حدّثنا عبد الله بن الجراح وأبو بكر بن خلاد، نا عبد العزيز بن محمد عن
زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: " أن رسول الله ﷺ
تمضمض واستنشق من غرفة واحدة " هذا حديث أخرجه ابن ماجة (١) في
موضعين آخرين، وهو قطعة من حديث مطول رواه البخاري (٢) في صحيحه،
والحاكم (٣) في مستدركه وِلفظه: " وجمع بين المضمضة والاستنشاق "
وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ، والحافظ أبو بكر في
صحيحه، وجوده الإِمام أحمد فيما حكاه الخلال، ولما أخرجه أبو عيسى (٤)
قال: حديث/ابن عباس أحسن شيء في هذا الباب وأصح، وروى رشدين بن
سعد وغيره هذا الحديث عن الضحاك بن شرحبيل عن زيد بن أسلم عن أمه
عن عمر بن الخطاب: " أن النبي ﷺ توضأ مَرةًّ مرة " (٥) وليس هذا بشيء،
والصحيح ما روى هشام بن سعد والثوري وعبد العزيز بن محمد عن زيد عن
عطاء، وبنحوه قاله أبو حاتم الرازي حين سأله ابنه عن حديث رواه ابن لهيعة
عن الضحاك هذا. حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا شريك عن خالد عن علقمة
عن عبد خير عن علي: " أن رسول الله ﷺ توضأ،:فمضمض ثلاثًا
واستنشق ثلاثًا من كف واحد " (٦) هذا حديث أخرجه الحافظان أبو بكر بن
خزيمة وأبو حاتم البستي في صحيحيهما من حديث خالد بن علقمة الهمداني
عن عبد خير مطولًا، وقال فيه الترمذي: حسن صحيح، ولما ذكره البغوي
في شرح السنة قال: حديث عبد خير صحيح حسن. نا بذلك العلامة أبو
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/٤٠٣، ٤٠٤) . وصححه الشيخ الألباني. (٢، ٣) صحيح رواه البخاري في: الوضوء، باب " ٤١ "، (ح/١٩١) .
(٢) صحيح رواه الترمذي في: أبواب الطهارة، باب " ٢١ "، (ح/٢٧) . وقال: هذا حديث حسن صحيح والنسائي في الطهارة، باب " ٨٣ ")
(٣) سبق في بابه أكثر من هرة.
(٤) انظر: الحاشية رقم (١) .
[ ١ / ٢٦١ ]
الحسن ابن موسى الحجازي بقراءتي عليه في شهور سنة إحدى عشرة وسبع
مائة، جميع كتاب الطهارة منه والزكاة والحج ومناولة لباقي ذلك، وأخبرني
أنه سمع بعضه من لفظ شيخه شيخ الإِسلام شمر الدين زكي بن الحسن
وبقيته قراءة عليه وأنا اسمع بلغة عدن في شهور سنة تسع وستين وستمائة
قال: أخبرني الفقيه رشيد الدين زاهد بن محمد بن أحمد بن وكيع، نا شيخ
الإسلام عماد الدين أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله المروزي قال: نا
البَغوي، فذكره، ورواه النسائي (١) في مسند علي مطولًا: " فملأ فمه فمضمض
واستنشق ونثر بيده اليسرى، يفعل هذا مرارًا " في الحديث ثلاث مرات، وكذا
ذكره أحمد بن سنان القطان في مسنده، ورواه شعبة فقال: عن مالك بن
عرفطة، ووهمه في ذلك أبو داود والنسائي والإمام أحمد ومسلم في كتاب
شرح شعبة من تأليفه والبزار، وقال: قد رواه غيَر واحد عن خالد بن علقمة،
ورواه سفيان موقوفًا، ولا نعلم أحدًا حسن له سياقًا ولا أتم كلامًا من زائدة،
ولما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل عن أبي زرعة قال: وهم فيه شعبة،
إنما أراد خالد بن علقمة، ورواه سفيان موقوفًا، لم يرفعه، وفي ذلك نظر؛ لأن
الدارقطني ذكر رواية الثوري هذا الحديث مرفوعًا ثم قال: وخالف الجماعة
الحجاج بن أرطأة، فجعله عن خالد عن عمرو ذي مر ووهم في ذلك،
والصواب قول من قال: عبد خير عن علي، انتهى، وفي توهم الجماعة شعبة
وعقبهم الجنابة برأس تعسّف لأمرين، الأوّل: لروايته ذلك كرواية الجماعة
سفيان وشريك وأبو عوانة وأبو الأشهب، وغيرهم. نص على ذلك أبو الحسن
البغدادي.
