حدّثنا سويد بن سعيد، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن شعبة، عن
حبيب بن زيد قال رسول الله ﷺ: " الأذنان من الرأس " (١) . هذا حديث
أخرجه أبو حاتم في صحيحه ولم يلتفت إلى ما أعل به؛ وذلك أن سويدًا
خرج له مسلم في صحيحه حديثه محتجًا به ووثقه غير واحد؛/ورمى
بالتدليس وهو هنا مأمون (٢) وبالاختلاط لما عمى والتلقين وهو هنا معدوم؛ لأن
ابن ماجة أخذ عنه قديمًا وقول البيهقي في الخلافيات: إثر حديث خالف
الشّافعي اختلط بعد أن كتب عنه مسلم، ولعلّه لو عرف تغيّره ما روى عنه
في الصحيح، فكلام لا معنى له، ولعل الملجئ له إلى ذلك التعصب؛ لأنه طال
ما صحح أحاديث من روايته غير مُبيّن منها سماعًا ولا تحدَّثنا ولا حال لا بل
يحيل على من وثقة، وخرج مسلم حديثه، وقد بين الدارقطني حاله بيانا شافيًا
حين سأله حمزة عنه فقال: تكلّم فيه ابن معين، وقال: حدث عن أبي
معاوية عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: " الحسن
والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (٣) . قال يحيى: وهذا حديث باطل عن أبي
معاوية لم يروه غير سويد، وجرح سويدًا لروايته هذا الحديث قال أبو الحسن:
_________________
(١) تقدم تخريجه موصولا، وهو في: سنن ابن ماجة: ١- كتاب الطهارة، باب " ٥٣ "، (ح/٤٤٣) . قلت: والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني.
(٢) كذا ورد هذا السياق " بالأصل ".
(٣) صحيح. ت (٣٧٦٨)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. خط ١١: ٩٠- حم ٣: ٣، ٦٢، ٦٤، ٨٢، ك ٣: ١٩٦، ١٦٧- طب ٣: ٢٥، ٢٨، ٢٩: ٢٧٢- مجمع ٩: ١٨٧، ١٨٢: ١٨٣، ١٨٤- حب ٢٢٢٨- ومشكل ٢: ٣٩٣- منثور ٤: ٢٦٢، كنز ١٧٧٩٥- ٣٤٢٤٦، ٣٤٢٥٩- ٣٤٢٦٠، ٣٤٢٨٢، ٣٤٢٨٥، ٣٤٦٨٢- ش ١٢: ٩٦، ٩٧- سنن ١٤: ١٣٨- بدا ية ٢: ٥١، ٨: ٣٥- صحيح ٧٩٦- حلية ٤: ٩٣٩، ١٤٠، ٥: ٥٨، ٧١- شج ا: ٤٤- ٢: ٢٣٥- كر ٢: ٥٩، ٤: ٢٠٩، ٢٥٥، ٣١٧، ٧: ٣٦٨، أصفهان ١:
(٤) خط ١: ١٤٠، ٢: ١٨٥، ٤: ٢٠٧، ٦: ٣٧١، ٩: ٢٣١- خصائص ٦٢، ٦٧ وحرجان (٣٩٥) وابن عدي (٢/٦٣٨، ٧٦٨، ٠٢، ٣/١٢٧٠، ١٣٧٠، ٥/١٩٥٩، ٦/ ٢٣٧٨، ٧/٢٧٣٨) والخفاء (١/٤٢٩) وتذكرة (٩٨) والدرر (٧١) .
[ ١ / ٣٢٩ ]
فلم نزل نظن ما قاله حتى دخلت مصر سنة سبع وخمسين وثلاثمائة فوجدت
هذا الحديث في مسند أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم المنجنيقي، وكان ثقة
ودلس عن أبى كريب قال: عن ابن لهيعة معاوية كما قال: سويد سواء
وتخلص سويد.
