حدّثنا محمد بن بشار، نا عبد الملك بن الصباح نا ثور بن يزيد عن
حصن الحميدي عن أبي سعد الخير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:"من
استجمر فليوتر" (١) من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن تحلل
فليفض، ومن لاك فليبتلع من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ومن أتى
الخلاء فليستتر، فإن لم يجد إلا كثيب رملٍ/فليمره عليه، فإن الشيطان يلعب
بمقاعد بني آدم فمن فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج عليه حدّثنا عبد
الرحمن بن عمر، ثنا عبد الملك الصباح بإسناده نحوه، وزاد فيه:"ومن
اكتحل فليوتر، فمن فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج عليه" (٢) . هذا حديث
خرجه أبو حاتم (٣) في صحيحه عن محمد بن عبد الله بن عبد السلام
مكحول قال: نا سليمان بن سيف، نا أبو عاصم، نا أبو زيد، ورواه البخاري
في التاريخ الكبير عن عاصم مختصرا، والإِمام أحمد في مسنده، وقال:
وكان من أصحاب عمر بن الخطاب، ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث
أبي عامر الخزاز عن عطاء عنه مختصرا، وقال: لم يروه عن أبي عامر إلّا
_________________
(١) صحيح متفق عليه. رواه البخاري (١/٥٢) ومسلم في (الطهارة، ح/٢٢) وأبو داود في (الطهارة، باب"١٩") والنسائي في (الطهارة باب"٧١"مختصرا) وابن ماجة (ح/ ٣٣٧، ٤٠٩) وأحمد في"المسند" (٢/٢٣٦، ٢٧٨، ٣٧١، ٤٠١، ٤٦٣) والبيهقي في "الكبرى" (١/٤٩، ١٠٤) وابن خزيمة (٧٥) وأبو عوانة (١/٢٤٧) وابن حبيب (١/٢٢) وابن أبي شيبة (١/٢٧) وتلخيص (١/١١٠) وإتحاف السادة المتَقين (٢/٣٤٢ مكرر) . ونصب الراية (١/٢١٧) .
(٢) ضعيف. رواه أبو داود في (الطهارة، باب"١٥") وابن ماجة (ح/٣٣٨، ٢٤٩٦) وأحمد في فالمسند" (٢/٣٧١) والدارمي (١/١٧٠) وكحال (٢/٤٧) ومشكل (١/٤٢) والمشكاة (٣٥٢) وشرح السنة (١٢/١١٨) والكنز (٤١٦٤١) ومعاني الآثار (١/١٢٢) وضعفه الشيخ الألباني (ضعيف الجامع: ص ٧٨٨ ح/٥٤٦٨) . انظر: (الضعيفة ١٠٢٨، وضعيف أبي داود ح/٨) .
(٣) قوله:"أبو حاتم"غير واضحة"بالأصل"وكذا أثبتناه.
[ ١ / ١٤٠ ]
روح بن عبادة. تفرد به إبراهيم بن بسطام، وخرجه من حديث ابن شهاب،
قال: سمعت أبا إدريس يخبر عن أبي هريرة مختصرا، ورواه أيضا من جهة
الأوزاعي عن عثمان بن أبي سودة عن أبي سعد الخير، وقال: لم يروه مرفوعا
عن الأوزاعي إلَّا الصقل. تفرد به عمرو بن هاشم وأبي ذلك عمر بن عبد
البر، وقال: ليس إسناده بالقائم، فيه مجهولان، وأبو محمد بن حزم وأبو
بكر البيهقي وأبو محمد الأشبيلي، ويشبه أن يكون قول أبي حاتم أقرب إلى
الصواب؛ وذلك أن العلّة عند من ضعفه إنّما هي الجهل بحال حصين وأبي
سعد، أما حصين فهو أبوِ سعيد حصين بن عبد الله الحبرانِي، ويقال:
الحميري، ونسبه بعضهم حبرا نيا ولعلّه تصحيف الحمراني وحبران قيل من
حمير وحمران ليست منهم بحال. ذكره البستي في كتاب الثقات، وقال ابن
أبي حاتم: سألت أبا زرعة وعنه فقال: شيخ، وقال أبو زرعة: الدمشقي شيخ
معروف، وقال يعقوب: لا أعلم إلَّا خيرا، وهو مما استدرك على ابن عساكر
العلل في التاريخ الكبير حمصا، وأما أبو سعد فاختلف فيه؛ فقال جماعة: أبو
سعد كما تقدّم، وقال بعضهم: أبو سعيد، قال الدارقطني: والصواب
الأول، وقد اختلف في صحبته فممن/ذكره في الصحابة أبو داود قال: لما
خرج حديثه هذا في رواية ابن داست: أبو سعد الخير، هو من أصحاب
النبي﵇-، وقال أبو عمر: أبو سعيد الخير، ويقال: أبو سعد
الخير الإِنماري، له صحبة، قيل اسمه عامر بن سعد، وقيل: عمرو بن سعد،
سكن الشام، له عن النبي ﷺ أحاديث يسيرة، وأمّا ابن عساكر فزعم أن
الصحابي الملقب أبا سعد الإِنماري المسمى بهذين الاسمين، هو المكنى أيضَا أبا
البشر، فالله أعلم، وبنحوه ما ذكره أبو عمر ذكره يعقوب وابن منيع وغيره،
وأما ابن أبي حاتم ذكره في كتابه سألت أبا زرعة عنه فقال: لا أعرفه،
فقلت: لقى أبا هريرة؟ فقال: على هذا يرفع، وذلك ليس بمؤثر في عدم
المعرفة بحاله، على تقدير أن يكون تابعيا؛ لأن ابن حبان البستي عرفهم؛
فلذلك أدخله في كتاب الثقات، وإن كان صحابيا كما تقدم فلا يطرد في
حاله، وقول أحمد: كان من أصحاب عمر لا ينافي صحبته؛ لأن الصحابة
[ ١ / ١٤١ ]
كلهم من أصحابه، وإن كان العرف يقضي على ذلك؛ فظهر بمجموع ما
أسلفناه ترجيح قول من رجح الحديث على قول من ضعفه؛ لأن من علم،
حجة على من لم يعلم ومن أثبت حجة على من نَفَى، وفي رواية الطحاوي
تصريح بسماع ثور من حصين بن حصين بن أبي سعد، وزعم بعض العلماء
أنه لا يعرف اسمه، وليس كما زعم لما تقدّم، وزاد بعض مشايخنا زيادة: ولا
أعلم له منه سلفا. حدّثنا علي بن محمد، نا وكيع عن الأعمش عن المنهال بن
عمرو عن يعلي بن مرّة عن أبيه قال:"كنت مع النبي ﷺ في سفر فإذا
أراد أن يقضي حاجته فقال: ائت تلك الأشياء تين"قال وكيع:"يعني النخل
الصغار""فقل لهما أن رسول الله ﷺ يأمركما أن تجتمعا، فاجتمعا، فاستقر
بهما يقضي حاجته ثم قال لي، زينهما فقل لهما/ترجع كل واحدة منكما
إلى مكانها، فقلت لهما فرجعتا" (١) هذا حديث إسناده صحيح، واختلف
على وكيع فيه، فتارة رواه كما تقدّم، وتارة عن يعلي من غير ذكر أبيه. ذكره
عنه ابن أبي شيبة في مسنده وهو الصحيح. والأول وهم. نص على ذلك
البخاري وابن عساكر. انتهى. قد وجد متابعَا لوكيع على رواية بعضهم، وهو
محاض بن الروع فيما ذكره البغوي عن هارون بن عبد الله عنه، ورواه
أحمد بن منيع في مسنده من غير طريق وكيع بزيادات يستفدن في أعلام
النبوة. عن حسين بن محمد، نا المسعودي عن يونس بن خباب عن أبي
يعلي بن مرّة عن يعلي بن مرّة أنه قال:"شهدت مع النبي ﷺ مشهدَا لم
يشهده غيري، نزلت معه في سفر فقال لي: يعلي بن مرّة هل ترى شيئًا
يواريني؟ وأراد الحاجة، فقلت والله يا رسول الله ما أرى شيئَا يواريك إلا
شجرتين لعلهما إن اجتمعتا، قال: فقل لهما فليجتمعا يإذن الله تعالى، فأتت
إحداهما إلى الأخرى، فلما قضى حاجته قال: قل لهما فلترجع كل واحدة
منهما إلى مكانها، ثم إن امرأة عرضت له بابن لها فقالت: يا رسول الله هذا
ابني قد أصابه لمم فتفل ﵇ في فيه، ثم قال: باسم الله، محمد رسول
الله، أخس عدو الله، فلما رجعنا من سفرنا إذا تهدى لرسول الله ﷺ وتخبره
_________________
(١) صحيح. الشفاء: (١/٥٧٤) . وتقدْم بتخريج مطول؛ فارجع إليه.
[ ١ / ١٤٢ ]
أنه لم يصبه شيء منذ فارقهما، فلما أتينا المدينة إذا بعير قد وضع جرانه
مهملات عيينة فقال النبي ﷺ أنه يخبرني أنه نضح على أهله كذا وكذا، ثم
أرادوا أن ينحروه فالتمسوا صاحبه، فلما جاء صاحبه قال: يعني بعيرك هذا،/
قال: هو لك، قال: فاجعله في إبلك وأحسن إليه".
وروى بعضه الحاكم في مستدركه (١) حدثنا محمد بن يحيى، نا أبو
النعمان، نا مهدي بن ميمون محمد بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد عن
عبد الله بن جعفر قال: كان أحب ما استتر به النبي ﷺ لحاجته هدفا أو
جائش نخل" (٢) .
هذا حديث صحيح خرجه مسلم (٣) بن حجاج في صحيحه عن شيبان بن
عبد الله بن محمد بن إسحاق، ثنا مهدي بلفظ:"أردفني النبي ﷺ ذات
يوم، فأسرّ إلي حديثا لا أحدثه أحدا من الناس … "الحديث. حدثنا محمد بن
عقيل بن خويلد، نا حفص بن عبد الله، حدّثني إبراهيم بن طهمان عن
محمد بن ذكران عن يعلي بن حكيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
"عدل رسول الله ﷺ إلى الشعب، فبال حتى أني لا أرى له من فكِّ وركيه
حين بال" (٤) . هذا حديث إسناده ضعيف وذلك أنّ راويه محمد بن عقيل
ابن خويلد بن معاوية بن أسد بن يزيد الخزاعي، كان من أعيان علماء نيسابور،
قال فيه الحاكم أبو محمد: حدَّث عن حفص بن عبد الله بحديثين لم يتابع
_________________
(١) رواه الحاكم، والقاضي عياض في"الشفاء": (١/٥٧٦) . (٢، ٣) صحيحان. إتحاف (٧/١٨١) وسنة (١/٣٨٤) وابن عساكر في"التاريخ" (٧/ ٣٢٨) والبيهقي (١/٩٤) وبداية (٦/١٥٧) والكنز (١٧٨٨٢) وأبو عوانة (١/١٩٧) ومسلم في (الحيض، ح/٧٩) وابن ماجة (ح/٣٤٠) . قوله:"الجائش"أي: الملتف من النخل.
(٢) ضعيف. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ٢٣- باب الارتياد للغائط والبول، (ح/٣٤١) . في الزوائد: إسناده ضعيف. قال البخاري: محمد بن ذكوان منكر الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات، ثم أعاده في الضعفاء. وقال: سقط الاحتجاج به، وضعفه النسائي، والدارقطني، وضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/٧٥) .
[ ١ / ١٤٣ ]
عليهما، ويقال: دخل له حديث في حديث، وكان أحد الثقات النبلاء. انتهى
حديثه المذكور هنا، هو عن حفص تعجيل أن يكون أحد الحديثين المذكورين
والله أعلم. وأمّا محمد بن ذكوان البطاحي الأزدي الجهضمي مولاهم، فهو
خال ولد حماد بن زيد، ذكره البخاري في التاريخ الأوسط، فقال: هو منكر
الحديث، وكذلك قال فيه أبو حاتم الرازي والنسائي، وقال الدارقطني:
ضعيف، وقال ابن حبان: سقط الاحتجاج به، الاستجمار عبارة عن تنح/
الخارج المعتاد من السبيلين بالأحجار، وأسبق من الجمار، وهي الأحجار الصغار
يرمى الجمار في الحج، وسئل ابن عيينة عن معنى هذا فسكت، فقيل له:
أترمني بما قال مالك؟ قال: وما قال مالك؟ قال: الاستجمار الاستطابة،
فقال ابن عيينة: تقل بمثل مالك كما قال الأول: وابن اللبُون إذا ما لُنّ في قرن
لم يستطع مِؤلَه الئزْلِ الفَنا عنْس. حكاه الدارقطني والخطابي، وفيه ردّ لمن قيل
أنّ مالكَا- رحمه الله تعالى- حمل الاستنجاء هنا على استعمال البخور،
مشتقَا ذلك من التجمير وهو التبخير، وليس بشيء؛ لأنّ الحديث أماسِيُون (١)
الاستطابة لا في التبخير ولن يصح ذلك عن مالك فقد سبقه أبو عبد الرحمن
عبد الله بن عمر بن الخطابرضي الله عنهما- ومثل ما قاله مالك أولَا
قاله أصحاب اللغة سرهم فيما أعلم، وزعم الزمخشري أنّ ذلك حقيقة فيها،
والله أعلم قوله فليلفظ معناه فليقذف، ومضارعه مكسور الفاء، قال الجوهري:
وذلك الشيء لفاظة وفي الحبا مع (٢) كل ما تركته من يدلّ فقد لفظته، فهو
لفاظ ولفيظ وملفوظ، واسم ذلك الشيء الملفوظ اللفظ، ولا يقال لفظته بكسر
الفاء. قوله ما لاك يعني: أدراه في فيه، ولاك الفرس اللجام يلوكه لوكا إذا
أدراه في فيه، وكلّ شيء لكته فقد مضغته لوكَا، وفلان يلوك أعراض الناس
إذا كان يقع فيهم. قاله القزاز والجوهري بنحوه، وأمّا الشيطان فذكر ابن
الأنباري في اشتقاقه قولين: الأوّل لتباعده من الخير أحدَا من قول العرب
_________________
(١) في"الأصل"قال مغلطاي"أماسيون"ورجما أراد بها"المصنف":"لأنْ الحديث إنما ورد في الاستطابة".
(٢) كذا ورد هذا السياق"بالأصل".
[ ١ / ١٤٤ ]
دارشطون ونوى بشطوان أبي بعيدة قال نابغة بني شيبان: فأضحت بعدما
وصلت بدار شطون لا نعاد ولا نفود.
الثاني: لغيه وهلاكه أخذا من قولهم: قد شاط الرجل يشيط إذا هلك،
قال الأعشى: قد تطعن الغير في مكنون قائله وقد شط على أرماحنا البطل لم
فإذا ارتفعت عن الأيدي فهي جبارة، ثم رَقْلَةٌ ثم سحوق، وذكر العسكري في
كتاب التلخيص: أنها التي لا تحتمل، وقيل: هي التي ثبت من عراس ويقال له
بالفارسية خدود، قال أبو حنيفة: هي بين شواب النخل وصغاره حين
نهضت، والجمع أشاءات، أشاء، وفي الصحاح: الآشاء بالفتح والمد، والواحدة
أشاءة، والهمزة فيه منقلبة من الباء؛ لأن تصغيرها أشيء، قال الشاعر:
وحبذا حين تمشي الريح باردة … وادي أشي وفتيان به هضم
يا ليت شعري عن جنبي مُلَسحَة … وحيث تبني من الحياة الألم
عن الأشاءة هل زالت مخارمها … وهل تغيّر من أرامها أرم
ولو كانت الهمزة أصلية لقال أشيئ، والهدف القطعة من الجبل أو الحائط،
والجمع أهداف، وهو أيضا حبل مشرف من الرمل. ذكر ذلك القزاز، وفي
الصحاح: هو كلّ شيء مرتفع، وفي الغريب المصنف عن الأصمعي تقييده
بالعظم والحائش جماعة النخل، لا واحد له، كما قالوا لجماعة البقر ديرب قال
الأخطل:
وكان طعن الحي جائش قربة وإنّ جناه طيب الأثمار
فأصل الحائش المجتمع من الشَّجر نخلا كان أو غبره يقال: حائش الطرفا.
ذكره أبو نصر بن حماد، وفي كتاب الهروي. هو جماعة النخل، ومثله الصور
والغيطل والأيكة والرعل والغيل والغريف والشعراء والرازة والأباه والخيش
والأشب، والشِّعْب بالكسر الطريق في الجبل، والجمع الشعاب. قاله الجوهري،
وفي الجامع: ما انفرج بين الجبلين، ومعنى أوى أرق وأرثى له، يقال أو بن
قصة لفلان وأنا أوى له أويه، بقلب الواو بالكسرة ما قبلها وتدغم وماو به وما
واه من كتاب الصحاح، قال الشاعر:
/ولو أنني استأويته ما أوى ليا
[ ١ / ١٤٥ ]
النهي عن الاجتماع على الخلاء والحديث عنده
حدّثنا محمد بن يحيى، نا عبد الله بن رجاء، نا عكرمة بن عمار عن
يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ
قال: " لا يتناجى اثنان على غائطهما ينظر كلّ واحد منهما إلى عورة
صاحبه، فإن الله تعالى يمقت ذلك " (١) حدّثنا محمد بن يحيى، نا سالم بن
إبراهيم الوراق، نا عكرمة عن يحيى عن عياض بن هلال قال: محمد بن
يحيى، وهو الصواب نا محمد بن حميد، نا علي لن أبي بكر عن سفيان
الثوري عن عكرمة بن عمار عن يحيى بن عياض بن عبد الله نحوه، هذا
حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه؛ فممّن ضعَّفه أبو داود﵀-
فإنه قال: لم يسنده إلا عكرمة، وفي كتاب ابن داسة عنه: هو من حديث
المدنين، وفي كتاب ابن العبد عنه، هو مرسل عندهم، وفي كتاب ابن
الأعرابي وأبي عمرو أحمد بن علي البصري عنه: وعكرمة في يحيى ليس
بذاك. نا أبو سلمة نا أبان عن يحيى بن أبي كثير عن النبي ﷺ.. نحو
حديث عكرمة. انتهي. وفي قوله: هو من حديث المدنين نظر؛ لأنه من
مفردات أهل اليمامة. كذا ذكره غير واحد منهم ابن عقدة في كتاب المفردات
من تأليفه، وقال عبد الحق نحوه، زاد: وقد اضطرب فيه، قال أبو الحسن بن
القطان عليه حقيقة الجهل بحال رواته عن أبي سعيد، وهو هلال بن عياض.
كذا رواه به عن يحيى أبان بن يزيد- يعني كما رواه عكرمة- وروته جماعة
عن يحيى فقالت: عياض بن هلال. كذا رواه عن هشام الدستوائي وعلي ابن
المبارك وحرب بن شدّاد كلّهم عكس ما قاله عكرمة وأبان فقالوا: عياض بن
_________________
(١) ضعيف. رواه ابن ماجة في: ا- كتاب الطهارة، ٢٤- باب النهي عن الاجتماع على الخلاء والحديث عنده، رقم: (٣٤٢) . وكذا ضعفه الشيخ الألباني. (ح/٧٦) كما أورده في " ضعيف ابن ماجة " والمشكاة (٣٥٦) وضعيف أبى داود (ح/٣) والتعليق الرغيب (١/٨٥) وتمام المنة (٢) . قلت: وقد اختلف العلماء في تصحيح وتضعيف هذا الحديث. وقد وجدت بنحوه صحيح كما في " صحيح الجامع الصغير " (ح/٦٠١٣) عن ابن عمر، وجابر. قوله: " يمقت " أي: يبغض.
[ ١ / ١٤٦ ]
هلال. انتهى كلامه، ورواه الترمذي ابن مهدي عند أبي نعيم في الحلية عن
يحيى خبر ابن هلال بن أبي عياض. كذا في أصل سماعنا/، قال ابن
القطان: ورواه الأوزاعي عن يحيى فقال: نا عياض بن أبي زهرة، وهذا كلّه
اضطراب، ولكنه عن يحيى لا عن عكرمة، فيحتمل أن يكون ذلك من يحيى
نفسه، ويحتمل أن يكون من أصحابه، يقول لي محمد لم يسنده إلَّا عكرمة،
وقد اضطرب فيه، ينبغي أن يكون ضبطه اضطراب مبيّنا لما لم يسم، فإنّه إن
أسند الفعل إلى عكرمة كان خطأ، ويحيى أحد الأئمة ولكن هذا الرجل الذي
أخذ عنه هذا الحديث هو من لا يعرف، ولا نحصل من أمره شيء، وهكذا
هو عند مصنفي الرواة، لم يعرفوا من أمره زيادة على هذا. للحديث مع هذا
علّة أخرى؛ وهي اضطراب منه، وبيان ذلك هو أنّ ابن مهدي رواه عن عكرمة
فقال: ما تقدّم جعل المقت على التكشف والتحدّث في حال قضاء الحاجة،
ورواه بعضهم فجعل المقت على التحدّث كذلك فقط، ورواه بعضهم فجعل
المقت على الكشف والنظر ولم يذكر التحدّث، وهذا قد كان يتكلّف جمعه
لو كان راويه معتمدا، واضطرابه دليل سر حال راويه وقلة تحصيله، فكيف وهو
من لا يعرف! والآن فقد بلغنا الغرض المقصود، وهو أنّ للحديث طريقا جيدا
غير هذا، قال أبو علي بن السكن: نا يحيى بن محمد بن صاعد، نا الحسن
بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، نا مسكين بن بكير عن الأوزاعي عن يحيى
عن محمد بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال رسول الله ﷺ: إذا
تغوط الرجلان فيتوارى كلّ واحد منهما عن صاحبه، ولا يتحدّثا على طوافهما
فإن الله يمقت على ذلك " (١) . قال ابن السكن: رواه عكرمة عن يحيى عن
هلال بن عياض عن أبي سعيد الخدري، وأرجو أن يكونا صحيحين. انتهى.
وليس فيه تصحيح حديث أبي سعيد الذي فرغنا من تعليله، وإنّما يعني أن
القولين عن يحيى صحيحان، وصدق في ذلك، وصحّ عن يحيى أنّه قال: عن
محمد بن عبد الرحمن بن لم جابر أنه قال عن عياض وعن عبد الرحمن عن
أبي سعيد، ولم يقض على حديث أبي سعيد بالصحة أصلا، ولو فعل كان
مخطئا، فإن الأمر به على ما بينا؛ فأمّا حديث جابر هذا فصحيح، ومحمد بن
_________________
(١) صحيح. رواه الخطيب: (١٢/١٢٢) .
[ ١ / ١٤٧ ]
عبد الرحمن ثقة، وفد صح سماعه من جابر، ومسكين بن بكير أبو عبد
الرحمن الحذاء لا بًاس به. قاله ابن معين، وكذا أيضا قال فيه أبو حاتم،
والحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم: صدوق لا بأس به، وسائر من في
الإِسناد لا يسأل عنه، وعن يحيى في هذا المعنى غير هذا مما ذكره الدارقطني
في علله، إلَّا أنه لم يوصل به إليه الأسانيد. انتهى ما ذكره، وفيه نظر من
وجوه، الأول: كونه عصب الجنابة برأس الراوي عن أبي سعيد، وحكم عليه
بالجهالة؛ ولذلك صح له تضعيف حديثه، وليس كذلك، فإنه ممن وثقة
الحافظان أبو بكر بن خزيمة وأبو حاتم البستي، قال أبو حاتم: عياض بن هلال
الأنصاري، ومن زعم أنّه هلال بن عياض فقد وهم، قال ابن أبي حاتم:
وعياض بن هلال أشبه، ورجّحه البخاري ومسلم بن الحجاج في الوجدان،
والدارقطني، وذكر البخاري في شواهد صحّ فيه الحديث، وفي مسلم معناه:
" لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل " (١) ولما ذكر الترمذي في جامعه حديث:
" إذا لم يدرك أحدكم كم صلى " (٢) من رواته عياض هذا عن أبيِ سعيد،
قال فيه: حسن، ولما خرج ابن خزيمة في صحيحه عن أبي موسى، نا ابن
مهدي، نا عكرمة عن يحيى عن هلال بن عياض، حدثني أبو سعيد …
فذكره، اتبعه قول: نا محمد بن يحيى، نا مسلم بن إبراهيم- يعني الوراق-
نا عكرمة بن عمار عن يحيى عن عياض بهذا الإِسناد نحوه قال: وهذا هو
الصحيح، هذا الشيخ هو عياض بن هلال، روى عنه يحيى بن أبيِ كثير غير
حديث، وأحسب الوهم من عكرمة حين قال: عن هلال، ورواه ابن حبان
في صحيحه/عن أبي يعلي، نا محمد بن أبي بكر المقدسي، نا إسماعيل بن
_________________
(١) صحيح. رواه مسلم في (الحيض، باب " ١٧ "، ح/٧٤) وأبو داود في (الحمام، باب " ٣ ") والترمذي (ح/٢٧٩٣) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. والبيهقي (٧/٩٨) وابن أبي شيبة (١/١٠٦) والحاكم (١/١٥٨) وصححاه. وشرح (٩/٢٠) والمشكاة
(٢) وابن خزيمة (٧٢) وابن عدي في " للكامل " (٢/٧٤٥) . وصححه الشيخ الألباني. (الإرواء: ٦/٢١١) .
(٣) صحيح. متفق عليه. رواه البخاري (٢/٨٧) ومسلم في (المساجد، ح/٨٣) والدارقطني في " سننه " (١/٣٧١) والدرامي في " سننه " (١/٣٥١) والتمهيد لابن عبد البر (٥/٢١ والترمذي (ح/٣٩٦) .
[ ١ / ١٤٨ ]
سنان، نا عكرمة يحيى بن عياض بن هلال … فذكره، ولفظه: " لا يقعد
الرجلان على الغائط يتحدثان يرى كل واحد منهما عورة صاحبه، فإن الله
يمقت على ذلك ".
الثاني: قوله في الحسن بن أحمد: صدوق لا بأس به، ففيه أيضا نظر؛
وذلك أنه ممن شرح مسلم حديثه في صحيحه وقال فيه: علي بن الحسن ثقة
مأمون، وقال الخطيب نحوه، فعلى هذا لا يقال فيه صدوق لا بأس به مكتفيا
بذلك عرفا.
الثالث: في تصحيحه هذا الحديث نظر، وذلك أن الذي نقل أبو الحسن
كلامه ذكر طريق مسكين هذه ولم يصححها، وزعم أن أشبه الأقوال
بالصواب حديث عياض بن هلال، فعلى هذا لا يكتفي بجودة الطرائق إذ ثبت
عند الدارقطني تقليله، اللهم إلَّا لو لم تكن مذكورة عنده كأن يقال أنه لم
يروها فأما عند الرواية فلا، والله أعلم.
الرابع: قد وجدنا لهذا الحديث طريقا جيّدة لا مطعن فيها، ذكرها أبو
القاسم الطبراني في الأوسط، فقال: حدّثنا أحمد بن محمد بن صدقة، نا
محمد بن عبد الله محمد بن عبيد بن عقيل المصري، نا جدي عبيد بن
عقيل، نا عكرمة بن عمار عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال عليه
السلام: " لا يخرج الرجلان … " الحديث. قال عكرمة: يعني هكذا إلا
عبيد بن عقيل. انتهى. هذا عبيد روى عنه جماعة، وقال فيه أبو حاتم
الرازي: صدوق، وقال يعقوب: لا أعلم إلَا خيرا، وابن ابنه روى عنه جماعة
أيضا، منهم النسائي، وقال: لا بأس به، ولم أر أحدا من الأئمة تفرض
لتقليلها، والله أعلم.
الخامس: ضبطه اضطراب- بضم الهمزة- فغير صواب؛ لأنّ عكرمة
يضعفه اضطراب فيه كيحيى، لما تقدّم من كلام أبي داود عن ابن خزيمة وأبي
القاسم- رحمهم الله تعالى-.
السادس: عيبه على أبي محمد قوله: لم يسنده إلا عكرمة، فليس بشيء؛
[ ١ / ١٤٩ ]
لأنّ عبد الحق خرّج الحديث/من عند أبي داود وهو قائل ذاك كما تقدّم فهو
في ذلك متقلّد لأبي داود، فإن كان عيب فلأبي داود، لا له.
السابع: هو دائمًا يعيب على الإشبيلي أبعاده النجعة، وهنا استعملها لأنّ
الحديث عند أبي الحسن في كتاب العلل كما قدمناه، فذكره من عند ابن
السكن أبعاد للنجعة، ولو كان سبقًا، ولعل قائلًا يقول: إنما ذكره من عنده
لتصحيحه إياه، وليس كذلك؛ لأن أبا علي لم يصححه، إذ لو صححه لكان
مصححًا حديث أبي سعيد، وابن القطّان أبي ذلك؛ ولهذا ذكر حال رجال
إسناده، ويشبه أن يكون عذره في ذلك كون الدارقطني ذكره منقطعًا بلا
إسناد موصل إليه، ومع ذلك فلا عذر له في تركه كلام الدارقطني مع رؤيته
له، والله أعلم، وقد ذكره أيضًا الإِسماعيلي من حديث يحيى بن أبي كثير،
ذكرنا ذلك استظهارًا، ولا يطالبه به، وفي قول أبي داود: هو مرسل إشعار بأن
وصله غير صواب عنده، وإلَّا فالطريق المذكور عنده لا خلاف في رفعها
ووصلها، وأمّا قوله أنّ عكرمة في يحيى ليس بذاك، فقد خالفه في ذلك
الإمام أبو الحسين حيث خرج له عنه في صحيحه- حدّثنا بذلك- واستشهد
البَخاري بحديثه عنه أيضًا في صحيحه، وأما فول من قال: عياض بن عبد
الله، وفي تاريخ البخاري عياض بن أبي زهير، فيشبه أن يكون شيبان؛ لما رواه
عن يحيى نسى اسم أبيه فسمّاه عبد الله، والخلق كلهم عبيد الله، وقول
الأوزاعي: ابن أبي زهير يحتمل أن يكون كنية أبيه، وبهذا وبما أسلفناه تجتمع
الأقوال، ويصير مذهب التهاون والاختلال.
[ ١ / ١٥٠ ]
النهي عن البول في الماء الراكد
حدثنا محمد بن رمح، نا الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر عن
رسول الله ﷺ أنه: " نهى أن يبال في الماء الراكد " هذا حديث خرجه
مسلم (١) في صحيحه من حديث الليث/، وكان لا يقبل من حديث أبي
الزبير إلَّا ما كان مسموعا له، فيما ذكره ابن القطان عنه، وذكره الحاكم في
تاريخ نيسابور من حديث سفيان عنه، أنا جابر به، ورواه أبو نعيم من حديث
عباد بن كثير عن أبي الزبير بلفظ: " لا يبولن أحدكم في الماء الراكد الدائم
ثم يتوضأ منه " أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو خالد الأحمر عن ابن
عجلان عن أبيه عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: " لا يبولن أحدكم في
الماء الراكد " وهذا اجتمع على تخرج أصله الأئمة الستة من حديث أبي
هريرة، وحديث الباب أخرجه ابن حبان في صحيحه، ورواه أبو داود عن
مسدد ثنا يحيى عن محمد بن عجلان، فخالف أبا خالد في لفظه، وصرح
بسماعه من أبيه، وسماع أبيه من أبي هريرة، ولفظه: " لا يبولن أحدكم في
الماء الدائم، ولا يغتسل به من الجنابة " (٢) . وفي لفظ البخاري: " ثم يتوضأ
منه " وفي لفظ: " نهى أو نهي أن يبول الرجل في الماء الدائم أو الراكد، ثم
يتوضأ فيه أو يغتسل منه " (٣) وفي رواية: " أو يشرب منه " وأعاد ابن
_________________
(١) صحيح. رواه مسلم في (الطهارة، ح/٩٤) والترمذي (ح/٦٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح بلفظ: " نهي ًان يبال في الماء الدائم ثم يتوضأ منه "، والنسائي في (الطهارة، باب " ٣٠، ١٣٩ ") وًاحمد في " المسند " (٢/٢٨٨، ٤٩٢، ٥٣٢، ٣/٣٥٠) الخطيب في " تاريخه " (٤/٢٥٢، ١٩٣/٩٢٧٨، ١٤/٢٧٨) وابن ماجة (ح/٣٤٣) .
(٢) صحيح متفق عليه. رواه البخاري (١/٦٩) ومسلم في (الطهارة باب " ٢٨ "، ح/٩٥) وأبو داود (ح/٦٩) والنسائي (١/٤٩) وابن عدي في " الكامل " (٣/١١١) والحميدي (ح/ ٩٦٩) ومعاني (١/١٤، ١٥) والشافعي في " المسند " (ح/١٦٥) واستذكار (١/٢٥٣) .
(٣) تقدم من أحاديث الباب، وقد رواه الترمذي في: أبواب الطهارة، ١٧- باب ما جاء في كراهية البول في المغتسل، (ح/٢١) بلفظ: " أن النبي ﷺ نهى أن يبول الرجل في مستحمه، وقال: إن عامة الوسواس منه ".
[ ١ / ١٥١ ]
ماجة (١) ذكره في باب: الجنب ينغمس في الماء الدائم: حدثنا بلفظ: " لا
يغتسل أحدكم في الماء الدائم " حدثنا محمد بن يحيى، نا محمد بن المبارك،
نا يحيى بن حمزة، نا ابن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول
الله ﷺ: " لا يبولن أحدكم في الماء الناقع " (٢) هذا حديث ضعيف
الإِسناد برواية إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عبد الرحمن بن الأسود بن
سوارة، ويقال: الأسود بن عمرو بن رياش، ويقال: كيسان أبو سليمان
القرشي البلوى، ضعيف، ذاهب الحديث، وسيأتي ذكره بعد في باب الوضوء
من سنن البزار- إن شاء الله تعالى- الماء الراكد. هو الدائم الذي لا يجري،
يقال: ركد الماء ركودًا، وركدت الريح سكنت، وركد الميزان إذا استوى،
والناقع المجتمع في فزارة. ذكره الهروي.
_________________
(١) قال: وفي الباب عند رجل من أصحاب النبي ﷺ، قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعَا إلا من حديث أشعث بن عبد الله، ويقال له: أشعث الأعمى.
(٢) صحيح. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ١٠٩- باب الجنب ينغمس في الماء الدائم أيجزئه، (ح/٦٠٥) . وكذا صححه الشيخ الألباني.
(٣) ضعيف. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة وسننها، (ح/٣٤٥) . في الزوائد: إسناده ضعيف، ابن أبي فروة اسمه إسحاق، متفق على تركه، وأصله في الصحيحين، بلفظ: " الماء الدائم ". قلت: والحديث صحيح بلفظ: " لا يتبُولن أحدكُم في الماء الناقع ". انظر: صحيح أبي داود (ح/٦٢) والضعيفة (ح/٤٨١٤) .
[ ١ / ١٥٢ ]
التشديد في البول
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب لم
عن عبد الرحمن بن حسنة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده الدرقة
فوضعها، ثم جلس فبال إليها، فقال بعضهم: انظروا إليه يبول كما تبول
المرأة، فسمعه النبي ﷺ فقال: " ويحك أما علمت ما أصاب صاحب بني
إسرائيل؛ كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض فنهاهم، فعذب في
قبره " (١)، هذا حديث قال فيه الحاكم لما خرجه من حديث سفيان وعبيد
الله بن موسى وزائدة وعبد الواحد بن زياد قالوا: حدثنا الأعمش بلفظ:
" انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبي ﷺ فخرج ومعه درقة … " (٢)
الحديث: هذا حديث صحيح الإِسناد، ومن شرط الشيخين إلى أن يبلغ: تفرد
زيد بن وهب بالرواية عن ابن حسنة، ولم يخرجا هذا اللفظ، وفيما قاله نظر،
بل هو على شرطهما، ولا نظر إلى تفرد زيد؛ لأنهما رويا عن جماعة لم يرو
عن أحدهم إلَّا شخص واحد، وهذا مما وهم عليهما فيه، وقد بيّنا ذلك في
أوهامه في كتاب علوم الحديث، ورواه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلي،
نا أبو حاتم، نا خيثمة، ثنا محمد بن حازم كحديث الباب لا ذكر لعمرو فيه،
وزيد المشار إليه هو ابن وهب الجهني أبو سالم الكوفي، رحل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَا
فَقُبِض وهو في الطريق؛ فلذلك عُد من المخضرمين، وإن كان مسلم لم يذكره
فيهم، وزعم ابن منجويه أنه من همدان، وجمع الكلاباذي بين النسبين، ولا
جمع إلَّا أن يكون بخلف أو شبهة، قال أبو سعد: زيد جهني أحد بني
حسل بن نضر بن مالك بن عدي بن الطول بن عوف بن عطفان بن يثرب بن
جهينة بن قضاعة- وبنحوه ذكره الكلبي في الجامع وغيره، حديثه في
الصحيحين، وعبد الرحمن بن حسنة- وهي أمه- وأبو عبد الله بن المطاع بن
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/٣٤٦) وأحمد في " المسند " (٤/١٩٦) . وكذا صححه الشَيخ الألباني.