الثاني: متابعة أبي عوانة له على ذلك مطلقًا من عْير تقييد أبو داود في
رواية ابن العبد، والترمذي في جامعه، وأبو حاتم كما أسلفناه، والدارقطني وعن
الإِمام أحمد أنله رجع عن ذلك لما قيل له: إن شعبة وهم، وقَال ما يدرين؟ أنا
سمعته وهو يخالفني في اسمه فقلت: لعله أعلم فاتبعته ويتم أبو عبد الله عند
هذا، وقال خالد بن علقمة: كوفي ثقة، وحكى الدارقطني: روى عن أبي
_________________
(١) صحيح. رواه النسائي في (الطهارة، باب " ٧٣ ".
[ ١ / ٢٦٢ ]
سفيان عن جابر يروي عنه، وأصل مولى أبي عيينة. ذكره ابن حبان في كتاب
الثقات وفي مسند الدارمي: فبايع له، وهو حسن بن عقبة المرادي المذكور في
كتاب البستي حدّثنا علي بن محمد، نا أبو الحسن العكلي عن خالد بن
عبد الله عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد الأنصاري قال:
" أتانا رسول الله ﷺ فسألنا وضوءًا، فأتيته بماء فمضمض واستنشق من كف
واحد " (١) وأما ما ذكره خالد بن عبد الله- وهو ثقة- هذا حديث أصله في
الصحيحين، وقال فيه أبو عيسى: حسن غريب، وقد روى مالك وابن عيينة
وغير واحد هذا الحديث عن هجر، ولم يذكروا هنا الكف والغرف من كف
واحد، وإنما ذكره خالد بن عبد الله، وهو معه/حافظ عند أهل الحديث.
انتهى كلامه، وفيه نظر في موضعين، الأول: قوله: عن مالك وغيره، لم
يذكروا من كف واحد، إن أراد اللفظ فكذلك هو، وإن أراد المعنى فليس
كذلك؛ لأن لفظ حديث مالك وغيره: " فمضمض واستنشق ثلاث مرات من
غرفة واحدة "، وفي لفظ: " ثلاث مرات من ثلاث غرفات " وفي رواية:
" من ثلاث حصيات " وفي رواية: " فمضمض واستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات
من ماء " فهذا كما ترى مالك وغيره ذكروا معنى ما ذكره خالد، والله أعلم.
الثاني: تحسيه الحديث مع شهادته للمتفرد به بالحفظ، والحافظ إذا تفرد
بحديث عنده كان صحيحًا، لا سيما إذا عضده متابع وشاهد كهذا مع قطع
النظر عمن صححه قبل، وذكر أبو عبيد في كتاب الطهور: وجدنا الآثار عن
النبي ﷺ مثبتة، فبعضها معناه إنهما كانا بغرفة واحدة، وفي بعضها جدد
لكل واحد منها غرفة، ففي هذا شاهد أنّ الأمرين جميعًا واسعان وأنهما من
سنته، وقد علمت العلماء بالرخصة منهما المبالغة.
_________________
(١) صحيح. رواه النسائي في: الطهارة، باب " ٧٤ ". ورواه الترمذي في: أبواب الطهارة، باب " ٢٢ "، (ح/٢٨) . قال بعض أهل العلم: المضمضة والاستنشاق من كفْ واحد يجزئ، وقال بعضهم: تفريقهما أحب إلينا. وقال الشافعي: إن جمعهما في كف واحل! فهو جائز، وإن فرقهما فهو أحب إلينا.