وصح الحديث عن أبي معاوية، ثنا بذلك المسند المعمر أبو الحسن الصوفي
بقراءتي عليه يوم الأربعاء سابع عشرين جمادي الأولى سنة سبع عشرة وسبع
مائة أخبركم الإمام أبو محمد بن ظافر المصري أجازة إن لم يكن سماعًا عن
الحافظ السلفيَ قال: سمعت المؤتمن الساجي يقول: سمعت إسماعيل بن
مسعدة يقول: فذكره وقد أشبع الكلام فيه في كتاب الواضح المبيّن في ذكر
من مات من المحبين.
وأما قول أبي عيسى الترمذي، قلت: للبخاري فإنهم يذكرون عن
سويد بن سعيد عن ابن أبي زائدة عن شعبة عن حبيب بن زيد فذكر كلامًا
وكان بعده ما صورته وضعف جدًا، وقال: كلما لقّن شيئًا تلفته وضَعَّف أمره
فإنما يريد سويدًا لا الحديث؛ لأنّ مذهبه في سويد معلوم، وحبيب بن زيد بن
خلَّاد حفيد عبد الله بن زيد، وثقة/النسائي وابن حبان، وقال أبو حاتم
الحنظلي: صالح وباقي من في الإِسناد لا يقال عن حالهم، حدّثنا محمد بن
زياد، ثنا حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة
أن رسول الله ﷺ قال:"الأذنان من الرأس، وكان يمسح رأسه مرة وكان
يمسح المأقين" (١) . هذا حديث مختلف في وقفه ورفعه وتحسينه وضعفه.
فأمّا أبو داود فذكر في كتاب التفرد عن سليمان بن حرب بقول أبو أمامة
يعني الأذنين، أمّا الترمذي فإنه لما ذكره قال: الإسناد ليس بذلك القائم وقال
الدارقطني رفعه وهم، والصواب أنه موقوف، ثم ذَكر من تابع شهر على رفعه
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، باب (٥٣)، (ح/٤٤٤) . والمأق: طرف العين الذي يلي الأنف. قلت: والحديث صحيح دون"مسح المأقين". انظر: صحيح أبى داود ح/١٢٣، والمشكاة ٤١٦، والصحيحة ح/٣٦.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وهو راشد بن سعد من طريق أبي صريح وهو ضعيف، والقاسم من طريق
جعفر بن الزبير وهو متروك، ولما ذكر ابن عدي راشد هذه قال: هذا يعرف
من طريق حماد بن زيد عن عبد الله بن أحمد بن عيسى يوسف عن
عيسى بن يونس عن ابن أبي مريم هكذا، وأسجل منه عليه، وقال قتيبة: قال
حماد لا أدري هو من قول النبي ﵇ أو أبي أمامة- يعني قصة
الأذنين- وقال في الخلافيات: ما منها حديث- يعني الأذنان من الرأس- إلا
وله عفة وقال البيهقي في السنن الكبير: روى حديث الأذنان من الرأس
بأسانيد ضعاف أشهرها حديث شهر، وهو معلل من وجهين: الأول: ضعف
بعض رواته والآخر: الشك في رفعه، وبنحوه قال الدارقطني، وفيما قالاه
نظر؛ لأن حديث ابن زيد المذكور أصح من حديث شَهْر وأَشْهر، ولما سئل
موسى بن هارون عن حديث أبي أمامة قال: ليس بشيء فيه شَهْر والحديث
في رفعه شك، وقال سليمان بن حريث الأذنان من الرأس، إنّما هو من قول
أبي أمامة، فمن قال غير هذا فقد بدل أو كله، قالها سليمان أي أخطأ، ولما
ذكره الدارقطني في سننه قال شهر: ليس بالقوي، وقد وقفه ابن حُريث عن
حماد وهو ثقة ثبت، ولما ذكره الإشبيلي / أبرز من إسناده شهرا فقط، قال ابن
القطان: ليم يتقدّم له ذكر شهر قبل هذا فهو إذا لن يعتمد فيه مقدما قدمه،
وشهر قد وثقة قوم وضعفه آخرون وجنح إلى توثيقه كما أسلفناه قبل، ويرويه
عنه أبو ربيعة سنان ابن ربيعة قال فيه أبو حاتم: شيخ مضطرب الحديث، وقال
ابن معين ليس بالقوي وقد أخرج له البخاري، فهذا الذي فسرناه من عفة هذا
الخبر وهو الذي لا يسمح من أجله عنده. والله أعلم، وفي كتاب العلل
للحنظلي: سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة عن سنان بن ربيعة عن
أنس أنّ النبي ﷺ:"كان إذا توضأ غسل ما في عينيه" (١) قال أبي: يعني
عن حماد بن زيد عن سنان عن شَهْر عن أبي أمامة عن النبي وحماد بن زيد
أحفظ وأثبت من ابن سلمة، وسنان مضطرب الحديث، حدّثنا محمد بن
يحيى، ثنا عمرو بن الحصين، ثنا محمد بن عبد الله بن عُلاثة عن عبد الكريم
_________________
(١) رواه قط: (١/١٠٤) . وقد تقدم في أكثر من موضع.