(٢) قلت: والحديث صحيح بلفظه الثاني: " كما في رواية الحاكم " في " مستدركه ". و" الدرقة " الترس إذا كان من جلد وليس فيه خشب ولا عصب.
[ ١ / ١٥٣ ]
الغطريف بن عبد العزي بن جثامة بن مالك بن ملازم بن مالك بن رُهم بن
سكر بن ميسر، رواه كما رواه منصور، فظهر بذلك ترجيح حديثه على غيره،
ابن العزيز مراجي بن مُرّ/ويقال كان ويقال أنه كان من كندة، وهو أخو
شرحبيل بن حسنة. كذا ذكره البخاري وأبو داود السجستاني في كتاب
الأخوة وأبو زرعة الدمشقي في كتاب الأخوة أيضًا، وأنكر ذلك ابن أبي
خيثمة وبعده اليشكري، وكانت أمه مولاة لعمر بن حبيب بن وهب بن
حذاقة بن جمح، وهاجرت إلى الحبشة؛ فلذلك عدّه ابن شهاب في خلفاء بني
جمح، وقيل: إنّها ليست أمه بل تبنَّته، ونسبه البخاري قرشيًا، ولا منافاة بينه
وبين ما تقدّم؛ لأنه قرشي بالخلف في زهرة، أو بالولاء في جمح، وأمّا من
قال: كندي فبالنسبة إلى نسب أمه، فإنّها منهم، والله أعلم، واختلف في
القائل: " انظروا إليه يبول كما تبول المرأة " فعند أبي داود والعسكري أن
عمرًا وابن حسنة قالا ذلك، وفي كتاب البغوي: فقال بعضنا لبعض، وعند
النسائي: بعض القوم لبعض، وكل ذلك قريب، وفي حديث البغوي والطبراني
زيادة تبيّن معنى الإنكار على أي وجه كان، وهو قوله: " انظروا إليه يبول كما
تبول المرأة " وفيَ لفظة: " إما أن يكون سمع وإما أن يكون أخبر " فإن
الأحاديث المتقدّمة موهمة أنّ ذلك للاستتار أو للجلوس. حدثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، نا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس
قال: " مر رسول الله ﷺ بقبرين جديدين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان
في كبير؛ أمّا أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي
بالنميمة " (١) وفي صحيح ابن حبان حديث أبي هريرة بمثل حديث ابن عباس
مطولًا. هذا حديث اجتمع على تخريجه الأئمة الستة في كتبهم، وقال
الترمذي: حديث صحيح، وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد عن ابن
_________________
(١) صحيح. متفق عليه. رواه البخاري في (الوضوء، باب " ٥٥، ٥٦ "، والجنائز، باب " ٨٩ "، والأدب باب " ٤٦، ٤٩ ") ومسلم في (الطهارة، ح/١١١) وأبو داود (ح/٢٠) والترمذي (ح/٧٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في (الطهارة، باب " ٢٦، ١١٦ ") وابن ماجة (ح/٣٤٧) وأبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة (ح/د ٢٦٤٦) . وشعبة حجة كبير، فروايته تؤيد أن الأعمش رواه على الوجهين معا. ورواه أحمد في " مسنده " (١/٢٢٥، ٥/٣٥، ٣٩) والدارمي (الوضوء، باب " ٦١ ") .
[ ١ / ١٥٤ ]
عباس، ولم يذكر فيه طاوسا، ورواية الأعمش أصح، وكذا ذكره البخاري
في كتاب العلل، وخالف وأبى ذلك في جامعه الصحيح، فذكر حديث
منصور أثر حديث الأعمش؛ فيحتاج إلى تأويل ذلك بأن يكون ظهر له
ترجيحه بوجه من الوجوه،/وأظن ذلك؛ لأن شعبة روى عن الأعمش كما
رواه منصور. ذكر ذلك أبو موسى المدني في كتاب الترغيب من حديث أبي
داود الطيالسي، نا شعبة به، ولفظه: " أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس،
وأما الآخر فكان صاحب نميمة " (١) وقال أخره: كذا قال عن الأعمش عن
مجاهد عن ابن عباس، والمحفوظ من حديث الأعمش عن مجاهد عن طاوس،
وفي حديث الأعمش الإسماعيلي من طريق شعبة عنه: ثنا مجاهد قال شعبة:
وأخبرني به منصور مثلَ إسناد سليمان وحديثه، فلم أنكره منه، فهذا الأعمش
رواه كما رواه منصور؛ فظهر بذلك ترجيح حديث على غيره، وأما أبو حاتم
البستي فذكر في صحيحه الحديثين جمعيا، وقال: سمع مجاهد هذا الخبر عن
ابن عباس، وسمعه عن طاوس؛ فالطريقان جمعيا محفوظان، ففي هذا شفاء
للنفس وإزالة للبس بتصريحه بسماع مجاهد هذا الحديث من ابن عباس-
﵄- ولولا ذلك لكان لقائل أن يقول أن مجاهدا مدلس، فلو
عدى عنه ذلك أو صرّح بالسماع كنّا نقول: رواه عنهما، وأما ما في هذه
الحالة فنجزم بالانقطاع، وعلى تقدير صحة ذلك لم يكن حديث الأعمش
أصح، إنما يكونا صحيحين، وفي لفظ البخاري: " ثم أخذ جريدة رطبة
فشقّها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا؟
قال: لعله يخفّف عنهما ما لم ييبسا " (٢) . وفي رواية: " وما يعذبان في
كبير، ثم قال: بلى كان أحدهما " (٣) وفي لفظ مسلم: " لا يستنزه عن
البول- أو من البول- " مع لفظ لأبي داود و" يستتر " مكان يستنزه، وفي
لفظ للبخاري: " يستبرئ " زاد ابن الجوزي في قصة يوسف﵇-
فأورق كل واحد من الفصين واخضر وأورق من ساعته، ففرح النبي ﷺ
وقال: " رفع عنهما العذاب بشفاعتي " (٤) .
_________________
(١) انظر: الحاشية السابقة ص ١٥٤. (٢- ٤) انظر: الحاشية قبل السابقة.
[ ١ / ١٥٥ ]
حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عفان، نا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي
هريرة، قال رسول الله ﷺ: " أكثر عذاب/القبر من البول " (١) هذا حديث صحيح
الإسناد، قال الشيخ ضياء الدين المقدسي لما ذكره: إسناده حسن، وما أعلم بأن الحاكم
حَكم بصحته على شرط الشيخين، قال: ولا أعرف له علّة، وله شاهد من حديث أبي
يحيى: " عامة عذاب القبر من البول " (٢)، وصححه أيضًا البخاري﵀-،
حدّثنا أبو بكر بن شيبة، نا وكيع، نا الأسود بن شيبان، حدثني ابن مرّار عن جدّه أبي
بكرة قال: " مرّ النبي ﷺ بقبر فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما
فيعذب في البول، وأما الآخر فيعذَّب في الغيبة " هذا حديث معلّل (٣) بأمرين:
الأول: الاختلاف في حال ابن مرّار، واسمه بحر بن مرار بن عبد
الرحمن بن أبي بكرة، يكنى أبا معاذ، ثقفي بصري، روى عنه الأسود
ويحيى بن سعيد القطان وأثنى عليه خيرَا، وكذا قاله ابن بشر، وسيأتي عن
ابن حبان وغيره عكسه، والله أعلم، وروى عنه أيضا شعبة وحماد بن زيد،
وقال فيه ابن معين وابن ماكولا وقال البزار: مصري معروف، وقال النسائي
في التمييز: ليس به بأس، وقال في موضع آخر: تغير، وقال ابن حبان: اختلط
بآخره حتى كان لا يدري ما يحدث، فاختلط حديثه الأخير بالقديم، ولم
يتميز ذكره يحيى بن سعيد القطان في تاريخ البخاري عن القطان رأيت بحرا
اختلط بآخره حتى كان لا يدري ما يقول يحدّث، فاختلط حديثه الأخير
بالقديم ولم يتميز. ذكره يحيى بن سعيد القطان.
الثاني: انقطاع ما بين بحر وجدِّ أبيه فإنه لم يسمع منه شيئا ولا أدركه
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/٣٤٨) في الزوائد: إسناده صحيح، وله شواهد. والحاكم في " المستدرك " (١/١٨٣) وصححاه. والدارقطني (١/١٢٨) بإسناد صحيح، والترغيب (١/ ١٣٩) ونصب الراية (١/١٢٨) والفتح (١/٣١٨) والخفاء (١/٢٠١) وأبن أبي شيبة في " مصنفه " (١/١٢٢) . وصححه الشْيخ الألباني
(٢) ضعيف. رواه الحاكم (١/١٨٤) والمجمع (١/٢٠٧) وعزاه إلى " البزار " و" الطبراني في الكبير " وفيه أبو يحيى الفتات، وثقة يحيى بن معين في رواية، وضعفه الباقون. قلت: وعلى قول الهيثمي فالحديث ضعيف.
(٣) انظر: العلل: (ح/١٠٨١) . ولمعرفة علْة الضعف، انظر: كلام المصنف.
[ ١ / ١٥٦ ]
إنّما يروي عن جدّه عبد الرحمن بن أبي بكرة كذا ذكره البزار وغيره، ولو
سكت أبو عبد الله ابن ماجة عن تغير الجدّ لحمل على عبد الرحمن وكان
الحديث مرسلا، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق متصلة وقال ابن معِين
ومن تابعه تكون صحيحة، ذكرها البخاري في تاريخه الكبير فقال: نا مسلم،
نا الأسود بن شيبان، نا بحر عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: حدّث أبو
بكرة/قال: قال لي النبي ﷺ: " صاحبا القبر يُعذّبان بلا كبير: الغيبة
والبول ". نا الجعفي، نا عبد الصمد، نا الأسود، نا بحر عن عبد الرحمن بن
أبي بكرة، ونا إسحاق قال: نا عبد الصمد، نا الأسود، نا بحر بن مرار
يحدّث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: " كنت مع النبي- عليه
السلام … " الحديث. وبنحوه ذكره الطبري في الكبير (١) وابن رافع
والعسكري، فهذا كما ترى مصرح فيه بالسماع عن جدّه عن أبيه، والله تعالى
أعلم، ولماّ ذكره الدارقطني في العلل قال: الصواب قول من قال: عن عبد
الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي بكرة يعني عن أبي بكرة- وقال
الترمذي- (٢) أثر حديث ابن عباس وفي الباب عن زيد بن ثابت وأبي بكرة
وأبي هريرة وأبي موسى وابن حسنة، واغفل حديث عائشة المذكور عند
الدارقطني، وحديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: " أني أظن منه عذاب القبر "
يعني البول. ذكره البزار (٣)، وحديث يعلي بن شبابة أن النبي ﷺ " مرّ بقبر
يعذّب صاحبه فقال: إنَّ هذا القبر يعذب صاحبه في غير كبير " ذكره
الطبراني (٤) واين أبي شيبة الحديث، وحديث أبي أمامة الباهلي وأبي رافع.
_________________
(١) قوله: " الكبير " غير واضحة " بالأصل " وكذا أثبتناه.
(٢) سنن الترمذي: (١/١٠٣) تحت (ح/٧٠)، ٥٣- باب ما جاء في التشديد في البول، من أبواب الطهارة.
(٣) ضعيف جدا. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٠٨) وعزاه إلى " البزار " وفيه يوسف بن خالد السمتي، ونسب إلى الكذب.
(٤) ضعيف جدًا. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٠٧) بنحوه من حديث عائشة. وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط " ورجاله موثوقون إلا شيخ الطبراني محمد بن أحمد بن جعفر الوكيعي المصري، فإني لم أعرفه.
[ ١ / ١٥٧ ]
ذكرهما أبو موسى المصري في كتاب الترغيب والترهيب، وحديث ميمونة.
ذكره أبو القاسم في الأوسط، وحديث جابر بن عبد الله. ذكره بحشل في
تاريخه من حديث الأعمش عن أبي سفيان عنه: " دخل النبي ﷺ حائطَا
لأمه ميسرة، وإذا بقبرين، فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين، ثم وضع واحدة
على أحد القبرين والأخرى على الآخر، ثم قال: لا يرفعان عنهما العذاب حتى
يجفّا، فقيل: يا رسول الله في أي شيء يعذبان؟ فقال: أما أحدهما فكان
يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول " (١) رواه عن موسى بن
شبيب. نا عبد الله بن موسى، نا أبو إسرائيل عن الأعمش، وحديث أنس بن
مالك: " مرّ النبي﵇- بقبرين من بني النجّار يعذبان في النميمة
والبول، فأخذ سعفة رطبة فشقها نصفين، فجعل على ذا القبر نصفَا، وعلى ذا
القبر شقا، وقال: لا يزال يخفف عنهما العذاب/ما داما رطبتين " (٢)، نا به
المسند المعمر حسن بن عمر بن خليل، قرأة علينا من لفظه، نا ابن الليث، قرأة
عليه وأنا حاضر في الرابعة، نا ابن النحاس، نا السراج، قرأة عليه، نا ابن
شبادان قرأة عليه نا أبو عمر وعثمان بن أحمد الدقاق، قرأة عليه، نا حسين بن
حميد بن الربيع، ثنا عبيد بن عبد الرحمن، نا عيسى بن طهمان عن أنس …
فذكره، وحديث ميمونة راويه ليس بثقة: " أشدّ عذاب القبر في الغيبة
والبول " ذكره ابن المنذر، وحديث عائشة: " مرّ النبي﵇-
بقبرين يعذّبان، فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، كان أحدهما لا
يستنزه من البول، وكان الآخر يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة رطبة … "
الحديث، ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث عبيدة بن حميد عن منصور
_________________
(١) = قلت: ولقد بحثت عن محمد بن أحمد بن جعفر الوكيعي المصري في التاريخ الكبير للبخاري فلم أجده، وكذلك في الثقات لابن حبان، وكذلك في الجرح والتعديل للرازي، فلم أقف له على ترجمة، قلت: فلعله مجهول، ولم نعرف له إلا اّنه كان شيخا للطبراني.
(٢) قلت: " ألفاظ هذا الحديث غير واضحة " " من نسخة الأصل " وأثبتنا بعضه من " مجمع الزوائد " (١/٢٠٨) . قلت: ولعله صحيحا، بل هو حسن، وإسناده ضعيف.
(٣) ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٢/٢٠٨) وعزاه إلى أحمد والطبراني في " الأوسط " وفيه عبيد بن عبد الرحمن، وهو ضعيف.
[ ١ / ١٥٨ ]
عن أبي وائل عن مسروق عنها، وقال: لم بروه عن منصور إلا عشرة. تفرّد
به علي بن جعفر الأحمر- يعني شيخ شيخه موسى بن أحمد الكوكبي-
وحديث عبد الله بن عمر: " أن النبي ﷺ مر بقبور ومعه جريدة رطبة
فشقها باثنين، ووضع واحدة على قبر والأخرى على قبر آخر، ثم مضى، قلنا:
يا رسول الله لم فعلت ذلك؟ فقال: أما أحدهما فكان يعذب في النميمة، وأما
الآخر فكان لا يقي البول، ولن يعذبا ما دامت هذه رطبة " (١) ذكره أبو
القاسم في الأوسط من حديث غسان بن الربيع، نا جعفر بن ميسرة عن أبيه
عنه قال: لا يروى هذا الحديث عن ابن عمر إلا بهذا الإِسناد، والقبر جمعه
قبور في الكثرة، وفي القلة أقبر، واستعمل مصدرًا، قالوا: قبرته أقبرة قبرًا وفي
الغريبين قبرته ودفنته وأقبرته: جعلت له قبرًا، وقال القزاز: موضع قبر، ومن
أسمائه أيضًا فيما ذكره ابن السكيت في كتاب الألفاظ، وأبو هلال العسكري
في التلخيص: أنجدت والمنهال والجدف والرمس والرَمس والجباب والقريح
واللحد، وفي هذه الأحاديث وغيرها إثبات عذاب القبر على ما هو المعروف
عند أهل السنة، واشتهرت به الأخبار، ولم تخالف في ذلك إلا المعتزلة، كذا
رأيت جماعة من العلماء ذكروا/عند كلامهم على هذا الحديث وشبهه،
ويشبه أن يكون ذلك وهمًا منهم على المعتزلة؛ لما ذكره القاضي عبد الجبار له
عن المعتزلة، ومصنفهم في كتاب الطبقات من تأليفه إن قيل: إنّ مذهبكم
أدَّاكم إلى إنكار عذاب القبر وهو قد أتفّقت (٢) عليه الأمة، وظهر فيه الآثار
والدلائل قيل أن هذا الأمر إنّما أنكره أولًا ضرار بن عمرو، ولما كان من
أصحاب واصل ظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك بل
المعتزلة رجلان: أحدهما يجوز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني يقطع
بذلك، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك إنّما ينكرون قول طائفة من الجهلة أنّهم
يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع من ذلك، وبنحوه قاله أبو عبد الله
المرزباني في كتاب الطبقات أيضًا، واختلف في فتنة القبر؛ هل هي للمسلمين
_________________
(١) منكر. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١ لم ٢٠٨) وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط " وفيه جعفر بن ميسرة، وهو منكر الحديث.
(٢) قوله: " اتفقت " وردت " بالأصل " " أطبقت " وهو تحريف، والصحيح ما أثبتناه.
[ ١ / ١٥٩ ]
أو للكافرين! فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أن لا تكون إلا لمؤمن أو منافق
من أهل القبلة ممن حقن الإِسلام دمه، وبنحوه قاله الحكيم أبو عبد الله
الترمذي في نوادر الأصول، وخالفهم أبو محمد الإشبيلي فزعم أنها تعم المؤمن
والمنافق والكافر، واختاره القرطبي في التذكرة قال: وقد اختلف في هذين
المعذبين- أعني اللذين في حديث ابن عباس- هل كانا من أهل القبلة أم لا،
فقال: إن كانا منها فالمرجو لهما بذلك تخفيف العذاب عنهما مطلقا، وإن
كانا كافرين فالمرجو تخفيف العذاب المطلق بهذين الديتين المذكورين، أما
قوله: إن كانا كافرين إلى آخره، فهو طريق الشكّ، وهو قول مسنده فيما
أظن، والله أعلم. حديث رواه أبو موسى المدني في كتاب الترغيب والترهيب
من حديث ابن لهيعة عن أسامة بن زيد عن أبي الزبير عن جابر قال: " مر
نبي الله ﷺ على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية،/فسمعها، يعذبان
في البول والنميمة " (١) . كذا قال: هذا حديث حسن وإن كان إسناده ليس
بالقوي؛ لأنهما لو كانا مسلمين لما كان لشفاعته لهما إلى أن ييبسا معنى،
ولكنه لما رآهما يعذبان لم يستجز من عطفه ولطفه ﷺ حرمهما من ذلك
فشفع لهما إلى المدّة المذكورة، والله أعلم وقد نا بحديث أبي الحسن
البغدادي، أنا شهرة قرأه عليه وأنا أسمع، نا الحسن بن طلحة الثعالبي قرأه عليه
ونحن نسمع، نا أبو القاسم الحسن بن الحسن المسندي، أنا أبو علي البردعي،
نا أبو بكر بن أبي الدنيا محمد بن علي، نا النضر بن شميل، نا أبو الغرام-
واسمه عبد العزيز بن ربيع الباهلي- نا أبو الزبير عن جابر، ولفظه غير اللفظ
الذي ساقه أبو موسى قال: " كنا مع النبي ﷺ في مسيرنا، فأتى على قبرين
يعذب صاحباهما فقال: إنهما لا يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان يغتاب
الناس، وأمّا الآخر فكان لا يتبارى من بوله، ودعا بجريدة … " الحديث.
ولفظ أبي القاسم في الأوسط أخرجه من حديث ابن لهيعة عن أسامة بن زيد
عن أبي الزبير عن جابر: " مر النبي ﷺ على قبور نساء من بني النجار
هلكن في الجاهلية، في. فسمعهن يعذبن في النميمة، فأتى بجريدة " (١) عن
_________________
(١) تقدم في أحاديث الباب.
[ ١ / ١٦٠ ]
أسامة، إلا أنّ ابن لهيعة ولئن كان كذلك فهو تصريح لا شك فيه، ولكن يعلو
عليه ما جاء في حديث ابن عباس في بعض ألفاظه: " من مر بقبر من قبور
الأنصار، وبنو النجار من الأنصار " فيحتمل أن يكون الراوي قاله بالمعنى
الأول، والأنصار لفظة إسلامية لم يعرف بها مُسمى في الجاهلية؛ ولذلك قال
النعمان بن بشير الأنصاريرضي الله عنهما- يخاطب عمرو بن العاص./
يا عم ولا تعد الدعاء فما لنا نسب يحدث فيه سوى الأنصار نسب تخيره إلَا
له لصحبنا أثقل به نسبًا على الكفار، وحديث القبرين الجديدين وفي حديث
مسلم: " فأحببت بشفاعتي أن تخفف ذلك عنهما "، والشفاعة لا تكون إلا
لمؤمن وفي الصحيحة، كونهما جديدين، وأما رواية: " من رفيق المدينة أو
مكة وهو البخاري في الصحيح، فيحتمل أن يكون سهوا من أحد الرواة،
وقد استدرك ذلك أبو عبد الله؛ فذكره في كتاب الأدب على الصواب المدينة،
وقوله: وما يعذبان في كبير تحمل معنيين، والذي يجب أن يحمل عليه منهما
أنَّهما لا يعذبان في كبير إزالته أو دفعه أو الاحتراز عنه، وأنه سهل يسير على
من يريد التوفي منه، ولا يراد بذلك أنه صغير من الذنوب؛ لأنه ورد في
الصحيح وإنه لكبير، قال الماوردي: والنميمة قد تكون من الكبائر؛ فيحتمل
على أنه يريد به في كثير علمهم تركه- وإن كان كبيرًا عند الله تعالى- ولا
شك أن النميمة كبيرة، قال: المنهي عنه على ثلاثة أنحاء؛ منه ما يشق تركه
على الطباع، كالبلاد المنهي عنها، ومنه ما ينبو عنه الطبع ولا تدعو إليه،
كالنهي عن قتل نفسه وغيره، ومنه ما لا مشقة فيه على النفس في تركه، فهذا
القسم مما يقال فيه ليس بكثير على الإنسان تركه، وقال عياض: قوله وما
يعذبان في كبير إذا كبير عندكم، كقولهَ تعالى: (وتحسبونه هينًا وهو مند
الله عظيم) (٢) أو سبب ذلك أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان
الصلاة، وتركها كبيرة، وأما النميمة فقد تكون كبيرة، ولا سيما إذا تكررت،
وبذلك أشعر قوله: كان يمشي بالنميمة، وفي كتاب الإحياء للشيخ أبي
حامد- رحمه الله تعالى- إنما تطلق في الأكثر على من يتم قول الغير إلى
_________________
(١) تقدم ذكره في: " الحاشية السابقة ".
(٢) سورة النور آية: ١٥.
[ ١ / ١٦١ ]
المقول فيه، كما يقول: فلان يتكلّم فيك بكذا، وليست النميمة مخصوصة
هذا بل؛ حدّ النميمة/: كشف ما يكره/كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو
المنقول إليه، وسواء أكان ذلك بالكتابة أو الرمز أو الإِيماء، فحقيقة النميمة
إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه؛ فلو رآه يخبئ مالا لنفسه فذكره
فهو نميمة، وكلّ من حملت إليه نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك أو يفعل
فيك كذا فعليه ستة أمور:
الأول: أن لا يصدقه؛ لأن النمّام فاسق.
الثاني: ينهاه عن ذلك.
الثالث: يبغضه في الله.
الرابع: لا يظن بأخيه الغائب سوغا.
الخامس: لا يحمله ما حكاه له على التجسس والبحث عن ذلك.
السادس: لا يرضى لنفسه ما نهى عنه النّمام، فلا يحكي بنميمة عمه
فيقول: فلان حكى كذا؛ فيصير نمّاما؛ لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك
إذا فعلت عظيم، فإن كانت النميمة في مصلحة، فلا مانع منها وذلك كما
إذا أخبره أن إنسانا يريد الفتك به أو بأهله أو ماله، أو أخبر الإمام أو من له
ولاية أنّ إنسانًا يسعى بما فيه مفسدة؛ فيجب على صاحب الولايةَ الكشف عن
ذلك وإزالته، فكلّ هذا وشبهه ليس بحرام، وقد يكون بعضه واجبًا وبعضه
مستحبا على حسب المواطن. انتهى. أهل اللغة يفرقون نميت- مخففة-
ونميت- مشدّدة- فالأول إذا بلغته على وجه الإصلاح، والخبر الثاني على
وجه الإِفساد، ولم يبين الشيخ أبو حامد ذلك فيَ كلامه، فليس على من لا
يعرف اشتقاق التمهيد، والله أعلم.
وأما حديث أبي بكرة: " فيعذّب في الغيبة " فالغيبة مخالفة للتمهيد؛ إذ هي
ذكر المرء بسوء فيه من رواية، وفي قول الشيخ أبي حامد: النميمة هتك الستر
معنى من معاني الغيبة؛ لأنك إذا ذكرنه بسوءٍ فقد هتكت ستره بذكرك ذلك،
وإذا كان كذلك كانا بمعنى واحد، ويكون الراوي يمح في هذا المعنى، وقوله:
[ ١ / ١٦٢ ]
" من البول " يؤخذ منه نجاسة/الأبوال مطلقَا، قليلها وكثيرها، إلا ما عفا عنه
الشّارع- صلوات الله عليه وسلامه- وأما لعلّ فهو حرف لتوقع مرجو أو
مخوِّف، وفيها لغات: لعلّ وعن ولعنّ وأنّ ولأنّ، وفيه دليل على انتفاع الميت
بتلاوة القرآن العظيم أخذًا من غرز العسيب، فإذا انتفع بتسبيح النبات فقراءة
القرآن من الإِنسان أولى، وفي الصحيح للبخاري (١): " أوصى بريرة أن
يجعل في قبره جريدتان تبركًا بفعل النبي ﷺ ذلك " واختلف فْي وصول
ثواب القرآن العظيم للميت؛ فمذهبنا ومذهب أحمد وصول ذلك إليه، وأبي
ذلك جماعة من العلماء مستدليّن بقوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلَّا ما
سعى) (٢) وبقوله ﵇: " إذا مات المرء انقطع عمله … " (٣) والكلام
في ذلك يأتي بعد في كتاب الجنائز- إن شاء الله تعالى.
وأمّا الدرقة، فهي ضرب من الترسة تتخذ من جلود دواب تكون في بلاد
الحبشة، والجمع درق وأدراق. قاله القزاز، وفي الصحاح: هي الجحفة إذا
كانت من جلود ليس فيها خشب ولا عقب، وأما بنو إسرائيل فهم أولاد
يعقوب﵇- وهو اسم عبراني، وفيه لغات: إسرائيل بكسر أوله
والمدّ والباء بعد الراء والهمزة، وقيل كذلك إلَّا أنّه بغير همز وبيائين، وقيل:
بفتح أوله مع الوجوه الثلاثة وقيل: إسرائيل بغير مدّ ولا ياء بكسر أوّله وقد
يفتح، وقيل: بكسر الهمزتين بغير ألف بعد الراء، وقيل كذلك إلا أنه بياء من
غير همز، وقيل: بدلا عن إعلام على الوجوه كلها، وقيل غير ذلك. ولا
خلاف أن " إِيْل " هو اسم الله تعالى في اللغة العبرية.
_________________
(١) صحيح- رواه البخاري: في: كتاب الجنائز، بأب (٨٢) .
(٢) سورة النجم آية: ٣٩.
(٣) صحيح. رواه مسلم في (الوصية، ح/١٤) وأبو داود (ح/٢٨٨٠) والترمذي (ح/ ١٣٧٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح. ونصب الراية (٣/١٥٩) وإتحاف (١/١١٤، ٥/ ٢٢، ٩/٨٧) وابن كثير (٦/٥٥١، ٧/٤٠٩) والبغوي (١/٢٢٠) والترغيب (١/٩٩، ١١٠، ١١٨) وتلخيص (٦٨١٣) والمغني عن حمل الأسفار (١/١٢، ٢/٢٣) والخفاء (١/ ١٠٥) والبداية (١١/٢٧) .
[ ١ / ١٦٣ ]
واختلف في " إسراء " فزعم السهيلي أنله عبد، وقيل: صفوة، وقيل: هو
مركب من عجمي وعربي معناه: أسرى إلى الله، وذلك أن يعقوب- عليه
السلام- أسرى ليلة في الهجرة إلى الربّ- سبحانه/وتعالى- فسمى إسرائيل
بذلك، والله أعلم.
***
[ ١ / ١٦٤ ]
الرجل يسلم عليه وهو يبول
حدّثنا إسماعيل بن محمد الطلحي، نا روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة
عن الحسن عن حصين بن المنذر بن الحرث بن وعلة عن ساسان الرقاشي عن
المهاجر بن منقذ بن عمير بن جدعان قال: " أتيت النبي ﷺ وهو يتوضأ
فسلّمت عليه، فلم يرد علي، فلما فرغ من وضوئه قال: إنه لم يمنعني من أن
أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء " (١) هذا حديث قال فيه الحاكم لما
أخرجه في مستدركه من حديث عبد الأعلى بن عبد الأعلى وعبد الله بن
خيران قالا: نا سعيد به هذا حديث: صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه بهذا اللفظ وفيه نظر من، وجهين:
الأول: حصين من أفراد مسلم، لم يخرج له البخاري شيئًا.
الثاني: ينظر في سعيد؛ فإنه ممن اختلط اختلاطًا قبيحًا ولا نعلم من سمع
منه أخيرًا، ولم يذكر الحديث من رواية غيره ليكون ضائعًا له، والله أعلم.
وذكره ابن حبان في صحيحه عن ابن خزيمة: نا محمد بن المثنى، نا عبد
الأعلى به، ورواه أبو أحمد العسكري من حديث مكي بن إبراهيم عن
سعيد، وزاد: " ولا تسلم علي وأنا في مثل هذه الحالة، فإنّك إن سلّمت علي
لم أرد عليك " (٢) وذكر البغوي في معجمه أن معاذ بن معاذ رواه عن قتادة
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة في (ح/٣٥٠) وأحمد في " المسند " (٤/٣٤٥، ٥/٨٠) والحاكم وصححه. وأبو داود (٣٣١): حدثنا جعفر بن مسافر، ثنا عبد الله بن يحيى البرلسي، ثنا حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، أن نافعا حدّثه عر. ابن عمر قال: أقبل رسول الله ﷺ من الغائط فلقيه رجل عند بئر جمل، فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ حتى أقبل على الحائط، فوضع يده على الحائط، ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد رسول الله ﷺ السلام. قلت: والحديث صحيح لوجود المتابعات.
(٢) صحيح وإسناده ضعيف. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، باب " ٣٧ " (ح/٣٥٢) . في الزوائد: إسناده واه فإن سويد لم يتفرد به. وتمام لفظه: " أن رجلا مر على النبي ﷺ وهو يبول؛ فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ: " إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي،. فإنك إن فعلت في ذلك، لم أرُد عليك ".
[ ١ / ١٦٥ ]
عن حصين من غير ذكر، قال: ورواه الخفاف، فأثبت فيه الحسن. كذا قال
البزار، وذكر رواية معاذ عن ابن مثنى عنه بثبوت الحسن، وكذلك ذكر أبو
القاسم في الكبير من حديث معاذ بن هشام، فالله أعلم، وهذا الحديث
معدود مما جرّده قتادة، ورواه عنه شعبة والدستوائي مما رواه ابن أبي عروبة
وذهب ما كنا نخشاه من اختلاطه فكأنه غير موجود، والله أعلم، وقد روي
عن الحسن عن مهاجر من أسلافهما. ذكره الطبراني، قال ذلك عنه حميد
ويونس وعبيد الله بن المختار وزياد الأعلم وأبو عبيدة بن مجاعة والحسن بن
دينار فيما ذكره ابن قانع ولفظه: " فقمت مهمومًا " /. فدعا بوضوءٍ فتوضَّأ
ورد عليّ وقال: " إني كرهت أن أذكر الله تعالى وأنا على غير وضوء " رواه
أبو عبيدة (١) الناجي وهو ليِّن الحديث عن الحسن عن البراء مخالفا لرواية
الجميع، وحصين هذا بضاد معجمة اسم مفرد فيما قاله البرذكي، وقيل فيه
بضاد مهملة، وهو قليل، كنيته أبو محمد، ولقبه أبو ساسان فيما ذكره الحاكم
وأبو حاتم والسراج قْي مسنده، وكان من أصحاب أمير المؤمنين علي، وفيه
يقول: وكنت رأيته بمكة وعليه راية سوداء يخفق طلها إذا قيل قدمها حضين
تقدّما، وأما المهاجر فاسمه عمرو، قال العسكري: سُمّي بذلك لما قَدم على
النبي ﷺ يوم الفتح، فقال ﵇: " هذا المهاجر حقًا " وبنحوه قاله
ابن سعد بن منقذ، واسمه خلف، قال الطبراني: يقال له: سارب الذهب
أيضًا ابن عمير بن جدعان. حدّثنا هشام بن عمار، نا مسلم بن علي، نا
الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: " مرّ
رجل على النبي ﷺ وهو يبول، فسلّم عليه فلم يرد، فلما فرغ ضرب بكفيه
الأرض فتيمم ثم ردّ ﵇ " (٢) هذا حديث قال فيه أبو القاسم الطبراني
_________________
(١) وفي " صحيح ابن ماجة " أورده الشيخ الألباني بعدما صحح إسناده.
(٢) أبو عبيدة الناجي، ضعفه أبو داود، وهو بكر بن الأسود، روى عن الحسن وابن سيرين. فال النسائي: " ليس بثقة ". وقال ابن معين: " كذاب " وقال مرَة: " ضعيف " (المغني: ١/١١٢/٩٦٥) . وفي اللسان: ضعيف، لا يستحق التكذيب.
(٣) ضعيف. ج، رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، باب " ٢٧ " (ح/٣٥١) . في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف مسلمة بن عليَ، وقال البخاري وأبو زرعة:
[ ١ / ١٦٦ ]
لما ذكره في الأوسط من حديث هشام: لم يروه عن الأوزاعي إلا مسلمة.
تفرّد به هشام، ومسلمة الخشني الدمشقي كان يسكن البلاط، روى عنه
جماعة كثيرة، قال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال الدارقطني والنسائي
والأزدي: متروك الحديث، وفي موضع آخر قال النسائي: ليس بثقة، وقال
دحيم وابن معين: ليس بشيء، وقال يعقوب بن سفيان: لا ينبغي لأهل العلم
أن يشغلوا أنفسهم بحديثه، وفي موضع آخر: ضعيف الحديث، وقال
الحاكم: أبو أحمد ذاهب الحديث، وقال ابن يونس قدم مصر وسكنها
وحدّث بها ولم يكن عندهم بذلك في الحديث وتوفى بها سنة تسعين ومائة،
وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: لا نشتغل به، وقال ابن حبان:
يقلب الأسانيد، وروى/عن الثقات ما ليس من حديثهم توهما، فلما فحش
ذلك مه بطل الاحتجاج به، وقال الآجري عن أبي، داود: غير ثقة ولا مأمون،
والله أعلم. حدّثنا سويد بن سعيد، نا عيسى بن يونس عن هاشم بن البريد
عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن لمجد الله: " أنّ رجلا مرّ على
النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ إذا رأيتني على
مثل هذه الحالة فلا تسلم علي، فإنك إن فعلت ذلك لم أردّ عليك " (١) . هذا
حديث إسناده لا بأس به. هاشم وثقة ابن معين وابن حبان، وقال الإِمام
أحمد: لا بأس به، وابن عقيل، تقدّم ذكره، وأن جماعة كانوا يحتجون
بحديثهم منهم: أحمد، وإسحاق، مع ما عضد حديثه من المتابعات في
الشواهد، والله أعلم. حدّثنا عبد الله بن سعيد والحسين بن أبي السري
منكر الحديث، وقال الحاكم: يروي عن الأوزاعيَ وغيره المنكرات والموضوعات.
وقال السدي: لكن الحديث جاء من رواية أبي الجهيم وابن عمر. رواه أبو داود في باب
التيمم. وأورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٧٦) وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط "
و" الكبير " وقال: تفرد به الفضل بن أبي حسان، قلت: ولم أجد من ذكره.
قلت: والحديث صحيح بلفظ: " الجدار " مكان " الأرض'. انظر: صحيح أبي داود للشيخ
الألباني، ٢٥٦: ق.