[ ١ / ٢٦٣ ]
في الاستنشاق والاستتار
حدّثنا أحمد بن عبده، نا أحمد بن زيد عن منصور، ح ونا أبو بكر بن
أبي شيبة نا أبو الأحوص عن منصور عن هلال بن يسار عن سلمة بن قيس،
قال: قال لي رسول الله ﷺ: " إذا توضأت فانثر، وإذا استجمرت فأوتر " (١)
هذا حديث قال فيه أبو عيسى: حسن صحيح، وذكره ابن حزم صحيحا به،
وألزم الدارقطني الشيخين إخراجه، ولما ذكره أبو ذر الهروي في مستخرجه زاد:
" إلَّا وإنما هن أربع؛ ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلَّا
بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا " وفي لفظ: " أربع ما أنا بأشح بهن مني يوم
سمعتهن " وفي لفظ كان ذلك في حجة الوداع، وأمّا النسائي والطبراني
وغيرهما فجعلوهما حديثين، ولفظ ابن أبي خيثمة في تاريخه الأوسط وابن
قانع والطبراني: " إذا استنشقت " وقد وقع لنا هذا الحديث يعلو ثلاث
درجات على طريق ابن ماجة./نا المسند المعمر يحيى لن أبي محمد الدمشقي
بقراءتي عليه من مفتي المسلمين علي بن هبة الله، أخبرتنا شهرة، نا الحسن بن
علي، نا عبد الله بن يحيى فروى علي بن إسماعيل بن أحمد، نا أبو عيينة بن
منصور، فذكره، وقال الدارقطني في الأفراد: ورواه من حديث موسى بن
مطهر، هذا غريب من حديث موسى عن منصور، حدّثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، نا يحيى بن سليمان الطائفي عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن
لقيط بن صبرة عن أبهِ قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء قال:
" أسبغ الوضوء، وبالغ في الاستنشاق، إلَّا أن تكون صائما " (٢) هذا حديث
رواه أبو داود (٣) مطولا بلفظ: " كنت وأفد بني المصطلق أو في وفد بني
_________________
(١) صحيح. رواه الترمذي (٢٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي (١/٦٧) وابن ماجة
(٢) وأحمد (٤/٣١٣، ٣٣٩، ٣٤٠) والطبراني (٧/٤١) والمنحة (١٤٥، ١٧٠) الخطيب (١/ ٢٨٦) . قوله: " فانثر " يقال: نثر وانتثر إذا حرك طرف أنفه لإِخراج ما فيه من الأذى، بعد الاستنشاق.
(٣) صحيح. رواه النسائي في (الطهارة، باب " ٧ ") وابن ماجة (٤٠٧) واستذكار (١/ ١٧٢) . وصححه الشيخ الألباني.
(٤) حسن. رواه أبو داود (١٤٢) والحاكم في " المستدرك " (٤/١١٠، ١٦٠) وابن حبان في " صحيحه " (١٥٩) .
[ ١ / ٢٦٤ ]
المصطلق فلما قدمنا على النبي ﷺ لم نصادفه في منزله، وصادفنا عائشة قال:
فأمرت لنا بخزيرة فصنعت لنا قال: وأتينا بقناع، ولم يُقم قتيبة القناع الطبق
فيه تمر ثم جاء رسول الله ﷺ فقال: هل أصبتم شيئا أوامر لكم بشيء؟
قال: قلنا: نعم يا رسول الله قال: فبينما نحن مع رسول الله ﷺ جلوسا
إذ رفع الراعي غنمه إلى المراع ومعه سخلة يطعمها فقال: ما ولدت يا فلان؟
قال: بهمة، قال: فاذبح لنا مكانها شاة ثم قال لا تحسبن ولم يقل ولا
تحسين أنا من أجلك ذبحناها! لنا غنم مائة، لا يزيد إن تزيد فإذا وأد الراعي
بهمة ذبحنا مكانها شاة قلت: يا رسول الله إن لي امرأة، وإن في لسانها
شيئا- يعني البلدا- قال: فطلقها إذا قلت: يا رسول الله إنّ لها صحبة ولي
منها ولد قال: فمرها يقول عظها فإن يك فيها خير فستفعل ولا تضرب
ظعينتك كضربك أُميّتك قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال:
أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما "
نا عقبة عن مكرم، نا يحيى بن سعيد، نا ابن جريج، حدّثني إسماعيل، فذكر