[ ١ / ٣٣١ ]
الجزري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
"الأذنان من الرأس" (١) هذا حديث. قال أبو محمد الأشبيلي: لا يصح ولم
يبيّن ذلك، وهو حديث معلل بأمرين:
الأول: عمرو بن الحصنين البصري العقيلي قال ابن أبي حاتم: سمع منه
أبي وقال: تركت الرواية عنه ولم يُحدّثنا بحديثه وقال: هو ذاهب الحديث
ليس بشيء، أخرج أوّل الشيء أحاديث مشبهة حسانا، ثم أخرج بعد لابن
عُلاثة أحاديث موضوعة فأفسد علينا ما كتبنا عنه فترك حديثه، وسئل أبو
زرعة عنه عندما امتنع عن التحدث عنه فقال: ليس هو في موضع من تحدث
عنه هو واهي الحديث، وقال أبو الفتح: لا أدري ضعيف جدا يتكلّمون فيه،
وفال ابن عدي: حدث عن الثقات بغير حديث منكر وهو متروك الحديث،
وقال الدارقطني: متروك وقال في السنن: لما ذكر الحديث عمرو بن عُلاثة
ضعيفان. ثم ذكره من رواية/جماعة وضعفها كلّها وأغفل ذكره الحافظ
المقدسي في كماله ولا ينبغي ذاك.
الثاني: أبو اليُسر محمد بن عبد الله بن عُلاثة العقيلي قاض بغداد لمحمد
أبي جعفر، ويُعرف بقاضي الجن وإن كان ابن معين وثقة، وقال ابن أبي شيبة:
كان ثقة إن شاء الله تعالى، وقال أبو زرعة: صالح فقد قال أبو حاتم الرازي:
نكتب حديثه ولا نحتج به، وقال البخاري: في حديثه نظر، وقال أبو الفتح
الأزدي: أقنع من البخاري بهذا حديثه يدل على كذبه، وكان أحد العُضل
في التزيد، وفي موضع آخر كان واهي الحديث لا يحل كتب حديثه عن
الأوزاعي وحديثه يدل على كذبه، قال أبو بكر الخطيب: قد أفرط الموصلي
في أصل علي بن علاثة، وأحسبه وقعت إليه روايات لعمرو بن الحصين عن
ابن علاثة فنسبه إلى الكذب لأجلها، والعلة في تلك من جهة عمرو؛ فإنّه
كان كذابا وأمّا ابن عُلاثة فقد وصفه ابن معين بالثقة، ولم أحفظ لأحد من
الأئمة فيه خلاف ما وصفه عنه يحيى. انتهى كلامه، وما ذكرناه من كلام
الأئمة يرد قوله وقال ابن عدي: ابن عُلَاثة حسن، وأرجوا انه لا بأس به،
_________________
(١) تقدم قريبا ص ٣٣٠.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وقال الدارقطني: عمرو بن الحصين وابن علاثة ضعيفان متروكان، وقال ابن
حبان: يروى الموضوعات عن الثقات لا يحل ذكره إلا على جهة القدح فيه،
ورّد به ابن القطّان حديثًا وكذلك ابن طاهر وردّ حديثه ما عظمت نعمة الله
على عبد بقوله ليس بحجة، ولما ذكر أبو عيسى حديث شَهْر قال: وفي
الباب عن أنس لم يرد شيئًا، وقد تقدّم حديث عبد الله بن زيد وأبو هريرة،
وفيهما رّد لما ذكروا وكذا حديث عبد الله بن عباس القائل فيه عبد الحق وهو
ضعيف، وأنكر ذلك أبو الحسن فقال: هو عندي ليس كذلك، بل إما
صحيح وإما حسن وبيانه هو ما ذكره الدارقطني، ثنا محمد بن عبد الله بن