(١) صحيح، وإسناده ضعيف. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، باب " ٢٧ "، (ح/٣٥٢) .
في الزوائد: إسناده واه- فإن سويدا لم ينفرد به. قلت: وللحديث تابع صحيح ارتقى به
الحديث إلى درجة الصحة. انظر: صحيح ابن ماجة للشيخ الألباني.
[ ١ / ١٦٧ ]
العسقلاني قالا: حدّثنا أبو داود عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع بن
عمر: " مرّ رجل على رسول الله ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه "
هذا حديث أخرجه مسلم (١) في صحيحه، وقال فيه الترمذي: (٢) صحيح، وهو
أحسن شيء في الباب، وقال ابن مندة: هذا إسناد صحيح أخرجه الجماعة إلا
البخاري للضحاك بن عثمان، وأخرجه أيضًا أبو عوانة في صحيحه، وقال أبو
داود: فإنّه أخرجه وروى عن ابن عمر وغيره أن النبي ﷺ: " تيمّم ثم ردّ
على الرجل السلام " (٣) وفي الأوسط لأبي القاسم ما يدل على أن الضحاك
رواه عن نافع مختصرًا، وهو ما رواه من حديث محمد بن ثابت عن نافع
قال: " انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر
حاجته من ابن عباس، وكان حديثه يومئذ أن قال: مرّ رجل على النبي ﷺ
وهو في سكة من السكك وقد خرج من بول أو غائط، فسلّم عليه ولم يرد
﵇، حتى إذا كان الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيديه على
الحائط فمسح وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى/بيده على الحائط فمسح ذراعيه
ثم رد على الرجل السلام، وقال: أنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني لم أكن
على طهر " (٤)، وقال: لم يروه بهذا التمام عن نافع إلا محمد بن ثابت،
وسيأتي له مزيد بيان في كتاب التيمم، وأن أبا داود أخرجه، ورواه الإِمام
الشافعيرضي الله عنه- في مسنده (٥) عن إبراهيم عن محمد: أخبرني أبو
بكر بن عمر بن عبد الرحمن عن نافع عن ابن عمر: " أن رجلًا مر على
_________________
(١) (١، ٢) تقدّم من أحاديث هذا الباب. ص ١٦٥. وفي لفظ مسلم (المساجد، ح/٣٧، ٣٨): " إنه لمَ يمنعني أن أكلمك إلا إني كنت أُصَلي ".
(٢) حسن. رواه أبو داود في: ١- كتاب للطهارة، باب " ١٢٣ "، (ح/٣٣١) .
(٣) حسن. رواه أبو داود (ح/٣٣٠) والبيهقي في " الكبرى " (١/٩٠، ٢٠٦ قال أبو داود: لم يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي ﷺ ورووه فعل ابن عمر. والمشكاة (ح/٤٦٦) والنشور (١/٣٠٦، ٣٠٧) وشرح السنة للبغوي (٢/١١٦) والكنز
(٤) الخطيب في " تاريخه " (١٣/١٣٦) والدارقطني في " سننه " (١/١٧٧، ٣٩٧) .
(٥) صحيح. رواه الشافعي (ح/١١) والشفع (٦٠) . قلت: وللحديث طرق وشواهد صحيحة إذا كان قد أبرم المصنف صحته لضعف إسناده.
[ ١ / ١٦٨ ]
النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه الرجل، فرد ﵇ فلما جاوزه نادوا
النبي - ﵇- فقال: إنما حملني على الردّ عليك خشية أن تقول أني
سلّمت على النبي﵇- فلم برد علي، فإذا رأيتني على هذه الحال
فلا تسلم علي، فإنك إن تفعل لا أردّ عليك " وهذا لو صح إسناده وسلم من
إبراهيم لكان مخالفًا للأول، ولَكنّه عديم الصحة، وفد وقع لنا من طريق سالما
به من إبراهيم ذكرها البزار في مسنده، فقال: نا سعيد بن سلمة، نا أبو بكر،
فصح الحديث والمخالفة؛ ولهذا قال عبد الحق أثر هذا أبو بكر هذا فيما أعلم،
وهو ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، روى عنه مالك وغيره،
وهو لا بأس به، ولكن حديث مسلم أصح، ولعلّه كان ذلك في موطنين، وإّنما
قال ذلك لأجل المعارضة الظاهرة، واعترض عليه أبو الحسن بن القطان بأن
قال ما قاله عبد الحق تصحيح للخبر مطلقا نطقا لا سكوتا، وإن كان رجح
عليه حديث مسلم، فقد يُرجح في ذلك، والتمس له مخرجًا تجعله إيّاه في
موطن آخر وقصة أخرى، وهذا الذي ذكره في أبي بكر ينبغي أن يتوقف فيه،
فإنه لا يعلم منه أكثر من أنه من ولد عبد الله بن عمر؛ فمن أين له هدْا
النسب؟ وأنّه الذي روى عنه مالك، وقد كان مانعا له من أن يقول ذلك لو
ثبت أنَّ الذي في الإِسناد يروى عن نافع، والذي توهمه أنه معلوم الرواية عن
ابن عمر، روى عنه مالك ابن طهمان وإسحاق بن شارقي وعبد الله بن عمر.
انتهى كلامه، وفيه نظر، وذلك أنَّ عبد الحق- رحمه الله تعالى- احترز
بقوله: فيما أعلم، فعلم من هذا الإِيراد لكونه لم يجزم به، وعلى ذلك فهو
كما قاله./صرّح بذلك الإِمام الشافعي كما سبق، وناهيك به جلالة ونُبلا،
ولعل قائلا يقول: إنّما ساق نسبه إبراهيم، وهو ضعيف لا يحتج به، فلو
استظهرت على ذلك بكلام عنه لثلج بذلك الصدر، فيقال له. قد ذكر ذلك
غير واحد في مصنفه؛ منهم ابن الجارود في كتاب المنتقى، فقال: نا محمد بن
يحيى، نا عبد الله بن رجاء، نا سعيد- يعني ابن سلمة- حدّثني أبو بكر بن
عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب … فذكره، وكذلك أبو
العباس السراج في مسنده، فقال،: نا محمد بن إدريس، نا ابن رجاء نا سعيد
نا أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن
[ ١ / ١٦٩ ]
نافع … فذكره فذهب بحمد الله ما توهمه على ابني محمد، وصحَّ بما
ذكرناه الحديث؛ لأن سعيدا وأبا بكر حديثهما في الصحيح، والله أعلم. وأما
المعارضة فيحتمل أن يكون الرد كان بعد التيمم، كما جاء في رواية غير أبي
بكر عن نافع، وزعم الطحاوي في شرح الإمام أن حديث المنع من رد السلام
منسوخ بآية الوضوء، وقيل بحديث عائشة: " كان يذكر الله تعالى على كل
أحيانه " (١) .
وقد جاء ذلك مصرحا به في حديث رواه جابر الجعفي عن عبد الله بن
محمد بن أبي بكر بن حزم عن عبد الله بن علقمة بن الغفراء عن أبيه قال:
" كان النبي﵇- إذا أراد الماء نكلّمه فلا يكلّمنا، ونسلم عليه فلا
يسلم علينا، حتى نزلت آية الرخصة (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى
الصلاة … " (٢) .
وزعم الحسن أنه ليس منسوخا، وتمسك بمقتضاه فأوجب الطهارة للذكر
ومنعه للحدث، ثم ناقض بإيجابه للتسمية للطهارتين، فإنه مستلزم لإيقاع الذكر
حالة الحديث، وروى عن عمر إيجابه الطهارة للذكر، وقيل: يتأوّل الخبر عني
الاستحباب؛ لأن ابن عمر راويه رأى ذلك، والصحابي الراوي أعلم بالمقصود،
وهو حسن إن لم يثبت حديث جابر الجعفي لتضمنه الجمع بين الأدلة، وفي
حديث جابر بن سمرة ذكر الوضوء لا التيمم. ذكره أبو القاسم في الأوسط
من حديث الفضل بن أبي حسان، نا عمرو بن حماد بن طلحة العناد، نا
_________________
(١) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (١/٨٣، ١٦٣) ومسلم في (الحيض باب " ٣٠ " رقم " ١١٧ " (وأبو داود (١٨) والترمذي (ح/٣٣٨٤) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن زكريا بن زائدة، وابن ماجة (ح/٣٠٢) وأحمد في " المسند " (٦/٧٠، ١٥٣، ٢٧٨) والبيهقي في " الكبرى " (١/٩٠) وأبو عوانة (١/٢١٧) وإتحاف (٦/٢٨٧، ٧/ ١١٠) والكنز (١٧٩٨٠) وشرح السنة (٢/٤٤) والفتح (٢/١١٤) والقرطبي (٤/٣١٠) والمشكاة (٤٥٦) وتغليق (١٧٢، ١٧٣، ٢٦٩) والمعاني (١/مه، ٩١) . وصححه الشيخ الألباني (الإرواء: ٢/٢٤٤) .
(٢) سورة المائدة آية: ٦ راجع تفسير القرطبي: (٤/٢٠٨٨) طبعة الريان. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف جابر الجعفي.
[ ١ / ١٧٠ ]
أسباط بن نصر عن سماك/بن حرب عن جابر بن سمرة قال: " دخلت على
النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه فلم يردّ علي، ثم دخل إلى بيته فتوضأ ثم
خرج فقال: وعليك السلام " (١) قال: لم يرو عن جابر إلا هذا الإِسناد. تفرد
به الفضل.
وذكر الخطابي أن السلام الذي يحيّا به الناس اسم من أسماء الله تعالى.
جاء ذلك في حديث رواه أبو هريرة مرفوعا: " السلام اسم من أسماء الله
تعالى، فأفشوه بينكم " (٢) .
كذا ذكره، والذي رأيت في حديث أبي هريرة: " السلام اسم من أسماء
الله تعالى، وضعه في الأرض تحية لأهل ديننا، وأمانًا لأهل ذمتنا " قال فيه
الطبراني في الأوسط: لم يروه عن يحيى بن سعيد الأنصاري إلا يحيى عن
المسيب عن أبي هريرة إلا عقبة بن محمد الأنصاري، تفرد به محمد بن يحيى
الأنيسي، وذكر الحليمي في المنهاج معنى السلام: السالم من المعايب إذ هي
غير جائزة على القديم، فإن جوازها على المصنوعات لأنّها أحداث، وقد اتبع
فكما جاز أن يوجد وأبعد إن لم يكونوا موجودين جاز أن يعدموا بعدما
وجدوا، القديم لا علّة لوجوده، فلا يجوز التغيّر عليه، ولا يمكن أن يعارضه
نقص أو شيء، أو يكون له صفة تخالف الفضل والكمال، وفي كتاب القزاز:
وقول القائل: السلام عليكم يريد اسم الله عليكم، قال لبيد يخاطب ابنته إلى
الحول ثم اسم السلام عليكم ومن ينكحو لا كاملا فقد اعتذر يريد اسم الله
_________________
(١) ضعيف جدا. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٧٦) وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط " و" الكبير " وقال تفرد به الفضل بن أبي حسان، نلت ولم أجد من ذكره.
(٢) صحيح. رواه البزار برقم (١٩٩٩) من ثلاث طرق موقوفة، فأسنده ورقاء وشريك وأيوب بن جابر. والثاني: إسناده ضعيف، لسوء حفظ شريك- وهو ابن عبد الله القاضي- وابنه. قال الحافظ في الأدب: " صدوق يخطن كثيرا، تغير حفظه منذ ولي الفْضاء ". وقال في الأدب: " صدوق يخطئ ". لكنهما فد توبعا كما في الإسناد الأول، وقد أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (رقم ١٠٣٩٢) من هذا الوجه وإَسناده جيد، رجاله ثقات رجال مسلم، غير الفضل بن سهل، قال الحافظ: " صدوق ". ولفظه: " السلام اسم من أسماء الله وضعه في الأرض … " الحديث.
[ ١ / ١٧١ ]
عليكم، وقيل السلام عليك: أي سلمت مني لا أنالك بيدي ولا لساني،
وقيل: معناه السلامة من الله وقيل: هو الرحمة وقيل: هو الإيمان، وقيل:
الصلح.
قال الخطابي: وفي الحديث من الفقه أنه يتيمم لغير مرض ولا حرج، وإليه
ذهب الأوزاعي في الجنب يخاف أن يغتسل قبل أن تطلع الشمس، قال:
يتيمم ويصلي قبل فوات الوقت، وبه قال مالك في بعض الروايات، ومذهبنا
أن ذلك في الجنائز والعيدين، قال أبو سليمان: وفيه حجة للشّافعي فيمن كان
محبوسًا في حَش أو نحوه فلم يقدر على الطهارة بالماء أنه يتيمم ويصلي على
حسب الإِمكان، إلَّا أنه لا يرى عليه/الإعادة إذا قدر عليها، وكذلك قال في
المصلوب، وفيمن لا يجد ماءً ولا ترابًا، إلَّا أنه يعيد، وفيه المنع من ذكر الله
تعالى على الخلا، ولو نسب كالعطاس والموافقة في الأذان، وهو مذهبنا
ومذهب الشّافعي وأحمد، خلافًا لقوم من السلف ومالك في حمد العاطس.
[ ١ / ١٧٢ ]
الاستنجاء بالماء
حدثنا هناد بن السرى، نا أبو الأحوص عن منصور عن إِبراهيم عن الأسود عن
عائشة قالت: " ما رأيت رسول الله ﷺ خرج من غائط قطّ إلا مس ماءً " (١)
هذا حديث أخرجه أبو حاتم البستي في صحيحه (٢) كما قدمناه، فقال: نا
الحسن بن سفيان، نا يحيى بن طلحة اليربوعي، نا أبو الأحوص بزيادة: " ما
رأيت رسول الله ﷺ صائما العشر قط، ولا خرج من الخلاء إلا مس ماء "
ولما ذكره البزار (٣) في مسنده حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عنها:
" ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا العشر قط " عن ابن المثنى وعمر بن علي
قالا: نا أبو معاوية عن الأعمش قال: وهذا الحديث لا يعلم له طريقًا عن
عائشة إلا هذا الطريق، وقد تابع الأعمش الحسن بن عبد الله عن إبراهيم.
انتهى، وفيما قاله نظر؛ لما أسلفناه عند ابن حبان، والله أعلم. حدّثنا هشام بن
عمار، نا صدقة بن خالد، نا عتبة بن أبي حاتم، حدثني طلحة بن نافع، أخبرني أبو
أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك، قال لما نزلت: (فيه رجال
يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرّين) (٤) قال رسول الله ﷺ: " يا معشر
الأنصار إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟ قالوا نتوضأ للصلاة
ونغتسل للجنابة ونستنجي بالماء، قال: فهو ذاك فعليكموه هذا " (٥) معلل
بأشياء: الأول: ضعف عتبة (٦) بن أبي حكيم الهمداني أبا العباس الشامي
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ٢٨- باب الاستنجاء بالماء، (ح/ ٣٥٤) . وصححه الشيخ الألباني (٢) صحيح. رواه ابن حبان: (٥/٢٤٧) .
(٢) صحيح. رواه البزار. وابن ماجة (١٧٢٩)، وأبو داود (٢٤٣٩) .
(٣) سورة التوبة آية: ١٠٨. (٥، ٦) صحيح، وإسناده ضعيف. رواه أبن ماجة (٣٥٥) والبيهقي (١/١٠٥) والحاكم والدارقطني (١/٦٢) والكنز (٣٣٧٠٩) ونصب الراية (١/٢١٩) والمشكاة (٣٦٩) والمنثور (٣/٢٧٨) والقرطبي (٨/٢٦٠) . في الزوائد: عتبة بن أبي حكيم: ضعيف، وطلحة لم يدرك أبا أيوب. وكذا صححه الشيخ الألباني: راجع صحيح أبن ماجة.
[ ١ / ١٧٣ ]
الطبراني الأزدي، فيما قاله أبو عبد الرحمن النسائي وابن معين، وفي كتاب
الآجري قال أبو داود: سألت ابن معين عنه فقال: والله الذي لا إله إلا هو أنه
لمنكر الحديث، وكان الإِمام أحمد يوهِّنه قليلًا،/وقال ابن عدي: أرجوا أنّه لا
بأس به، وقال السعدي: كان غير محمود في الحديث وقال محمد بن عوض
الحمصي: ضعيف الحديث، ومع ذلك فقد وثقة مروان الظاهري وأبو زرعة
الدمشقي وأبو القاسم الطبراني، وقال أبو حاتم: لا بأس به.
الثاني: يوسف بن طلحة بن نافع- وإن كان مسلم خرج حديثه- فقد
تكلّم فيه غير واحد، منهم ابن معين بقوله: ليس بشيء، ويعقوب بن سفيان
والحربي وأبو محمد بن حزم والأشبيلي وغيرهم.
الثالث: انقطاع حديثه؛ وذلك أن ابن أبي حاتم ذكر في كتاب المراسيل:
سمعت أبي يقول … وذكر حديثا رواه عنه ابن أبي حكيم عن أبي سفيان،
قال: حدثني أبو أيوب وجابر وأنس عن النبي﵇- فقال لي: لم
يسمع أبو سفيان من أبي أيوب، فأما جابر قال شعبة: يقول سمع أبو سفيان
من جابر أربعة أحاديث، قال أبي: وأما أنس فإنه يحتمل أن يقال: إنّ أبا
سفيان أخذ صحيفة جابر وصحيفة سليمان اليشكري، وقال وكيع عن شعبة
حديثه عن جابر صحيفة، وبمثله قاله سفيان بن عيينة، وقول الأعمش عنه:
جاورت جابرًا ستّة أشهر، ليس صريحًا في السماع، فكم من مجاور لا يعرف
حال جاره، وآخر مسافر مطلع على أسراره، وقال البستي في كتاب الثقات:
وحديث الثقات يقضي له بالسماع منهم، لكنه على لسان ضعيف؛ فلهذا لم
يعتبره أبو حاتم، والله أعلم. وقد روى عن أنس ولم يرو المقاطيع، ولما أخرجه
الحاكم من حديث محمد بن شعيب بن شابور، حدّثني عتبة به قال: هذا
حديث صحيح كبير في كتاب الطهارة، فإنّ محمد بن شعيب وعتبة بن أبي
حكيم من أئمة أهل الشام، والشيخان إنّما أخذا مخ الروايات، ومثل هذا لا
يترك، قال إبراهيم بن يعقوب: محمد بن شعيب أعرف الناس بحديث
الشاميين، وله شاهد بإسناد صحيح. أحمد بن سليمان. نا إسماعيل بن إسحاق
القاضي، نا إسماعيل بن أبي أويس، نا أبي عن شرحبيل بن سعد عن عويمر بن
ساعدة الأنصاري ثم العجلاني أن النبي﵇- قال لأهل قباء: " إن
[ ١ / ١٧٤ ]
الله قد أحسن الثناء عليكم/في الطهور وقال: (فيه رجال يحبون أن
يتطهروا …) حتى انقضت الآية " (١) فقال لهم: ما هذا الطهور؟ … "
الحديث. قال أبو العباس: نا محمد بن خالد عن مجاهد عن ابن عباس:
(فيه رجال يحبون أن يتطهروا) قال لما في نزلت هذه الآية بعث النبي ﷺ
إلى عويمر فقال: ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به، قال: يا نبي الله ما
خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل دبره- أو قال مقعدته- فقال
﵇: ففي هذا قال " (٢) هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وقد
حدث به سلمة بن الفضل هكذا عن ابن إسحاق، ولما ذكره الطبراني في
الأوسط من حديث إسماعيل بن صبيح، نا أبو أويس به، قال: لم يروه عن
عويمر إلا بهذا الإِسناد، فيحتمل أن يكون أراد إسماعيل فمن بعده، فإن كان
كذلك فهذا يرُدّ عليه، وإن أراد أنه لم يقع إلا بهذا الإسناد فقريب، والله
أعلم. قال الحاكم: وحديث أبي أيوب شاهده نا أبوَ بكر بن إسحاق، نا
محمد بن أيوب، وأخبرني عبد الله بن محمد بن موسى، نا إسماعيل بن
قتيبة، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عبد الرحيم بن سليمان عن رَجُلَين السائب
الرقاشي عن عطاء بن أبي رباح وابن سَروة عن عمه أبي أيوب قال: قالوا يا
رسول الله: من هؤلاء الذين نزل منهم: " فيه رجال يحبون أن يتطهروا "
الحديث. انتهى ما ذكر، وقد تقدّم في حديث طلحة ما فيه كفاية، وأما
تصحيحه حديث سهيل بن سعد، وكذلك ابن خزيمة لما رواه في صحيحه عن
محمد بن يحيى، نا إسماعيل بن أبي أويس به فيه نظر؛ وذلك أنه ممن وصفه
ابن سعد بالاختلاط وعدم الاحتجاج به، وقال ابن إسحاق بن يسار: نحن لا
نروي عنه شيئا، وكان منهما وقال سفيان: احتاج فكأنهم اتهموه، وكانوا
_________________
(١) ضعيف. رواه أحمد في " المسند " (٣/٤٢٢) والحاكم في " المستدرك " (١/١٥٥) وابن خزيمة (٨٣) والمجمع (١/٢١٢) وعزاه إلى " أحمد " والطبراني في الثلاثة " وفيه شرحبيل بن سعد، ضعفه مالك وابن معين وأبو زرعة، ووثقه ابن حبان. والكنز (٤٤١٧) والطبري في " تفسيره " (١١/٢٢) والقرطبي (٨/ ٢٥٩) ولبن كثير في " تفسيره " (٤/١٥١) وبداية (٣/٢٠٩) .
(٢) ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد" (١/٢١٢) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير " وإسناده حسن إلا أن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه.
[ ١ / ١٧٥ ]
يخالفون إذا جاء الرجل وطلب منه شيء إذا لم يعضده أن يقول: لم يشهد
أبوك بدينار، وقال ابن أبي ذئب: أما شرحبيل فهو شرحبيل وقد بينّا لكم-
يعني، أمره- وكان متهمًا، وقال أبو زرعة: فيه لين، وقال مالك:/ليس
بثقة، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن معين: ليس هو بشيء، ضعيف،
وقال الدارقطني: يعتبر به، وهو ضعيف، وقال ابن عدي: وفي عامة ما يرويه
إنكار، الثاني: انقطاع حديثه، وذلك أن عويمرًا توفى في حياة النبي- عليه
السلام- يقبل في خلافة عمرو أيامًا كان فمتعذر سماعه منه؛ لأني لم أر له
شيخًا مذكورًا في العلماء أقدم موتًا من زيد بن ثابترضي الله عنه-
وكانت وفاته أيام معاوية. حدّثنا علي بن محمد، نا وكيع عن شريك عن
جابر عن زيد العمي عن أبي بكر الصديق الناجي عن عائشة: " أن النبي
ﷺ كان يغسل مقعدته ثلاثًا، قال ابن عمر: فعلناه فوجدناه دواءً وطهورًا " (١)
هذا حديث قال فيه الطبراني في الأوسط: لم بروه عن أبي الصديق الناجي
عن النبي ﷺ إلا العمي، ولا عنه إلَّا جابر. تفرد به وأخرجه في موضع آخر
بلفظ: قال ﵇: " استنجوا بالماء البارد، فإنه مصحة للبواسير " (٢)
رواه عن عبد الوارث بن إبراهيم، نا عمار بن هارون أبو الربيع السمار عن
هشام عن أمه عنها، وقال: لم يروه عن هشام إلَّا أبو الربيع. تفرد به عمار-
يعني المخرج حديثه في صحيح عبد الله- ولما ذكره أبو حاتم في الثقات قال:
رّبما أخطأ، فهذا- والله أعلم- أصح من حديث ابن ماجة معلل مع التفرد
بأشياء:
الأول: جابر بن الحرث بن عبد يغوث بن كعب بن الحرث بن معاوية بن
قائل بن مراي بن جعفر بن سعد العشيرة بن عبد الله، ويقال: أبو يزيد،
_________________
(١) ضعيف. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ٢٨- باب الاستنجاء بالماء، (ح/٣٥٦) . في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف زيد العمي. وجابر الجعفي، وإن وثقة شعبة وسفيان الثوري، فقد كذبه أيوب السختياني. وكذا ضعْفه الشيخ الألباني ضعيف ابن ماجة (ح/٧٩) .
(٢) ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٥ /١٠٠) وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط " وفيه عمار بن هارون، وهو متروك. وضعفه الشيخ الألباني: (ضعيف الجامع: ص ١١٩ ح/٨٣٠) .
[ ١ / ١٧٦ ]
ويقال: أبو محمد الكوفي التابعي، وإن وثقة سفيان الثوري وشعبة، فقد قال
فيه أيوب السختياني وابن معين: كان كذابًا، وفي موضع آخر: لا نكتب
حديثه ولا كرامة، وقال إسماعيل بن أبي خالد: قال الشعبي: يا جابر لا
تموت حتى تكذب على النبي﵇- قال إسماعيل: ما مضى الأيام
والليالي حتى اتّهم بالكذب، وقال البخاري: تركه ابن مهدي، وابن سعيد
قال تركناه قبل/أن يقدم علينا الثوري، وقال زائدة: كان- والله- كذابًا
يدين بالرجعة، وقال الإِمام أبو حنيفة: ما لقيت فيمن أكذب من جابر، ما أتيته
بشيء من رأي إلا جاءني فيه بأثر، وقال فيه النسائي: متروك الحديث، وقال
ابن عدي: حديثه صالح، روى عنه الثوري الكثير، وشعبة أقل رواية عنه من
الثوري، وقد احتمله الناس ورووا عنه وغاية ما قدموه أنّه كان يرى بالرجعة،
ولم يختلف أحد في الرواية عنه، وهو مع هذا كلّه أقرب إلى الضعف منه إلى
الصدق. انتهى كلامه، وفيه نظر في قوله: لم يختلف أحد في الرواية عنه؛ لما
أسلفناه من كلام جرير وابن مهدي ويحيى بن سعيد وغيرهم، وفي قول
أحمد: لم يتكلم أحد في حديثه أيضَا لما تقدّم عند ابن سعد وغيره.
الثاني: زيد بن الحواري قاضي هراة أيام قتيبة بن مسلم، قال ابن أبي
حاتم: قيل له ذلك لأنه كان كلّما سئل عن شيء قال: حتى أسئل عمي،
قال يحيى: لا شيء، وفي موضع آخر: صالح، وقال أبو حاتم: ضعيف
الحديث، نكتب حديثه ولا نحتج به، وقال أبو زرعة: ليس بقوي، واهي
الحديث، ضعيف، وقال النسائي: ضعيف، نا الشيخ الإمام نور الدين يوسف بن
عمر الحنفي بقراءتي عليه قال: أنبأنا الإمامان الحافظ زكَي الدين المنذري، نا أبو
محمد العثماني قراءة عليه، نا السلفيَ، وأبو التقا صالح بن شجاع إذنًا- إن
لم يكن سماعًا- عن السلفي ناهية الله بن أحمد الأكفاني، نا أبو محمد عبد
العزيز الكناني، نا أبو الحسين عبد الوهاب بن جعفر الميداني، نا أبو هاشم عبد
الجبار بن عبد الصمد السلمي نا أبو بكر القاسم بن عيسى العصار نا أبو
إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني الحافظ المعروف بالسعدي بجمع كتاب
الضعفاء من تأليفه، قال: ويزيد بن الحواري متماسك، وقال الدارقطني:
صالح، وقال أبو أحمد: وعامة ما يرويه ويروى عنه ضعفاء، على أن شعبة قد
[ ١ / ١٧٧ ]
روى عنه، ولعلّ شعبة لم/يرو عن أضعف منه، وقال أحمد بن صالح: وقال
ابن أبي شيبة: سألت أبن المديني عنه فقال: كان ضعيفَا عندنا، وقال ابن
حبان: يروى عن أنمى أشياء موضوعة، لا يجوز الاحتجاج بخبره.
الثالث: ما يوهم من انقطاع ما بين أبي بكر الصديق وعائشة، فإني لم أر
أحدَا ذكر ذلك حين عددت مشايخه، ولم يأت هنا ما يدلّ على سماعه
منها، فيتوقف فيه إلى أن تظهر ذلك، والله أعلم. حدّثنا أبو كريب: نا
معاوية بن هشام عن يونس بن الحرث عن إبراهيم بن أبي مَصْونة عن أبي
صالح عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: " نزلت في أهل قباء: (فيه
رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) قال: كانوا يستنجون بالماء
فنزلت فيهم هذه الآية " (١) هذا حديث قال فيه الترمذي عند تخريجه غريب
من هذا الوجه، ولما ذكره أبو داود سكت عنه، وكذلك عبد الحق، وتعقب
عليه أبو الحسن ابن القطان بأن قال: احتمل أن يكون من قاسم ما يتسمح فيه
وهو حديث إنّما يرويه إبراهيم بن أبي ميمونة، وهو مجهول الحال … لا يعرف
روى عنه غير يونس بن الحرث الطالقي وهو ضعيف، قال فيه ابن معين: لا
شي وقال فيه أحمد: مضطرب الحديث، وحكى أبو أحمد عن ابن معين
أنه قال: فيه ضعيف، وعنه قول أخر أنّه ليس به بأس، نكتب حديثه، وقال
النسائي: ليس بالقوي، وعندي أنه لم تثبت عدالته وليس له من الحديث إلا
اليسير. قاله ابن عدي: والجهل بحال إبراهيم كاف في تعليل الخبر، والله تعالى
أعلم. انتهى قوله، وفيه نظر لكونه قد عصب الجناية برأس إبراهيم، وليس
كذلك فإنّه ممن ذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات، فذهب ما يوهمه من
جهالة حاله، والله أعلم، فيشبه أن يكون سكوت أبي محمد تابعَا لسكوت
أبي داود والترمذي، فلم نقض عليه بشيء، إذ الغرابة تكون في الحديث
الصحيح، وقول ابن معين: لا بأس به نكتب حديثه، توثيق، وكذا قاله ابن
عدي، لم وقال أبو داود: مشهور، روى عنه غير واحد، ومع ذلك فمنه معروف
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/٣٥٧) وأبو داود (ح/٤٤) ورواه الترمذي في التفسير. وقد نبه علي ذلك صاحب الزوائد. وصححه الشيخ الألباني.
[ ١ / ١٧٨ ]
في غير ما حدّث، وأما قول الترمذي: وفي الباب عن أبي أيوب وأنس وابن
سلام ففيه نظر؛ لإِغفاله حديث جابر بن عبد الله، وحديث جابر عويمر وابن
عباس المذكورين قبل، وحديث عمر بن الحطاب، قال فيهما: ذكرت لأحمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: رأيت عمر بن الخطاب قال: فمسح ذكره
بالأرض، ثم توضأ، ثم التفت إلي فقال: هكذا علمنا، قال أحمد: ليس
بصحيح، قال شعبة: قال الحاكم: أما كان لعبد الرحمن بن أبي ليلى حين قتل
عمر ست أو سبع سنين شعبة! عن الحكم عن ابن أبي ليلى قال: كان لعمر
مكان يتبول فيه، لم يذكر. رأيت عمر، وحديث محمد بن عبد الله بن سلام
ذكر للفدائي عن مالك بن معول: سمعت سالما أبا الحكم يذكر عن مسهر عن
محمد بن عبد الله بن سلام قال: لما قدم علينا النبي ﷺ قال: " إن الله
أثنى عليكم في الطهور، قال رجال يحبون أن يتطهروا، ألا تخبروني! قالوا: يا
رسول الله إنا نخبره مكتوبًا علينا في التوراة أن نستنجي بالماء ". ذكره البرقي
في تاريخه، والله تعالى أعلم. وفي كتاب ابن حبان والترمذي من حديث أبي
عوانة عن قتادة عن معاذة عن عائشة، أنها قالت: " مُزن أزواجكن أن يغسلوا
أثر الغائط والبول بالماء؛ فإن النبي﵇- كان يفعله " (١) وقال فيه
الترمذي: حسن صحيح، وفي لفظ لأحمد: (٢) وهو " شفاء من الناسور "
كذا هو في المسند، ولما سئل عنه فما ذكره حرب الكرماني، قال: لم يصح
في الاستنجاء بالماء حديث، قال: فحديث عائشة! قال: لا يصح؛ لأنّ غير
قتادة لم برفعه، وفي كلامه نظر؛ لأن الحربيِ ذكر في كتاب العلل من تأليفه:
هذا الحديث واختلف فيه أصحاب معاذة؛ فرفعه قتادة، وليس منتشرا عنه،
وأوقفه يزيد الرشك واتفق على ذلك أصحابه، إلَّا ابن شوذب فإنه رفعه،
_________________
(١) صحيح رواه البيهقي في " الكبرى " (١/١٠٦) والترمذي (ح/١٩) بلفظ: " مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحيهم، فإنّ رسول الله ﷺ كان يفعله " وقال: " هذا حديث حسن صحيح ".
(٢) صحيح. رواه أحمد في " المسند ": (٦/٩٣) . قلت: وفد روى مرفوعا وموقوفا. قلت: والحديث صحيح في المسند بمتابعاته، ولما أخطأ فيه حرب الكرماني بقوله: لم يصح في الاستنجاء بالماء حديث. فقد روى أبو عوانة في صحيحه: " إذا تبرز لحاجته آتيته بالماء فتغسل به ". وهذه متابعة صحيحة.
[ ١ / ١٧٩ ]
والوهم في ذلك منه أو من ضمرة،/والصواب ما أجمع عليه شعبة وابن علية
وحماد بن زيد وعبد الوارث وجعفر بن سليمان ورواه أبو قلابة أيضَا فأوقفه،
ولم أسمعه عنه إلا من حديث أيوب، ولم يختلف أصحاب أيوب إلا ابن
طهمان، فإنه رفعه ورواه عاصم الأحول فأوقفه، إلَّا أن أبا زيد قد رفعه عنه،
وعاصم أحفظ من أبي زيد- إن شاء الله- ورواه إسحاق بن سويد وعائشة
ابنة عزار فأوقفاه، والحديث عندي، والله أعلم- موقوف لكثرة من أجمع على
ذلك ممن تقدّم ذكره، فهذا كما نرى غير قتادة رفعه، ووهم ابن شوذب عن
يزيد وابن طهمان وأبو زيد عن أيوب، وفي كلام أبي إسحاق الحربي نظر،
وذلك في قوله وفي حديث عائشة ابنة عزار وإسحاق بن سويد: موقوف، ولما
ذكره الطبراني في الأوسط، فإنه لما ذكر حديث عائشة مرفوعَا، قال: لم
يروه عنها إلَّا هشام بن حسان. تفرد به عمر بن المغيرة، وقال في حديث
إسحاق حين رواه كذلك: لم يروه عنه إلَّا إبراهيم بن يزيد العدوي تفرد به
جوهرة ابن أشرس، ولئن سلمنا لهم أن غير قتادة لم يرويه، وأنه منفرد بذلك،
فلا يضر ذلك الحديث؛ لاعنه مع علمه وحفظه إذا رفع حديثَا خالفه فيه غيره
قبل قوله وهو الصحيح؛ لكوخها زيادة من حافظ، والله تعالى أعلم، وفي
حديث معاذة المذكور علة أغفلاها، عن الإِمامين أحمد والحربي، وهي انقطاع
ما بين قتادة ومعاذة. ذكر ذلك يحيى بن معين فيما حكاه عنه ابن أبي حاتم،
وفي كتاب البلخي: قال شعبة: كنت إذا قدمت المدينة يسألني الأعمش عن
حديث قتادة، فقلت له يومَا: نا قتادة عن معاذة فقال: عن امرأة أعزب، وفي
قول الإِمام أحمد: لم يصح في الاستنجاء حديث نظرَا لما في الصحيح من
حديث أنس: كنت أحمل أنا وغلام نحوي إداوة ماء فيستنجي بالماء، ولفظ
أبي عوانة/في صحيحه (١) يرد ما قاله فخرج عليها: وقد استنجى بالماء وفي
لفظ له: " إذا تبرز لحاجته آتيته بالماء فتغسل به " لو سلم من كلام قاله
الأصيلي: وهو القائل فيستنجي بالماء هو أبو الوليد هشام بن الوليد، وفي
الصحيح: وانتقاص الماء هو فسد بالاستنجاء، وقد تقدم وجه حديث عائشة
المذكور عند ابن ماجة. وابن حبان، وحديث جرير الآتي بعد: " فأتيته بماء
_________________
(١) رواه أبو عوانة في " صحيحه ": (١/٢٢١) .