معناه، قال: فلم ننشب أن جاء النبي ﷺ يتكفأ ينقلع وقال عصيدة مكان
جريدة. نا محمد بن يحيى بن فارس، نا أبو عاصم، نا ابن جريج بهذا
الحديث قال فيه: " إذا توضأت فمضمض " والترمذي مختصرا، وقال فيه:
حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه من حديث شريح عن الطائفي/
مطولا، والحافظ أبو بكر بن خزيمة عن الحسن بن محمد الزعفراني، وزياد بن
يحيى الحساني، وإسحاق بن حاتم المدائني وجماعة قالوا: نا يحيى بن سليم
بمثل حديث ابن ماجة وابن الجارود في كتاب المنتقى، وصححه أيضا البغوي
في شرح السنة، وأبو محمد الإشبيلي، وصحح إسناده الطبري وأبو الحسن
ابن القطان وأبو بشر الدولابي في جمعه حديث الثوري، ورجحه أبو القاسم
في الأوسط، وذلك لما رواه من حديث قرة بن خالد عن إسماعيل قال: لم
يروه عن قرّة إلا الحسن بن سعيد. تفرّد به علي بن حسان، فإن كان علي
_________________
(١) قَوله: " الخزيرة " لحم يقطع صغارا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق، وقيل: إذا كان من نخالة فهو خزيرة. و' السخلة " بفتح السين وسكون الخاء المعجمة- ولد الشاة من الضأن والمز حين يولد ذكرا كان أو أنثى، وقل: يختص بأولاد المعز، وبهذا جزم صاحب النهاية.
[ ١ / ٢٦٥ ]
القطان حفظه فهو غريب من حديث قرة؛ لأن علي رواه عن يحيى بن سعيد
عن ابن جريح عن إسماعيل، ورواه أيضَا من حديث محمد بن طارق عن أبيه
عن لقيط بلفظ: " إذا كنت صائمَا فاستيسر " وقال: لم يرو هذا الحديث
عن محمد بن طارق إلَّا بشر بن رافع. تفرد به حسن بن عيسى وقال الحاكم:
هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، وهو جملة ما قلنا إنّهما اعرضا عن
الصحابي (١) الذي لا يروى عنه غير الواحد، وقد اجتمعا جميعًا ببعض هذا
الحديث بعينه. قاله شاهد من حديث ابن عباس- يعني الأتيِ بعد- وفيما قاله
نظر من وجهين: الأول: قوله أنّهما أعرضا عن الصحابي الذي لا يروى عنه
غير الواحد، وليس كما زعم بعدم اشتراطهما ذلك، ولما في كتابيهما من
أحاديث جماعة بهذه المثابة، منهم: المسيب بن حرث، وأبو قيس بن أبي
حازم، ومرداس الأسلمي، وربيعة بن كعب الأسلمي، وغيرهم.
الثاني: لو سلمنا له قوله كان لفظ هذا خارجًا عن ذلك؛ لرواية جماعة
منهم ابن أخيه وكيع بن حرش وابنه عاصم وعمرو بن أوس. فيما ذكره ابن
سعد وأبو عمر قال: ومنهم من يجعل لقيط بن عامر بن صبرة بن عبد الله
ابن المنتفق بن عامر بن عقيل المكني أبا رزين غير لقيط بن صبرة، وليس بشيء
بل هما واحد، نسب إلى جدّه، وكذلك قاله البخاري وأبو حاتم الرازي وأبو
أحمد العسكري والفسوي في تاريخه وابن حبان وعبد الغني بن سعيد،
وغيرهم، وأما ما ذكره الخلال في كتاب العلل عن الإِمام أحمد بن حنبل:
عاصم لم يسمع غير مكي رواية- أي ليس/بمشهور في الرواية عنه-
فمردود، بما أسلفنا ذكره عند من صحح حديثه، وما ذكره العسكري والطبري
في الأوسط: ولفظ فاستروا يداه من جهة بشر بن رافع عن محمد بن طارق
عن أبيه عن لقيط قال: لم يروه عن ابن طارق إلَّا بشر بن رافْع. تفرد به
صفوان بن عيسى من جهة القطان عن قرّة بن خالد عن إسماعيل قال: لم
يروه عن قرّة إلَّا يحيى بن سعيد. تفرد به علي بن حسّان القطان، فإن بان
على حفظه فهو غريب من حديث قرة؛ لأن غير ابن حبان رواه عن محمد بن
_________________
(١) كذا ورد هذا السياق " بالأصل ".