زكريا النيسابوري بمصر، ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، ثنا أبو كامل،/ثنا
غندر عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال:"الأذنان
من الرأس" (١) حدّثني به أبي قال: ثنا الباغندي، ثنا أبو كامل مثله هذا
الإِسناد ثقة رواته، واتصاله، وإنما أعلّه الدارقطني بالاضطراب في إسناده فتبعه
أبو محمد علي ذلك، وهو ليس أصل فيه، والذي قال فيه الدارقطني: هو أن
أبا كامل تفرّد به من عنده ووهم فيه عليه، هذا ما قال ولم يؤيّده بشيء ولا
عضده بحجة، غير أنّه ذكر أنّ ابن جريج الذي دار الحديث عليه يُروى عنه
عن سليمان بن موسى عن النبي ﷺ مرسلًا، وما أدري ما الذي يمنع أن
يكون عنده في ذلك حديثان مسند ومرسل. انتهى كلامه، وفي قول ابن
القطان عن الدارقطني تفرّد به أبو كامل عن غندر فقط، نطر لإِغفاله قوله
وتابعه الربيع بن بدر وهو متروك عن ابن جريج وكذا ذكره أبو أحمد
الجرجاني من رواته الربيع بن بدر عن ابن جريج، ولا يرد به عند عليلة، وعند
صاحب شعبة وهو من حديث عبد، وليس بمحفوظ والربيع بن بدر متروك،
وحديثه عن غندر أبو كامل والمعمري ففي قوله والمعمري رّد لما قاله الدارقطني
من تفرّد أبي كامل به عن غدر، ورواه أيضًا من جهة محمد بن زياد الطحان
عن ميمون بن زيد عن ابن عباس:"سئل ﵇ عن الأذنين"الحديث
وحديث سلمة بن قيس الأشجعي أن النبي ﷺ قال:"إذا توضأت فانشر
_________________
(١) تقدّم قريبا ص ٣٣٠.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وإذا استجمرت فأوتر والأذنان من الرأس" (١) . ذكره أبو بكر الحافظ في
كتاب المدرج من الأحاديث من حديث حيينة بن سليمان عن زرين القاسم
الجبلي عن آدم عن شعبة عن منصور عن هلال بن سنان وعنه قال: قوله في
هذا الحديث:"الأذنان من الرأس"خطأ فظيع ووهم، وذلك أنّ المثنى
المرفوع/آخره فأوله وحسب لا زيادة عليه، والوهم في هذا الحديث مردود به
وهمه على احتراز من جهة وهمه، وروا الحديث في كتاب آدم ممن تبعه آخره
فأوتر، وبعده في أثره روى بإسناد آخر عن عبد الله بن عمر:"الأذنان من
الرأس"فأسقط الناقل بحديث سلمة ما بعده من إسناد حديث ابن عمر
ووصل منه بلفظ حديث سلمة، وقد روى معمر والثوري وزائدة وموسى بن
مطير وقيس بن سلمة هذا الحديث فلم يزيدوا على ما قلت لك، وكذا رواه
أبو الوليد عن شعبة عن منصور، وروى إبراهيم بن القاسم البلدي عن آدم عن
شعبة حديث سلمة هذا، وأتبعه بحديث ابن عمر، وميّز كل واحد منها عن
صاحبه وحديث عبد الله بن عمر ذكره ابن عدي الحافظ من رواية زيد العمي
عن نافع عنه وعن زيد بن محمد بن الفضل بن عقبة قال: ولعلّ البلاء منه،
وأنّه أضعف من زيد، وذكره أيضا في ترجمة إسماعيل بن عياش عن
يحيى بن سعيد عن نافع عنه قال: وهذا الحديث لم يحدث به عن إسماعيل
