به الوليد بن مسلم.
وفي حديث أبي الدرداء:"أن النبي ﷺ مال إلى راحلته، ثم أخذ نواة
فوضعها على ذكره ثلاث مرات" (٢) ذكره الخطيب أبو بكر بسند ضعيف،
وحديث ابن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة يرفعه: " يطهر
المؤمن ثلاثة أحجار والماء والطين" (٣) وحديث جابر بن عبد الله مرفوعا:
"نهانا أن نمسح بحطم أو بحرة" (٤) وحديث ابن عمر عن ابن يونس من
جهة ابن لهيعة عن عبد الله بن زهرة عن عبد الله بن معيب عنه مرفوعا:
"إذا بال الرجل ومسح ذكره، فإن خرج منه شيء فلا وضوء عليه، (٥) قال
أبو سعيد: الصحيح من هذا موقوف على ابن عمر وهو/في جامع عبد
الرزاق مسندا، والله أعلم، وحديث سراقة بن مالك بن جعشم وقال له رجل:
_________________
(١) حسن. رواه أبو داود (ح/٣٨٦٥) وأحمد في"المسند" (٤/١٥٦، ٤٣٠، ٤٤٤، ٤٤٦) والتمهيد (٥/٢٧٣) وذهبي في"الطب" (١٢٦) والحاكم في"المستدرك" (٤/٢١٣، ٤١٦) وصححاه والطبراني (١٧/٣٣٨، ١٨/١٢٢، ١٢٧، ١٤١، ١٤٩، ١٥٢، ٢٠٧) ومعاني (٤/٣٢١) وكحال (١/١٥٠) .
(٢) حديث ضعيف كما ذكر السارح. (٣، ٤) تقدَما في هذا الباب.
(٣) موقوف على ابن عمر- من مسند عبد الرزاق كما ذكر الشّارح.
[ ١ / ١٠٦ ]
ما بقى إلا أن نعلمكم التغوط فقال … الحديث. ذكره أبو القاسم في الأوسط
من حديث إبراهيم بن خالد الصنعاني، نا رباح بن زيد عن معمر عن
سليمان بن الفضل بن رشدين عنه، وحديث رويفع من حديث يرفعه:"من
استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدا منه برئ"رواه أبو داود (١) زاد في
التفرد: نا ابن وهب نا الفضل بن عياش أنّ شنتمر بن بيان أخبره بهذا الحديث
أيضا عن سالم الجيشاني أنه سمع عبد الله بن عمرو يذكر ذلك، وهو معه
بواسط يحضر باب اليون قوله:"نهى ﵇ أن يستطيب بيمينه" (٢)
قال الخطابي: أي لا يستنج بها، وسمى الاستنجاء استطابة لما فيه من إزالة
النجاسة، يقال: استطاب الرجل إذا استنجى، فهو مستطيب، وأطاب فهو
مطبب، ومعنى الطب هنا الطهارة، ومنه قوله تعالى: ﴿سلام عليكم طبتم﴾
ونهى ﵇ أن تسمى المدينة يثرب، قال الهروي: لأن الثرب فساد،
وأمر أن تسمى طائة يعني طيبة. ذكره بعض العلماء، ولا أدري من الهروي ا
إن كان اللغوي فليس هذا منه، ولعله بعض الفقهاء أصحاب الهروي، قال
الخطابي: يعني طهارة التربة؛ فدلّ ذلك على جواز التيمم بالسباخ، وقيل:
معناه الطهارة من النفاق، وأصل الاستنجاء: الذهاب إلى النجوة من الأرض
الساجة، وهي المرتفعة، كانوا يسترون بها إذا قعدوا للتخلي فقيل من هذا
استنجى الرجل: أي أزال النجو عن بدنه، والنجو كناية عن الحدث كما كنى
عنه بالغائط، وقيل: أصله نزع الشيء من موضعه وتخليه منه، وقال المديني:
يقال أنجى إذا أزال النجو وهو الغدرة عن مقعدته يقال شرب دواء ما أنجاه أي
ما أسهل بطنه ونجا ينجو استطلق بطنه ونجا وأنجا قضى حاجته من النجو،
وقيل: الاستنجاء: الاستخراج؛ لنجو البطن وهو ما يخرج منه، وقيل: هو/من
نجوت الشجر وأنجيتها إذا قطعتها كاله قطع الأذى عن نفسه بالحجارة، وقال
_________________
(١) حسن. رواه أبو داود في: ١- كتاب الطهارة، ١٩- باب ما ينهى عنه أن يستنجى به، (ح/٣٦) ولفظه:"يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي؛ فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة! أو عظم، فإنَ محمدا ﷺ منه برئ".