[ ١ / ٢٦٦ ]
سعيد عن ابن جريج عن إسماعيل، ولما ذكره الخطيب في تاريخه من رواية
وكيع عن مسعر قال: تفرد به وكيع عنه، وحبذا بوكيع، وكذا قول عبدان
الذي حكاه العسكري: أتيت سفيان الثوري فلمّا قدمت على شعبة قال لي:
ما سمعت من سفيان؟ فقلت: حدّثني سفيان عن إسماعيل بن كثير عن
عاصم … الحديث فقال: آوه منعتني لو جئت به عن غير سفْيان لقلت فيه؛
لأنه عديم المحاباه، فلو تجد له قول فيه لقال وحمل على أنه قاله مداعبة،
ولفظها السفيان، والله أعلم، وكذا ذكره أبو العباس أحمد بن محمد بن
سعيد، الذي نابه المسند المعمر يوسف الحنفي عن عبد الوهاب المصري، نا
أحمد بن محمد الإسكندري المبارك ابن عبد الجبار، نا أبو يعلي أحمد بن عبد
الواحد، نا أبو الحسنَ أحمد بن الفرج عنه أنه حديث تفرد به أهل الطائف عن
غيرهم من البلاد؛ لأنّ هذا التفرد لا يوجب ضعفًا كما توهمه بعض الناس
فيه. وقد رواه الحاكم في تاريخ بلده من غير طريق إسماعيل قال: نا أبو
بكر البوشنجي، نا إبراهيم الحزامي، نا أبو إسحاق نا عبد الرحمن بن المغيرة بن
عبد الله الحزامي حدّثني عبد الرحمن بن عباس الأنصاري عن دلهم بن
الأسود عن عبد الله بن حاجب بن عاصم بن المنتفق العضلي عن جدّه عبد
الله عن عمه لقيط قال دلهم- وحديثه أيضا إلى الأسود عن عاصم بن لقيط
به مطولا- قال عبد الله: سمعت أبا بكر يقول: سمعت أبا عبد الله يقول:
هذا حديث إبراهيم كتبه عنه ابن معين وابن حبان وحفّاظ الحديث ببغداد،
ولم يرو عبد الرحمن غير هذا الحديث، ولا كتبناه عن أحد إلا عن الحزامى
وهو من قرية لا من مخزوم بن عبد الله/هذا هو الحارثي، حدّثنا أبو بكر بن
أبي شيبة، نا إسحاق بن سليمان، ح وثنا علي بن محمد، نا وكيع عن أبي
ذئب عن قارط ابن شيبة عن أبي غطفان المزي عن ابن عباس قال رسول الله
ﷺ: " استعيدوا مرتين بالعين أو ثلاثًا " هذا حديث ذكره أبو عبد الله
مستشهدا به كما وصفنا، والجارود في منتقاة، نا المسند المعمر أبو محمد
عيسى بن عبد الرحمن بن معالي المقدسي فيما أجزناه غير مرة، نا جعفر بن
أبي البركات، نا الحافظ أبو طاهر الأصفهاني، نا الشيخان المبرك بن عبد الجبار
وأبو طالب عبد القادر بن محمد، نا أبو إسحاق إيراهيم بن أحمد البرمكي، نا
[ ١ / ٢٦٧ ]
أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن حمدان بن مطة، حدّثني أبو القاسم
علي بن يعقوب بن أبي العقب، نا أبو زرعة البصري قال: سألت أبا عبد الله
أحمد بن محمد ابن حبان عن أي الحديثين أوكد: حديث ابن عباس أم
حديث أبي هريرة قال: هما جميعا الاستنثار أشد تأكيدا أو ذكر حديث
ابن أبي ذئب عن قامط رأسه (١) بن عم كانه حديث يعمل عليه- وفي
كتاب الخلال- قيل لأحمد- قال ﵇: " ثنتين بالغتين " قال: ذاك