غير ضمرة ولا عن يحيى غير إسماعيل، وقال الدارقطني: رفعه وهم
والصواب موقوف، وحديث أبي موسى الأشعري ذكره أبو القاسم في الأوسط
من حديث علي بن سعد الرازي، ثنا الأحمر وقال: لم يروه عن الأشعث إلا
علي بن شهر تفرّد به علي بن زياد، ولا يروى عن أبي موسى إلا بهذا
الإِسناد، وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سمعت أبي وذكر حديث
علي بن جعفر الأحمر عن عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث عن أبي ذاكرت
أبا زرعة بهذا الحديث فقال: حدّثنا إبراهيم بن موسى عن عبد الرحيم فقال
عن أبي موسى موقوف، ولما ذكره ابن عدي قال: لا أعلم أحدا رفعه عن
عبد الرحيم غير علي الأحمر، حديث عائشة قال فيه الدارقطني: إرساله أصح
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، باب"٤٤"، (ح/٤٠٩) من حديث أني هريرة. وليس فيه"والأذنان من الرأس". وصححه الشيخ الألباني.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وحديث علي ذكره الدبوسي في الأسرار،/وحديث جابر بن عبد الله
وسمرة بن خروف ذكرهما البيهقي في كتاب الخلافيات، وأعلهما وعمر أبو
محمد بن حزم بضعف الأحاديث الّتي في الباب ووهاها، وفيه نظر لما أسلفناه
قال أبو عمر في كتاب التمهيد: قال مالك فيما روى عنه ابن وهب وابن
القاسم وأشهب وغيرهم:"الأذنان من الرأس"قال: يستأنف لهما ماءا
جديدا سوى الماء الذي مسح به الرأس، فوافق الشافعي في هذا لأن الشافعي
قال: يمسح الأذنين بماء جديد كما قال مالك، ولكنه قال: هما سنة على
حيالهما لا من الوجه ولا من الرأس أقبح بحديث ابن جدعان، أنّ النبي ﷺ
أخذ لهما ماء جديدا وكذلك روى أنه ﵇:"مسح مسند مسحتيه
لأذنيه"وذكر ذلك أبو زيد وفي حديث عبد الله بن زيد المصحح إسناده عند
البيهقي دلالة واضحة للشّافعي وهو واحد لأذنيه ما خلاف الماء الذي أخذ
لرأسه، وذكره أبو عبد الله بن البيع في النوع الخامس والعشرين من علوم
الحديث بسند صحيح، ثنا بذلك المسند المعمر أبو المزن الدبوسي بقراءتي عليه
عن ابن المقر، ثنا أبو علي الحافظ، ثنا أبو الطاهر المديني بمصر، ثنا جبريل بن
يحيى، ثنا بن وهب، ثنا عمرو بن الحرث عن حيان بن واسع عن أبيه عن
عبد الله بن زيد فذكره، وقال: هذه سنة غريبة تفرد بها أهل مصر، ولم
يشركهم فيها أحد. ورواه الترمذي بهذا الإسناد بلفظ:"مسح رأسه بماء غير
فضل يديه" (١) وقال فيه صحيح كذا قالَ: مسح رأسه ولم يذكر الأذنين،