[ ١ / ١٨٠ ]
فاستنجى به " وهو مصحح وغير ذلك، وٍ حديث معاذة مذكور في مسنده،
وهو قد أخبر عن نفسه أنَه لا يقع فيه إلا ما صحَ عنده، أنا بذلك الشيخ
الإِمام كمال الدين عبد الرحيم بن عبد المحسن بن ضرغام﵀
تعالى- عليه، نا الإمام نجيب الدين الحراني عن الحافظ- أي محمد عبد
الغني المقدسي- قالَ: قرأت على الإمام الحافظ محيي السنة أبي موسى
المقدسي في كتاب خصائص المسند تألَيفه فذكره، فلا عدول عنه على هذا،
والله أعلم، وطريق الجمع بين هذه الأخبار وحديث عمر: " ما أمرت كلما
بلت أن أتوضأ، ولو فعلت لكانت سنة " (١) الحمل على النّدب لا الوجوب،
استدامة للطهارة لما تقدّم في استحباب الجمع، وقد يروى في فضل ذلك
حديث رواه بريدة مرفوعا، قولها: " يغسل مقعدته " (٢) يعني دبره، ومن
أسمائها: العجز والعجيزة والسد والمؤخر والإلية والكفل والبوص والمعرض
والسند والوجعاء والصحاري والجهوة والذعرة وَالوباعة وأم سويد وأم خبور وأم
النعمة وأم عزم وأم عزمة وأم عزيمة وأم عرمل وأم سكين وأم تسعين وأم
كيسان، لخصت ذلك من كتاب العرب المصنف، وجامع القرآن، والتلخيص
لأبي هلال العسكري، والآباء والأمهات لعيسى بن إبراهيم العيسى، وكتاب
البنت والبنات لأبي السرى عبد الرحيم بن محمد/بن أحمد، وأعرضت عما
ذكره النباشي في كتاب فصل الخطاب، يكون معظمه لم تتكلم به العرب،
وأما قباء فهو فيما ذكره البكري في كتاب معجم ما استعجم: ممدود على
وزن فعال، من العرب من تذكره وتصرفه، ومنهم من يؤنثه ولا يصرفه، وهما
موضعان موضع في طريق مكة من البصرة وبالمدينة، وقال ابن الأنباري في
_________________
(١) صحيح، وإسناده ضعيف. وتقدم. رواه أبو داود (ح/٤٢) وابن ماجة (ح/٣٢٧) وأحمد في " المسند " (٦/٩٥) وابن أبي شيبة في " المصنف (١/٤٥) والمجمع (١/٢٤١) وعزاه إلى أحمد من رواية ابن أبي مليكة عن أمه، ولم أر من ترجمتها، وروى أبو يعلي عن ابن أبي مليكة عن أبيه عن عائشة. والمشكاة (٣٨٦) والميزان (٩٦٦٢)
(٢) تقدم من أحاديث الباب ص ١٧٦، وهو ضعيف. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة،
(٣) باب الاستنجاء بالماء، (ح/٣٥٦) . وضعَفه الشيخ الألباني: ضعيف ابن ماجة (ح/٧٩) . وفي الزوائد: إسناده ضعيف لضعف زيد العمي، وجابر الجعفي، وإن وثقة شعبة وسفيان الثوري، فقد كذبه أيوب السختياني.
[ ١ / ١٨١ ]
كتاب للتذكير وا لتأنيث، وقاسم في الدلائل: وقد جاءت قباء مقصورًا وأنشد
فلا يغنيكم قبا وعوارضًا ولا قبلن الخيل لأنه ضَرعد وهذا وهم منهما؛ لأنّ
الذي في البيت إنّما هو قنا بفتح القاف بعدها نون، وهو جبل في ديار بني
ديبان، وهو الذي يصلح أن يقرن ذكره بعوارض، وكذلك انشده جميع الرواة
الموثوق بروايتهم ونقلهم في هذا البيت، وقال الهمداني: القباء اسم للأرض
للغة حمير. انتهى كلامه، وفيه نظر في موضوعين:
الأول: في قوله: وهما موضعان، يفهم من كلامه أنه ليس غيرهما، وليس
كذلك، فإنّ ياقوت زاد ثالثا قال: وهي قرية في أول أرض اليمن من عمل
الكور، ورابعا بلدة كبيرة هن نواحي فرغانة قرب الشاش، ينسب إليها أبو
المكارم رزق الله بن محمد بن أبي الحسن القباني، سكن بخارى، وكان أديبا
فاضلًا، سمع منه أبو سعد وغيره.
والثاني: قوله: موضع في طريق مكة إلى آخره؛ لأن الحنفي زعم أنه
منهل، وكذا ذكره أبو حاتم السجستاني- رحمهما الله- إن كانت اللغة لا
تمنع من تسمية للنهل موضعا، فإن العرب يقضى عليها، والله أعلم.
من دلك يده بالأرض بعد الاستنجاء
حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: نا وكيع عن شريك
عن إبراهيم بن جرير عن أبي زرعة عن عمر بن حزم عن أبي هريرة. " أن
النبي ﷺ قضى حاجته، ثم استنجى من تور ثم دلك يده بالأرض " (١) هذا
حديث أخرجه/أبو حاتم البستي في صحيحه (٢)، فقال: نا إسحاق بن
إبراهيم وإسماعيل بن مبشر قالا: نا محمد بن آدم بن أبيِ إياس، نا شريك،
نا إبرا هيم، وقال في الأوسط: لم يروه عن أبي زرعة إلَا إبراهيم. تفرد به
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة في: ا- كتاب الطهارة، ٢٩- باب من دلك يده بالأرض بعد الاستنجاء، (ح/٣٥٨) . وكذا صحّحه الشيخ الألباني قوله: " تور " إناء من صفر أو حجارة.
(٢) قوله: " صحيحة " غير واضحة " بالأصل " وكذا أثبتناه.
[ ١ / ١٨٢ ]
شريك، وسكت عنه الإشبيلي، واعترض عليه ابن القطان فقال: لا يصلح
لعلتين:
إحداهما: شريك، فإنه سيء الحفظ، مشهور بالتدليس، وهو في سوء
الحفظ مثل ابن أبي ليلى ونضر بن الربيع، وكلهم اعتراهم سوء الحفظ لما ولوا
أمر القضاء.
والثانية: إبراهيم، فإنه لا يعرف حاله. وهو كوفي يروى عن أبيه مرسلًا،
ومنهم من يقول: حدّثني أبي. انتهى كلامه وعلّهُ فيه مآخذ: منها تدليس
شريك المخوف زال بحديثَ آدم عنه المصرح فيه بحدّثنا إبراهيم من عند ابن
حبان، ومنها تسويته بين شريك وقليس ومحمد في سوء الحفظ، وليس
كذلك؛ لأنه ممن خرج مسلم حديثه في صحيحه، وقال فيه ابن معين: ثقة
وهو أحب إلي من أبي الأحوص وجرير وليس يقاس هؤلاء به وفي رواته ثقة
إلَا أنه لا ينفذ ويغلط ويذهب بنفسه على سفيان وشعبة، قال فيه الإمام
أحمد نحو ذلك وزاد، وهو في أبي إسحاق أثبت من زهير وإسرائيل، وخالف
في ذلك ابن أبي داود، وسيأتي كلامه، وقال وكيع: لم نر أحدًا من
الكوفيين مثل شريك، وحدث عنه ابن مهدي، وقال العجلي: ثقة حسن
الحديث، وقال ابن عدي: والغالب على حالته الصحة والاستواء، وقال أبو
داود: ثقة يخطئ على الأعمش زهير، وإسرائيل قرنه، وقال الآجري:
وسمعت أبا داود يقول: إسرائيل أصح حديثًا من شريك، وسمعت أبا داود
يقول: أبو بكر بن عياش بعد شريك، قال الآجري: سمعت أحمد بن
عمار بن خالد، سمعت سعدويه يقول لإبراهيم بن محمد بن عرعرة: أدوا
هذا لنا، سمعت عبد الله بن المبارك يقول: شريك أعلم بحديث الكوفة من
سفيان، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، كتب الحديث وكان يغلط، توفى
في ذي القعدة سنة سبع/وسبعين ومائة، ولما ذكره الحربي في كتاب العلل
قال: كان ثقة، وكذلك الفسوي في تاريخه، ثقة صدوق، صحيح الكتاب،
رديء الحفظ مضطربة، وقال النسائي في التمييز: ليس به بأس، فكيف يشبه
من يكون هذه حالته بابن أبي ليلى القائل فيه شعبة بن الحجاج: ما رأيت أسوأ
حفظًا منه، قال أحمد: سيء الحفظ، مضطرب في الحديث، وكذلك قاله
[ ١ / ١٨٣ ]
يحيى بن سعيد زاد حدا، وقال أبو حاتم: شغل بالقضاء فساء حفظه، وقال
ابن حبان: كان فاحش الخطأ، رديء الحفظ فكثرت المناكير في حديثه،
فاستحق الترك، تركه أحمد ويحيى وكذلك زائدة، وقال الدارقطني: هو رديء
الحفظ، كثير الوهم، وقال ابن طاهر في كتاب التذكرة: أجمعوا على ضعفه،
وليس كما ذكر؛ لأنّ العجلي ذكره في تاريخه فقال: كان صدوفا جائز
الحديث، صاحب سنة، فلا إجماع إذا- والله تعالى أعلم- وأما قيس بن
الربيع فقال فيه أحمد لما سئل عنه: لم يترك الناس حديثه فقال: كان يتشيع
ويخطئ في الحديث ويروى أحاديث منكرة، وقال الجوزجاني: ساقط، وقال
أبو داود: إنما أتى من قبل ابن له، كان يدخل أحاديث الناس في شرح كتابه،
ولا يعرف الشيخ ذلك، وقال الأزدي: كان يعلّق النساء بثديهن ويرسل
عليهن الزنا بيد فتكلم فيه غير هؤلاء، ومنها قوله: إبراهيم لا يعرف حاله،
وليس كما قال: فإنه ممن روى عنه أبان بن عبد الله العجلي، وحميد بن مالك
اللخمي، وداود بن عبد الجبار، وزياد بن أبي سفيان، وقيس بن مسلم،
وشريك، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات، وقال ابن عدي: لم يضعفه في
نفسه، وإنما قيل: لم يسمع من أبيه شيئا، وأحاديثه. مستقيمة تكتب، ومنها
قوله: ومنهم من يقول: حدثني أبي وذلك لا يستقيم، وأني له بالسّماع من
أبيه مع قول ابن سعيد فيه: مولده بعد موت أبيه، وكذلك قال الحربي في
كتاب العلل، وبنحوه ذكره الآجري، ومنها إغفاله علّة هي في الحقيقة لم إن
صحت علة الخبر لا ما ذكر أبو عبد الله أحمد بن حنبل حسن سؤال حنبل
له عنه، هذا حديث قيل: وأشد من هذا ما ذكر أبو داود من رواية ابن العبد
عنه: نا محمد بن عبد الله المخزومي، نا وكيع عن شريك عن إبراهيم بن جرير
عن المغيرة عن أبي زرعة عن أبي هريرة، فهذا كما ترى إبراهيم صرح بأنه لم
_________________
(١) حسن. رواه أبو داود في: ١- كتاب الطهارة، ٢٣- باب الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى، (ح/٤٥) . قلت: وحسنه على قاعدة أبي داود، الذي صنف عليها كتابه " السنن ".
(٢) صحيح. رواه النسائي في " الصغرى ": ١- كتاب الطهارة، ٤٠- باب الاستنجاء بالماء (١/٤٢) .
[ ١ / ١٨٤ ]
يسمعه من أبي زرعة، أما سمعه من المغيرة عنه، ولو كان أتى بلفظ يشعر
بسماعه منه لكنا نقول: سمعه منه وعنه، فلما لم يأت بذلك، إنما قاله معنعنا؛
دلنا ذلك عن انقطاع حديثه له لروايتنا واسطة بينهما، ولا أدري من هو في
جماعة مسمين بهذا الاسم، وفي هذه الطبقة، ولفظ أبي داود: " كان عليه
السلام إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة، فاستنجى ثم مسح يده على
الأرض، ثم أتيته بإناء آخر يتوضأ " (١) ولما ذكر الحافظان أبو محمد المنذري
وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد في كتابيهما، فالا: أخرجه أبو داود وابن
ماجة تبعا في ذلك الحافظ أبا القاسم ابن عساكر، وهو وهم منه؛ لأنّه ثابت
في كتاب السنن للنسائي المجتبي والكبير، ولفظه: " فتوضأ، فلما استنجى
دلك يده بالأرض " (٢) رواه عن محمد بن عبد الله بن المبارك، نا وكيع عن
شريك وأشار الطبراني في الأوسط إلى إبراهيم تفرّد به وعنه شريك، وأما قول
من قال من العلماء المتأخرين: إن ابن خزيمة أخرجه في صحيحه فيشبه أن
يكون وهم؛ لأنّي نظرت كتاب ابن خزيمة فلم أجد ذلك فيه، إنّما فيه حديثه-
أعني إبراهيم- عن أبيه الآتي بعد، فلعله اشتبه عليه، والله أعلم، ورواه أبان بن
عبد الله عن مولى لأبي هريرة عن أبي هريرة، قال ﵇: " ائتني
بوضوء، ثم دخل غيضة فأتيته بماء؛ فاستنجى ثم مسح يده بالتراب، ثم غسل
يده " ذكره الدارمي (١) في مسنده عن محمد بن يوسف عنه، وأبو يوسف
اختلف في اسمه، فذكر الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي/في كتاب الأسماء
والكنى من تأليفه أنَّ اسمه عمرو بن عمرو بن محيرز بن عبد الله، نا
محمد بن عيسى، سمعت عباسًا، سمعت يحيى يقول: اسم أبي زرعة بن
عمرو بن جرير: عمرو بن عمرو بن جرير، وفرَق بينه وبين أبي زرعة هَرِم،
وقال عن علي هرم أبو زرعة ليس هو ابن عمرو بن جرير، إنما هو آخر، ثم في
_________________
(١) حسن. رواه الدارمي (ح/٦٧٨) وأبو داود (ح/٤٥) والنسائي (كتاب الطهارة، باب دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء١/٤٥) . قلت: وفي سنده عند أبي داود والنسائي شريك القاضي، وفيه مقال. وعند الدارمي فيه رجل لم يسم، ولكن حسنه لشواهده.
(٢) صحيح. رواه ابن خزيمة في: كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالماء.
[ ١ / ١٨٥ ]
الطبقات لابن سعد: كان لجرير ابن يقال له عمرو، وبه كان يكنى، هلك في
إمارة عثمان، فولد له ابن فسماه جرير بن عبد الله باسم أبيه، وغلبه عليه أبو
زرعة، وأبي ذلك أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات، وأبو عمر بن عبد البر
في كتاب الاستذكار فلم يذكرا غيره، زاد أبو حاتم: وقد قيل اسمه كنيته،
وأما أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة فسمّاه عبد الرحمن، وأما مسلم فاختلف
قوله، فسماه في الطبقات عبد الله وفي الكُنى هرما. حدثنا محمد بن يحيى
أبو نعيم، نا أبان بن عبد الله حدّثني إبراهيم بن جرير عن أبيه: " أن نبي الله
ﷺ دخل الغيضة فقضى حاجته، وأتاه جرير بإداوة من ماءٍ، فاستنجى بها
ومسح يده بالتراب " (٢) هذا حديث رواه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في
صحيحه عن محمد بن يحيى، كما رواه أبو عبد الله، ولما أخرجه أبو عبد
الرحمن النسائي إثر حديث شريك المتقدم قال: هذا أشبه بالصواب من
حديث شريك، ومع ذلك ففيه علّتان لضعف الحديث بواحدة منها.
الأولى: ما أسلفناه من أن جريرًا توفى قبل ولادة ابنه إبراهيم، وقال أبو
حاتم: لم يسمع من أبيه، وكذلك قاله يعقوب، ولما ذكر الدارقطني حديثه
عن أبيه في المسح على الخفين، ومن رواه عنه كذلك قال: خالفهما شريك؛
فرواه عن إبراهيم عن قيس بن أبي حازم عن جرير، وهو أشبه، والله تعالى
أعلم. وذكر بعضهم أنه أحد قوله حدثني أبي إلا داود بن عبد الجبار وهو
متهم بالكذب.
الثانية: أبان بن عبد الله البجلي المعروف بابن أبي حازم- وإن كان قد
وثق- فقد قال فيه ابن حبان: كان ممن فحش خطؤه وانفرد بالمناكير ولم
يحدث عنه يحيى بشيء، وقد روى نحوهما عن عائشة، التور بالتاء: إناء
يشرب فيه. ذكره الجوهري، وفي الجمهرة لابن دريد: التور عربي معروف،
هكذا يقول قوم، وقال آخرون: هو دخل فأمّا التور الرسول فعربي صحيح،
وقال الجواليقي هو إناء معروف يذكره العرب، قال أبو عبيد عن أبي عبيدة:
ومما دخل في كلام العرب. الطست والتور والطاجن، وهي فارسية كلها، وقال
الزمخشري في الأساس: هو إناء صغير مذكر عند أهل اللغة، ومررت بباب
[ ١ / ١٨٦ ]
العمرة على امرأة تقول لجارتها: أعيريني تويرتك، وسُمي بذلك لأنه يتعاور،
سمى بالتور وهو الرسول الذي يدور من العساب، ومأخذه من الترة؛ لأنه تارة
عند هذا، وتارة عند هذا، وذكر أبو موسى في المغيث أنّه إناء يشبه الإِجانة من
صفر أو حجارة، يتوضأ فيه ويؤكل، والجمع والغيضة الأجمة، وهي مغيض ماء
يجتمع فينبت فيه الشجر، والجمع غياض وأغياض، وغيض الأسد أي ألف
الغيضة. ذكره في الصحاح، وقال أبو موسى: هو شجر ملتف، وفي الجامع:
يقال لما كثر من الطرفا والإِبل وما أشبهه: غيض، وقال أبو حنيفة: الغيضة ما
كان من العرب خاصة، والِذي جاءت به الأشعار خلاف هذا قال رؤبة:
في غيضه شجراء لم تمعَّر … من خُشْب عاش وغاب مثمر
فجعلها من المثمر وغير المثمر، وجعلها أيَضَا غابة وأي عَرب بنجد بلى
غُرب الأرياف إذا اجتمعت فهي عياض، وكذلك إن كانت من غير العرب
بعد أن تجتمع وتلتف، قال الطرماح: ومخاريج من شعار وغيل وغماليل
مُدجنات الغياض،/والغلول: بطن من الأرض غامض ذو شجر الغال نحو منه
ذكر. ذلك أبو عمرو فجعلها غياضا وهي ألفاف من الشجر، وليست منابت
غرب، وشبيه به الغيل والغيلة والغابة، وفي الغريب المصنف: ونحو منه السرداج
والخبراء والسَّلان والعقرة، وفي كتاب أسماء الشجر لأبي زيد سعيد بن أوس
الأنصاري، ومثله الحرجة والنوطة والفرش والوهط والسليل والرحبلة وقصيمة،
والآبار والعصل والشجر والأجمة والخميلة.
تغطية الإِناء
حدّثنا محمد بن يحيى بن يعلي بن عبيد، نا عبد المالك بن أبي سليمان
عن أبي الزبير عن جابر قال: " أمرنا النبي ﷺ أن نوكي أسقيتنا ونغطي
آنيتنا " هذا حديث لما أخرجه الترمذي (١) قال فيه: حسن صحيح، وأخرجه
_________________
(١) صحيح. رواه الترمذي في: ٢٦- كتاب الأطعمة، باب " ١٥ "، (ح/١٨١٢) وقال: " هذا حديث حسن صحيح ".
[ ١ / ١٨٧ ]
ابن خزيمة (١) في صحيحه، وقال ابن منده: إسناده صحيح على رسم الجماعة،
إلا البخاري لأبي الزبير، وسعيد ذكره مطولا في كتاب الأشربة حيث أعاد
أبو عبد الله، ذكره فيه- إن شاء الله تعالى- حدثنا عصمة بن الفضل
ويحيى بن حكيم قالا: حدّثنا حرمي بن عمارة بن أبي خصيمة، نا حريش بن
خربت، نا ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: " كنت أضع لرسول الله ﷺ
ثلاثة آنية من الليل مخمرة؛ إناء لطهورها وإناء لسواكه، وإناء لشربه " (٢) هذا
حديث إسناده ضعيف لضعف رواته حريش (٣) أخي الزبير بن خريت، وإن
كان قد روى عنه حرمي ومسلم بن إبراهيم والمؤرج بن عمرو السدوسي، فقد
قال فيه البخاري: فيه نظر، وهو إذ قال هذا اللفظ بريد أنه لا يحمل هكذا
أُخبر عن اصطلاحه فيما ذكره الذلال عنه، وقال أبو زرعة: واهي الحديث،
وقال الرازي: لا يحتج بحديثه، وقال الدارقطني:/يعتبر به، وقال ابن عدي:
ولا أعرف له كثير حديث فأعتبر حديثه فأعرف ضعفه من صدقه، ولما رواه
البزار من حديث جرمي قال: وهذا الحديث لا نعلمه بروى إلا عن عائشة،
ولا نعلم له إسنادً اعن عائشة إلا هذا الإِسناد، قال أبو القاسم في الأوسط:
لم يروه عن ابن أبي مليكة إلا الحريش. لفرد به جرمي، حدّثنا أبو بدر عباد بن
الوليد، نا مطهر بن الهيثم، نا علقمة بن أبي جمرة عن ابن عباس قال: " كان
رسول الله ﷺ لا يكل طهوره إلى أحد، ولا صدقته التي يتصدّق بها،
ويكون هو الذي يتولاها بنفسه " (٤) هذا حديث معلل بأمرين:
_________________
(١) صحيح. رواه ابن خزيمة (١٣٢) وأحمد (٣/٣٠١) والكنز (٤١٢٦٤) وبداية (١/٦٢) .
(٢) ضعيف. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، باب تغطية الإِناء، (ح/٣٦١) . وكذا ضعْفه الشيخ الألباني. أنظر: ضعيف ابن ماجة (ح/٨٠) . قوله: " مخمرة " أي مغطاة، وجاء الأمر بتغطية أواني الطْعام والشراب غير هذا، والخُمرة: قطعة صغيرة من القماش أو الخوص، وقد يُصلى عليها، وتكون محل السجود.
(٣) حدثني بن الخريت، أخو للزبير بن خريت. قال البخاري: " فيه نظر ". (روى عنه مسلم بن إبراهيم) . قال أبو زرعة: واهي الحديث.
(٤) ضعيف جدْا. رواه ابن ماجة (ح/٣٦٢) في الزوائد: إسناده ضعيف. لضعف مطهر بن
[ ١ / ١٨٨ ]
الأول: الجهالة بحال علقمة هذا، فإني لم أر أحدًا ذكره ولا ذكر له راويا
غير ما في هذا الإِسناد بغير زائد عليه.
الثاني: مطهر بن الهيثم- وإن كان قد روى عنه جماعة- فقد قال فيه
ابن يونس: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروى عن موسى بن علي ما لا
يتابع عليه وعن غيره من الثقات ما لا يشبه حديث الإثبات، وقد وقع لنا هذا
الحديث يعلو درجتين فإني سمعته من طريق ابن ماجة من المسند (١) المعمر بدر
الدين التركي بقراءتي عليه، أنبأكم ابن رواح عن أبي الطاهر، نا أبو القاسم
الأرخى أبو الحسن الدارقطنِي بكتاب المعلين من أبناء المكذبين، نا محمد بن
مخلد، نا أبو بدر فذكر، وفي كتاب البغوي الكبير: نا أبو العلاء، نا الليث عن
معاوية بن صالح أن أبا جمرة حدّثه عن عائشة فذكرت حديثًا فيه: " ولا
رأيت النبي﵇- وكل وضوءه إلى غير نفسه، حتى يكون هو
الذي يأتي وضوءه لنفسه حتى يقوم من الليل " وأما الوكاء، فذكر ابن دريد
في الجمهرة أنه كل خيط شدّدت به وعاءً متحفظا له، وفي الجامع تقييده
بالمدّ وبكلّ حبل وخيط، وفي الصحاح تقييده بالذي يشدّ به رأس القربة.
وذكره/الزمخشري في باب الحقيقة، وأما السقا، فذكر ابن دريد أنه القربة
الصغيرة، والجمع أسقية، وفي الجامع تقييده بالمدّ، وفي الصحاح يكون في اللبن
والماء والجمع أسقية وأسقيات، والكثير أساق
_________________
(١) الهيثم، وإتحاف (٤/١٧١) والكنز (١٧٨٤٥) والمغني عن حمل الأسفار (١/٢٢٧) . وكذا ضعْفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف سنن ابن ماجة (ح/٨١)، والضعيفة (ح/٤٢٥٠) .
(٢) " بالأصل " وردت " تركية " ليس لها أهمية للقارئ.
[ ١ / ١٨٩ ]
غسل الإِناء من ولوغ الكلب
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي رزين قال:
رأيت أبا هريرة يضرب جبهته بيده ويقول: يا أهل العراق ألم تزعمون أتي
أكذب على رسول الله ﷺ ليكون لكم الهناء وعلي الإِثم؟ أشهد لسمعت
رسول الله ﷺ يقول: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع
مرات " (١) ثنا محمد بن يحيى، نا روح بن عبادة مالك بن أنس عن أبي زياد
عن الأعرج عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " إذا ولغ الكلب في
إناء أحدكم فليغسله سبع مرات " هذا حديث اجتمع على تخريج أصله الأئمة
الستة، وفي مسلم (٢): " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع
مرات أولهن بالتراب " وفي الترمذي (٣): " أولاهن أو أخراهن، وإذا ولغت فيه
الهرة غسل مرة "، وقال: حسن صحيح، وفي مسلم (٤) من حديث الأعمش
عن أبي رزين بن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعَا: " فليتربه وليغسله سبعَا،
زاد ابن خزيمة من حديث علي بن حجر عن علي بن مسهر عن الأعمش ":
" يصلحه " وزعم النسائي أن هذه ألم بالصحة الزيادة لم يتابع ابن حجر عليها
أحدَا عن قوله: " وإذا انقطع شسع أحدكم فلا مشي فيه " (٥) . وفي
الصحيح: " إذا شرب " من حديث مالك، وكذا هو في الموطأ، قال أبو
_________________
(١) (١- ٣) صحيح. رواه مسلم في (الطهارة، ح/٩٣) وأبو داود (ح/٧٣) والنسائي (١/ ٥٤، ١٧٧) والدارمي (١/١٨٨) والبيهقي في " الكبرى " (١/١٨، ٢٤١، ٢٤٢، ٢٥١) والدارقطني في " سننه " (١/٦٤، ٦٥) وعبد الرزاق في " مصنفه " (٣٣) وابن خزيمة (٩٨) ونصب الراية (١/١٣١، ١٣٣) والمجمع (١/٢٨٧) وابن ماجة (٣٦٣- ٣٦٦) وتلخيص (٣٩، ٢٣٨) والترمذي (ح/٩١) وقال: " هذا حديث حسن صحيح ".
(٢) انظر: الحاشية السابقة.
(٣) صحيح. رواه مسلم في (اللباس، ح/٦٩، ٧١) وأبو داود في (اللباس، باب " ٤٣ "، والنسائي (٨/١١٨) وأحمد (٢/٣١٤) وعبد الرزاق (٢٠٢١٦) والطبراني (٧/٣٣٧) وشرح السنة (٢/٧٧) والبخاري في " الأدب المفرد " (ح/٩٥٦) ومشكل (٢/١٤٢) والكنز
(٤) ومطالب (٣٣٥٢) والمجمع (٥/١٣٩) وصفة (٢/٣٣١) .
[ ١ / ١٩٠ ]
عمر بن عبد البرهان: أقال مالك: إذا شرب، وغيره من رواة حديث أبي هريرة
يقول: " إذا ولغ ". وهو الذي يعرفه أهل اللغة، وتابعه على ذلك الإِسماعيلي
وابن مندة وليس كما قالوا/لأمرين:
الأول: مالك﵀- لم ينفرد بهذه اللفظة، بل تابعه عليها غيره
عن الأعرج- وهو المغيرة بن عبد الرحمن- وورقاء، فيما ذكره الجوزقي
وغيره، ووقعت هذه اللفظة أيضا من رواية أبي هشام محمد بن الزبرقان قال:
نا هشام بن حسان عن محمد عن أبي هريرة.
الثاني: في قوله: أبي: عمر هكذا قال مالك: يقتضي ظاهره اتفاق الرواة
عنه على ذلك، فإنهم لو اختلفوا كان القول منسوبا إلى رواة هذه اللفظة عنه
دون غيرهم، وقد رواه الإسماعيلي عن محمد بن يحيى بن سليمان عن أبي
عبيد القاسم بن سلام عن عمر بن مالك بإسناده سواء، ولفظه: " إذا ولغ "
وذكر الدارقطني﵀- أنَّ أبا علي الحنفي رواه عن مالك، وأنه مما
عرِف به- والله تعالى أعلم- وفي كتاب أبي الشيخ الأصبهاني: " فليمضه
بالماء سبعا " وفي الأوسط للطبراني من رواية هشام بن حسان وموسى بن عبيد
عن ابن سيرين: " أولاهن بالتراب " ورواه أبان عن قتادة عن: " السابعة
بالتراب " ورواه خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة: " أولاهن " قال
البيهقي: غريب إن كان حفظه معا- يعني عن أبيه عن قتادة عن خلاس-
فهو حسن؛ لأن التراب في هذا الحديث لم يروه ثقة غير ابن سيرين عن أبي
هريرة، وإنما رووه عن هشام عن أبي قتادة عن ابن سيرين، ورواه ابن أبي
عروبة عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة: " أولاهن " وفي رواية أبان وغيره
عن قتادة عن السابعة، وفي رواية يزيد بن إبراهيم عن ابن سيرين " إحداهن "
انتهى، وفي قوله لم يروه عن أبي هريرة ثقة غير ابن سيرين نظر؛ لما أورده أبو
الحسن الدارقطني في كتاب السنن بإسناد حسن فقال: نا أبو بكر النيسابوري،
نا يزيد بن سنان، نا خالد بن يحيى الهلالي، نا سعيد عن قتادة عن الحسن
عن أبي هريرة عن النبي-/﵇-: " طهور إناء أحدكم إذا ولغ
الكلب فيه يغسل سبع مرات الأولى بالتراب " الحسن أنكر سماعه عن أبي
هريرة جماعة، وفي كتاب الطبراني الأوسط ما يوضح لك أنّ ذلك ليس
[ ١ / ١٩١ ]
بصواب، وأن الصواب عكسه، قال أبو القاسم: نا محمد بن زياد الأنزاري،
نا عبد الأعلى بن حماد، نا أبو عاصم العباداني، نا الفضل بن عيسى الرقاشي
عن الحسن قال: خطبنا أبو هريرة فذكر حديثًا طويلًا قال في آخره: لا
يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا هذا الإِسناد. تفرّد به عبد الأعلى، وهذا
الحديث يؤيد قول من قال أن الحسن سمع من أبي هريرة بالمدينة، وقد رأى
الحسن عثمان يخطب على المنبر- والله أعلم- وفي المعجم الصغير له قال:
وقال بعض أهل العلم أنه سمع منه، وفي كتاب أبي موسى المدني المسمّى
بالترغيب والترهيب من حديث عمرو بن عدي عن صالح بن محمد بن سلمة
الكندي عن حماد بن عبد الله سمعت الحسن يقول: سمعت أبا هريرة
يقول … فذكر الحديث، وفي كتاب النصيحة للآجري، وتفسير القرآن العظيم
للثعلبي: لا يحضرني الآن ذكره، وفي كتاب المناهي تأليف أبي القاسم عبد
العزيز بن علي بن أحمد بن الفضل الأزجي: نا أبو بكر محمد بن أحمد
المقيد، نا أحمد بن محمد الغساني، نا مهدي بن جعفر الرملي، نا أبو الجليل
العباس بن الجليل الطائي الحمصي، نا يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير
الحمصي، قال حدثنا ضمرة بن ربيعة: نا عباد بن كثير بن قيس الثقفي، نا
عثمان بن الفرح عن الحسن بن أبي الحسن قال: حدّثني سبعة رهط من
الصحابة- عبد الله بن عمر وأبو هريرة الدوسي وجابر بن عبد الله وعمران بن
حصين ومعقل بن يسار وأنس- عن النبي ﷺ … فذكر حديثًا مطولًا. عن
الحسن قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن قصور الجنة فقالا: على
الخبر بها سقط الحديث، وفي مسند أبي داود الطيالسي بإسناده على شرط/
الشيخين: نا عباد بن راشد، نا الحسن، نا أبو هريرة ونحن إذ ذاك بالمدينة قال:
" يحيى الإِسلام يوم القيامة " (١) الحديث. نا أبو الأشهب عن الحسن قال:
" قدم رجل من أهل المدينة فلقى أبا هريرة " فذكر حديثًا طويلًا، في آخره
قال أبو داود: سمعت شيخنا في المسجد الحرام يحدّث بهذا الحديث، قال:
وقال الحسن وهو في مجلس أبي هريرة لما حدث هذا الحديث … فذكر
كلامًا، وفي كتاب الناسخ والمنسوخ لابن شاهين: نا عبد الله بن سليمان بن
_________________
(١) قوله: " للقيامة " غير واضحة " بالأصل "، وكذا أثبتناه.
[ ١ / ١٩٢ ]
الأشعث وما كتبه إلَا عنه، نا أحمد بن محمد التمامي، نا النَّضر بن محمد،
نا شعبة عن موسى بن عبيد عن الحسن عن أبي هريرة قال ﵇: " إذا
أراد أحدكم أن يغشى المرأة " (١) الحديث. قال هذا صحيح غريب، ما كتبناه
عن أحد إلَّا عن عبد الله بن سليمان، وقال الدارقطني في كتاب العلل: نا
دعلج قال: سمعت موسى بن هارون يقول: سمع الحسن من أبي هريرة، إلَا
أنّه لم يسمع منه عن النبي- كليه السلام-: " إذا قعد بيْ شعبها الأربع
بينهما " (٢) أبا رافع ولما خرج الترمذي (٣) حديث: " لعن عبد الدينار
والدرهم " وحديث موسي عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعًا، قال فيه: حسن
غريب، وقال في حديث أبي هريرة أن موسى كان يُحدِّث عن عبد بن حميد
عن روح بن عبادة عن عوف عن الحسن بن محمد بن خلاس عنه، قال: هذا
حديث حسن صحيح، ولما خرج ابن حبان في صحيحه حديث الإِسراء من
جهة همام بن يحيى عن قتادة عن أنس بن مالك بن صعصعة، قال في
وسطه: قال قتادة: ونا الحسن عن أبي هريرة عن النبي﵇-: " أنه
رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون منه " ثم رجع
إلى حديث أنس فذكره، وأما ما في كتاب المراسيل لابن أبي حاتم: نا علي بن
الحسن الهسجاني، نا إبراهيم بن عبد الله الهروي، نا إسماعيل بن علية عن
_________________
(١) ضعيف. رواه أحمد في " المسند ": (٣/٢٨)
(٢) صحيح متفق عليه. رواه البخاري في (الغسل، باب " ٢٨ ") ومسلم في) الحيض، ح/٨٧، ٨٨) وأبو داود (ح/٢١٦) والنسائي في) الطهارة، باب " ١٢ " (وابن ماجة (ح/٦١٠) والداري في (الوضوء، باب " ٧٥ " (وأحمد في " المسند " (٢/٢٣٤، ٣٩٣، ٣٤٧، ٤٧١، ٥٢٠، ٦/٤٧، ١١٢) والبيهقي في " الكبير " (١/١٦٣) والدارقطني في " سننه " (١/١١٣) الخطيب في " تاريخه " (١٢/ ٣٨١، ٣٨٤) والحلية (٨/٢٩٤، ١٢٩٥) . وصححه الشيخ الألباني. (الإِرواء: ١/١٦٣) .
(٣) حسن. رواه الترمذي في: ٣٧- كتاب الزهد، باب " ٤٢ "، (ح/٢٣٧٥) . وقال: " هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه، عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أيضا أتم هن هذا وأطول ". قلت: وقد زالت غرابة ضعف الحديث، لما ذكر الترمذي شاهد الحديث من الوجه الثاني؟ وعلى هذا فالحديث حسن.