في إسناده شيء. انتهى. ولا معارضة بين القولين، والله أعلم، ولما ذكره
الأسلمي قال: قارط هو ابن شيبة، وهو لا بأس به، والصحيح ما تقدّم من
الأمر بالوتر والاستنثار، قال أبو الحسن بن القطان: لم يعتل على هذا الحديث
بأكثر من هذا وحكمه على قارط بأنه لا بأس به، وعلى الحديث بالضعيف؛
لتضعيفه أبا غطفان لإِبراره إياه، وأبو غطفان- وهو من طريق ابن مالك
المري- يروي عن أبي هريرة وابن عباس، روى عنه داود بن حصين وقارط
وكانت له بالمدينة دار عند دار عمر بن عبد العزيز، أخرج له مسلم، وقال
الأودي عن ابن معين فيه: ثقة، وقارط بن شيبة هو أخو عمر بن شيبة من بني
ليث بن كنانة، خلفاء قريش، قال النسائي: لا بأس به، فإنه في خلافة
سليمان بن عبد الملك بالمدينة. قاله أبو حاتم، ولقيه من في الإِسناد لا يسئل
عنهم وإنّهم أئمة، ووظيفة المحدّث النظر في الأسانيد من حيث الرواة
والاتصال/والانقطاع، فأما معارضة هذا المتن ذاك الآخر وأشباه ذلك فليس من
نظره. انتهى كلامه، ويشبه أن يكون لكلام أبي محمد وجفا، وذلك أن
الدارقطني ذكر عن أبي داود: أبو غطفان رجل مجهول، فيحتمل أن يكون
ذلك هو الذي اعتل به على الحديث، وكلام أبي الحسن يفهم منه أنّ أبا
غطفان الرازي عن ابن عباس وأبي هريرة واحد، وذاك هو المحكي له نقل كلام
من وثقة، وليس هو بأبيِ عذرة ذلك، وقد قاله قبله ابن أبي حاتم وأبو عمرو
عنهما، وأما الحافظ أبو بكر البزار فإنه فرق بينهما، وزعم أن المري روى عن
أبي هريرة وأبا غطفان عن ابن عباس، ويرجح ذلك قول ابن معين أبو غطفان
_________________
(١) كذا ورد " بالأصل ".
[ ١ / ٢٦٨ ]
الذي روى عنه داود بن حصين، فيحتمل أن عبد الحق لما رأى ذلك وما
أسلفناه، ورأى حديثه مخالفا لحديث غيره من الثقات، توهمه المجهول لا
الموثق، والله أعلم، ولما أخرجه أبو نعيم من حديث الربيع بن بدر عن ابن
جريج عن عطاء عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ: " تمضمضوا واستنشقوا،
والأذنان من الرأس " (١) قال: هذا غريب من حديث ابن جريج في
المضمضة والاستنشاق، لا أعلم رواه عنه إلا الربيع. حدّثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، نا زيد بن الحباب وداود بن عبد الله، نا مالك بن أنس عن ابن شهاب
عن أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: " من توضأ
فليستنثر، ومن استجمر فليَوتر " (٢) هذا حديث اتفقا على تخريجه وفي الباب
من الفقه أن الاستنشاق في الوضوء غير واجب، ولو كان فرضًا لكان على
الصائم كما هو على المفطر، وهذه مسألة اختلف فيها؛ فكان عطاء والزهري
وابن أبي ليلى وحماد وإسحاق يقولون: يعيد إذا تركها في الوضوء، وقال
الحسن وعطاء آخر قولته والزهري والحكم وقتادة وربيعة ويحيى الأنصاري
ومالك والأوزاعي والليث بن سعد والشّافعي: لا يعيد، وقال أحمد: يعيد في