(٢) صحيح. رواه الهروي: (١/١٨٠) . قلت: وللحديث طرق صحيحة، ومتابعات بنحوه يرقى به الحديث إلى درجة الصحيح.
[ ١ / ١٠٧ ]
القزّاز: نجا ينجو إذا حدث وحكى أن فلان أنجا من الغائط وهو المطمئن من
الأرض، والغوط أشد انخفاضا من الغائط، والجمع أغواط، وهذا غوط بطين
أي بعيد، ويجمع على غيطان أيضا، قال أبو سليمان: وفي نهيه ﵇
عن الروث والرمة دليل على أن أغبان الحجارة غير مختص بهذا المعنى، دون
غيرها من الأشياء التي تعمل عمل الحجارة وذلك أنه لما أمر بالأحجار ثم
أستثنى الروث والرمة فخصهما بالنهي؛ دلّ على أنّ ماعدا الروث والرمة دخل
في الإِباحة، وأنّ الاستنجاء به جائز، خلافا لأهل الطاهر، وفيه نظر؛ لأن في
حديث أبي هريرة مرفوعا:"نهي أن نستنجي بعظم أو روث، وقال إنهما لا
يطهران" (١) قال القزاز مسلم عند تحريمه: إسناده صحيح، والرمة العظام البالية،
وقد جاء مصرحا به في حديث ابن مسعود من كتاب الدارقطني، ويقال إنها
سميت بذلك لأنّ الإِبل ترمها أي تأكلها، قال القزاز: تتلمح بها قال لبيد:
والنمس أن تعرمني ثقة خلفا بعد الممات فإني كنت أَنيرُ، قال الجوهري:
والجمع رمم ورمامة، تقول: رم العظم يرم بالكسر رمة أي بلى فهو رميم،
وفي الأساس الرم الرمامة يرون الرفات فال: ظلّت عليه تعلك الرمَامَاه أي:
تتملح به، والرجيع الروث، وهو اسم يقع على كلِّ حدث، وسمى بذلك لأنه
رجع عن الحالة الأولى، وكذا كلّ شيء حدث أو فعل إذا ردّد فهو رجيع،
فعيل بمعنى مفعول، قال الشاعر:
وفلاة كأنها طهر ترس ليس إلَّا الرجيع فيها علاق
وذكر الزمخشري الرجيع في ثلث المجاز، وبنحوه قال ابن دريد، وذكر
الزمخشري بيت الأعشى المستشهد به دليلا على وسع البعير رجيعه أي جرّته.
قال ابن سليمان الخراءة مكسورة الخاء ممدودة الألف، أدب التخَلِي/القعود
عند الحاجة، وأكثر الرواة يفتحون الخاء ولا يمدون الألف فيعمش معناه، وقد
اختلف، فعند مالك وأبي حنيفة هو سنة، وقال الشافعي وأحمد: هو فرض،
واختلفوا في العدد، فأبو حنيفة ومالك إلى الإنقاء، والشافعي وأحمد لا يجوز
عندهما الاقتصار على ما دون الثلاثة، وإن حصل الانفكاك بدونها، وأجاز
_________________
(١) صحيح. رواه الدارقطني في"سننه": (١/٥٦) .
[ ١ / ١٠٨ ]
الطبري الاستنجاء بكل طاهر ونجس، وكره الاستنجاء بأشياء، منها: العظم
والرجيع والروث والطعام والفحم والزجاج والورق والخزف وورق الشجر
والشعر والجلد؛ لمجيء ذلك في الحديث.
[ ١ / ١٠٩ ]