[ ١ / ١٩٣ ]
شعبة عن قتادة قال: قال الحسن إنا والله- ما أدركنا إلا وقد مضى صدر من
أصحاب محمد/ﷺ الأول، قال قتادة: إنما أخذ الحسن عن أبي هريرة، قلت
له: زعم زياد الأعلم أنَ الحسن لم يلق أبا هريرة قال: لا أدري، فظاهره
يحتمل إنكار قول زياد وعدم رجوع قتادة إليه، وأنه أخبر بالواقع الذي عنده،
وأنَه يصوب لا أدري منكما بقول زياد- والله تعالى أعلم- فقد ظهر من
مجموع ما ذكرنا صحة قول من قال أنه سمع من أبي هريرة، وفساد قول من
خالف ذلك، وفي كتاب البزار عن يونس عن ابن سيرين: " أو لهن أو
أخراهن "، وفي رواية عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا: " إذا ولغ الكلب في إناء
أحدكم، فلا يجعل فيه شيئًا حتى يغسله سبع مرات ". قال في الأوسط: لم
يروه عن صفوان بن سليمان غير عطاء إلا إبراهيم بن محمد. تفرد به
إسماعيل بن عباس، وفي نسخة ابن المثنى: " إذا ولغ الكلب في الإِناء غسل
سبع مرات أولهن بالتراب، وإذا ولغ الهر غسل مرة " وسيأتي الأصلان في
ولوغ الهر، وفي تاريخ أبي عبد الله محمد بن الحسين بن عمر اليمني، ومن
خطه نقلت: نا الحسن بن عبد الله، نا الربيع بن سليمان الخبري، نا سعيد بن
عقير، نا يحيى بن أيوب عن ابن جريح عن عمرو بن دينار عن أبي صالح عن
أبي هريرة قال: " يغسل الإِناء من الخمر كما يغسل من الكلاب " قال أبو
عبد الله: تفرد به يحيى بن أيوب. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: نا شبابة، نا
شعبة عن أبي الرياح، سمعت مطرفًا يحدث عن عبد الله بن المغفل أن رسول
الله ﷺ قال: " إذا ولغ الكلب في الإِناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه
الثامنة بالتراب " (١) هذا حديث أخرجه مسلم في صحيحه بزيادة: " أمر النبي
ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب، ورخص في كلب الصيد
وكلب الغنم وقال: إذا ولغ … " الحديث. حدثنا محمد بن يحيى، نا ابن أبي
مريم، نا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ: " إذا
ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات " هذا حديث ظاهر إسناده
صحيح على شرط الشيخين، وليس كذلك/لقول ابن عساكر في كتاب
_________________
(١) تقدْم من أحاديث الباب. ص ١٩٠.
[ ١ / ١٩٤ ]
الأطراف: وفي نسخة عبد الله وهو أشبه، ولما ذكر ابن سرور ومشايخ سعيد بن
الحكم بن أبي مريم، لم يذكر عبيد الله فيهم، إنما ذكر عبد الله، وبذلك يخرج
الإِسناد من الصحة إلى الضعف؛ إنما قيل في عبد الله بن عمر بن حفص بن
عاصم بن عمر بن الخطاب أبي عبد الرحمن، ويقال: أبو القاسم القرشي
العدوي أخي عبيد الله، قال: دخلت وإن كان مسلم قد خرج حديثه معروفا،
قال عمرو بن علي: كان يحيى لا يحدّث عنه، وسئل عنه ابن المديني فقال:
ضعيف، وقيل لأحمد: كيف حديثه؟ فقال: كان في قرية في الأسانيد، وكان
رجلا صالحا، وقال أبو حاتِم: نكتب حديثه ولا نحتج به، وقال ابن معين:
ضعيف، وفي رواية ليس به بأس نكتب حديثه ولا نحتج به، وقال منصور بن
إسحاق، صويلح وقال صالح بن محمد، لين مختلط الحديث، وقال ابن
عدي: لا بأس به في رواياته: صدق وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال
العجلي: لا بأس به، وقال البخاري: ذاهب لا أروى عنه شيء، وقال ابن
سعد: كان كثير الحديث مستضعف، وقال ابن حبان: غلب عليه التعبّد حتى
غفل عن حفظ الأخبار أجودة الحفظ، فوقعت المناكير في روايته، فلما فحش
خطأه استحق الترك، وفيه ردّ لما قال الترمذي إثر حديث أبي هريرة: وفي
الباب عن ابن معقل، وأغفل أيضا حديث علي بن أبي طالب من الدارقطني
يرفعه: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن
بالبطحاء " وإسناده لا بأس به، ولما رواه أبو القاسم في الأوسط (١) مطولا قال:
لم يروه عن أبي إسحاق- يعني عن هبيرة بن مريم عن علي- إلا إسرائيل،
ولا عنه إلَّا الجارود بن يزيد، ولا يروى عن علي إلَّا هذا الإِسناد. قوله: " إذا
ولغ " الولغ من الكلاب والسباع كلها هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من
كل تتابع، فيحركه فيه عن بعد تحريكًا قليلا أو كثيرًا. قاله المطرد، وقال
مكي في شرحه: فإن كان غير مائع قيل: لعقه ولحسه، قال المطرز فإن كان
الإِناء فارغا/يقال: لحس معًا: وإن كان فيه شيء قيل: ولغ، وقال البيلي: هذا
_________________
(١) ضعيف جدا، أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٨٦) وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط " من طريق الجارود عن إسرائيل، والجارود لم أعرفه. وضعفه الشيخ الألباني. (ضعيف الجامع: ص ١٠٥ ح ٧٣٣) .
[ ١ / ١٩٥ ]
يقتضي أنه إذا كان في الإِناء شيء مائعَا كان أو غير مائع فإنه يقال فيه ولغ،
وهو خلاف ما تقدّم. قيل عنه وعن غيره، وقال ابن درستويه: معنى ولغ لطعه
بلسان، شرب فيه أو لم يشرب، كانّ فيه ماء أو لم يكن، وفي الصحاح ولغ
الكلب لشرابنا وفي شرابنا ومن شرابنا، وقال المطرز: ولا يقال ولغ في شيء
من جوارحه سوى لسانه، وقال ابن جنِّي في شرحه شعر المتنبي: أصل الولع:
شرب السباع بألسنتها الماء، ثم كثر فصار للشرب مطلقًا، وعن ثعلب:
سمعت ابن الأعرابي وقد سئل أيكون الولوغ للطير؟ قال: لا يكون إلَّا في
باب وحده، وتبعه على ذلك المطرز في كتاب الياقوت، والجوهري، وغيرهما،
أنشد المطرز:
ندب عنه كف بها رمق … طير عكوفًا كزور العرس
عما قليل خلس مهجته … فهن من والغ ومنتهس
وفي كتاب الفصيح: ولغ- يعني بفتح اللام- الكلب في الإناء يلغ ويولغ،
إذا أولغه صاحبه، وينشد هذا البيت:
ما مر يوم إلَّا وعندهما … لحم رجال أو يولغان وما
وذكر عنه المطرز انه يقال فيه: ولغ بكسر اللام، ولكنّها لغة غير فصيحة،
وتبعه على ذلك أبو علي وابن القطاع وابن سيده في المحكم وأبو حاتم
السجستاني في تقويم المفسد، زاد: وسكن بعضهم اللام فقال: ولغ قال ابن
جني: مستقبله يلغ بفتح اللام وكسرها، وفي مستقبل ولغ بالكسر يلغ بالفتح،
زاد ابن القطاع: ويلغ بكسر اللام كما في الماضي، وقد جاء في بعض ألفاظ
حديث أبي هريرة مرفوعًا: " يغسله بالماء ثلاثًا أو سبعًا "، ولكن في الطريق
إسماعيل بن عباس، وهو ضعيف، وعنه عبد الوهاب بن الضحاك، قال
الدارقطني: تفرّد به وهو متروك/الحديث، وغيره يرويه عن إسماعيل بهذا
الإسناد فاغسلوه تتبعًا، وهو الصواب، ومن طريق عبد المالك عن عطاء: " إذا
ولغَ الكلب في الإناء فأهرقه ثم أغسله ثلاث مرات " (١) قال الدارقطني: هذا
موقوف، ولم يروه هكذا غير عبد المالك عن عطاء، هذا تعلّق الحنفيون اعتمادًا
_________________
(١) ضعيف جدا. رواه الدارقطني في " سنه ": (١/٦٤، ٦٥) .
[ ١ / ١٩٦ ]
منهم أن أبا هريرة لا يخالف ما روى إلا لأمر مثبت عنده في روايته، وغيرهم
يقول: الحجة في روايته لا في رأيه، وهو الصواب وعليه أكثر المحدثين وقال
الحرريان: حديث الثلاث منكر، والأصل فيه موقوف ليس منه: فليرقه وليغسله
ثلاث مرات.
الوضوء لسؤر الهرة والرخصة في ذلك
حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا زيد بن الحباب، نا مالك بن أنس، أخبرني
إسحاق بن عبد الله بن طلحة عن حميدة بنت عبيد بن رافع عن كبشة بنت
كعب- وكانت تحت بعض ولد أبي قتادة- أنها صبت لأبي قتادة ماءَ يتوضأ
به، فجاءت هرة تشرب، فأصغى لها الإناء، فجعلت أنظر إليه فقال: يا بنت
أخي أتعجبين؟ قال رسول الله ﷺ: " إنها ليست بنجس، هي من الطوافين
والطوافات " (١) هذا حديث قال فيه الترمذي لما أخرجه: حسن صحيح، وهذا
أحسن شيء في الباب، وقد جرد مالك هذا الحديث عن إسحاق، ولم يأت
به أحدَا آمّ من مالك، وقال البخاري: جوّد مالك هذا الحديث، وروايته أصح
من رواية غيره، وأخرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه، وأبو حاتم في
صحيحه أيضَا، وقال فيه الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه على أنهما
فيها صلاة لا يعذران في تركه إذ هما قد شهدا جميعَا الملك بأنه الحكم في
حديث المدنيين، وهذا الحديث مما صححه واحتج به في الموطأ، ولما ذكره ابن
المنذر وحكم بثبوته، وصححه أيضَا أبو بحمد بن حزم، وأبو عمر بن عبد
البر، وأبو محمد الإشبيلي، وخالف ذلك " لحافظ ابن مندة بقوله: أم يحيى
اسمها حميدة، وخالتها هي كبشة، لا يعرف لهما رواية/إلا في هذا الحديث،
ومحلهما محل الجهالة، لا يثبت هذا الخبر من وجه من الوجوه، وسبيله سبيل
المعلول، وليس معلول علي، وله ما تقدّم من إخراج مالك وغيرهما حدّثهما
_________________
(١) صحيح. رواه الترمذي (ح/٩٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأبو داود (ح/ ٧٥) والنسائي (١/٥٥، ١٧٨) وابن ماجة (ح/٣٦٧) والدارمي (١/١٨٨ والحاكم في " المستدرك " (١/١٥٩) وصححاه. ومشكل (٣/٢٧٠) وابن حبان (١٢١) وتجريد (٢٢) والدارقطني في " سننه " (١/٦٩، ٧٠) والموطأ (٢٣) وأحمد في " المسند " (٥/٢٩٦) والبيهقي في " الكبرى " (١/٢٤٥، ٢٤٧) والمشكاة (٤٨٢، ٤٨٣) . وصححه الشّيخ الألباني.
[ ١ / ١٩٧ ]
ويوثق من وثقهما، وقول الإِمام أحمد بن حنبل: إذا روى مالك عن رجل لا
يعرف فهو حجة، وقد روى عن إسحاق لرواية مالك جماعة منهم: همام بن
حيي، وحسين المعلم، وابن عيينة، وهشام، وإن كانا لم يتما إسناده وكلّهم
يقول في الحديث: عن النبي﵇- أنه قال: " إنها ليست بنجس "
ومن أسقط ذلك فلم يحفظه لثبوته في رواية الحفاظ، قال أبو عمرو: رواه
يحيى بن يحيى عن حميدة بنت أبي عبيد، والصواب بنت عبيد بن رفاعة بن
رافع الأنصاري، وقال: عن خالتها، وسائر رواة الموطأ لا يذكرون ذلك،
واختلف في رفع الحاء ونصبها من حميدة، والضم أكثر، وتكنى أم يحيى، قال
امرأة إسحاق. ذكر ذلك القطان عن مالك وكذلك قال فيه ابن المبارك، إلَّا أنه
قال كبشة امرأة أبي قتادة، وهو وهم. انتهى كلامه، وفيه نظر، وذلك أن
ابن المبارك رواه على الصواب، فلعلّ الاختلاف كان عليه لا منه. ذكر ذلك
ابن أبي شيبة في مصنفه فقال: نا وكيع، نا هشام وابن المبارك عن إسحاق عن
حميدة عن امرأة عبد الله بن أبي قتادة عنه … فذكره، ولئن كان ابن المبارك
تفرد بهذه اللفظة- كما قال أبو عمر- فقد توبع عليها، قال النسائي في
كتاب مسند مالك: نا قتيبة وعتبة بن عبد الله عن مالك عن إسحاق عن
حميدة عن كبشة وكانت تحت قتادة … الحديث، وفي كتاب الدارقطني،
وكذا قاله البستي وعبد الرزاق نحو مالك، وفي مسند الشافعي نحوه وكذا
رواه زهير بن الحباب عن مالك عند الحاكم، وهو خلاف ما عند ابن ماجة
في الباب، قال. أبو عمرو روى مرسلا ومرفوعا، وهو الصحيح، ولعل من وثقة
لم يسأل أبا قتادة نقل عنده عن النبي ﷺ أثر أم لا؛ لأنهم حلوا فْعلى أبي
قتادة/كتب أحسنهما إسنادا ما رواه مالك، فحفظ أسماء النسوة وأنسابهن،
وجود ذلك ورفعه، والله أعلم. حدّثنا أبو عمر بن رافع وإسماعيل بن توبة
قالا: ثنا زكريا يحيى بن أبي زائدة عن حارثة عن حمزة عن عائشة قالت:
" كنت أتوضأ أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد قد أصاب منه الهرة قبل
ذلك " (١) هذا حديث معلل بأمرين:
_________________
(١) ضعيف. رواه الدارقطني في " سننه " (١/٦٩) وعبد الرزاق في " مصنفه " (٣٥٦) .
[ ١ / ١٩٨ ]
الأول: ضعف حارثة بن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن بن
عبد الله بن حارثة بن النعمان المدني؛ فإن الإِمام أحمد لما سئل عنه قال:
ضعيف ليس بشيء، وسئل عنه أبو زرعة فقال: واهي الحديث ضعيف، وقال
عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: هو منكر الحديث، ضعيف، وقال ابن عدي:
عامة ما يرويه منكر، وقال النسائي: متروك الحديث، وفي موضع آخر: ليس
بثقة ولا نكتب حديثه، وقال عيسى بكلام فيه من قبل حفظه، وقال ابن معين:
ليس بثقة ولا نكتب حديثه، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال علي بن
الجنيد: متروك الحديث، وقال ابن حبان، فحش خطأه وكثر وهمه؛ فترك
حديثه أحمد ويحيى، ولما ذكره أبو جعفر في كتاب المشكل قال: إنّما يرويه
حارثة، وهو ممن تكلم في حديثه، وضعفهْ غاية الضعف.
الثاني: انقطاع ما بين حارثة وجدته عمرة وأنه جاء عنه أنه روى الحديث
عن أمّه عنها، فيما رواه الطحاوي، وأمه مجهولة العين فضلًا عن الحال، وإنّ
معروف السماع من جدّته فهذا أورثنا شبهة من كونه لم يصرح بالسماع، إنما
أتى بلفظه على ذلك، وقال الساجي: منكر الحديث، وقال أبو داود: ليس
بشيء، وقد وقع لنا هذا الحديث من طرق صحيحة لها ذكر لحارثة فيها، قال
الحاكم. أبو عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي ببخاري، أنا
محمد بن أيوب، نا محمد، نا أيوب، نا محمد بن عبد الله بن أبي جعفر
الرازي، نا سليمان بن شافع بن شيبة الحجي قال. سمعت منصور/بن صفية
بنت شيبة يحدّث عن أمه صفية عن عائشة فذكره، وقال فيه إسناده صحيح،
وله في كتاب أبي داود طريق أخرى جيفة قال: نا عبد الله بن سلمة، نا
عبد العزيز عن داود بن صالح بن دينار اليمان عن أمه: " أن مولاتها أرسلتها
بهدية إلى عائشة " الحديث. قال الدارقطني في السنن: تفرد به عبد العزيز
عن داود بن صالح عن أمه هذه الألفاظ، وبنحوه قاله الطبراني في الأوسط.
انتهى. داود هذا قال فيه الإمام أحمد: لا أعلم به بأسًا، وذكره ابن حبان في
الثقات، وروى حديثها أيضًاَ المغربي في معجمه عن أشعث بن عبد الرحمن بن
زيد الإِمامي، نا أبو عباد عبد الله بن سعيد عن أبيه، حدّثنا محمد بن يسار
عبيد الله بن عبد المجيد، نا عبد الرحمن بن عبد الزيادي عن أبيه عن أبي
[ ١ / ١٩٩ ]
سلمة عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: " الهرة لا تقطع الصلاة؛ لأنها من
متاع البيت " (١) هذا حديث إسناده جيد لا بأس به، وعلى رأي أبي عبد الله
بن الربيع يكون صحيحا، وذلك أنه لما خرج حديث وسيلة آدم بالمصطفى
ﷺ قال فيه: هذا حديث صحيح الإسناد، وهو حديث صحيح عن عبد
الرحمن، ولها في ذلك سلف صالح، وهو قول مالك بن معين فيه: هو من
أثبت الناس في هشام بن عروة، وخرج البخاري حديثه في صحيحه على
طريق الاستشهاد، وقال ابن مهدي: حديثه بالمدينة حديث مقارن، وما حدّث
بالعراق فهو مضطرب، وكذلك قاله الساجي، وقال أبو حاتم: نكتب حديثه
ولا نحتج به، فهذا كما ترى ثناء الناس عليه وعلى حديثه المدني، وحديثه هذا
منه لا سيما مع ما تقدّم من شواهده، وقد تابعه الحكم بن أبان فيما ذكره
ابن خزيمة في صحيحه فقال محمد بن يحيى: نا إبراهيم ابن الحكم بن أبان
قال: حدثني أبي عن عكرمة قال: قال أبو هريرة، قال النبي﵇-
: " الهرة من متاع البيت " وأما قول الترمذي أنّه حديث أبي قتادة/وفي
الباب عن عائشة وأبي هريرة ففيه نظر؛ لما أسلفناه من حديث أبي سعيد
الخدري، ولما في الأوسط للطبراني من حديث أبي جعفر بن محمد عن أبيه
عن جدّه علي بن الحسن عن أنس قال: " خرج النبي ﷺ إلى أرض بالمدينة
يقال لها بطحان، فقال: يا أنس اسكب لي وضوءا، فسكبت له، فلما قضى
حاجته أقبل إلى الإناء وفداني هو، فولغ في الإناء، فوقف له النبي ﷺ وقفة
حتى شرب الهر ثم توضأ، فقلت لرسول الله ﷺ أمن الهر؟ فقال: الهر من
متاع البيت لن يقدر شيء ولم ينجسه " قال: لم يروه عن جعفر إلَّا عمر بن
حفص ولا روى علي بن الحسين عن أنس حديثا غير هذا، قال الحاكم وقد
_________________
(١) ضعيف الإسناد والمتن صحيح. رواه ابن ماجة (ح/٣٦٩) والحاكم (١/٢٥٥) وصححه. وابن عدي (٤/١٥٨٦) . في الزوائد: رواه ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في المستدرك من حديث بندار وهو محمد بن بشار. وضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/٨٢) . وقد أعله ابن خزيمة بالوقف- تعليق الشيخ الألباني على ابن خزيمة (٨٢٨، ٨٢٩)، والضعيف (ح/١٥١٢) . وضعيف الجامع (ح/١٥١٢) . وضعيف الجامع (ح/٦١٠٦) .
[ ١ / ٢٠٠ ]
صح على شرط الشيخين في الهرة ضد هذا ولم يخرجاه، ثم ذكر من
حديث أبي بكرة عن أبي عاصم عن قرد بن خالد عن ابن سيرين عن أبي
هريرة: " طهور أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن
بالتراب، والهر مثل ذلك " (١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وعلى شرط
الشيخين، فإن أبا بكرة ثقة مأمون، ومن توهم أن أبا بكرَة تفرّد به عن أبي
عاصم فهو وهم، فقد حدث به غيره عن أبي عاصم ولئن تفرد به فهو حجة.
نا أبو الحسن علي بن عمر الحافظ، نا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد
الفقيه، نا بكار بن قتيبة وحماد بن الحسن بن عنبسة، قال أبو عاصم فذكره،
وقد تتبعا على ابن نصر عن قرة في بيان هذه اللفظة. نا أبو محمد المزني، نا
أبو معشر، نا الحسن بن سليمان الدارمي، نا نصر بن علي، نا أبي، نا قرة بن
خالد عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: " طهور إناء
أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب ".
ثم ذكر أبو هريرة الهر لا أدري قال مرة أو مرتين، قال نصر: وجدته في
كتاب أبي في موضع آخر في الكلب مسندًا وفي الهر موقوفًا، تابعه في توقيف
ذكر الهر مسلم بن إبراهيم، فقد ثبت الرجوع في حكم الشريعة إلى حديث
مالك في طهارة المهر. انتهى كلامه، وفيه نظر من وجوه:
الأول:/إذا كان الحديث قد صح عندك وقفه فلأي شيء حكمت بصحة
رفعه مع وجود هذه العلّة عندك.
الثاني: على أن الطحاوي لم يعتد بذلك، ولم يجعله علّة؛ لأن ابن سيرين
كان يقول: كلما أحدث به أبي هريرة فهو عن النبي ﷺ قوله في حديث
بكار: صحيح على شرط الشيخين،، ليس كما زعم؛ فإنه لم يخرج له
_________________
(١) صحيح. رواه مسلم في (الطهارة، ح/٩١، ٩٢) وأبو داود (ح/٧١) وأحمد في " المسند " (٢/٤٢٧) والبيهقي في "الكبرى " (١/٢٤٠، ٢٤٧) والحاكم في " المستدرك " (١/ ١٦٠ وابن خزيمة (٩٥، ١٦) والدارقطني في " سننه " (١/٦٤، ٦٨) والمشكاة (٤٩٠) وأبو عوانة في " صحيحه " (٢٠٨) ومشكل (٣٨٠٣) .
[ ١ / ٢٠١ ]
الشيخان في صحيحيهما شيئًا، ولا يمكن ذلك، ولو خرجه من جهة البزار
لصح له قوله، فإن البزار رواه عن عمرو بن علي، نا أبو عاصم، نا قرة فذكره.
الثالث: أنت قد صححت حديث الهرة سبع من حديث عيسى بن
المسيب، وقال: تفرّد به أبي زرعة إلا أنه صدوق لم يخرج قط، إلا أنّا سلمنا
لك ذلك خلقًا بل أن يقول: إذا كانت من السباع كان سؤرها غير طاهر؛
لأنّ أسار السباع كذلك.
وقد جاء ذلك في حديث تقدّم ذكره بإسناد صحيح أيضًا، وذكره
الدارقطني- رحمه الله تعالى- من عند الحكم من حديث يحيى بن أيوب-
يعني الغافقي المصري- وحديثه في الصحيح عن ابن جريح عن عمرو بن
دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: " يغسل الإِناء من الهر كما
يغسل من الكلب " (١) وروى عن أبي هريرة موقوفًا من غير وجه، وكذلك
عن غير من التابعين، وحديث ابن عمر: سئل عن الماء وما ينوبه من السباع
والدواب فقال: " إذا كان الماء قلتين فلن يحمل الخبث " (٢) وأما حديث:
" لها ما في بطنها، وما بقى فهو لنا طهور " (٣) ففيه كلام، ولا يصح فيها
ذكره. الطحاوي فحصل بذلك التعارض، لا كما زعم، والله أعلم.
الرابع: قوله في عيسى بن المسيب: لم يخرج قط، فليس كما زعم فإنه
ممن قال فيه يحيى والنسائي والدارقطني: ضعيف، وقال يحيى مرة: ليس
بشيء، وقال الرازي وأبو زرعة: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: يقلب الأخبار
_________________
(١) رواه البيهقي في "الكبرى " (١/٢٤٨) . وبلفظ: " يغسل الإناء إذا الهر … ". رواه الدارقطني في " سننه " (١/٦٨) والقرطبي في " تفسيره " (١٣/٤٨) .
(٢) صحيح. شرح السنة (٢/٥٨) . وبلفظ: " إذا كان الماء قلتين لم تلحقه نجاسة ". التمهيد (١/٣٢٨) واستذكار (١/٢٠٣) وأبو داود (٦٣) والدارس (١/١٨٧) والترمذي
(٣) والبيهقي (١/٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦١، ٢٦٢، ٢٦٣) والحاكم (١/١٣٣) والمشكاة
(٤) ونصب الراية (١/١٠٤، ١٠٥) ومشكل (٣/٣٦٦) وإتحاف (٢/٣٢٥) .
(٥) ضعيف. مشكل: ٣١/٢٦٧) .
[ ١ / ٢٠٢ ]
ولا يعلم، ويخطئ ولا يفهم حتى خرج عن حدّ الاحتجاج، فلذلك ذكر ابن
الجوزي حديثه هذا في كتاب العلل المتناهية، قال الخطابي: الطوافون هم الذين
يريدون الأجر والمواساة، وقال ابن عبد البر/هم الذين تداخلوا ما قال تعالى:
(يطوف عليهم ولدان مخلدون) (١) وفيه أن خبر الواحد النساء والرجال
فيه سواء، وفيه إباحة اتخاذ الهر وما أبيح اتخاذه، للانتفاع جاز بيعه وأكل
ثمنه إلا أن تحصى شيئًا من ذلك دليل فيخرجه عق أصله وفيه أن سؤره طاهر
وهو قول هالك والشافعي وأبي يوسف، وفيه دليل على أن ما أبيح اتخاذه
فسؤره طاهر لأنه من الطوافين علينا، وطهارة الهر تدل على طهارة الكلب
وأن ليس في حي نجاسة إلا الخنزير، لأن الكلب من الطوافين علينا ومما أبيح
اتخاذه لأمور وإذا كان حكمه كذلك في تلك المواضع فمعلوم أن سؤره في
غير تلك المواضع لسؤره فيها لأن عينه لا تنتقل، ودلّ على ما ذكرنا أن ما
جاء في الكلب من غسل الإناء سبعًا أنه تعبد واستحباب، ولا لْعلم أحدًا من
الصحابة روى عنه في الهرَ أنه لا يتوضأ بسؤره، إلا أبا هريرة على اختلاف
عنه، وسائر التابعين بالحجاز والعراق يقولون في الهر أنه طاهر لا بأس بالوضوء
في سؤره إلا عطاء وابن المسيب والحسن، والحجة عند التنازع سنة المصطفى
ﷺ ولا أعلم حجة لمن كره الوضوء بسؤره أحسن من أنه لم يبلغه حديث
أبي قتادة، وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاسه عليه وقد فرقت السنة
بينهما في باب التعبد وجمعت بينهما على ما قدمنا كلامه، وفيه نظر من
وجوه:-
الأول: قوله: ولا نعلم أحدًا من الصحابة روى عنه في الهر إلا أبا هريرة
وليس كما قال: بل قد قال منهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن
الخطاب ﵄.
الثاني. قوله. إلا عطاء وابن المسيب والحسن، وليس كذلك؛ بل قد قاله
غير هؤلاء وهم ابن أبي ليلى وحيي بن لسيد الأنصاري وطاوس بالغ إلى أن
قال يغسل سبعًا بمنزلة الكلب ذكر ذلك ابن المنذر في كتاب الأشراف.
_________________
(١) سورة الواقعة آية: ١٧.
[ ١ / ٢٠٣ ]
الثالث: قوله لأن الكلب من الطوافين علينا أي أخره ليس كذلك، ولا
تابعه على ذلك العلماء، والكلام معه ومع غيره مستوفى في كتب الفقهاء،
أول/ب] ولا يليق ذكره هذا التحضير/تشعب الكلام فيه.
الرابع: قوله: وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهر عليه، وليس
كذلك؛ بل يكون بلغة حديث أبي هريرة المتقدّم من عند الحاكم والدارقطني
المصرّح فيه بالغسل من سؤر الهرة سبعا، فأي حاجة للقياس مع هذا النص
الصريح، والله تعالى أعلم. وأما السؤر- مهموز- فهو مما بقى من الشراب
وغيره في الإناء وغيرها فيما ذكره أبو العباس أحمد بن يحيى في كتاب
الفصيح، قالَ ابن درسه: والعامة لا يهمن، وتركها الهمزاني بخطأ، وقال
الليلي: يستعمل في كل ثقبة قال: ويسار فلان من الطعام إذا بقى منه، من
أسماء الهر: الخيطل والسنور والابوسنورة والضيون، ولفظ السنور مؤنث
ولصوته الهواء ما يمؤمؤا. قاله العسكري في كتاب التلخيص، وفيه نظر من
حيث جعله الوبر ولد القط وذلك أن الوبر رأيتها دويبة أرض الشام، لا سيما
بالغور صغيرة برية، لا يزيد مقدارها على القطاط بل هي أصغر من السنانير،
وبهذه الصفة محكاة عن غير واحد من اللغوين، قال الأجداني: هي دويبة
تعرب من السؤر، ولها بول يختر ويبس يتداوي الناس به يسمى الصن، وقال
القزاز: الوبر بسكون الباء دويبة أصغر من السنور، طحل اللون، لا ذنب لها،
وبنحوه قاله في الصحاح والجمهرة وفي الغريب المصنف: جمع الهر هررة،
وجمع الهرة هرر، والله أعلم.
[ ١ / ٢٠٤ ]
الرخصة بفضل وضوء المرأة
حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن
عكرمة عن ابن عباس قال: " اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة فجاء
النبي ﷺ ليغتسل أو يتوضأ، فقالت: يا رسول الله إني كنت جنبا، فقال: إن
الماء لا يجنب " (١) هذا حديث اختلف في تصحيحه؛ فممن صححه أبو
عيسى فإنّه قال فيه: حسن صحيح، وأخرجه أبو حاتم في صحيحه عن عمر بن
إسماعيل/الثقفي ببغداد، نا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو الأحوص عن سماك،
نا أبو يعلي أبو معمر القطيعي، نا أبو الأحوص، نا الحرث بن سفيان، نا
حيان بن موسى، نا عبد الله عن سفْيان، نا شهر فذكره مختصرا، قال: ولم
يقل أحد عن سماك في حسنه غير أبيِ الأحوص، ولما خرجه ابن خزيمة من
حديث محمد بن يحيى وأحمد بن المقدام قال: نا محمد بن بكر، نا شعبة
عن سماك به ولفظه: " الماء لا ينجسه شيء " (٢) قال: هذا حديث أحمد بن
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/٣٧٠) وأحمد في " المسند " (٦/١٢٩، ١٥٧) والترمذي (ح/٦٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود والنسائي والحاكم (١/١٩٥) في طريق الثوري وشعبة عن سماك بن حرب. وقال: هذا حديث صحيح في الطهارة ولم يخرَجاه، ولا يحفظ له عفة. ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في الفتح (١/٢٦٠): وقد أعله قوم بسماك بن حرب، لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحتمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم ". قلت: وقد صححه الشيخ الألباني.
(٢) صحيح. رواه النسائي في " الصغرى " (١/١٧٤) وأحمد في فالمسند " (١/٢٣٥، ٣٠٨) والبيهقي في " الكبرى " (١/٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٩) والحاكم في " المستدرك " (١/١٥٩) وصححاه. وابن حبان (١١٦) والطبراني في " الكبير " (٨/١٢٣) وابن خزيمة (٩١، ٩٠١) والدارقطني في " سننه " (١/٥٩، ٥٢) والمطالب لابن حجر (١) والمجمع (١ أ ٢١٣) وعزاه إلى أحمد، ورجاله ثقات. وفي (ص ٢١٤ ج ا) من حديث ميمونة عزاه إلى الطبراني في " الكبير " ورجاله موثوقون. ونصب الراية (١/٩٨٤، ٩٥) واستذكار (١/٢٠٥، ٢٠٦، ٢١١) والتمهيد (١/٣٣٢، ٣٣٣) والقرطبي (١٣/٥٠، ٥١) والمعاني (١/١٢، ١٦) وأصفهان (٢/ ٣٤٤) الخطيب (٤٢٣) وابن عدي في " الكامل " (٢/٤٥٩، ٦/٤٢٣١) .
[ ١ / ٢٠٥ ]
المقدام، وأخرجه الحاكم من حديث سفيان وشعبة عن سماك، وقال: قد
احتج البخاري بأحاديث علي به، ومسلم بسماك، وهذا حديث صحيح ولم
يخرجاه ولا يحفظ له علّة وفي الحلافيات، وروى مرسلًا، ومن أسند أحفظ،
وروى مسلم معناه في صحيحه من حديث عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء
عن ابن عباس أن النبي ﷺ: " كان يغتسل بفضل وضوء ميمونة " (١) وفي
بعض طرقه عن عمر البرعلي، والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني
عن ابن عباس، وذلك يوجب تعليله- والله أعلم- لكن ذكر أبو عمر أنه في
صحيحه، نا عمرو، نا جابر أبو الشعثاء سمع ابن عباس، فرواه وقال: قال
سفيان: هذا الإسناد كان يعجب به شعبة. أخبرني شعبة فإنّه إّنما يوصله؛
فزالت تلك العَلّة، والله أعلم، ولما أخرجه البزار من طريقيهما قال: وهذا
الحديث لا نعلم أحدا أسنده عن شعبة إلَّا محمد بن بكر، ورواه غيره مرسلا،
وقد رواه جماعة عن سماك: واقتصرنا على هذين، ولا نعلمه يروى عن ابن
عباس إلَّا من هذا الوجه، وأخرجه ابن الجارود في المنتقى من حديث سفيان،
وممن ضعفه الإِمام أحمد بن حنبل بقوله: هذا حديث مضطرب. ذكره عنه
الأثرم في سؤالاته، وقال ابن حزم: لا يصح لأن سماك كان يقبل التلقين،
شهد عليه بذلك شعبة وغيره وهذه أخرجه ظاهره (٢)، وذكره ابن ماجة في
موضع آخر، والدارقطني في سننه من حديث شريك/عن سماك فجعله في
مسند ميمونة، قال ابن القطان: فعلى هذا يجب أن يكون راوية غيره مرسلة،
وتبين برواية شريك أن ابن عباس لم يشهد ذلك إنّما تلقاه من خالته ميمونة.
انتهى. ويجاب عن الاضطراب بأن ذلك لا يقدح إلا مع التساوي، ولا
تساوي هنا؛ لأنّ من أرسله لا يقاوم من رفعه، ويجاب عن قول ابن حزم بأن
شعبة أي شهد على سماك بالتلقين، وفي رواية الميموني عنه لم يجئ بحديث
_________________
(١) صحيح. رواه مسلم في (الحيض، باب " ١٠ " رقم " ٤٨ ") وأحمد (١/٣٦٦) والبيهقي (١/١٨٨) وعبد الرزاق (١٠٣٧) والكنز (٢٧٥٠٦) والقرطبي (١٣/٥٥) والدارقطني (١/ ٣٥) .
(٢) كذا ورد هذا السياق " بالأصل ".
[ ١ / ٢٠٦ ]
سماك غيره، والمعروف أنهما اغتسلا جميعَا، وقال أبو طالب: قال أحمد: هذا
فيه اختلاف شديد؛ وبعضهم يرفعه وبعضهم لا يرفعه، وأكثر أصحاب النبي
ﷺ يقولون: إذا خلت فلا يتوضأ منه، ويجاب عن قول ابن القطان بأمرين:
الأول: شريك لا يقاس بشعبة والثوري.
الثاني: على تقدير صحة حديثه فكان ماذا قصاراه (١) أن يقول: هو
مرسل صحابي ولين، كان ذلك فلا ضير لكونه مسندَا على الصحيح، ومن
المعلوم أنّ ابن عباس لم يكن ليشهد مثل هذا من المصطفى ﷺ لكونه غير
جائز له- والله أعلم- فيتبين من مجموع ما تقدم أن قول من صححه راجح
على قول من ضعفه؛ بل هو الصواب، والله أعلم، وأما قول ابن حبان: لم
يقل أحد عن سماك في حقّه غير أبي الأحوص؛ فيشبه أن يكون ليس كذلك؛
لًانّ الدارمي ذكر في مسنده يحيى بن حسان عن يزيد بن عطاء عن سماك
عن عكرمة به، وفيه ذكر الجفنة ثم قال: ونا عبيد الله عن سفيان عن سماك
بنحوه، اللهم إلَّا أن يكون أراد بالغير ثقة، فلا يردّ عليه حديث يزيد هذا
لضعفه، والله أعلم.
النهي عن ذلك
حدثنا محمد بن يسار، نا أبو داود، نا شعبة عن عاصم الأحول عن أبي
حاجب عن الحكم بن عمرو أن رسول الله ﷺ: " نهى أن يتوضأ الرجل
بفضل وضوء المرأة " (٢) هذا حديث اختلف في! فصححه جماعة وضعفه
_________________
(١) نفس كلام الحاشية السابقة.