_________________
(١) حديث [الأذنان من الرأس] حديث صحيح. رواه د (ح/١٣٤) - ت (ح/٣٧) وقال: هذا حديث حسن ص (٤٤٣، ٤٤٤، ٤٤٥) - حم في " المسند " (٥: ٢٥٨- ٢٦٤- ٢٦٨ هق في " الكبرى " (١: ٦٧٢٦٦) - عب في " المصنف (٢٣- طب في " الكبير " (١٠: ٣٩١) - مشكاة ٤١٦- نصب: ١: ١٨، ١٩ تلخيص ١: ١٠١ طبري ٦: ١٠١- طبري ٦: ٧٢- خط ٤: ١٦١، ٦: ٣٨٤، ٧: ٤٠٦- صنف ١: ٢٣١ سن ١: ١٧- مجمع ١: ٢٣٤- إتحاف ٢: ٣٦٤- غليل ١: ١٢٤- كنز
(٢) حبيب ١: ٢٨٢٢٤- عقيلي ١: ٣٢، ١١٣- قط ١: ٩٧- ميزان ١١٣٣،
(٣) لسان ٢: ١٠٣٩، ٥: ١١٨٠، ١٤٠٣- علل ١٣٣- خفا ١: ٩٦. قلت: وقد روى ابن ماجة هذا الحديث من ثلاث طرق: الأول: من طريق عباد بن تميم، وإسناده حسن. الثاني: من طريق شهر بن حوشب، وإسناده جيد. الثالث: من طريق سعيد بن المسيب، وإسناده ضعيف؛ لضعف عمرو بن الحصين ومحمد بن عبد الله.
(٤) صحيح بشواهده. رواه أحمد في " المسند " (٢/٢٣٦، ٤٠١، ٥١٨) وابن أبي شيبة في " المصنف (١/٢٧) بلفظ: " من توضأ فليستنثر وهن استجمر فليوتر ".
[ ١ / ٢٦٩ ]
الاستنشاق خاصة، ولا يعيد من ترك المضمضة، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور،
وقال أبو حنيفة/والثوري: يعيد إن تركها في الجنابة، ولا يعيد في الوضوء.
وحديث وائل بن حجر من عند البزار مرفوعًا: " فمضمض واستنشق
ثلاثًا " وسيأتي له زيادة (١) في باب الغسل، قال ابن المنذر: يقول أحمد:
أقول وفي المحلي لأبي محمد، وذكر قول أحمد، وهذا هو الحق؛ لأن
المضمضة ليست فرضًا، وإن تركها فوضوءه تام وصلاته تامة عمدًا تركها أو
نسيانًا؛ لأنه لم يصح بها عن النبي ﷺ أمر، وإنما هي فعل فعله ﵇،
وأفعاله ليست فرضًا، وإنما فيها ألا ينشأ به ﵇. انتهى كلامه، وفيه
نظر؛ لأن الأمر بالمضمضة صحيح، لا كما زعمه لما أسلفناه في حديث لقيط
المذكور عند أبي داود (٢) عن ابن فارس، نا أبو عاصم عن ابن جريج بهذا
الحديث قال فيه: " إذا توضأت فمضمض " فهذا أثر ظاهر صحيح الإِسناد
على ما سنشرح آنفًا، نا المسند المعمر أبو الفضل عبد المحسن بن أحمد-
﵀- في المعجم الأوسط من حديث يزيد بن عبد الملك النوفلي عن
أبي موسى الخياط عن ابن المنذر عن أنس عن النبي ﷺ: " إذا توضأ
أحدكم فليمضمض ثلاثا " (٣) الحديث.
قال: لم يروه عن ابن المنكدر إلا أبو موسى. تفرد به النوفلي، وذكر أيضا
من حديث إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن أبي هريرة قال ﷺ: " إذا
توضأ أحدكم فليمضمض " (٤) ثم قال: لم يروه عن عطاء إلا إسماعيل. تفرد
به علي بن هاشم ابن البريد قرأه عليه وأنا أسمع عن جدّي الحافظ أبو حامد
أن القاضي أبو القاسم الأنصاري، ثنا أبو الحسن علي بن المسلم بن محمد بن
_________________
(١) يأتي كما ذكر المصنف.
