/حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن إدريس عن ابن عجلان عن
زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: " أن رسول الله ﷺ مسح
أذنيه داخلهما بالسبابتين وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه فمسح ظاهرهما
وباطنهما " (١) . هذا حديث أخرجه ابن خزيمة في صحيحه عن عبد الله بن
سعيد الأشج عن ابن إدريس ولفظه: " رأيت رسول الله ﷺ توضأ
:فمضمض واستنشق ثم غَرف فغسل وجهه ثم غَرف غَرفة فغسل يده اليمنى
وغرف غرفة فغسل يده اليسرى وغرف غَرفة فمسح رأسه وباطن أذنيه
ظاهرهما وأدخل أصبعيه فيهما وغرف غرفة فغسل رجله اليمنى وغَرف غَرفة
فغسل رجله اليسرى " (٢) . وأخرجه ابن منده أيضًا وابن حبان عن أبي يعلي،
ثنا أبو بكر بن أبي شيبة. ثنا ابن إدريس مطولًا ولما أخرجه الترمذي قال:
حديث حسن صحيح وصححه الطبري في مسنده تهذيب الآثار، حدّثنا أبو
بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ثنا وكيع عن الحسن بن صالح عن
عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معود بن عفراء: " أن النبي ﷺ
توضأ فأدخل أصبعيه في حجري أذنيه " (٣) . هذا حديث تقدّم الكلام على
سنده وأن ابن القطان رحجه على حديث المقدام وسكت عنه أبو محمد حين
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ٥٢- باب ما جاء في مسح الأذنين، (ح/٤٣٩) . وصححه الشيخ الألباني
(٢) صحيح. رواه البخاري في: ٤- كتاب الوضوء، ٧- باب غسل الوجه باليدين في غرفة واحدة، (ح/١٤٠) ولفظه: " أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء فمضمض ما واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعلها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فنسل هما وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله- يعني اليسرى- ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ ".
(٣) صحيح. رواه ابن ماجة في: ١- كناب الطهارة، ٥٢- باب ما جاء في مسح الأذنين، (ح/٤٤١) . قوله: " حجري أذنيه " الحجر باطن الأذن. وصححه الشْيخ الألباني.
[ ١ / ٣٢٣ ]
إيراده وذكره بحشل في تاريخه من حديث ليث بن أبي سليمان عن
النعمان بن سالم عنها، ولفظها فغسل أذنيه ظاهرهما وباطنهما حدثنا هشام بن
عمار، ثنا الوليد بن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن المقدام بن
معد يكرب: " أن رسول الله ﷺ توضأ فمسح برأسه وأذنيه/ظاهرهما
وباطنهما " (١) .
هذا حديث لما ذكره أبو محمد الإشبيلي من عند أبي داود سكت عنه
وعاب ذلك عليه أبو الحسن بن القطان فقال: رواه الوليد بن مسلم عن جرير
عن عبد الرحمن بن ميسرة عن المقدام وعبد الرحمن هذا مجهول، كان لا
يعرف روى عنه الآخرون وإلى ذلك فإن جريرًا كان له فيما زعموا رأي سيء
في بعض الصحابة، والوليد بن مسلم كان يدلس ويسوي ولم يقل في هذا
الحديث، ثنا ولا أنبأنا ولا سمعت ولا ذكر أنه قال ذلك فمن حيث هو
مدلس يمكن أن يكون قد أسقط بينه وبن جرير وعبد الرحمن بن ميسرة
واسطة، وقد زعم الدارقطني أنه كان يفعل ذلك قْي حديث الأوزاعي يعمد
إلى أحاديث رواها الأوزاعي عن أشياخ له ضعفاء عن أشياخ له ثقات فأسقط
الضعفاء من الوسط وتركها عن الأوزاعي عن أشياخ له الثقات كانه سمعها
منهم، وهذا هو التسوية (٢) بإسقاط الضعفاء وهو أقبح التسوية فإنها على
قسمين إما بإسقاط الثقات وإما بإسقاط الضعفاء، كما أن التدليس أيضًا إمَّا
بإسقاط الثقات وإما بإسقاط الضعفاء فما كان من التدليس والتسوية بإسقاط
الضعفاء ينقسم قسمين: قسم هو إسقاط قوم ضعفاء عند غيره ثقات عنده
وهو لا يكون به مجرحًا، ومن هذا القبيل هو قول الدارقطني المحكي عن الوليد
أعني: أن يكون يُسقط من بين الأوزاعي وبن أشياخه الثقات قومًا روى عنهم
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ٥٢- باب ما جاء في مسح الأذنين، (ح/٤٤٢) . وصححه الشيخ الألباني.