(٢) صحيح. رواه أبو داود (ح/٨٢) والترمذي (ح/٦٤) وقال. هذا حديث حسن. وابن ماجة (ح/٣٧٣) وأحمد في " المسند " (٤/٢١٣) وفي لفظهم " طهور " بدل " وضوء ". ورواية أحمد من عبد الصمد ابن عبد الوارث عن شعبة، على الشك. ورواه أيضا (٤/٢١٣) عن وهب بن جرير عن شعبة، فقال: " نهى أن يتوضأ الرجل من سور المرأة " والمفهوم من الروايات أن المراد بالسؤر هو فضل الطهور، لا فضل الشراب، فإن أصل السؤر هو البقية من كل شيء. ورواه النسائي (١/١٧٩) وابن ماجة (٣٧٣) . قال الحافظ في (الفتح: ١/٢٦٠): " أخرجه أصحاب السنن، وحسنه الترمذي، وصححه
[ ١ / ٢٠٧ ]
آخرون، فمن المصححين له/أبو محمد بن حزم، ولما ذكر ابن ماجة حديث
ابن سرجس بعده قال: الصحيح الأول، والثاني وهم، وأخرجه أبو حاتم البستي
من حديث أبي داود عن شعبة عن عاصم: سمعت أبا حاجب يحدّث فذكره،
ولما أخرجه أبو عيسى في جامعه قال فيه: حديث حسن. ومن المضعفين له أبو
عبد الله البخاري فإن الترمذي سأله عنه فقال: ليس بصحيح. كذا في كتاب
العلل، وفي التاريخ الكبير: قال سواء بن عاصم أبو حاجب العنبري يعد في
البصريين، ويقال الغفاري، ولا أراه يصح عن الحكم بن عمرو، وهذا الكلام
لا يعطي الحديث على صراحة- الحديث تضعيفًا ولا تصحيحًا، وإن كان
المنذري قد ذكره في معرض ردّ الحديث لاحتمال أن يكون لفظ الصحة فيه
عائدة إلى نسبه إلى غفار، وذلك لا يوجب تضعيفًا، لكن تضمنه ما في العلل
تبيّن الضعف، ولا يخلص ذلك المنذري؛ لأنه لم ير ما في العلل فلذلك لم
يحكه، والذي حكاه في التاريخ لا يوضح بقصده- والله تعالى أعلم- وقد
يكون عائدًا على الانقطاع فيما بين أبي حاجب والحكم ولئن كان كذلك
فليس بشيء أيضًا؛ لما صحّ عن أبي حاجب أنه سمعه منه فْيما تبينّ ذلك بعد،
وذكر ابن منده أنه لا يثبت من جهة السند، ولما ذكر أبو عمر حديث الحكم
هذا قال: الآثار في هذا الباب مضطربة لا تقوم بها حجة، وذكر الميموني أنه
سأل أبا عبد الله عنه فقلت: يسنده أحد غير عاصم قال: لا، ويضطربون فيه
عن شعبة، وليس هو في كتاب غندر، وبعضهم يقول عن فضل سؤر المرأة،
وبعضهم يقول فضل وضوء المرأة ولا يتفقون عليه، ورواه التيمي، إلَّا أنه لم
يسمه، قال: عن رجل من الصحابة، والآثار الصحاح واردة بالإِباحة، وقال
الدارقطني: اختلف عنه- يعني أبا حاجب- فرواه عمران ابن جدير وغزوان بن
حجين السدوسي عنه موقوفًا من قول الحكم، ورواه أبو كدينة عن سليمان عن
أبي حاجب عن أبي هريرة-/وهو وهم- انتهى. ويشبه أن يكون قول من
صحح أرجح من قول من ضعف: وذلك أن الإِسناد ظاهره السلامة من
مضعف وانقطاع، وذلك يرد قول ابن منده أمّا الأول؛ فلأنّ أبا حاجب
سوادة بن عاصم روى عنه جماعة منهم سليمان التيمي وعاصم وعمران بن
_________________
(١) ابن حبان، وأغرب النووي فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه ".
[ ١ / ٢٠٨ ]
حدير وشعبة، ووثقه ابن معين وغبره، وخرَج حديثه مسلم في صحيحه على
ما قاله الألكاني، وأبو إسحاق الحبال وغيرهما، ومن مثله في الإِسناد لا يسأل
عنه الثاني: تدليس عاصم المخوف زال بما ذكره ابن حبان وسوادة صرّح
بسماعه من الحكم ابن أبي شيبة في المصنف بقول سوادة: انتهيت إلى
الحكم بن عمرو بالمربد وهو ينهاهم عن فضل طهور المرأة فقلت: ألا حبذا
صفرة ذراعيها، إلا حبذا كذا، فأخذ شيئًا فرمى نحوي وقال لك ولأصحابك،
ويجاب عن قول البخاري المذكور في التاريخ بما تقدّم، والقول المذكور في
العلل بخلاف الترمذي له حين حسنه، ولولا ظهور ترجيح لما جاز له الإقدام
على خلافه، أو يحمل على أنه لم يصح صحة المجمع عليه من الأحاديثَ، إذ
الصحة تتفاوت عنده وعند غيره، أو يكون قوله صحيحًا لا يتبع الحسن،
ويجاب عن قول أحمد، بأن تفرد عاصم بالرفع لا يؤثر في صحة الحديث إذا
رفعه ثقة غيره؛ بل يكون ذلك مقبولًا، وكونه ليس في كتاب غندر ليس
قادحا أيضًا؛ لأنّ ابن جعفر لم يدع الإِحاطة بجميع حديث شعبة، وقد رواه
عن شعبة كرواية أبي داود مواسيًا له، الربيع بن يحيى الإِشناني فيما ذكره
الطبراني في الكبير وعبد الصمد بن عبد الوارث ابن بنت منيع في معجمه،
وتقوى الرفع بزيادة: " نهى رسول الله ﷺ عن الدباء والحنتم والمزفت " (١) . /
ولم أر فيه مع سؤر المرأة، ويجاب عن الاضطراب بأن معنى ما روى يرجع
إلى شيء واحد- وهو البقيّة- إذ الرواية بالمعنى جائزة، يقول من روى: فضل
طهور المرأة وسؤر المرأة واحد وذلك يريبه البقّة، وقد جاء مصرحًا به في
كتاب الطبراني الكبير بفضل وضوء المرأة وإذا كان كذلك فلا خلاف،
ويجاب عن إيهام اسم الصحابي بأن ذلك لا يضر إذ كلّهم عدول، فسواء
_________________
(١) صحيح. رواه الترمذي (ح/١٨٦٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي (٨/ ٣٠٥) وأحمد في " المسند " (٤/٨٧، ٥/٥٧) والبيهقي في " الكبرى " (٨/٢٩٣، ٣٠٨، ٣٠٩) والتاريخ الكبير (٤/١٨٥، ٥/٩٢، ٧/٥٩) والخطيب (١١/٣٣٣، ١٢/٤٥) والمعاني (٤/٢٢٣، ٢٢٥، ٢٢٦) وابن ماجة (ح/٣٤٠٤) . وصححه الشيخ الألباني الدباء: الظرف المتخذ من الدباء، وهو القرع الحنتم: هي الجرة المدهونة، تحمل الخمر فيها. المزفت: المطي بالزفت.
[ ١ / ٢٠٩ ]
أبرز اسمه التابعي أو أبهمه، لكن بعد أن يشهد له بالصحبة كما يشترطه أبو
الحسن بن القطان- رحمه الله تعالى- وأيضًا ففي الطبراني الكبير: المسمّى
عن رجل من غفار، والحكم غفاري، فعلى هذا لا فرق بين القولين إذَا قول من
قال عمّن قيل منه الحكم وقول من قال رجل غفاري له صحبة، ولأنّ المسمى
روى عنه أيضًا غير هذا الحديث مصرحَا باسمه، فمحى ذلك هن كتاب
البساط وعدمه- والله تعالى أعلم- ويجاب عن قول من وفَّقه بأمرين: الأول
لسببين، الثاني يجعل ذلك من قبيل الفتيا لا من قبيل التعارض في الرواية،
وأما من نسب الحكم غفاريًا يعني بذلك أن قبيلته منهم، فيشبه أن يكون ليس
كذلك، وممن نسبه غفاريا أبو عبد الله البخاري في تاريخه الكبير، وأبو حاتم
الرازي، وأبو عيسى الترمذي في كتابه الجامع والتاريخ، ومسلم في كتاب
الطبقات وأبو بكر بن أبي شيبة في كتابه المصنف والمسند، وغيرهم، وليس
كما زعموا بل هو من نفيلة، وحي غُفار من مُلَيل بن ضمرة بن بكر بن عبد
مناة نسب غفاريَا لدخوله فيهم. نص على ذلك ابن الكلبي وابن سعد وأبو
أحمد العسكري وأبو حاتم بن حبان والطبري في المزيل والأمير أبو نصر
والبغوي في معجمه وابن قانع، قالوا: هو الحكم بن مجدع بن حذيم بن
الحرث بن مغيلة بن مليل، إلَّا العسكري فانَّه قال: مغيلة بن حدي بن مُليل، لم
وفي كتاب خليفة جدثم بن خلوان بن الحرث، والصواب الأول، توفى سنة
خمس وأربعين، ويقال خمسين ويقال إحدى وخمسين، وحدّثنا محمد بن
يحيى، نا المعلي بن أسد، نا عبد العزيز بن المختار، نا عاصم الأحول عن عبد
الله بن سرجس قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل وضوء
المرأة، والمرأة بفضل وضوء الرجل " (١) ولكن يشرعان جمعيا، هذا الحديث
اختلف في رفعه ووقفه؛ فأما البخاري فذكر عنه أبو عيسى في كتاب العلل أنّ
هذا حديث موقوف، ومن رفعه فهو خطأ، وقد تقدم كلام ابن ماجة فيه، ولما
رواه في الأوسط قال: لم يروه عن عاصم عن ابن سرجس غير عبد العزيز.
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/٣٧٤) والدارقطني في " سننه " (١/١١٧) ومعاني) . والراويان الأخيران بلفظ: " نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل … " الحديث. وصححه الشّيخ الألباني.
[ ١ / ٢١٠ ]
تفرد به يعلي بن أسيد، ورواه غبره عن عاصم الأحول عن سوادة بن عمر عن
الحكم الغفاري، ولما ذكره الدارقطني قال: خالفه شعبة فوقفه، وهو أولى،
وقال البزار: لا نعلم أحدًا أسنده عن عاصم عن ابن سرجس إلَّا عبد العزيز،
وخالف ذلك أبو محمد بن حزم فصححه مرفوعًا، وذكر عبد الحق أنَّ النسائي
أخرجه، ووهم ذلك فيما بينه أبو الحسن، قال أبو الحسن عبد العزيز بن
المختار: قد رجحه وهو ثقة ولا يضره وقف من وقفه، وتوقف في تصحيحه؛
لأنه لم يروه إلا في كتاب الدارقطني، وشيخ الدارقطني فيه لم يعرف حاله،
ولو رأه هنا لما توقف؛ لأن رجاله كلهم حديثهم في الصحيحين، وفي قول
أبي عيسى إثر حديث الحكم وفي الباب عن ابن سرجس نظر من حيث إغفاله
حديث أبي داود من جهة داود الأودي عنه حميد الحميري قال: لقيت رجلًا
صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة قال: " نهى رسول الله ﷺ أن
يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو تغتسل المرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعًا "
وهو حديث صحيح الإسناد، وممن صححه أيضًا ابن مفوز وابن القطان وقال
أحمد: إسناده حسن وَلا التفات إلى قول ابن حزم/عندما أراد تضعيفه، إن
كان داود هو عم عبد الله بن إدريس فهو ضعيف، وإن لم يكن أباه فهو
مجهول، وقد كتب الحميدي إلى ابن حزم من العراق يخبره بصحة هذا الخبر،
وبين له أمر داود هذا بأنه داود بن عبد الله الزعافري الأزدي أبو العلاء الكوفي
روى عنه ووثقه الإِمام أحمد وغيره، ولما ذكره أبو داود في كتاب التفرد قال:
الذي تفرد به هن هذا الحديث قوله: " نهي أن يغتسل " قال ابن يعقوب:
لا أدري رجع عن قوله أم لا، ولما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة، قال: هو
منقطع، وداود بن عبد الله ينفرد به، وقْال في السنن الكبير: رواته ثقات إلَّا
أن حميدًا لم يسم الصحابي الذي حدّثه، فهو معنى المرسل، إلا أنه مرسل
جيّد، لولا مخالفة الأحاديث الثابتة الموصولة قبله، وداود لم يحتج به
الشيخان. انتهى.
وعلته فيه مأخذ الأول: قوله أنه بمعنى إن أراد أنه يشبهه في أنّه لم يسم
الصحابي فصحيح لكنه لا يسمع خصمه من الاحتجاج ذاهبًا إلى أنّه لا حاجة
إلى تسمية الصحابي بعد أن حكم الصحابي بكونه صحابيًا وإن أراد أنه في
[ ١ / ٢١١ ]
معناه من أنه لا يحتج به قوم كما لا يحتجون بمرسل التابعي فغير صحيح لما
تقدم.
الثاني: قوله: مرسل جيّد غير جيّد بل هو مسند على الصحيح من قول
العلماء.
الثالث: قوله: لولا مخالفة الأحاديث الثابتة- يعني بذلك ما تقدّم-
فليس بجيّد أيضًا لأمرين:
الأول: شأن المحدّث الإعراض عن المعارضة كما قررناه في غير موضع.
الثاني: على تقدير تسليمنا ذلك، يجاب عنه بأنه لا بأس أن يتوضأ أو
يغتسلا جميعًا من إناء واحد يتنازعه على حديث عائشة وميمونة وأنس وابن
عمر وأم هانئ وأم سلمة وأم حبيبة وغيرهن، وعلي إذ لا يتوضأ الرجل بفضل
طهور المرأة على حديث الحكم، ولأن الأحاديث التي وردت بعد في الكراهة
عن الصحابة والتابعين لم يكن في شيء منهما أنَّ الكراهة في ذلك للرجل أن
يتطهر بفضل طهور/المرأة، ولتلك الأحاديث علل، ذكر ذلك أبو بكر الأثرم
في كتاب الناسخ والمنسوخ.
الرابع: قوله: وداود لم يحتج به الشيخان، وفيه نظر لأمرين:
الأول: إن أراد عيبه بذلك فليس ذلك. بعيب عند المحدثين قاطبة؛ لأنهما
لم يلتن بالإِخراج عن كل ثقة ولو التزماه ما أطاقاه.
الثاني: إن كان بريد بهذا الكلام ردّ الحديث- وهو الأقرب- يضمنه
كلامه على انقطاعه وغيره، فهو كلام متناقض، ولا حاصل تحته لما سلف من
توثيقه برجاله.
الخامس: قوله: منقطع لما يريد به الإرسال الذي أشار إليه في السنْن
الكبير، لا الانقطاع الصناعي- والله أعلم- وزعم أبو عمر بن عبد البر أن أبا
عوانة رواه عن داود عن حميد عن أبي هريرة فأخطأ فيه، وزعم أبو الحسن
القطان أنَّ المبهم هنا قيل: هو عبد الله بن مغفل، وقيل: ابن سرجس، وقطع
أبو محمد بن حزم بأن حكم الإباحة منسوخ، وهذا الباب وما فيه من
[ ١ / ٢١٢ ]
الأحاديث ناسخ، وأبي ذلك ابن العربي فزعم أنّ الناسخ حديث ميمونة؛ بدليل
أنّه ﵇ لما أراد أن يغتسل قالت له: إني توضأت به، وهذا يدّل على
تقدّم النهي من تاريخه، وبنحوه قاله الخطابي: واعمَلّ أيضَا- أعني الترمذي-
حديث أبي إسحاق عن الحرث عن رجل: " كان نبي الله﵇-
وأهله يغتسلون من إناء واحد، لا يغتسل أحد مما يفضل صاحبه " قال أبو بكر
الأثرم: لم يسمعه أبو إسحاق من الحرث، وحديث عائشة: " سئل ﵇
عن فضل وضوء المرأة فقال: لا بأس به ما لم تخل به، فإذا خلت به فلا
يتوضأ بفضل وضوءها " ذكره أبن عدي وأعلّه بعمر بن صالح، وحديث أبي
ذر وأبي هريرة ذكرهما ابن منده وأشار إلى أنهما لا يثبتان من قبل سندهما،
وقد سبق الإِشارة إلى حديث أبي هريرة أيضَا.
[ ١ / ٢١٣ ]
الرجل والمرأة يغتسلان من إناء واحد
حدثنا محمد بن رمح/، نا الليث بن سعد عن ابن شهاب، ح ونا أبو
بكر بن أبي شيبة، نا ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت:
" كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد " هذا الحديث اتفقا على
تخريجه بزيادة تختلف فيه أيدينا، زاد ابن عوانة (١) في صحيحه وتلتقي. رواه
عن عائشة جماعة. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا ابن عيينة عن عمرو بن
دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن خالته ميمونة قالت: " كنت
أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد " هذا حديث أخرجه مسلم (٢) في
صحيحه عن أبي بكر بن أبي شيبة، والبخاري عن أبي نعيم عن ابن عيينة عن
عمرو عن جابر عن ابن عباس لم قال: كان ابن عيينة أخيرا يقول عن ابن
عباس عن ميمونة، والصحيح ما رواه أبو نعيم، وقد تقدم التنبيه على طرق
منه، قيل- والله أعلم- وأخرجه الترمذي كما تقدم وقال: حسن صحيح،
_________________
(١) صحيح متفق عليه. رواه مسلم في (الحيض، ح/٤٥) والبخاري في (الغسل، باب " ٩ ") وأبو داود (ح/٧٧) وابن ماجة (ح/٣٧٦) وأحمد في " المسند " (٦/٣٦٦، ٣٦٧) وللدارقطني في " سننه " (١/٦٩) وعبد الرزاق في " مصنفه " (٣٥٦) وابن عدي في " الكامل " (٧/٥٢١٨) والكنز (٢٧٥١١، ٢٧٥١٢، ٢٨٥١٣) وشرح السنة (٢/٢٣) وأبو عوانة (١/ ٢٩٥) والتمهيد (٨/١٠٠) ومعاني (١/٢٥، ٢٦، ٤٩) والترمذي (٦٥) وقال: " هذا حديث حسن صحيح ". ورواه الحاكم في المستدرك (١/١٥٩) من طريق الثوري عن شعبة عن سماك بن حرب. وقال: " هذا حديث صحيح في الطهارة ولم يخرجاه، ولا يحفظ له علة ". ووقفه قوم بسماك بن حرب، لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم ".
(٢) صحيح متفق عليه. رواه مسلم في (الحيض، ح/٤٥) والبخاري في (الغسل، باب " ٩ ") وأبو داود (ح/٧٧) وابن ماجة (ح/٣٧٦) وأحمد في " المسند " (٦/٣٦٦، ٣٦٧) والدارقطني في " سننه " (١/٦٩) وعبد الرزاق في " مصنفه " (٣٥٦) وابن عدي في " الكامل " (٧/٥٢١٨) وللكنز (٢٧٥١١، ٢٧٥١٢، ٢٨٥١٣) وشرح السنة (٢/٢٣) وأبو عوانة (١/ ٢٩٥) والتمهيد (٨/١٠٠) ومعاني (١/٢٥، ٢٦، ٤٩) والترمذي (٦٥) وقال: " هذا حديث حسن صحيح ".
[ ١ / ٢١٤ ]
وكذا الإِسماعيلي أن المقدمي وابن أبي شيبة والترسى وإسحاق الطالقاني وأبو
خيثمة وابن أبي عمرو شريج وابن منيع والمخزومي وعثمان بن أبي شيبة وعبد
الجبار وابن همام وأبو موسى الأنصاري وابن وكيع الأحمسي، كلّهم عن
سفيان في هذا الحديث عن ميمونة قال: وهكذا يقول ابن مهدي، وقال
الدارقطني: خالف ابن عيينة ابن جريح فرواه عن عمرو عن جابر عن ابن
عباس أن النبي﵇-: " كان يغتسل بفضل ميمونة " (١) قال:
وقوله: ابن جريج أشبه. حدثنا أبو عامر الأشعري عبد الله بن عامر، ثنا
يحيى بن أبي بكير، ثنا إبراهيم بن نافع عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم
هانئ: " أن النبي ﷺ اغتسل وميمونة من إناءٍ واحد، في قصعة فيها أثر
العجين ".
هذا حديث إسناده ضعيف؛ للجهل بحال أبي عامر عبد الله بن عامر بن
مراد بن يوسف بن أبي يردة، قال الحافظ: الذي ظنّ أنه ابن مراد، يعني الذي
حديثه في الصحيح، وليس كذلك، ولم يذكر أحدًا/من أصحاب الكتب
روى عن هذا إلا ابن ماجة فقط، ولم يعرف بشيء من حاله، ولم أر قبله
أحدًا عرف بحاله، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق صحيحة سالمة عن
أبي عامر، هكذا ذكرها الحافظ النسائي فقال: نا محمد بن بشار، حدّثني ابن
نافع فذكره. حذثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا إسماعيل بن علية عن هشام
الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن زينب بنت أم سلمة أنها:
" كانت ورسول الله ﷺ يغتسلان من إناء واحد " (٢) .
هذا حديث أخرجه البخاري في صحيحه عن سعيد بن حفص، نا سفيان
عن يحيى به كذا ذكره خلف في أطرافه، وزعم الشيخ ضياء الدين: أنهما
اتفقا عليه- والله أعلم- ورواية ابن ماجة عن ابن أبي شيبة فيها تقصير منه؛
_________________
(١) صحيح. رواه مسلم في (الحيض، باب " ١٠ " رقم " ٤٨ ") وأحمد في " المسند " (١/ ٣٦٦) والبيهقي في " الكبرى " (١/١٨٨) وعبد الرزاق في " المصنف " (١٠٣٧) والكنز
(٢) والقرطبي في " تفسيره " (١٣/٥٥) والدارقطني في " سننه " (١/٣٥) .
(٣) تقدَم من أحاديث الباب.
[ ١ / ٢١٥ ]
لأن ابن أبي شيبة روى هذا الحديث في مسنده عن إسماعيل: " وكان يقبلها
وهو صائم " (١) ورواه كرواية ابن ماجة عثمان بن أبي شيبة عند الطبراني،
وعند أحمد بن منيع عنبسة بن عمار القزازي، نا يحيى فذكره، وتابعه عمار
الذهلي عند الطبراني، ورواه عن أم سلمة أيضًا عنده سليمان مولاها، ولفظه:
" من إناء واحد نحو نصف الفرق " فيبادر أن الغسل جميعًا يبدأ بتلى وخيرة أم
الحسن البصري بزيادة فأقول أترك وعبيد بن عمير لفظه: " يأخذ كل منّا على
حدة " وعبد الله بن رافع، وقد روى عن علي بن أبي طالب نحوه مرفوعًا.
ذكره أحمد بن حنبل ومطين في مسندهما، وفي البخاري من حديث أنس
نحوه: " الرجل والمرأة يتوضاءن من إناء واحد "، حدّثنا هشام بن عمار، نا
مالك بن أنس، حدّثني نافع عن ابن عمر قال: " كان الرجال والنساء
يتوضؤون على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد " هذا حديث أخرجه
البخاري (٢) في صحيحه، ولفظه ولفظ أبي حاتم من الإناء الواحد جميعًا، وفي
لفظ له: " كنا نتوضأ نحن والنساء/من إناء واحدَ على عهد النبي ﷺ
ندلي فيه أيدينا " (٣) وفي لفظ: " من الميضأة " حدّثنا عبد الرحمن بن
إبراهيم الدمشقي، ثنا أنس بن عياض، ثنا أسامة بن زيد عن سالم بن
النعمان- وهو ابن شرح- عن أم صبية الجهنية قالت: " ربما اختلفت يدي
ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد " (٤) قال أبو عبد الله: سمعت
محمدًا يقول: أم صبية: هي خولة بنت قيس، فذكرته لأبي زرعة: فقال:
صدق هذا حديث حسن الإِسناد للاختلاف في حال أسامة، ولولا ذلك لكان
_________________
(١) صحيح متفق عليه. رواه البخاري (١/٨٨) ومسلم في المقدمة، باب " ٦ " رقم " ٣٢ " ( وأبو داود (ح/٢٣٨٦) وأحمد في " المسند " (٦/٣٩، ١٢٣، ٢٣٤، ٢٨٠، ٢٩١، ٣١٠، ٣١٨) وأبو عوانة في " صحيحه " (١/٣١٠) والدارقطني في " سننه " (١/١٤٢) والحميدي
(٢) وشفع (٦٨٨) وسنة (٦/٢٧٨) والتمهيد (٥/١٢٣) والمشكاة (٢٠٠٥) والمعاني (٢/ ٩٠، ٩١) والطبراني (٥/٦٨) وابن كثير في " تفسيره " (٢/٢٧٨) وابن عساكر في " التاريخ " (٢/٨٢، ٢٩٩) .
(٣) صحيح. رواه البخاري في: ٥- كتاب الغسل، باب " ٩ "، (ح/٢٦٤) .
(٤) حسن. رواه أبو داود في: ١- كتاب الطهارة، باب " ٣٨ "، (ح/٨٠) .
(٥) صحيح. رواه أبو داود (ح/٧٨) وابن ماجة (ح/٣٨٢) . وصححه الشيخ الألباني.
[ ١ / ٢١٦ ]
صحيحَا، وأمّا سالم بن شرح أبو النعمان ويقال: ابن خربزد، قال الحاكم: من
قال ابن شرح غَرّبَهُ، ومن قال خَربزد: أراد به الأكاف بالفارسيَّة، وقال
الدارقطني: شرح يعرف بخربزد، ووهم وكيع فقال: عن أسامة عن النعمان بن
خربزد. قاله البخاري، قال: والصواب سالم بن خربزد أي: النعمان. روى
عنه آنفًا خارجة بن عبد الله بن الحجاج، قال فيه ابن معين: شيحْ مشهور ثقة،
وذكره البستي في الثقات، وفي كتاب العلل الكبير للترمذي تصريح سالم
بسماعه من خولة هذا الحديث، وكانت من المبايعات، وروت عن النبي- عليه
الصلاة والسلام- أحاديث، وهي جدّة خارجة، ومولاة سالم. قاله ابن سعد
وغيره، وفرق ابن حبان بينها وبين خولة الأنصارية امرأة حمزة بن عبد
المطلب، واعترض بعضهم على صحة هذا الحديث بكونه ﵇ لم يمس
امرأة لا تحل له، قال: وخولة هذه لم يأت في خبر صحيح ولا غيره أنها
كانت بهذه الصفة، وفي الذي قاله نظر، وذلك من قولها، تختلف؛ لأن
الاختلاف لا يوجب مسًا.
الثاني: لا برفع صحة الحديث لتخيّل معارضة إذا عُدلت رواته وسَلِمَ من
شائبة/الانقطاع، والله تعالى أعلم.
حدّثنا محمد بن يحيى، نا داود بن شهيب، نا حبيب بن أبي حبيب عن
عمرو بن هرم عن عكرمة عن عائشة عن النبي ﷺ: " أنهما كانا يتوضأن
جميعًا للصلاة " (١) . هذا حديث صحيح الإِسناد متصلة، وإن كان ابن أبي
حاتم في كتاب المراسيل خالف ذلك بقوله: سمعت أبي يقول: عكرمة لم
يسمع من عائشة، فغير صواب لبغضه ذلك في كتابه الجرح والتعديل، قيل
لأبي أسمع عكرمة من عائشة فقال: نعم، وكذلك قاله البخاري وخرج
_________________
(١) قلت: هذا حديث علق عليه الشارح وإن كنا قد أثبتناه من النسخة الثانية. والحديث رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ٣٦- باب الرجل والمرأة يتوضآن من إناء واحد، (ح/٣٨٣) . قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات. ورأيته في " صحيح ابن ماجة " للشَيخ الألباني.
[ ١ / ٢١٧ ]
حديثه عنها في صحيحه، وكذلك الترمذي وصححه، وقال الآجري:
سمعت أبا داود يقول: سمع عكرمة من عائشة، ورواه عن عائشة- رضى
الله عنها- جماعة منهم أبو سلمة ومعاذة وحفصة عند مسلم، وعطاء عد
عبد الرزاق، وعبيد بن عمير عند الدارقطني، ومسروق وأم منصور بن عبد
الرحمن عند الطحاوي، وابن المسيب عند ابن عبد البر، وإبراهيم- على
انقطاعه- عند ابن أبي شيبة، وأبو أمامة الأنصاري بحديثه الإِمام تاج الدين أبو
العباس أحمد بن علي بن وهب القشيري- المعروف بابن دقيق العيد- قرأه
عليه وأنا أسمع، نا أبو عبد الله القاسم بن الفضل الأصبهاني قراءة عليه في
سنة ثمان وثمانين وأربع مائة، نا أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الحافظ،
نا أحمد بن محمد بن زياد القطان، نا علي بن إبراهيم الواسطي، نا يزيد بن
هارون جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة عن عائشة قالت: " لقد
كنت أنا ورسول الله ﷺ تختلف أيدينا في الإِناء الواحد في الغسل من
الجنابة " (١) والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وفي حديثه زيادات، ثنا به جماعة
من شيوخنا بقراءتنا وقراءة عليهم وأنا أسمع قالوا: ثنا جماعة منهم ابن
خطيب المرة وأبو بكر المقدسي والشريف عماد الدين وابن أبي حباب، ثنا ابن
خربزد وأنبأنا به﵀-/الإِمام أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد
الواحد المقدسي عرف بابن البخاري أبو حفص عمر بن محمد بن معمر
الدارقري، نا أبو القاسم هبة الله بن محمد الشيباني، نا أبو طالب محمد بن
إبراهيم البزار، نا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، نا جعفر بن
محمد أبو بكر القاضي، نا محمد بن عثمان العثماني، نا إبراهيم بن سعيد عن
ابن شهاب عن القاسم عن عائشة بمثله، يعني حدّثنا قبله مه: " كنت أغتسل
_________________
(١) صحيح. رواه أبو داود في: ١- كتاب الطهارة، باب " ٣٨ "، (ح/٧٧) . ورواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، باب " ٣٥ "، (ح/٣٧٦) . ولم يذكر فيه قوله: في الغسل من الجنابة.
[ ١ / ٢١٨ ]
معه ﵇ من إناء واحد " قال داود في حديثه: هو الفرق، قال ابن
شهاب: الفرق خمسة أقساط وبه قال الشافعي. قال: نا عبد الرحمن بن
إسحاق الدمشقي، نا محمد، نا ابن لهيعة، نا عطاء بن خباب المكي عن
القاسم عن عائشة قالت: " كنت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد،
فإن سبقني لم أقربه وإن سبقته لم يقربه " وبه قال يوسف بن يعقوب، نا
محمد بن أبي بكر ونصر بن علي قالا: نا عبد العزيز بن عبد الصمد عن
عباد بن منصور عن القاسم عن عائشة قالت: " كنت أغتسل أنا والنبي-
﵇- من إناءٍ واحد، غير أنه يبدأ قبلي " وحديث عبد الرحمن بن
القاسم عنه أن ليس بالكثير الماء، قال أبو عمر بن عبد البرّ: في هذه المسألة
خمسة أقوال:
الأول: قال ابن عمر: لا بأس أن يغتسل الرجل بفضل المرأة ما لم تكن
حائضا أو جنبا.
الثاني: الكراهة أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل.
الثالث: الكراهة في أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، والترخيص أن
تتطهر المرأة بفضل وضوء الرجل.
الرابع: أنّهما إذا شرعا جمعيا في التطهير فلا بأس به، وإذا خلت المرأة
بالطهور فلا خير في أن يتوضأ بفضل طهورها، وهو قول أحمد بن حنبل.
الخامس. لا بأس أن يتوضأ كل واحد منهما بفضل طهور الآخر/شرعا،
جمعيا أو خلا كل واحد منهما به، وعليه فقهاء الأمصار والآثار في معناه
متواترة، وذكر ابن المنذر معناها وقال: وبه نقول.
الوضوء بالنبيذ
حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: نا وكيع عن أبيه وثنا
محمد بن يحيى، نا عبد الرزاق عن سفيان عن أبي فزارة العبسي عن أبي زيد
مولى عمرو بن حريث عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال ليلة
[ ١ / ٢١٩ ]
الجن: " عندك طهور؟ قالا: لا، إلّا شيء من نبيذ في إداوة، قال: تمرة طيبة
وماء طهور فتوضأ " (١)، نا العباس بن الوليد الدمشقي، نا مروان بن محمد
بن لهيعة، نا قيس بن الحجاج عن حفص الصنعاني عن عبد الله بن عباس أن
رسول الله ﷺ قال لعبد الله بن مسعود ليلة الجن: " أمعك ماء؟ قال: لا، إلا
نبيذ في سطيحة، فقال ﵊: تمرة طيبة وماء طهور، صب
علي، قال: فصببت عليه " هذا حديث قال فيه الحافظ أبو الحسن علي بن
الفضل المقدسي: نقلته من خطّ ابن سالس البرزالي حديث صحيح، وما
تركوه إلا بسبب أبي فزارة، وأبي زيد؛ لأنهما غير معروفين، وأبو فزارة اسمه
راشد بن كيسان، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث. انتهى كلامه. وهو حديث
معلل بأمور:
الأولى: جهالة حال أبي زيد وضعف حديثه، فقد قال الترمذي عند
تخريجه: إنّما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي- عليه
_________________
(١) باطل. رواه أبو داود (ح/٨٤) والترمذي (ح/٨٨) وأحمد في " المسند " (١/٤٢، ٤٥٠) . قلت: وأبو زيد رجل عند أهل الحديث مجهول لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، ويقال: أبو زيد إنه المخزومي مولى عمرو بن حريث، ولا يعرف اسمه. وقال أبو داود: كان أبو زيد نباذا بالكوفة. ونقل الزيلعي في نصب الراية (١/٧٢) عن كتاب الضعفاء لابن حبان قال: " أبو زيد شيخ يروى عن أبن مسعود، وليس يدري من هو، ولا يعرف ولا بلده، ومن كان هذا النعت ثم روى خبرا واحدا خالف فيه الكتاب والسنة والإِجماع والقياس: استحق مجانبة ما رواه ". ونقل عن ابن عدي عن البخاري قال: " أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ: مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، ولا يصح هذا الحديث عن النبي ﷺ، وهو خلاف القرآن ". ونقل ابن عبد البر في الاستيعاب قال: " أبو زبد مولى عمرو بن حريث مجهول عندهم، ولا يعرف بغير رواية أبي فزارة، وحديثه عد ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ منكر لا أصل له، ولا رواه من يوثق به، ولا يثبت. وقال ابن أبي حاتم في العلل (رقم ١٤ ج ١ ص ١٧): " سمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي فزارة ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول ". وقْد ضعف الطحاوي في معاني الآثار أسانيد حديث ابن مسعود في هذا كلها، واختار اَنه لا يجوز الوضوء به في حال من الأحوال. انظر شرح معاني الآثار (١/٥٧- ٥٨) .