_________________
(١) صحيح. رواه الترمذي في: أبواب الطهارة، ٢٧- باب ما جاء اَنه يأخذ لرأسه ماءا جديدا، (ح/٣٥) . وقال:"هذا حديث حسن صحيح". ورواه مسلم مطولا (١/٨٣) من طريق ابن وهب، ورواه أبو داود من طريقه مختصر (١/٤٦- ٤٧) . وروا ٥ الدرامي في سننه (١/١٨٠) قال:"حدثنا يحيى بن حسان ثنا ابن لهيعة ثنا حبان بن واسع عن أبيه عن عبد الله بن زيد المازني قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بالجحفة، فتمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه ثلاثا، ثم مسح رأسه، وغسل رجليه حتى أنقاهما، ثم مسح رأسه بماء غير فضل يديه. ورواه أحمد في المسند مرتين (٤/٣٩، ٤٠) عن موسى بن داود عن ابن لهيعة، وفيه: "بماء غير فضل يديه"ورواه أيضا مرة ثالثة (ص ٤٢) عن الحسن بن موسى عن ابن لهيعة، قريبا من رواية الدرامي، ورواه مرة رابعة (ص ٤١- ٤٢) عن علي بن إسحاق وعتاب عن ابن المبارك عن ابن لهيعة، وفيه:"بماء هن غير فضل يده ".
[ ١ / ٣٣٥ ]
وكذا حديث مالك عن ابن عمر أنه:"كان إذا توضأ يعيد أصبعيه في الماء
فيمسح بهما أذنيه"وقال عبد الحق: روى هذا بن حارثة عن أبيه عن النبي
ﷺ:"تجريد الماء للأذنين"، وهو ضعيف، وزعم ابن القطان أنه حديث لا
وجود له أصلًا، وقال أبو عمر: وقول أبي ثور في ذلك كقوله سواء، وقال
أحمد بن حنبل كقول/مالك، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه:"الأذنان
من الرأس يمسحان مع الرأس بماء واحد"وروى عن جماعة من السلف من
الصحابة والتابعين مثل هذا القول، وقال ابن شهاب: الأذنان من الوجه،
وقال الشعبي: ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس، وبه قال
الحسن بن يحيى وابن راهويه وحكى ابن راهويه هذا القول عن الشافعي،
والمشهور ما تقدّم ذكره رواه عنه المزني والربيع والبويطي والزعفراني وغيرهم،
وقد روى عن أحمد مثل قول الشعبي وإسحاق، وقال داود: إن مسح أذنيه
فحسن، وإن لم يمسح فلا شيء عليه، وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك
مسح أذنيه ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي ﷺ ولا يوجبون عليه إعادة،
إلا إسحاق فإنّه قال: إن ترك مسح أذنيه عمدَا لم يجزه، وقال أحمد: إنّ
تركهما عمدًا أحببت أن يعيد، وقد كان علي بن زياد صاحب مالك يقول:
من ترك سنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامدًا عاد، وهذا عند الفقهاء ضعيف
وليس يقابله نص ولا له حظ من النظر ولو كان كذلك لم يُعرق الغرض
الواجب مرة غيره، واحتج مالك والشافعي في أخذهما للأذنين ماء جديدَا؛
لأنّ ابن عمر كان يفعل ذلك وحجة أبي حنيفة حديث زيد بن أسلم عن
عطاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك، وحديث الصنابحي حيث
قال ﵇:"فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من أذنيه"كما قال في
الوجه:"من أشفار عينيه"وفي اليدين:"من تحت أظفاره"ومن المعلوم أن
العمل في ذلك واحد بماء واحد، واحتجوا أيضَا بما رواه أبو داود عن ابن