(٢) انظر: شرح الموقظة للذهبي. تحقيق للشيخ- كامل عويضة. المطبوعة في دار الكلمة بمصر. وهى من الكتب التي سردت التسوية بأمثلة متنوعة.
[ ١ / ٣٢٤ ]
الأوزاعي وهم عند الوليد ثقات، وكان غيره يضعفهم فلا يكون يعلمه المذكور
مضعفَا والله أعلم.
انتهى كلامه وفيه نظر من وجوه: الأوّل: قوله: الوليد لم يَنْقل في هذا
الحديث ثنا ولا ذكر عن جرير أنّه قال ذلك، وهو ذهول شديد عن الكتاب
الذي نقل منه أعني: كتاب السنن فإنّ لفظه ثنا محمود بن خالد ويعقوب بن
كعب الأنطاكي عن الوليد عن جرير ثم رواه بمدّ عني محمود وهشام بن
خالد قالا: ثنا الوليد بهذا الإِسناد، قال: ومسح بأذنيه./فأحال أبو داود
على الإسناد الأول وقد صَرح محمود فيه يقول الوليد: أخبرني جرير وروى
أبو المغيَرة عن جرير قال: حدّثني عبد الرحمن بن ميسرة قال: سمعت
المقدام يذكره وفيه ثم مسح رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما فعلى هذا الحديث
إسناده واحد اختلف في بعض ألفاظه، وفي اختصاره وإكماله فإذا كان واحدَا
فبرواته محمود عن الوليد بزول التدليس، ويُروى أنه أتى المغيرة عن جرير تزول
التسوية، ولذلك رواه أبو جعفر الطحاوي عن محمد بن عبد الله بن ميمون
البغدادي قال: ثنا الوليد بن مسلم قال: ثنا جرير بن عثمان وكذا أسلفناه
من عند ابن مليكة.
الثاني: عتبة بن الوليد بالتدليس والتسوية وهو كما قال، ولكن وقع لنا من
غير رواية ذكرها أبو داود، هذا الحديث أيضَا من حديث الإمام أحمد بن
حنبل ثنا أبو المغيرة ثنا جرير قال: حدّثني عبد الرحمن سمعتَ المقدام يذكره
بلفظ: " فمسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما فهذا أبو المغيرة عبد
القدوس بن الحجاج الخولاني الثقة الثبت المخرج حديثه عند الأئمة الستة تابع
الوليد على روايته، وكأنّ روايته لم تكن فإن اعترض معترض بأنّ حديث الوليد
فيه ذكر الصحاح، وهذا لها ذكر له فيه فالجواب ما أسلفناه من أنّه حديث
واحد اختلف في اختصاره وإكماله، وأنه روى بالمعنى وإدخال أصبعه لمسح
باطن الأذن هو معنى نوله وادخل أصابعه في صماخ أذنيه، ويوضح ذلك قول
الطبراني في الكبير أثر حديث أبي المغيرة ثنا هاشم بن مرثد ثنا صفوان بن
[ ١ / ٣٢٥ ]
صالح ثنا الوليد عن جرير عن ابن مَيسرة عن المقدام مثله، ويؤيد حديث
الربيع وأدخل أصبعيه في حجري أذنيه.
الثالث: قوله: وعبد الرحمن هذا مجهول الحال، وليس كما زعم؛ لأن
العجلي لما ذكره في كتابه قال: هو شامي تابعي ثقة، ولما ذكره البُستي في
كتاب الثقات عرفه بروايته عن أبي أمامة والمقدام قال: وهو حضرمي وقال/
ابن سرور: عن أبي الحبراني وجبير بن نفير.
الرابع: قوله في جرير كان له رأي سيء في بعض الصحابة لم يزد على
ذلك مزيدًا به والله أعلم. عيبَهُ ولا عيب عليه في أمر كان منه ورجع عنه في
فيما حكاه علي بن عياش حكى ذلك ابن حبان، وفي كتاب الغسل على
علي بن حبان سمعت جَريرًا يقول لرجل: ويحك تزعم أني أشتم عليَا والله ما
شتمته قط، وذكر ابن عدي عنه أنه قال: والله ما شتمت عليَا قط، وقال أبو
حاتم: حسن الحديث ولا يصح عندي في رواية ما، يقال في رأيه ولا أعلم
بالشام أثبت منه وهو ثقة متقن، وفي رواية البخاري عن أبي اليمان يتناول
من رجل ثم نزل ذلك الفعل، وقال أبو بكر الخطيب كان ثقة، وحكى عنه
من سوء المذهب والاعتقاد ما لم يثبت عليه، وقال العقيلي محمد بن
إسماعيل ثنا الحسن بن علي الحلواني ثنا شبابة قال: سمعت جريرًا قال له
رجل: نا أبو عمر وبلغني عنك أنك لا ترخم على علي، فقال له: أسكت
ما أنت وهذا ثم التفت إلي فقال ﵀ مائة مرة، وقال ابن سرور: روى
له الجماعة إلا النسائي وتتبع ذلك عليه الشيخ جمال الدين فزعم أن الجماعة
رووا حديثه إلا مسلم بن الحجاج وأتى ذلك الحافظان اللالكائي والحبال فزعما
أنه خرج حديثه والله أعلم.