[ ١ / ٢٢٠ ]
السلام- وأبو زيد رجل مجهول عند أهل العلم لا يعرف له رواية غير هذا
الحديث. انتهى، وفيه نظر من حيث زعمه أن أبا زيد تفرّد به عن ابن
مسعود؛ لرواية جماعة نحوه عنه منهم عمرو التعالى الصحابي. ذكره الحاكم
أبو أحمد في كتاب الكنى، فقال: نا أبو القاسم البغوي، نا عبد الأعلى بن
حماد البُرسي معتمر سليمان عن أبيه، أخبرني أبو تميمة/عن عمرو- لعلّه قد
قال البقال- عن عبد الله بن مسعود أنه قال: " استتبعني النبي ﷺ قال
فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا … " فذكر حديث ليلة الجن ومنهم أبو
رافع. ذكر حديثه أبو عبد الله الحاكم من جهة أبي سعيد مولى أبي هشام عن
حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال له ليلة
الجن: " أمعك ماء؟ قال: لا، قال: أمعك نبيذ؟ قال: نعم، قال: فتوضأ به "
قال الجوزجاني: هذا حديث باطل، وقال أبو عبد الله: تفرد به أبو سعيد عن
حماد، وفيما قاله نظر؛ وذلك أن الدارقطني لما ذكره من جهة أبي سعيد قال:
علي ضعيف، وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود، وليس هذا الحديث
في مصنفات حماد، وقد رواه أيضًا عبد العزيز بن أبي زرعة- وليس هو
بقوي- عن حماد مثله، فهذا عبد العزيز قد بايع آراء سعيد، وفي قول أبي
الحسن وأبو رافع: لم يثبت سماعه من ابن مسعود نظر من حيث كونه جاهليا
من كتاب التابعين، قال أبو عمر: روى عن أبي بكر وعمر وابن مسعود، فمن
كان بهذه المتابعة لا ينكر سماعه من ابن مسعود، لا سيما وقد جمعهما
العصر والبلد، وفي قوله: لم يثبت، إشعار بعدم النفي، إذ لو كان ثابتا عنده
لجزم به كعادته، ويشبه أن يكون روايته عنه إنّما جاءت على لسان متكلّم فيه؛
فلذلك قال: لم يشا، وفي كلامه أيضا إشعار بترجيح مذهب من يشترط أنّه
لابُدّ من أن يعرف سماعه من المروى عنه ولئن كان كذلك فهو مذهب
مرجوح، أطنب مسلم- رحمه الله تعالى- في الردّ على قائله، وفي قوله
أيضا: وليس هذا الحديث من مصنفات حماد نظر؛ لأن المصنف الكبير لا
يذكر في جميعه جميع روايته إمّا بعدم استحضاره له، أو لكونه لم يرفضه،
وقد يحتمل أن يكون ذكره في مصنف لم يره الدارقطني،/وذلك مأخوذ من
[ ١ / ٢٢١ ]
قوله: مصنفاته بغير إله الحضر لماّ نظر وحكاه غاليا- والله أعلم- فعلى ما تقرر
شبه أن يكون أمثل أسانيد هذا الحديث ومنهم: أبو عبيدة بن عبد الله بن
مسعود وأبو الأحوص، نا بذلك الشيخ المسند المعمر حسن بن عمر بن
عيسى بن خليل الكردي من لفظه، قال: نا أبو المنجا عبد الله الدقّاق، قال:
نا محمد بن عيسى المدائني، نا الحسن بن قتيبة بن يونس بن أبي إسحاق عن
أبي إسحاق عن أبي عبدة، وأبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: " مر
بي رسول الله ﷺ ذات ليلة فقال: خذ الإداوة منّى ثم انطلق وأنا معه قال:
ثم خطّ على خطا ثم قال: لا تخرج من هذا الخط قال: ثم مضى عليه
السلام فسمعت، لغطا شديدا خطّ على رسول الله ﷺ والله أحفظ لرسوله
مني فإذا هم وفد الجن، فلما انصرف النبي﵇- قال: فأتاني
فقلت: يا رسول الله: سمعت لغطا شديدا قال: هذا. وفد أهل نصيبين من
الجن أتوتي قال: فلما قمت تبعوني يسألوني الرزق فأمرت لهم بالعظام
والروث قال: ثم تبرز ثم جاء فقال: ناولني ثلاثة أحجار فناولته حجرين وروثه
قال: فرمى بالروثة وقال: هذا ركس أو رجس قال: فلما أفرغت عليه من
الإِداوة إذا هو نبيذ، فقلت: يا رسول الله، أخطأت بالنبيذ فقال: تمرة حلوة
وماء عذب " (١) ولما ذكره الحاكم قال: لم نكتبه إلا بهذا الإِسناد؛ والحمل فيه
على محمد بن عيسى المدائني، وهو واهي الحديث، وذكره البيهقي في
الخلافيات نحوا من الذي يقدم، وزاد، والحديث باطل بالمرة، وفيما قاله نظر؛
لأن الخطيب ذكر في تاريخه: سمعت البرقاني يقول (٢) وسأله عنه مرة
_________________
(١) تقدم. ورواه أبو داود (ح/٨٤) والترمذي (ح/مه) وابن ماجة (ح/٣٨٤، ٣٨٥) والحاكم. وأحمد في " المسند " (١/٤٤٩، ٤٥٠، ٤٥٨) وعبد الرزاق في " المصنف (٦٩٣) وابن أبي شيبة في " المصنف " (١/٢٦) والكنز (١٥٢٣٣، ٢٧٤٩٨) وابن كثير في " تفسيره " (٧/٢٧٧) والقرطبي في " تفسيره " (١٣/٥٢، ١٦/٢١٢) والدارقطني في " سننه " (١/٧٨) والبيهقي (١/١٠) . قلت: وهذا حديث ضعيف. ضعفه الشيخ الألباني ومن قبله إلى داود كما في إسناد حديثه. انظر للشيخ الألباني. ضعيف ابن ماجة (ح/٨٤، ٨٥) وضعيف أبي داود (ح/ ١٠) والمشكاة (٤٨٠) .
(٢) بياض " بالأصل ".
[ ١ / ٢٢٢ ]
أخرى فقال: لا بأس به، وسألت اللالكائي عنه فقال: صالح ليس يدفع عن
السماع لكن كان الغالب عليه؛ لكونه جعله جاما لترجمته وذلك عادته فيما
ذكره عن نفسه، وأما/الدارقطني فقال: تفرد به الحسن بن قتيبة عن يونس بن
أبي إسحاق، والحسن ومحمد بن عيسى المتقدم ضعيفان، وفيما قاله نظر لما
أسلفنا من حال محمد، والحسن ممن قال فيه ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به،
قاله يعقوب بن سفيان، ومن كان بهذه المثابة لا يقال فيه: ضعيف ليُردّ
حديثه، وإّنما الموثق ما ذكره البخاري في الصغير قال عمرو: قلت لأبي عبيدة
أكان أبوك مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال: وذكره البخاري في الأوسط
والصغير فقال: لا يصح ومنهم عبد الله بن سلمة ذكره الحافظ أبو الحسن بن
المظفر في كتاب غرائب حديث شعبة عن عمرو بن مرّة عن عبد الله بن
سلمة عنه، وذكره البخاري في الأوسط والصغير فقال: لا يصح ومنهم
قابوس بن أبي طبيان عن أبيه نا ابن مسعود نحوه ومنهم عبد الله بن عمرو بن
غيلان الثقفي ذكره الإِسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير عنه،
وذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل وأعله بجهالة حال ابن غيلان هذا،
وقال الدارقطني: يقال: اسمه عمرو ونيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان، وفي
الخلافيات قيل: عن فلان عن ابن غيلان وبنحوه قاله الجوزجاني ومنهم
علاء بن رباح ولم يسمع به ولم يره ولم تبلغه سنة ذكره البيهقي في
الخلافيات، ومنهم عبد الله بن عباس من طريق ابن لهيعة عن حنش الصنعاني
ذكره ابن ماجة ثنا وقال البيهقي: تفرّد بها ابن لهيعة ومنهم أبو وائل شقيق ابن
سلمة. ذكره الدارقطني من جهة الحسين بن عبد الله العجلي وقال: كان
وضاعًا، قال الحاكم أبو عبد الله فيما ذكره أبو بكر في الخلافيات: ومنهم
ابن لعبد الله، روى أبو عبيدة بن عبد الله عن طلحة بن عبد الله عنه أن أباه
حدثه، قال البخاري في التاريخ الأوسط: ولا نعرف لطلحة سماعًا من ابن
عبد الله، وأما حديث أبي عثمان النهدي عن عبد الله حين خرج مع النبي،
فسنده صحيح، ورواه الدارقطني في مسند عبد الله بن زيد عن أبي هارون، نا
إبراهيم التيمي عن أبي عثمان،/وأما حديث أبي تميمة العُجيمي وعمرو البكالي
[ ١ / ٢٢٣ ]
عن ابن مسعود، وليس في حديث واحد منهما ذكر نبيذ التمر، إنّما ذكر
خروجه مع النبي ﷺ تلك اللّيلة على اضطراب في إسناد حديثهما، وعلى
هذا فلا تقوم بهما حجة، وأبو عثمان بن شيبة ذكره ابن شاهين في كتاب
الناسخ والمنسوخ من طريق ضعيف، كذا ذكره البيهقي، وفيه نظر؛ لأنّ حديث
عمرو سنده صحيح، ورواه الدارقطني عن غيلان المعمر قال: قال أبي: حدّثني
عمرو البكالي فذكره، فقد ثبت بمجموع ما تقدّم أنله لم يروه أبو زيد عن ابن
مسعود وحده، كما يفهم من كلام الترمذي المنكر، والله أعلم.
رجعنا إلى ذكر أبي زيد ومن جهله، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة
يقول: حديث أبي فزارة ليس بصحيح- يعني في الوضوء بالنبيذ- وأبو زيد
مجهول وذكر في العلل نحو من هذا، وقال أبو عبد الله البخاري أبو زيد
رجل مجهول لا يعرف أبوه ولا بلده، قال أبو أحمد الحاكم: هو رجل
مجهول لا يوقف على صحة كنيته واسمه، ولا يعرف راويًا عن أبي فزارة ولا
رواية من وجه ثابت إلا حديث النبيذ، وقال البخاري في كتاب الناسخ
والمنسوخ: وأبو زيد لا يعرف وما يدري أين هو؟ وقال الجورباني: منهم من
سمّاه ومنهم من كنّاه، ولكنه رجل مجهول، وقال أبو عمر في كتاب
الاستغناء: هو عند أهل الحديث رجل مجهول، روى عن ابن مسعود حديثًا
منكرًا لم يتابع عليه، ولم يرو عنه غير أبي فزارة، ولا يصح حديث أبي زيد
هذا عند أهل الحديث، ولا قال به أحد من أهل الحجاز، ولا رواه من يوثق
به ولا يثبت، وقال أبو الحسن محمد بن محمد بن عبد الله الباهلي في
مسند عبد الله بن مسعود- تأليف أحمد بن إبراهيم الدورقي وهذا الحديث
يدخله شيئان، أحدهما: أن يكون هذا من قبل حفظ الباطن، والوجه الآخر:
أن يكون قوله: ما رأيت مثلهم إلا ليلة الجن حين رأى ناسًا من الزط يعني:
ما علمت إلَّا ما علمت من رسول الله ﷺ/؛ لأن الصحيح عن ابن مسعود
أنه قال: " ما كنت ليلتئذ مع النبي﵇- " وقال أبو أحمد
الكرابيسي: وفي هذا الخبر إبطال كتاب الله تعالى وذلك أن الله تعالى قال:
[ ١ / ٢٢٤ ]
(فلم تجدوا فتيمموا صعيدا طيبا) (١) وقال ﵇ لعمار: " إن لم
تجد الماء فعليك بالصعيد " (٢) وقد اجتمعت الأمة أنه لا يتوضأ بغير الماء، ولا
يغتسل به من الجنابة مثل الخل ونبيذ التمر والعسل وماء العصفر يومًا أشبه
ذلك، ولا يثبت في هذا الباب من هذه الرواية حديث، بل الأخبار الصحيحة
عن ابن مسعود ناطقة بخلافه، وقال أبو جعفر الطحاوي: هذه الطرق لا تقوم
بها الحجة عند من يقبل خبر الواحد، وقال أبو بكر بن المنذر: حديث ليس
بثابت، وقال ابن عدي: ولا يصح هذا الحديث عن النبي﵇-
وهو خلاف القرآن، وبنحوه قاله الترمذي، وفي علل الحربي: وأبو زيد رجل
مجهول، وقد روى حديثه هذا عن أبي فزارة سبعة أنفس، وقالوا خمسة
أقاويل: فقال إسرائيل ووكيع وشريك وسفيان: عن أبيِ زيد، وقال أبو العميس:
عن زيد، وقال عبد الملك بن أبي سليمان: عن عبد الله بن يزيد بن الأصم،
وقال ليث: عن رجل، وقال عبد الملك بن أبي سليمان: عن عبد الله بن
يزيد بن الأصم، وقال ليث: عن رجل، وقال أبو عبد الله الشهري: عن شريك
أنه حدّثه عن أبي زائدة خلاف ما حكاه عن سعدونة، والقول قول من قال
عن أبي زيد.
الثاني: التردد، في أبي فزارة، هل هو راشد بن كيسان أم لا؟ فالذي
يظهر من كلام أحمد أنهما رجلان، فإنه قال: أبو فزارة في حديث ابن
مسعود رجل مجهول، وكذلك ذكره البخاري، ولكنه جعل راوي حديث
النبيذ راشد بن كيسان، ولما ذكر بحشل في تاريخ واسط حديث أبي فزارة
قال: سألت أنسًا عن الركعتين قبل المغرب، قال: ليس هذا أبو فزارة
_________________
(١) سورة النساء آية: ٤٣.
(٢) حسن. رواه أبو داود في: ا- كتاب الطهارة، ١٢١- باب التيمم، (ح/٣١٨) . ولفظه: " حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة حدثه عن عمار بن ياسر أًنه كان يُحدث أًهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم للصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم.
[ ١ / ٢٢٥ ]
الكوفي، ذاك راشد بن كيسان، وقال ابن عدي: مداره على أبي فزارة، وهو
مشهور، واسمه راشد، وكذا سمّاه الدارقطني وأبو عمر وقال: روى عنه
الثوري وعلي بن عباس وجعفر بن ريّان/وشريك، وهو ثقة عندهم، ليس به
بأس، وذكر إسحاق بن منصور عن ابن معين: أبو فزارة ثقة، وقال في موضع
آخر: أبو فزارة العبسي كوفي، روى عن مصقلة بن مالك: روى عنه الثوري،
فلا أدري أهما اثنان أم واحد، وقد خرج عبد الرزاق في أماليه التي رواها عنه
الرمادي، فقال: أخبرني الثوري عن أبي فزارة العبسي، وأما النسائي فلم يذكر
في كتاب الكني غير راشد، فعلى قول البخاري ومن بعده يكون قول من قال
فيه مجهول غير جيد، لا سيما على قول الحربي من أن سبعة رووه عنه،
وذكر جماعة من العلماء، فأين مطلق الجهالة مع هذا؟ والله أعلم. وأما قول
ابن الجوزي في كتاب التحقيق: فإن قيل أبو فزارة اسمه راشد بن كيسان
أخرج عنه مسلم؛ فلذلك قال الدارقطني: أبو فزارة في حديث النبيذ اسمه
راشد، فجوابه من وجهين أحدهما أنهما اثنان؛ والمجهول هو الذي في هذا
الحديث، ودليل هذا قول أحمد: أبو فزارة في حديث ابن مسعود مجهول،
فاعلم أنه غير المعروف. الثاني. أن معرفة اسمه لا تخرجه عن الجهالة فيه
نظرًا لما أسلفناه.
الثالث: وهو إنكار كون ابن مسعودرضي الله عنه- وغيره شهد ليلة
الجن، وقد أسلفنا ما يدلّ على أنّه هو حضرها، ولما رأى قومًا من الزطّ قال:
هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن، وأنكر ذلك علقمة فيما ذكره مسلم في
صحيحه وأبو عبيدة ابنه فيما ذكره البخاري في الأوسط، ولما ذكره أبو جعفر
الطحاوي رجّحه مع علمه بانقطاعه قال: لأنّ الله يعلم حال أبيه وإبراهيم
النخعي فيما ذكره البيهقي، وقال في التحقيق عن اللالكائي. أحاديث الوضوء
بالنبيذ وضعت على أصحاب ابن مسعود عند ظهور العصبية، ويجاب عن
إنكار أبي عبيدة بأمرين:
الأول: ضعف الإِسناد الموصل إليه.
الثاني: ما أسلفناه من روايته عكس ذلك، وعن قول إبراهيم بانقطاعه
[ ١ / ٢٢٦ ]
ويشبه أنّه إنّما أخذه عن علقمة، وعن قول علقمة بأن عبد الله لم يشهد الجن،
وما قالوا وصدق/في ذلك كان في الخط الذي خطه له المصطفى ﷺ ولهذا
إنك لا تجد رواية ضعيفة ولا صحيحة أنه شهد الجن، إنما يقولوا: ليلة الجن،
وذلك بيّن في حديث أبي الأحوص المتقدّم، وأن الوضوء بالنبيذ كان بعد
مجيئه ﵇ من عند الجن، ومال الطحاوي﵀- إلى أن ابن
مسعود لم يحضرها، ويزيد ذلك وضوحَا ما ذكره الكرابيسي في كتاب
المدلّسين من تأليفه: أخبرني من سمع عبد الرزاق يحدّث عن أبيه عن ميناء
عن عبد الله أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: " يا عبد الله نعيت إلى نفسي "
الحديث في ذكر الخلافة، وحديث التيمي عن أبي عثمان النهدي عن عبد
الله: " أنّه رأى ناسَا من الزطّ فقال: ما رأيت شبههم إلا ليلة الجن مع
النبي﵇- " وأمّا قول اللالكائي فظاهر في التعصب، والله أعلم.
ويزيد ذلك وضوحا حضور الزبير بن العوام ليلة الجنّ. روى ذلك الإِسماعيلي
عن موسى ابن جعفر بن يعقوب بن سفيان، نا سليمان، نا أبو محمد الفقيه بن
الوليد، حدّثني نمير بن يزيد الحمصي- معروف حسن الحديث- عن أبيه عن
عمه مجاهد ابن ربيعة، نا الزبير بن العوام قال: " صلى بنا النبي- عليه
السلام- صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما فرغ قال: أيكم يتبعني إلى وفد
الجن الليلة " (١) الحديث. وأيما مر رجل فلم يجزم بعدم حضوره، لكنه تردد،
قال الأثرم: سألت أبا عبد الله الذي يصح عندك أن النبي﵇-
صحبه عبد الله ليلة الجن؟ فقال: لا أدري، وقال ابن السند في كتاب
استيعاب الخلاف: أما أوجبت التعارض أن الذي روى الحديث الأول- يعني
حديث عبد الله- أسقط منه كلمة، وإنّما الحديث ما شهدها أحد غيري،
ومال الطحاوي﵀- إلى أن ابن مسعود لم يحضرها فقال: فهذا
الباب إن كان من طريق الإِسناد؛ فهذا الحديث الذي فيه الإِنكار أولى- يعني
حديث علقمة- لاستقامة طريقه ومتنه وثبت/رواته، وإن كان من طريق النظر
فإنا قد رأينا الأصل المتفق عليه، أنه لا يتوضأ بنبيذ الزبيب ولا بالخل، فكان
_________________
(١) أثبتنا تمام لفظ الحديث من " الثانية ".
[ ١ / ٢٢٧ ]
النظر على ذلك أن يكون نبيذ التمر أيضًا كذلك، وقد أجمع العلماء أن نبيذ
التمر إذا كان موجودا في حال وجود الماء أنّه لا يتوضأ به؛ لأنه له ليس ماءً
فكما كان خارجًا عن حكم المياه في حال وجود الماء، كان كذلك هو في
عدم الماء، وتوضأ النبي ﷺ كان وهو غير مسافر، فلو ثبت هذا الأثر أنّ النبيذ
يجوز التوضيء به في البوادي والأمصار، ثبت أنّه يجوز التوضيء به في حال
وجود الماء وعدمه، فلما أجمعوا على ترك ذلك والعمل بضدّه ثبت بذلك
تركهم الحديث، وخرج حكم ذلك النبيذ من حكم سائر المياه، وثبت بذلك
ألَّا يجوز التوضيء به في حال من الأحوال، وهو قول أبي يوسف وهو النظر
عندنا، والأول قول أبي حنيفة، وفي تاريخ الموصلي من حديث شريك عن
أبي فزارة أن النبي ﷺ قال: " قد أمرت أن أتلوا على إخوانكم الجن فليقم
معي من ليس في قلبه مثقال خردلة من غش "، وفى سنن الدارقطني من جهة
المسيب بن واضح، نا مبشر بن إسماعيل الحلبي عن الأوزاعي عن يحيى بن
أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ: " النبيذ وضوء من
لم يجد الماء " قال: ووهم فيه في موضعين: في ذكره ابن عباس، وفي ذكره
النبي﵇-، والمحفوظ في قول عكرمة غير مرفوع إلى النبي- عليه
السلام- ولا إلى ابن عباس والمسيب ضعيف، وقد رواه جماعة، وهو ضعيف
عن أبان، وهو متروك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا، ولما ذكره الجوزجاني
قال: هذا حديث باطل، والصحيح رأى عكرمة غير مرفوع، ولما ذكره البيهقي
في الخلافيات قال: هذا الحديث واهي، وروى أبو إسحاق السبيعي عن الحرث
ومزيدة بن جابر عن علي أنه كان لا يرى بالوضوء به بأسًا، قال ابن المنذر:
وهو قول الحسن البصري والأوزاعي، قال الدارقطني: وبه قال/ابن عباس
وعكرمة، قال الترمذي: وبه قال الثوري: وروى عن أبي العالية نحوه، وذهب
بعضهم إلى أنّه لو صح لكان منسوخَا؛ لأنه كان بمكة في صدر الإسلام وقوله
تعالى: (فلم تجدوا ماءً) نزل في غزوة المريسيع، وممن قالَ ذلك ابن
القصار من المالكية وغيره، وأما قول أبي حنيفة: لا يجوز الوضوء بشيء من
الأنبذة إلا نبيذ التمر، ففيه نظر؛ لما روى الدارقطني عن أبي العالية أما كان
ذلك ريب وما واصل النبيذ الطرح والرفض قال الله تعالى: (فنبذوه وراء
[ ١ / ٢٢٨ ]
ظهورهم) (١) وإذا أردت عمله لتطهير قلت: نبذت النبيذ بغير إلف. ذكره
ثعلب وكراع وابن السكيت القزاز، وأما ما ذكره ابن درستويه من أن قول
العامة: أنبذت خطأ، فيشبه أن يكون وهم؛ لأنّ جماعة من اللغوين ذكروا
ذلك فلا عيب على العامة، قال اللحيائي في نوادره: وأنبذت لغة ولكنّها
قليلة، وبنحوه ذكره ثعلب في كتاب فعلت وأفعلت، وابن سيدة في المحكم،
قال: والانتباذ قيل: هو المعالجة أو الوضوء بماء البحر. حدّثنا هشام بن
عمار، نا مالك بن أنس، حدّثني صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة- هو
من آل ابن الأزرق- أن المغيرة بن أبي بردة- وهو من بني عبد الدار- حدّثه
أنه سمع أبا هريرة يقول: ْ " جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنا
نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء
البحر؟ فقال رسول الله ﷺ: " هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته " (٢) . هذا
الحديث قال فيه أبو عيسى لما أخرجه: هذا حديث حسن صحيح، قال:
وسألت محمدًا عنه فقال: هو حديث صحيح، قال أبو عمر بن عبد البر: ما
أدري ما هذا من البخاري، فإن أهل الحديث لا يحتجون بمثل إسناد هذا
الحديث، ولو كان صحيحًا عنده لوضعه في كتابه، والحديث عندي صحيح؛
لأن العلماء تلقوه بالقبول وحاصل ما يعبد به على هذا الحديث أربعة أوجه:
أحدها: الجهالة بشعبة بن سلمة والمغيرة،/وادعى أنه لم يرو عن سعيد غير
صفوان، ولا عن المغيرة غير سعيد، وفي موضع آخر: وليس إسناده مما يقوم به
حجة رجلان غير معروفين يحمل العلم. انتهى كلامه، وفيه نظر من وجوه:
الأول: قوله: ولو كان صحيحًا لوضعه في كتابه، وذلك أنه هو قد أخبر
_________________
(١) سورة آل عمران آية: ١٨٧.
(٢) صحيح. رواه أبو داود (ح/٨٣) والترمذي (ح/٦٩) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي (١/٥٠، ١٧٦) وابن ماجة (ح/٣٨٦، ٣٨٧، ٣٨٨) وأحمد في " المسند " (٢/ ٢٣٧، ٣٦١، ٣/٣٧٣، ٥/٣٦٥) والدارمي (١/٢٨٦، ٢/٩١) والبيهقي في " الكبرى " (١/٣، ٤/٢٥٤، ٩/٢٥٢، ٢٥٦) والموطأ (٢٢، ٤٩٥) والحاكم في " المستدرك " (١/ ١٤١، ١٤٢، ١٤٣) وابن أبي شيبة في " مصنفه " (١/١٣٠) وابن حبان في " صحيحه " (١٩٩، ١٢٠) والطبراني في " الكبير " (٢/٢٠٣) . وكذا صححه الشيخ الألباني.
[ ١ / ٢٢٩ ]
عن نفسه أنه خرج كتابه هذا من مائة ألف حديث صحيحة قال: ولم أخرج
هنا إلا ما أجمعوا عليه، فهذا صحيح غير مجمع عليه.
الثاني: ما ادّعا أنّه لم يرو عن سعيد غير صفوان، وليس كذلك بل يروي
عنه أيضًا الجلاخ أبو كثير فيما ذكره النسائي في كتاب السنن، والحاكم في
المستدرك، والبيهقي في كتاب السنن الكبير بلفظ: " كا عند النبي ﷺ يومَا
فجاء صيّاد فقال: يا رسوَل الله إنا ننطلق في البحر نريد الصيد فيحمل معه
أحدنا الإداوه وهو يرجو أن يأخذ الصيد حتى يبلغ من البحر مكان لم يظن أن
يبلغه، فلعله يحتلم أو يتوضأ، فإن اغتسل أو توضأ نفذ الماء، فلعل أحدنا يهلكه
العطش فهل ترى في ماء البحر أن يغتسل منه أو يتوضأ به إذا خفنا ذلك؟
فزعم أن رسول الله ﷺ قال له: " اغتسلوا به وتوضؤوا منه فإنه الطهور ماؤه
الحل ميتته ".
الثالث: المغيرة روى عنه غير سعيد، وهو يحيى بن سعيد ويزيد بن محمد
القرشي. فيما ذكره البيهقي وعبد الله بن أبي صالح من رواية ابن وهب عنه.
ذكره أبو بكر في رياض السوس، والحرث بن يزيد ويزيد بن أبي حبيب وعبد
العزيز بن صالح وأبو مرزوق التجيبي وموسى بن الأشعث البلوي وغيرهم. فيما
ذكره ابن يونس، وقال عبد الغني وصفوان بن سليمان وعبد الله ابنه فيما
ذكره أبو حصن أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد في كتابه التعريف تصريح
التاريخ.
الرابع: جهالة سعيد مرتفعه، فذكره عند من خرّج حديثه مصححًا له ممن
أسلفناه، وممن نذكره بعد حتى قال ابن مندة واتفاق صفوان والجلاخ مما
يوجب شهادة سعيد والنسائي، قال: هو ثقة.
الخامس:/جهالة حال المغيرة مرتفعة بما ذكرنا في سعيد، ويقول ابن منده
اتفاق يحيى وسعيد على المغيرة مما يوجب شهرته، وبنحوه قال في المستدرك،
ولما سئل عنه أبو داود: قال هو معروف من آل الأزرق، ولما ذكره ابن حبان
في كتاب الثقات قال: ومن أدخل بينه وبين أبي هريرة أبَا فقد وهم، وقال
ابن عبد الحكم في كتابه فتوح مصر: لما قيل يزيد بن مسلم بإفريقية اجتمع
[ ١ / ٢٣٠ ]
الناس على رجل يقوم بأمرهم إلى أن يأتي يزيد بن عبد المالك، فرضوا بالمغيرة
فخوف فلم يرض، فاجتمعوا على محمد بن أوس فلما سمع الخليفة بذلك
قال: أما كان بالبلدين من قريش أحد؟ قيل: بلى المغيرة بن أبي بردة،
قال: قد عرفته قال: فما باله لم يقم؟ قيل أبي ذلك وأحب العزلة، وقال أبو
بكر عبد الله بن محمد المالكي في كتاب طبقات علماء القيروان: كان المغيرة
قد حالف بني عبد الدار، من أهل الفضل، كثير الصدقة، لا برد سائلًا يسأله
غزا، وهو أبو عبد الله بن المغيرة قاضي القيروان لعمر بن عبد العزيز سنة تسع
وتسعين، وكان زاهدا دينا عادلا ورعًا فاضلا تابعيا أيضا، وذكره أبو العرب
فيمن دخل إفريقية من أجلًه التابعين، وقال ابن يونس في تاريخ علماء مصر:
ولى غزو البحر لسليمان بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين، والبعث من مصر
لعمر بن عبد العزيز سنة مائة، وولده بإفريقية إلى اليوم، قال ابن أبي خلف:
شهد قتل أصحاب يزيد بن المهلب، وممن صححه أيضًا أبو حاتم البستي، ثم
قال: وذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذه الستة تفرد بها سعيد بن
سلمة، فذكر حديث جابر الآتي بعد، ورجّح ابن منده صحته، وقال ابن
المنذر: ثبت أن النبي﵇- قال في البحر: " هو الطهور ماؤه "
وقال البيهقي: هو حديث صحيح، وإنما لم يخرجه البخاري في الصحيح
لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة، وذكره الجارود في
المنتقى. نا النسخ المسند المعمر مجد الدين إبراهيم بن علي بقراءتي عليه،
أخبركم الإِمام الرحّال صدر الدين أبو علي الحسن بن محمد بن محمد
/البكري إجازة- إن لم يكن سماعا- نا أبو روح عبد المعز محمد بن أبي
الفضل الهروي قراءة عليه، أخبركم أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد
السحامي قراءة عليه وأنت تسمع، نا أبو سعيد محمد بن عبد الرحمن
الجندرودسي، نا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة بن
المغيرة بن صالح السلمي النيسابوري، حدثني الإِمام أبو بكر بجمع كتاب
الصحيح من تأليفه قال: نا يونس بن عبد الأعلى الصفدي، نا ابن وهب أنّ
مالكًا حدثه يحيى بن حكيم، نا بشر يعني ابن عمر الزهراني، نا مالك، نا
صفوان عن سعيد بن سلمة فذكره قال: هذا حديث يونس، وقال يحيى: عن
[ ١ / ٢٣١ ]
صفوان، ولم يقل من آل ابن الأزرق ولا من بني عبد الدار، وقال: نركب
البحر أزمانًا، والحاكم في المستدرك، ومع ذلك فقد أعل بأمور منها:
الاختلاف في سعيد بن سلمة، فيما ذكره البيهقي في السنن الكبير، فقيل: عن
سلمة بن سعيد وقيل: عن عبد الله بن سعيد المخزومي، وقيل: من آل ابن
الأزرق، وقيل: من آل بني الأزرق، ومنها: الإِرسال فيما ذكره أبو عمر من أن
ابن عمير الحميدي والمخزومي رووه عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن
رجل من أهل المغرب يقال له المغيرة إن أناسًا من بني مدلج أتو النبي ﷺ
فقالوا: الحديث بمعنى حدّث مالك، قال: ويحيى بن سعيد أحفظ من
صفوان، وأمّا عن سعيد بن سلمة، ومنها: الاضطراب واختلاف الروايات. قاله
ابن إسحاق، فرواه عن يزيد بن أبي حبيب عن الجلاخ عن عبد الله بن سعيد
المخزومي عن المغيرة عن أبيه عن أبي هريرة قال: " أتى رجال من بني مدلج "
وفي رواية عن ابن إسحاق سلمة بن سعيد عن المغيرة حليف بني عبد الدار
عن أبي هريرة. ذكره السراج في مسنده وفي البيهقي، واختلف في رواية
يحيى بن سعيد اختلافًا كثيرًا، فقيل: عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة عن
رجل من بني مدلج عن النبي ﷺ/هذه رواية أبي عبيد القاسم بن سلام عن
هشيم عنه، ورواه بعضهم عن هشيم فقال: عن المغيرة بن أبي برزة- وهو
وهم- وحمل أبو عيسى الوهم فيه عن هشيم. انتهى كلامه، وفيه نظر من
حيث ألزم الوهم هشيم، أو ليس بالذم له إذا اتفق الرواة عنه في ذلك فأما وقد
اختلف عليه فلا، وقد تقدّمت رواية أبي عبيد عنه على الصواب، والله أعلم.
قال البيهقي: ورواه سفيان عن يحيى فقال: عن المغيرة بن عبد الله بن
عبدان- رجل من بني مدلج- ورواه سليمان بن بلال عن يحيى عن عبد
الله بن المغيرة الكندي عن رجل من مدلج، وقيل: عن المغيرة بن عبد الله عن
أبيه قال البيهقي في معرفة السنن: وهذه الاختلافات تدل على أنه لم يحفظه
كما ينبغي، والجواب عن ذلك أنّ من لم يحفظ لا يكون حجة على من
حفظ، وذلك أن ابن يوسف جوده عن ذلك. فيما ذكره الحافظ ابن عساكر-
﵀- في كتابه مجموع الرغائب، قال وقد جوده عبد الله بن يوسف
عن مالك عن صفوان عن سعيد، سمع المغيرة أبا هريرة، وفي كتاب التاريخ
[ ١ / ٢٣٢ ]
للبخاري، وحديث مالك أصح، قال البيهقي: وقد تابعه الليث وعمرو بن
الحرث، كلاهما عن سعيد بن سلمة عن يزيد بن محمد عن المغيرة، أمّا
الاختلاف في نسبة المغيرة فكلّه متفاوت غير ضار. قاله أبو عمر، وأمّا رواية
ابن إسحاق فقد خالفه في ذلك الليث، حيث رواه كمالك، والليث لا يقاربه
ابن إسحاق، وقد وقع لنا حديث أبي هريرة﵀- من غير طريق
المغيرة، من جهة الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه، نا بذلك
أبو النون يونس بن إبراهيم الكناني إذنًا ومناولة عن ابن الكناني المغيرة قال: نا
أبو الكرم الشهرزوري قال: أبو الحسن بن المهتدي في كتابه عن أبي الحسن
علي بن مهدي البغدادي الحافظ، نا يحيى بن إسماعيل، نا محمد بن عبد
الله بن منصور، نا أبو أبوب سليمان بن عبد الرحمن، نا محمد بن غزوان، نا
الأوزاعي به، ومن جهة ابن المسيب عن أبي هريرة ذكره ابن حبان في
الضعفاء من طريق عبد الله بن محمد القدلعي، نا إبراهيم بن سعد عن الزهري
عنه، ومن جهة الأعرج عن أبي هريرة ذكره ابن منده وأشار إلى عدم ثبوته في
المستدرك، وقد روى هذا، قال مالك في طريق هذا الحديث من ثلاثة أسماء
من شرط هذا الكتاب، وهم: عبد الرحمن بن إسحاق، والقداس، والحرث بن
إبرا هيم المزني، وإنّما حملني على ذلك أن نعرف العالمين أن هذه المتابعات
والشواهد لهذا الأصل الذي صدّر به مالك كتاب الموطأ، وتداوله فقهاء
الأمصار من عصره إلى وقتنا هذا " لا يرد بجهالة سعيد والمغيرة، على أنّ اسم
الجهالة مرفوع عنهما بهذه المتابعات، ورواه الدارقطني من حديث إبراهيم بن
المختار عن عبد العزيز بن عمر بن سعيد بن شهاب عن أبي هند عن أبي هريرة
ولفظه: " من لم يطهره ماء البحر فلا طهّره الله " (١) حدّثنا سهل بن أبي
سهل، نا يحيى بن أبي بكر، حدّثني الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن
بكر بن سوادة عن مسلم بن مخشي عن ابن الفراسي قال: كنت أصيد،
وكانت لي قربة أجعل فيها ماءً وإني توضأت بماء البحر، فذكرت ذلك لرسول
الله ﷺ فقال: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " هذا حديث سأل الترمذي
(١) ضعيف. رواه الدارقطني: (١/٣٩٦) .
وضعفه الشيخ الألباني. (ضعيف الجامع: ص ٨٤٣ ح ٥٨٤٣) .
[ ١ / ٢٣٣ ]
البخاري عنه فقال: هو مرسل، ابن الفراسي لم يدرك النبي ﷺ وأبوه له
صحبة، وقَال الإشبيلي: لمِ يروه فيما أعلم إلا ابن مخشي (١) وابن مخشي لم
يروه- فيما أعلم- عنه إلّا بكر بن سوادة، هذا نص ما ذكر، وخفي عليه
انقطاع حديثه، وذلك أنه من عد ابن عبد البر، ونص ما عده عن مسلم أنّ
الفراسي قال: كنت أجيد الحديث وناقض ذلك الإشبيلي حين ذكر حديث
" إذا كنت سائلَا فسل الصالحين " بقوله: ابن الفراسي لم يرو عنه إلا مسلم،
وقال أبو الحسن بن القطان: فتبيّن من هناك أن مسلما لا يروى عن الفراسي
إلا بوساطة ابنه، وليست لابنه صحبة. انتهى كلامه. وقال أبو عمر: إسناده
ليس بالقائم، وقد وقع لنا/هذا الحديث من طريق متصلة صحيحة، ذكرها أبو
بكر بن أبي شيبة في مسند قتيبة: نا ليث عن جعفر عن بكر عن مسلم بن
مخشي عن ابن الفراس أن الفراسي قال: قلت لرسول الله ﷺ " فذكر
الحديث، فهذا كما ترى أنّ الفراسي رواه عن أبيه، فذهب ما توهم البخاري
وغيره من انقطاعه، على أن البخاري قد خولف في ذلك فذكر ابن بنت منيع
في معجمه أنّ ابن الفراسي له صحبة أيضَا، وزعم ابن الأثير أنَّ ابن الفراسي
والفراسي واحد، ويشبه أن يكون وهمَا، والله أعلم، وأما بكر بن سوادة أبو
ثمامة المصري الفقيه المفتي، فروى عن سهل بن سعد الساعدي وغيره من
الصحابة، وروى عنه جماعة منهم: عمرو بن الحرث وعبد الرحمن بن زياد
والليث ابن سعد قال ابن سعد: كان ثقة- إن شاء الله تعالى- وروى له
مسلم في صحيحه، واستشهد به البخاري، وبكر بن سوادة وثقة أبو حاتم
البستي﵀- فصح بذلك الحديث، والله تعالى أعلم، ويقال في
الفراسي ولم يذكر البخاري في الكبير غيره وهو من فراس بن مالك بن كنانة
حديثه عند أهل مصر ومخرج حديثه عنهم. كذا ذكره ابن عمرو وفيه نظر؛
لأن فراسَا ليس هو ابن مالك إنما هو ابن عثمان بن ثعلبة بن مالك، قال أبو
محمد الرشاطي: وثبوتهما هو الصواب. حدّثنا محمد بن يحيى، نا أحمد بن
حنبل أبو القاسم بن أبي الزياد، حدّثني إسحاق بن حازم عن ابن مقسم
_________________
(١) قوله: " مخشي " وقع في " بعض النسخ ": " يخنس "، والصحيح ما أثبتناه.