(٢) حسن. د (ح/٤٤) هق في " الكبرى " (١: ٥٢) ونصب (١: ١٦) .
(٣) ضعيف جدا. رواه قط في " سننه " (١: ١٠١) مجمع (١: ٢٣٣) وفيه أبو موسى الحناط، وهو متروك.
(٤) رواه قط (١: ١٠١) مجمع (١: ٢٣٣) كما في المصدر السابق.
[ ١ / ٢٧٠ ]
أبي الفتح، ثنا أبو نصر الحسين بن محمد بن أحمد، ثنا أبو الحسين محمد بن
أحمد الغساني، ثنا محمد بن جعفر عن الحافظ، ثنا الحُسين بن محمد بن
أحمد بن المعمر، ثنا هدية بن كنانة، ثنا حماد عن عمار بن أبي عمار عن أبي
هريرة أن رسول الله ﷺ: " أمر بالمضمضة والاستنشاق " (١) .
ولما ذكره البيهقي من طريق هديه صحّح إسناده ثم قال: وقال مرّة أخرى
مرسلا لم يقل عن أبي هريرة، وداود بن مخبر عن حماد في رحله، قال
البيهقي / وغيرهما يرويه مرسلًا.
وخالفه إبراهيم بن سليمان الخلال شيخ يعقوب بن سفيان فقال: عن
حماد عن ابن عباس، كلاهما عن محفوظ- والله أعلم- وقد وردت
أحاديث شاهدة لهما، وفي إسنادها مقال فمنها ما ذكره أبو القاسم في سنن
البيهقي من حديث عصام بن يوسف عن ابن جريج عن سليمان بن موسى
عن الزهري عن عروة عن عائشة ترفعه: " المضمضة والاستنشاق من الوضوء
الذي لابد منه " (٢) .
ورواه إسماعيل بن أسد عن عصام بنحوه، إلَّا أنه قال: " من الوضوء الذي
لا تتم الصلاة إلَّا به " قال الدارقطني: تفرد به عصام ووهم فيه، والصواب:
ابن جريج عن سليمان مرسلا، ورواه محمد بن الأغر، وهو ضعيف عن
الشيباني عن ابن جريج بإسناد عصام، ومتن الجماعة: " فليمضمض " وهو خطأ،
والصواب مرسل زاد في السن من تأليفه، وأحسب عصامًا حدث به من
حفظه فاختلط عليه، واشتبه بإسناد حديث رسمه ابن جريج عن سليمان عن
_________________
(١) صحيح رواه. م (الطهارة (٢٠، ٢١ ود (ح/١: ١٤٠) والنسائي (١/٦٦) وحم (٢: ٢٤٢) وهق (١: ٤٩) وسنة (١: ٤١٢) و(نصب ١: ٢) و(تجريد ٢٧٢) وفتح (١: ٢٦٢) وكثير (٣: ٤٤) " إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم ليستنثر … الحديث ".
(٢) رواه ابن عدي في " الكامل " (٣: ١١١٦) وقط في " سننه " (١: ٢٨٤، ٦٠٠) ونصب
(٣) رواه حميدي ٢٢٨- ك (٢: ١٦٨) - مجمع (٤: ٢٨٥) وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط " وفيه يعقوب غير مسمى، فإذا كان هو التوم فقد وثقة ابن حبان، وضعفه
[ ١ / ٢٧١ ]
الزهري: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها " ٣١) وفي الأفراد: هذا غريب من
حديث الزهري عن عروة عنه، وانفرد به سليمان بن موسى الدمشقي عنه،
ولم يروه عنه غير ابن جريج، وهو غريب من حديث ابن المبارك عن ابن
جريج تفرد به عنه عصام، وذكر من حديث الربيع بن بدر- وهو متروك-
عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وضعفها كلها- والله أعلم- فسند
ما تقدم من الأحاديث الصحيحة، وغيرها صحة ما استدللنا عليه، والله الموفق.
_________________
(١) ابن معين، وإن كان غيره فلم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. قلت: وعلى قول الهيثمي فالحديث ضعيف.
[ ١ / ٢٧٢ ]