عباس، ومسح برأسه مسحة واحدة وأكثر الآثار على هذا، وحجة من قال:
يغسل ظاهرهما مع الوجه، ويمسح باطنهما مع الرأس أن الله ﷿ قد أمر
بغسل الوجه، وهو مأخوذ من المواجهة فكل ما وقع عليه اسم وجه وجب
غسله، وأمر ﷿ بمسح الرأس وما لم يواجهك من الأذنين فمن الرأس؛
[ ١ / ٣٣٦ ]
لأنهما في الرأس فوجب/المسح على ما لم يوجه منها مع الرأس، وهو قول
ترده الآثار الثابتة عن النبي ﷺ أنه:"كان يمسح ظهور أذنيه وبطونهما" (١)
من حديث علي وابن عباس وغيرهما ومجد بن شهاب أنهما من الوجه؛ لأنه
لم يكن قفا والله تعالى قد أمر بغسل الوجه أمرًا مطلقًا وفي حديث عثمان:
"فأخذ ماء فمسح يرأسه وأذنيه فغسل ظواهرهما وبطنهما" (٢) ومن الحجة له
أيضًا ما صح عنه ﵇ أنّه:"كان يقول في سجوده سجد وجهي
للذي خلقه فشق سمعه وبصره" (٣) فأضاف السمع والبصر إلى الوجه،
وحجة الشافعي في قوله: إن مسحهما سنة على حبالهما، اجتماع العلماء على
أنّ الذي يجب عليه حلق رأسه في الحج ليس عليه أن يأخذ ماء على أذنيه من
الشعر، قال أبو أحمد: ولا يختلف أحد في أنّ البياض الذي بين منابت
الشّعر من الأذنين ليس هو من الرأس في حكم الوضوء، فمن المحال أن يكون
بين أجزاء رأس الحي عضو ليس من الرأس، وأن يكون بعض رأس الحي مباينًا
لسائر رأسه، وأيضًا لو كان من الرأس لأجزأ أن يمسحا عن مسح الرأس، وهذا
لا يقول به أحد، وحكى الخطابي أن قوله ﵇:"الأذنان من الرأس"
له تأويلان أحدهما يمسحان مع الرأس تبعًا، والآخر إنهما يمسحان كما يمسح
الرأس ولا يُغسلان كالوجه وإضافتها إلى الرأس إضافة تشبيه وتقريب لا إضافة
تخفيف، وإنما هو في معنى دون معنى، كقوله: مولى القوم منهم أي في حكم
النصر مولد ولاه دون حك النسب واستحقاق الإرث، ولو أوصى رجل لبني
هاشم لم يعط مواليهم ومولى اليهودي لا يؤخذ بَالجزية، وفائدة الكلام ومعناه
عنهم إبانة الأذن عن الوجه في حكم الغسل وقطع الشبه فيها لما بينهما من
_________________
(١) صحيح. رواه القرطبي في"تفسيره": (٦/٩١) .
(٢) صحيح. أورده الهيثمي في"مجمع الزوائد" (١/٢٢٩) من حديث حمران، وعزاه إلى " أحمد"وهو في الصحيح باختصار ورجاله موثقون.
(٣) صحيح. رواه مسلم في (المسافرين، باب"٢٦"، ح/٢٠١، ٢٠١) والترمذي (ح/ ٥٨٠، ٣٤٢١، ٣٤٢٣، ٣٤٢٥) والنسائي في (الافتتاح، باب"١٥"، والقرآن باب"١٠") والحاكم في"المستدرك" (١/٢٢٠) وصححاه. والطبراني في"الكبير" (١٩/٢٣٢) وابن أبي شيبة في"المصنف" (٢/٢٠) والقرطبي في"تفسيره" (٤/٤٥، ٦/٩١) وأحمد في' المسند" (٦/٣٠) .
[ ١ / ٣٣٧ ]
الشبه في الصورة، وذلك إنما وجدا في أصل الخلقة بلا شعر، وجُعلا محلَا
لحاسة من الحواس، ومعظم الحواس محلها الوجه فقيل: الأذنان/من الرأس
ليعلم أنهما ليسا من الوجه.
***
[ ١ / ٣٣٨ ]