[ ١ / ٢٣٤ ]
عبيد الله عن جابر أن النبي ﷺ سئل عن ماء البحر فقال: " هو الطهور ماؤه
الحل ميتته " هذا حديث ذكره الشيخ تقي الدين أن ابن السكن وأخرجه في
مصنفه وقال: هو أصح ما روى في هذا الباب وخالفه ابن منده في هذا
فقال: روى هذا الحديث عبيد الله بن مقسم عن جابر وعن الأعرج عن أبي
هريرة، ولا يثبت والظاهر أن القول كما قاله ابن السكن وذلك أنّ رجال
إسناده/ثقات بيانه أن أبا القاسم بن أبي الزياد لما سئل عنه أبو زرعة فقال أبيه
كيته لا يعرف له اسم وتبعه على ذلك الحافظان مسلم بن الحجاج وأبو عمرو
عنهما من المتأخرين، وخالف ذلك أبو عمرو بن الصلاح فذكر أن اسمه مبررَا
بذلك قاضي قضاة بدر الدين ابن جماعة فقال قاضي القضاه تقي الدين ابن
رزين بن الصلاح وأنبأنا به جماعة من شيوخنا الشاميين عنه به، وقال
العباس بن محمد سئل عنه يحيى بن معين فقال: ليس به بأس قد سمع منه
أحمد، قرأة على الشيخ المعمر أبي بكر المقدسي أخبركم ابن رواح إجازة أن
لم يكن سماعَا- نا الحافظ أبو طاهر قراءة عليه وأنا أسمع بثغر الإسكندرية
في يوم الأحد العشرين من جمادي الأولى سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة، نا
الشيخ أبو القاسم محمود بن سعادة بن أحمد بن يوسف بن عمران الهلالي
بثغر سلماس من أصل سماعه سنة ست وخمس مائة، نا أبو يعلي الخليل بن
عبد الله القزويني قدم علينا سنة اثنين وعشرين وأربع مائة، ثنا أبي عن علي بن
إبراهيم بن سلمة القطان، نا علي بن أحمد بن الصباح، نا أبو بكر أحمد بن
محمد بن هانئ﵀- قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل
ذكر أبا القاسم بن أبي الزياد فأنني عليه وقال: كتبنا عنه وهو شاب فأمّا
إسحاق بن حازم. وقيل: ابن أبي حازم المديني فروى عنه عبد الله بن وهب
وعبد الله بن نافع وخالد بن مخلد ومعن بن عيسى قال فيه (١) ابن معين: ثقة،
وكذلك قاله أحمد بن حنبل، وقال أبو حاتم الرازي: صحيح الإِسناد،
وأخرجه الحاكم في مستدرك علي بن قانع. نا محمد بن علي بن شعيب، نا
الحسن بن بشر، نا الماعي بن عمران عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر،
_________________
(١) " بالأصل " وردت كلمتان زائدتان.
[ ١ / ٢٣٥ ]
ورواه الدارقطني عن علي بن الفضل، نا أحمد بن أبي عمران، نا سهل بن
تمام نا مبارك بن فضالة عن أبي الزبير به، قال: وخالفه عبد العزيز بن عمران،
وليس بالقوي./وأسنده عن أبي بكر الصديق، وجعله عن وهب عن ابن
كيسان عن جابر، ولما ذكره في العلل قال: تفرد به عبد العزيز، وهو مدني
ضعيف الحديث، وقد روى عن أبي بكر من قوله غير مرفوع من رواية
صحيحة من حديث عمرو بن دينار عن أبي الطفيل عنه، ورواه ابن راطا (١)
عن شيخ له من حديث عبد الله بن عمرو عن عمرو بن دينار عن أبي الطفيل
عن أبي بكر عن النبي ﷺ ووهم في رفعه، والموقوف أصح، ولما ذكره ابن
صخر في فرائدة قال: قال لنا أبو محمد الحسن بن علي: هذا حديث غريب
من حديث أبي بكر عن النبي، انفرد بروايته بهذا الإِسناد محمد بن يحيى
المدني، وما كتبناه إلَّا من حديث عمر بن شبه، وقد حدّث به الزنادي فقال:
حدّثني أبو زيد النحوي- يعني ابن شيبة- نا محمد بن يحيى، حدّثني عبد
العزيز فذكره، وقال صاحب كتاب الوقوف على معرفة الموقوف: الصحيح
موقوف على أبي بكر، وفي هذا ردّ لما ذكره أبو عيسى، وفي الباب عن جابر
والفراسي، وفيه أيضا حديث عن ابن عباس أخرجه الحاكم في مستدركه من
حديث حماد بن سلمة عن أبي التياح عن موسى بن سلمة عنه، وقال: هذا
حديث صحيح على شرط مسلم، وشواهده، كثيرة ولم يخرجاه، وأبى ذلك
الدارقطني، وزعم أن وقفه هو الصواب، وفيه أيضا حديث عليّ بن أبي طالب.
أخرجه الحاكم من حديث محمد بن الحسين بن علي، حدّثني أبي عن أبيه
عن جدّه عنه، وفيه أيضا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. أخرجه
الحاكم من حديث الهقل بن زياد عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جدّه، وفيه أيضَا حديث أنس بن مالك به يونس بن إبراهيم إذنَا ومناولة
عن ابن المقبرّ فقال: أنا أبو الكرم الشهرزوري، نا محمد بن علي في كتابه، نا
علي بن عمر قال: نا علي بن مبشر، نا محمد بن حرب، نا محمد بن يزيد
عن أبان عن أنس به قال أبان: هو ابن أبي شيبة، وهو متروك الحديث، وفيه
_________________
(١) كذا في " الأصل ": " راطا ".
[ ١ / ٢٣٦ ]
أيضا حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب. ذكره الدارقطني، وقال:/باطل
هذا الإسناد، مقلوب، وفيه أيضَا حديث العركي، أنابه الإِمام تاج الدين ابن
دقيق العيد﵀- إجازة عن الفقيه أبي الحسن بن الحميري، قال: ثنا
الحافظ أبو الظاهر بن سلفة قال: نا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن
إبراهيم الرازي قراءة عليه وأنا أسمع بمصر قال: نا القاضي أبو الفضل محمد بن
أحمد بن عيسى السعدي قال: نا أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن
حمدان العكبري، قال: قرأ على أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد
العزيز، نا عثمان بن أبي شيبة، نا حاتم بن إسماعيل عن حميد بن صخر عن
عياش بن عباس عن عبد الله بن جرير عن العركي الذي سأل رسول الله ﷺ
قال: " يا رسول الله: إنا نركب الإِرمات فتبعد في البحر ومعنا ماء لسقاؤنا "
الحديث. قال أبو القاسم: هكذا نا عثمان عن حاتم عن حميد بن صخر وهو
وعمرو إنما هو حميد بن زياد أبو صخر المدني، وهو صالح الحديث، قال:
والعركي بلغني اسمه عندما رواه ابن قتيبة في غريبه عن القرشي، نا محمد بن
عتاب المكي، نا حاتم بن إسماعيل عن أسامة بن زيد عن عبد الرحيم عن عبد
الله ابن ذر بن الغافقي عن العركي به، وأما البحر فمختلف فيه؛ فزعم بعضهم
أن ذلك يعم العذب والملح، وقال بعضهم: بل ذلك مخصوص بالملح فقط،
ممن قال ذلك القزاز فإنه ذكر أنه سمى بذلك لسعته من قولهم: تبحر الرجل
في العلم إذا اتسع فيه، وإذا اجتمع الملح من الماء والعذب سموهما باسم الملح،
قال تعالى: (مرج البحرين يلتقيان) (١) فجعل الماء العذب بحرًا المقارنة
الملح، قال الشاعر:
وقد عاد عذب الماء بحرًا فزاد بي … على مرضي أن أهجر المشرب العذب
انتهى كلامه، وفيه تصريح بأن البحر يطلق على الملح لا العذب، وإن
أطلق فعلى سبيل المجاز، وكذا ذكره ابن فارس في محكمه بقوله: ماء بحر أي
ملح يقال: أبحر الماء إذا أملح، وفي الغريب المصنف عن الأموي
والأصمعي:/البحر هو: الملح، يقال منه قد أبحر الماء أي صار ملحَا، وكذا
_________________
(١) سورة الرحمن آية: ١٩.
[ ١ / ٢٣٧ ]
ذكره الزمخشري في أساس البلاغة بقوله: وما بحر وصف به لملوحته، وقد
أبحر المشرب العذب، قال ذو الرمة: بأرض هجان الترب وسميه الثرى غداة
فأت عنها الملوحة والبحر، وفي كلام الجوهري ما يفهم منه خلاف ذلك
لقوله: البحر خلاف البر، سمى بذلك لعمقه واتساعه، والجمع أبحر وبحار
وبحور، وكل نهر عظيم بحر، قال عدي: سره ماله وكثرة ما يملك والبحر
مُعْرضًا والسرير يعق الفرات، وقال الشافعي- رحمه الله تعالى- في كتاب
المناسك وغيره: والبحر الماء العذب والملح، وإليه نجا أبو محمد بن بري في
كتابه المسمى بالتنبيه والإِفصاح عمّا وقع في كتاب الصحاح، الذي أنا بجميعه
الشيخ تاج الدين أحمد بن علي بن وهب المعروف بابن دقيق العيد، إذنًا عن
الفقيه هاء الدين عنه قال: كان الأموي يجعل البحر من الماء الملح فقط،
قال: وسمّى بحرًا لملوحته، يقال: ماء بحر أي ملح، وأما غيره فقال: إنما
سمي بحرًا لسعته وانبساطه، ومنه قولهم: أنّ فلانًا كالبحر أي: واسع
المعروف، فعلى هذا يكون البحر للملح والعذب، وشاهد العذب قول ابن
مقبل: ونحن منا لبحر أن تشربوا به، وقد كان منكم ماؤه بمكان، وقال
جرير أعطوا هتيده بحذوها ثمانية ما في عطائهم من ولا شرف كومًا هارس
مثل الهضب لو وردت ما أنقرأت لكاد ينير (١)، وقال الكميت إناس: إذا
وردت نحوهم سوادي الغرائب لم يضرب، وقد أجمع أهل اللغة أن اليم هو
البحر، وجاء في التنزيل (فألقيه في اليم) قال أهل التفسير: هو نيل مصر،
وفي كتاب الجمهرة لابن دريد: والعرب تسمى الماء الملح والعذب بحرًا إذا
كثر، وفي التنزيل: (مرج / البحرين يلتقيان) يعني الملح والعذب وفي
كتاب الغريب لابن قتيبة، سئل ابن عباس عن الوضوء بماء البحر فقال. هما
البحران لا تبالي بأيهما توضأت، والله أعلم، وكذا ذكره الأحداني في كتاب
الكفاية التي قرأتها على غلامه، وفيه شيخ مشايخ البلاد أبي حيان عن طهر
قلب في مجلس واحد، وأخبر بها عن الشيخ الصالح المقري سيّد الدين عبد
النصير بن علي الهمداني وغيره، عن أبي الفضل جعفر بن أبي البركات،
_________________
(١) قوله: " ينير " غير واضحة " بالأصل " وكذا أثبتناه.
[ ١ / ٢٣٨ ]
وأنبأني بها جماعة من أصحاب جعفر عن أبي الصالح رضوان بن مخلوف
عن أبي الحسن علي بن الحسن بن حفص القرشي سماعًا من والده وعن أبي
محمد بن عبد الله بن المؤلف لها، أي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن
أحمد بن عبد الله الطرابلسي، كلاهما عن مؤلّفها أبي إسحاق، قال: والبحر
الماء الكثير المتسع، عذبًا كان أو ملحا، وإنما سمي بحرا لكثرته، ومن أسمائه:
اليم وإلزاما والمهرقا وحضارة، والقاموس: وسطة وغواريه: أمواجه، والحال: طيبة
وترابه، والعبر: ساحل البحر وهو الشّط والشاطئ والسيف والصيف والضفة
والجد والجدة والغبقة، ويقال: ماء رَعْرَبَ وماء تليذم وماء خضرم إذا كان كثيرا
متسعًا، وفي الغريب المصنف: والبلالق الماء الكثير، وفي كتاب الألفاظ لابن
السكيت: ماء سُعر وسعبت وطنيس وطيسل وزينب وجوار على فعال أي
كثير، وفي كتاب السيف اللسان للحميري: ولا يقولون بحر إلَّا بما كان ملحًا
خاصة، والبحر يقع على الملح والعذب. انتهى كلامه، وفيه نظر من حيث
عيبه على من يقول ذلك من الناس، ولا غيب عليهم لما أسلفناه من قول
جماعة من أهل العلم باللغة، والله أعلم.
وأما السائل فزعم السمعاني أنه العركي قال: وهو اسم يشبه النسبة-
والله أعلم- انتهى، وفيه نظر من حيث جعله اسما، وليس كذلك بل هو
نعت لمن كان صيادًا، وقد سبق بيان ذلك في الكتاب الموسوم برفع الارتياب/
في الكلام على اللباب، وملخصه ما ذكره القزاز وغيره، والعرولث الصيادون،
والواحد عركي قال زهير: يغشى الحذأة تبارعث الكثيب كما يغشى السَّفين
موج اللجة العرك، وكتب المصطفى ﷺ لقوم من اليهود: إنّ عليكم ربع ما
أخرجت نخلكم وربع ما صاد عروككم، ويزيد ذلك وضوحا قول البغوي:
قيل: اسمه عبد كما أسلفناه.
واختلف في الوضوء من ماء البحر؛ فكره الوضوء منه جماعة، منهم: أبو
هريرة وعبد الله بن عمر وأبو العالية. فيما ذكره ابن أبي شيبة في المصنف،
وفي الأشراف عن ابن المسيب: إذا لجُئت إليه تقوض منه، وقد انعقد الإِجماع
على جواز الوضوء منه فيما حكاه ابن عبد البر، وإنما كره الوضوء منه من
كرهه لما روى في بعض الأحاديث من أنّ الله تعالى يسقط فيه الكواكب يوم
[ ١ / ٢٣٩ ]
القيامة ويصيره نارًا، وفي حديث يعلي من تاريخ محمد بن إسماعيل مرفوعًا:
" البحر من جهنم، أحاط هم سرادقها، والله لا أدخله حتى أعرض على الله
تعالى " (١) وكنت لم أسمع هذا الحديث، فلما سافرت إلى الشام سنة تسع
وسبع مائة في شوال، نزلنا منزلة العريش على شاطئ البحر يوم الثلاثاء تاسعة،
وجب علي غسل، فلما أردت أن أغتسل من البحر وجدت ناسا كثيرًا مختفين
بالشاطئ فبصر فاستوضؤا، فقمت وقت القائلة فرأبت في منامي برية واسعة
ملئ جمر الهبة الكرس إذا وقد عليه، فجعلت أفكر فيه فسمعت قائلا يقول:
هذا البحر الملح صيره- أو يصيره- الله نارًا يوم القيامة، ولا تقربه فاستيقظت
فزعًا ولم أقربه ولا ماءه، فلما قدمنا من الشام ومرت علينا أعوام رأيت هذا
الحديث في كتب المسانيد، فحمدت الله تعالى الذي وفاتي سره وصدق
رؤياي الرّجل يستعين علي وضوءه فنصب عليه./حدّثنا هشام بن عمار، نا
عيسى بن يونس، نا الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن المغيرة بن
شعبة قال: " خرج النبي ﷺ لبعض حاجته، فلما رجع تلقيته بالإِداوة،
فصببت عليه فغسل يديه ثم غسل وجهه، ثم ذهب يغسل ذراعيه، فضاقت
الجبة فأخرجهما من تحت الجبة فغسلها ومسح على جبهته ثم صلى بنا " (٢)
هذا حديث أخرجه الشيخان " في صحيحيهما حدّثنا محمد بن يحيى، نا
الهيثم بن حميلي، نا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت
معوذ قالت: " أتيت النبي ﷺ بميضأة فقال: اسكبي، فسكبت فغسل وجهه
وذراعيه، وأخذ ماءً جديدا فمسح به رأسه مقدّمه ومؤخّره، وغسل قدميه ثلاثًا
ثلاثًا " (٣) هذا حديث قال فيه أبو عيسى حين خرجه: هذا حديث حسن،
_________________
(١) ضيف. الجوامع (١٠٢٧٥) والكنز (٣٥٣٤١) والتاريخ الكبير للبخاري (١/٧٠، ٨/ وضعفه الشيخ الألباني. (ضيف الجامع: ص ٣٥٠ ح ٢٣٦٦) .
(٢) صحيح متفق عليه. رواه البخاري (ح لم ٢٠٣) ومسلم في (الطهارة، ح / ٧٨) النسائي في (الطهارة، باب " ٩٥') وابن ماجة (ح/٣٨١) وأحمد في " المسند " (١ / ٣٣، ٣/٤٢١، ٤٤٣، ٤/٢٣، ٢٢٤، ٢٣٧، ٥/٢٠) .
(٣) ضعيف. رواه ابن ماجة (ح/٣٩٠) وأبو داود (ح/١٢٦)، وأحمد في " المسند " (٦/٤٦١) .-
[ ١ / ٢٤٠ ]
وحديث ابن زيد أصح من هذا وأجود إسنادًا، وفي موضع آخر قال:
وحديث الربيع حديث حسن صحيح- يعني بذلك نفس حديثها في
الوضوء- يدلّ على ذلك قوله: حديث الربيع ولم يقل هذا حديث صحيح
كعادته، وسبب ذلك الاختلاف في حال ابن عقيل فهو بحسب المتابعات
والشواهد صحيح، ومع تعذّر ذلك حسن، ولما ذكره الحاكم في المستدرك
قال: لم يحتجا بابن عقيل، وهو مستقيم الحديث مقدم في الشرف، والله
أعلم. حدّثنا بشر بن آدم حدّثنى زيد بن الحباب، حدّثني الوليد بن عقبة
حدّثني حذيفة بن أبي حذيفة الأزدي عن صفوان بن عسال قال: " صببت
على النبي ﷺ الماء في السفر والحضر في الوضوء " (١) هذا حديث إسناده
صحيح على شرط أبي حاتم البستي، أبو ربيعة رواية الوليد وحذيفة، أما حذيفة
فإن عبد الغني لم يذكره جملة، واستدركه عليه الحافظ المزني، ولم يعرف
بحاله مع كثرة نظره ونقله في كتاب الثقات لابن حبّان، حدّثنا كردوس بن
أبي عبد الله الواسطي، ثنا عبد الكريم بن روح أخو روح بن عنسبة بن سعيد
عن جدّته أم أبيه أم عياش فكانت أمة لرقيّة بنت رسول الله ﷺ قالت:
" كنت/أوضئ رسول الله ﷺ وأنا قائمة وهو قاعد " (٢) هذا حديث معلل
بأمور:
الأول: عبد الكريم بن روح، فإنه ممن قال فيه أبو حاتم: بن روح رآه
عمر بن رافع، وقال: دخلت عليه بالبصرة ولم أسمع منه، وهو مجهول، ويقال
_________________
(١) قوله: " الميضأة " مطهرة يتوضأ منها. وزنها مفعلة ومفعالة. والميم زائدة. وضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/٨٦) . قلت: والحديث حسن- دون " الماء الجديد ". انظر: صحيح أبي داود. (ح/١١٧- ١٢٢) .
(٢) ضعيف. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ٣٩- باب الرجل يستعين على وضوئه فيصب عليه، (ح/٣٩١) . وضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/٨٧) .
(٣) ضعيف. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ٣٩- باب الرجل يستعين على وضوئه فيصب عليه، (ح/٣٩٢) في للزوائد: إسناد مجهول. و" عبد الكريم " مختلف فيه. قلت: وضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/٨٨) .
[ ١ / ٢٤١ ]
أنه متروك الحديث، سمعت أبي يقول: ذلك وقال فيه الدارقطني: ضعيف،
وقال ابن حبان يخطئ ويخالف لما ذكره في الثقات.
الثاني: جهالة حال روح بن غنية فإني لم أجد له ذكرًا في شيء من
كتب الأئمة: البخاري وابن أبي حاتم وابن سعد وابن حبان، والساجي،
والنسائي، وغيرهم، وإنما ذكره من المتأخرين بما في هذا الإِسناد لم يزد، والله
أعلم، وكذلك عنبسة أيضا لم أجده في الكتب المذكورة، ولم يزد من ذكره
على ما في نفس الإِسناد. حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، نا الوليد بن
مسلم، نا الأوزاعي، حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد
الرحمن أيضا، حدثاه عن أبي هريرة أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ:
" إذا استيقظ أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها
مرتين أو ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده " (١) هذا حديث أخرجه
الترمذي وقال فيه: حسن صحيح، وفيما قاله نظر؛ وذلك أنه رواه عن أبي
الوليد أحمد بن عبد الرحمن ابن بكار البشري الدمشقي البغدادي عن الوليد بن
مسلم ولم يسمع منه فيما ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه وقال:
قرأت في كتاب علي بن أحمد بن أبي الفوارس: نا أبي، نا الباغندي قال:
سمعت أبا عبد الله- يعني إسماعيل بن عبد الله اليشكري- يقول: كأن لم
يسمع الوليد من الوليد بن مسلم شيئًا قط، ولم أره عند الوليد قط، وقد أقمت
تسع سنين والوليد حي، ما رأيته قط؛ فعلى هذا يكون حديثه المذكور عنده/
منقطعا، ويكون حديث الباب أصح إسنادا منه؛ لسلامته من هذه الوصمة،
ولتصريح كل منهم بسماعه من الآخر، وهو في الصحيح بلفظ: " حتى
_________________
(١) صحيح. رواه الترمذي (ح/٢٤) وقال: حديث حسن صحيح. ومسلم في (الطهارة، ح/٨٧) وأبو داود (ح/١٠٥) وابن ماجة (ح/٣٩٤) وأحمد في " المسند " (٢/٢٤١، ٤٥٥، ٤٧١، ٥٠٧) والبيهقي في " الكبرى " (١/٤٥- ٤٩، ١١٨، ٢٤٤) والدارقطني في " سننه " (١/٤٩، ٥٠) وابن خزيمة (١٤٥، ١٤٦) وشرح السنة (١/٤٠٧) ونصب الراية (١/٢) وإتحاف (٢/٣٥٣) وتلخيص (١/٧٣، ٣٤٤) والمجمع (١/٢٢٠) وابن كثير (٣/٤٣) .
[ ١ / ٢٤٢ ]
يغسلهما ثلاثا " وفي لفظ للبخاري (١): " إذا استيقظ أحدكم من نومه "
وفي لفظ عند مسلم: " فليفرغ على يده ثلاث مرات "، وفي لفظ: " إذا
كان أحدكم نائما ثم استيقظ فأراد الوضوء، فلا يضع يده في الإِناء حتى
يصب على يده، فإنه لا يدري أين باتت يده " (٢) وعند أبي داود: " إذا قام
أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإِناء حتى يغسلها ثلاث مرات " (٣)
وعند البخاري: " فلا يغمس يده في الوضوء " وعند الدارقطني: " في
إنائه " أو " في وضوءه " وفي رواية ابن ثابت: " تطوف يده " وفي الأوسط
عن هشام بن عروة عن أبي الزناد عن الأعرج بزيادة: " ويسمى قبل أن
يدخلها "، وقال: لم يروه عن هشام إلَّا عبد الله بن محمد بن يحيى بن
عروة. تفرد به إبراهيم بن المنذر إلَّا وقال أحمد: ممن رواه عن أبي الزناد
ويسمى هشام، ولفظ ابن وهب في جامعه: " حتى يغسل يده- أو يفرغ
فيها- فإنه لا يدري حيث باتت يده "، وفي علل الرازي: " فليغرف على
يده ثلاث غرفات " مع لفظ: " ثم ليغترف بيمينه من إنائه " وعند البيهقي:
" أين باتت يده منه ". وقال: قوله: تفرد بها محمد بن الوليد البُشرِي، وفيما
قاله نظر لما ذكره ابن منده عن عبد الله بن شقيق من رواية خالد الحذاء عنه
قال: " فإنه لا يدري أين باتت يده منه "، قال: وكذلك رواه محمد بن
الوليد عن غندر ومحمد بن يحيى عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة
عن الحذاء عن ابن شقيق عن أبي هريرة، وقال فيه: " فإنه لا يدري أين باتت
يده منه " وقال: ما أراهما محفوظين بهذه الزيادة، إلَّا أن رواة هذه الزيادة
_________________
(١) صحيح. رواه البخاري (١/٥٢) وأحمد في " المسند " (٢/٤٦٥) والدارس (١/١٩٦) وشرح السنة (١/٤٠٦) وشفع (٦٤) والبيهقي في " الكبرى " (١/٤٥) والموطأ (٢١) .
(٢) رواه أحمد (٢/٢٧١) والبيهقي (١/٢٥٦) وابن عدي (٧/٢٧٥٢) .
(٣) حسن. رواه أبو داود في: ١- كتاب الطهارة، ٤٨- باب التسمية على الوضوء، (ح/ ١٠٣) . قلت: وتحسين الحديث على قاعدة أبي داود التي بنى عليها كتابه " السنن ".
[ ١ / ٢٤٣ ]
ثقات معتدلون، وبنحوه قاله الدارقطني، فهذا كما ترى غير اليسرى رواة
كرواته، ورواه الحسن عن أبي هريرة عند ابن عدي قال: غمس يده قبل أن
يغسلها، فليرق ذلك الماء وفي كتاب الكجي حتى يصب عليها صبة أو
صبتين
/ وفي رواية: " على من باتت يده " وفي المصنف لابن أبي شيبة: " كان
أصحاب عبد الله إذا ذكر عندهم حديث أبي هريرة قالوا: كيف يصنع أبو
هريرة بالمهراس الذي في المدينة " ورواه عن أبي هريرة من غير ذكر العدد
جماعة، منهم: همام وعبد الرحمن بن يعقوب وثابت مولى عبد بن زيد
وعمار بن أبي عمار وابن سيرين، قال أبو عمرو: رواه جماعة، منهم: جابر بن
عبد الله الصحابي وابن المسيب وأبو سلمة وعبد الله بن شقيق وأبو صالح وأبو
رزين وأبو مريم الأنصاري. انتهى، وفيما قاله نظر، لما ذكره أبو نعيم في
مستخرجه أنّ المقدمي روى عن زياد بن ثابت ذكر العدد.
حدّثنا حرملة بن يحيى، نا عبد الله بن وهب، أخبرني ابن لهيعة ابن
إسماعيل عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال رسول الله ﷺ:
" إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإِناء حتى يغسلها " هذا
حديث إسناده صحيح على رسم مسلم (١)؛ لتفرد جابر بن إسماعيل الحضرمي
أبي عباد البصري في كتاب العلل لأبي عيسى بقوله، وذلك أنّه ذكر عن
سفيان بن وكيع: نا عبد الله بن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سالم
عن أبيه مرفوعا: " إذا قمت من منامك فلا تضع يدك في الإناء حتى تفرغ
عليها ثلاث مرات " وقال: سألت محمدا عن هذا الحديث فقَال: وهم فيه،
إنما روى وهب هذا عن جابر بن إسماعيل عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم
عن أبيه عن النبي ﷺ ولما ذكره أبو الحسن البغدادي في سننه من حديث
ابن أخي وهب عن عمّه عنهما بلفظ: " حتى يغسلها ثلاث مرات فإنه لا
يدري أين باتت يده. أو أين طافت يده " فقال له رجل: أرأيت إن كان
حوضًا فحصبه ابن عمر وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول إن كان
حوضًا … " (٢) قال: إسناد حسن، وبنحوه قاله أبو بكر البيهقي. حدّثنا
_________________
(١) راجع: قبل ذلك بثلاث حواش. (٢) بنحوه. رواه البيهقي: (١/٤٧) .
[ ١ / ٢٤٤ ]
إسماعيل عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ، ولما
ذكره أبو الحسن البغدادي في سننه من حديث ابن وهب عن عمّه عنهما
بلفظ: " حتى يغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده- أو أين
طافت- يده " فقال له رجل: إن كان حوضًا قال: إسناد حسن، وبنحوه قاله
أبو بكر البيهقي (١) . حدّثنا إسماعيل بن تومة، نا زيد بن عبد الله البكالي عن
عبد الله بن سليمان عن أبي الزبير عن جابر، قال رسول الله ﷺ: " إذا قام
أحدكم من النوم فأراد أن يتوضأ، فلا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها؛ فإنه
لا يدري أين باتت يده، ولا على ما وضعها " (٢) هذا حديث قال فيه
الدارقطني لما رواه من حديث محمد بن نوح عن زياد: إسناد حسن، وفي
قول أبي القاسم في الأوسط: لم يروه عن عبد الملك بن زياد: تفرّد به
موسى بن يحيى المروزي، ولا يروى عن جابر إلَّا بهذا الإِسناد، وفيه نظر لما
تقدّم عند ابن ماجة والدارقطني من عدم تفرد موسى به. حدّثنا أبو بكر بن
أبي شيبة، نا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن الحرث قال. " دعا
علي﵇- بماء فغسل يديه قبل أن يدخلها الإناء، ثم قال: هكذا
رأيت رسول الله ﷺ " (٣) هذا حديث جمع ضعفًا وانقطاَعًا.
الأول: الحرث بن عبد الله أبو زهير الأعور الهمداني الخارقي الكوفي،
ويقال: الحرث بن عبيد الله، قال أبو بكر بن عياش: لم يكن الحرث
أرضاهم، كان غيره أرضى منه، وكانوا يقولون أنّه صاحب كتب، وكان ابن
مهدي قد ترك حديثه، وقال ابن أبي خيثمة سمعت أبي يقول: هو كذاب
وقال بندار: أخذ عني وعبد الرحمن العلم من يدي قصر بأعلى نحو أربعين
حديثًا من حديث الحرث عن علي، وقال الشعبي: نا الحرث وأشهد أنه أحد
_________________
(١) انظر: المصدر السابق.
(٢) صحيح رواه ابن ماجة (ح/٣٩٥) . بدون قوله: " ولا على ما وضعها ". قلت: وهذا اللفظ الذي أورده المصنف، فالحديث منكر، وهو في " صحيح مسلم " بدونها. انظر: صحيح أبي داود (ح/٩٣) .
(٣) صحيح. رواه ابن ماجة في: ا- كتاب الطهارة، باب (٤٠)، (ح/٣٩٦) . قلت: وكذا صححه الشيخ الألباني.
[ ١ / ٢٤٥ ]
الكذاب، وقال أبو إسحاق السبيعي: زعم الحارث الأعور، وكان كذابًا، وقال
أبو زرعة: لا يحتج بحديثه، وقال أبو حاتم: ليس بقوي ولا يحتج بحديثه،
وقال أبو حمزة الزيات: سمع مُرّة الهمداني من الحارث/شيئًا فأنكره فقال:
أقعد حتى أخرج! إليك فدخل مرة واشتمل على سيفه، وأحس الحارث بالشر
فذهب، وقال ابن المديني: الحارث كذاب، وقال أبو أحمد بن عدي: وعامة
أصحابنا يرويه عنهما- يعني عليًا وابن مسعود- غير محفوظ، وقال أبو
بكر بن أبي داود: كان الحارث حُوتيًا من حوت- بطن من همدان- وفي
كتاب الدوري عن ابن معين عن عون أنّه ليس من همدان، يقولون أنه من
الابنا (١)، وقال النسائي ليس بالقوي وقال أبو إسحاق: الحسن البغدادي
ضعيف، وذكر ابن الجنيد جماعة ضعفاء ثم قال: وأضعف القوم الحرث عن
علي، وقال ابن سعد: كان له رأي سوء وهو ضعيف في رأيه، توفى بالكوفة
أيّام عبد الله بن الزبير.
الثاني: انقطاع ما بين أبي إسحاق والحارث، وبين الحارث وعلي فإن ابن
نمير قال: لم يسمع السبيعي من الحارث إلَّا أربعة أحاديث، وإنما أخذ حديثه
من صحيفة، وفي تاريخ السعدي ثلاثة أحاديث، وقال ابن المديني في كتاب
العلل الصغير الذي قرأته على المسند المعمر أبي الحسن بن الصلاح عن ابن
رواح عن السلفي: نا أبو الحسن علي بن المشرف الأنماطي من أصل سماعه
وأبو الحسن علي بن الحسين بن عمر الفراء الموصلي بمصر قالا: نا أبو إسحاق
إبراهيم بن سعيد الحافظ المصري، نا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن سعيد
المعروف بابن النحاس المعدل، قرأه عليه بمصر في المحرم سنة سبع وأربع مائة أبو
محمد دعلج بن أحمد بن عبد الرحمن السجزي، وقدم علينا سنة سبع
وثلاثين وثلاثمائة (٢)، نا أبو الحسن محمد بن أحمد بن البراء في ربيع الأول
سنة ثمان وثمانين ومائتين قال: نا أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن
نجيح السعدي المعروف بابن المديني: سمع أبو إسحاق من الحرث أربعة
_________________
(١) كذا ورد " بالأصل ".
(٢) قوله: " ثلاثمائة " وردت " بالأصل " " ثلثمائة " وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه.
[ ١ / ٢٤٦ ]
أحاديث ثم قال: وإنما علمت الحرث روى عن علي حديثين يختلف عنه في
أحدهما، وذلك في العلل الكبير. ذلك عن شعبة بن الحجاج، قال: وكان ابن
سيرين يرى أن عامة ما يروى عن علي باطل. قرأت على الإمام المعمر أبي
العباس أحمد بن محمد بن علي بن شجاع/الهاشمي: أخبرَكم أبو محمد
عبد الوهاب المصري إجازة، نا أبو الظاهر الشعري قراءة عليه وأنا أسمع، نا
الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيري من أصيلة، نا أبو محمد
الحسن بن علي بن محمد الجوهري بقراءة مسعود بن ناصر السجزي، نا أبو
عمر محمد بن العباس بن حيوة فيما أذن لي أبو الطيب محمد بن القاسم بن
جعفر الكوكبي، نا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد قال: الحرث
الأعور أحاديثه عن علي بن أبي طالب أخذها من كتاب، وقد وقع لنا معنى
حديث علي هذا من طريق صحيحة، ذكرها أبو داود من حديث عبد خير
عن علي: " أخذ بيمينه فألقاه على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، ثم أخذ بيده
اليمنى الإناء فأفرغ على يده اليسرى ثم غسل كفيه فعله ثلاث مرات " وفي
آخره: " من سرّه أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا " (١) وسيأتي
طرف منه في موضعه- إن شاء الله- قدر ذلك ومعناه، وفي الباب حديث
آخر عن عائشة. ذكره ابن وهب في جامعه قال: أخبرني ابن ذئب عمن
سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يقول: حدّثتني عائشة عن رسول
الله ﷺ مثله- يعني حديث أبي هريرة- قال: إلَّا أنه قال: " فليغرف على
يديه ثلاث غرف قبل أن يدخلها في وضوءه " ذهب عامة أهل العلم إلى أنّ
ذلك على الاستحباب، وله أن يغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها، فإن الماء
طاهر ما لم يتيقن نجاسة يده، وذهب أبو داود والَطبري إلى إيجاب ذلك، وأن
الماء ينجس به إن لم تكن اليد مغسولة، وفرق أحمد وبعض الظاهرية بين نوم
النهار والليل؛ لأنّ الحديث جاء في نوم الليل وكان الإنسان لا ينكشف لنوم
النهار وينكشف لليل غالبا، وأبي دْلك الحسن البصرَي وإسحاق حين قال
الحسن: ما رأيته فيما حكاه ابن المنذر، وفي تاريخ أبي زرعة عنه وسأله عن
_________________
(١) حسن. رواه أبو داود في: ١- كتاب الطهارة، باب " ٤٩ "، (ح/١١١) - ورواه النسائي (١/١/٦٨) .
[ ١ / ٢٤٧ ]
التسمية على الوضوء فقال: فيها أحاديث ليست بذلك: (يأيها الذين آمنوا
إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) (١) الآية فلا أوجب عليه، وفيه/دليل على
أن الماء القليل إذا وردت عليه النجاسة- وإن قلت- غيرت حكمه.
_________________
(١) سورة المائدة آية: ٦.
[ ١ / ٢٤٨ ]