الخامس: سكوته عن علة إن صحت كانت فادحة بخلاف ما ذكره من
العلل ذكرها العسكري أبو أحمد عن هشام بن محمد السائب العلي أن
المقدام بن معد يكرب وفد على النبي ﷺ وأقام بالمدينة أربعين يوما ثم هلك،
فعلى هذا يكون حديث عبد الرحمن بن ميسرة عنه منقطعًا؛ لأنه ليس
[ ١ / ٣٢٦ ]
صحابيًا، وإما وفدت الوفود سنة تسع والله أعلم، ولما ذكر أبو عدي حديث
ابن عباس قال: وفي الباب عن الربيع واغفل حديث الباب وحديثًا ذكره ابن
وهب في مسنده فقال: ثنا أسامة بن زيد الليثي عن عطاء بن أبي رباح: " أنّ
عثمان مسح على ظاهر أذنيه وباطنهما وقال: هكذا رأيت النبي- عليه
السلام- يتوضأ " (١) .
وذكره أيضًا القاضي أبو أحمد في/مسنده، وهو قطعة من حديث تقدم
الكلام عليه قبلَ من هذه الطريق المنقطعة، ومن حديث عامر بن شقيق عن أبي
وائل عنه، وحديثًا عند أبي عوانة من جهة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:
" أنّ رجلَا أتى نبي الله ﷺ فقال: كيف الطهور؟ فدعى بماء فتوضأ فأدخل
أصبعيه السبابتين بين أذنيه فمسح بإبهاميه باطن أذنيه وبالسبابتين ظاهر
أذنيه " (٢) . وحديثا في المستدرك ذكره في الشواهد الصحاح، وصححه
الطبراني أيضَا في مسنده من جهة حميد عن أنس: " أن النبي ﷺ توضأ
فمسح ظاهر أذنيه وباطنهما ".
ثم قال ذلك: ابن قدامة ثقة مأمون، وقد أسنده عن الثوري، وخالفه
البيهقي وحديثًا عند البغوي من جهة عمرة قالت: سألت عائشة عن الأذنين
قالت-: هما من الرأس، وكان رسول الله ﷺ يمسح على أذنيه ظاهرهما
وباطنهما إذا توضأ " (٣) . رواه عن طالوت ثنا اليمان أبو حذيفة عنها، ولما
ذكره الدارقطني أعله بقوله اليمان ضعيف، ورواه النسائي في كتاب الكُنى من
حديث سالم بن سلام عنها راوية وضوء النبي ﷺ وفيه ومسحت رأسها
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، باب " ٥١ "، (ح/٤٣٥) . وصححه الشيخ الألباني
(٢) أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٣١) وعزا هـ إلى الطبراني في " الكبير " وله في الصحيح حديث غير هذا، وفيه سويد بن عبد العزيز ضعفه أحمد ويحيى وجماعة ووثقه دحيم. قلت: وهذا حديث صحيح بشاهده.
(٣) صحيح. رواه للدارقطني: (١/١٠٥) ولفظه: " كان يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما ".
[ ١ / ٣٢٧ ]
مسحة واحدة الوضوء مرة أو مرتين ثم مرت بيديها بأذنيها ثم مرتين على
الجلد، وعند البزار من جهة أبي الخافش محمد بن حجر وهو ضعيف، عن
سعيد بن عبد الجبار، عن أبيه عن أمه عن وائل بن حجر قال: " رأيت
النبي﵇- وأتى بإناء فيه ماء فذكر وضوءه ثم قال: وغسل باطن
أذنيه وأدخل أصبعيه في باطن أذنيه " (١) .
***
(١) صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٣٢) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير "
و" البزار " وفيه سعيد بن عبد الجبار، قال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في
الثقات وفي سند البزار والطبراني محمد بن حجر وهو ضعيف. قلت: وهو حديث ضعيف
بكلام الهيثمي. ولكن للحديث شواهد صحيحة بمعناه فالحديث إذن صحيح.
[ ١ / ٣٢٨ ]