حدثنا علي بن محمد بن جابر قال: سمعت قيس بن طلق الحنفي (١) عن
أبيه: " سمعت رسول الله ﷺ سئل عن مس الذكر فقال: ليس فيه وضوء إنما
هو منك ". هذا حديث ضعيف بضعف الإسناد؛ لأن محمد بن جابر بن
سيار بن طلق أبا عبد الله اليمامي الحنفي السحمي أخا أيوب بن جابر، قال
فيه يحيي بن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس بشيء، وسئل عنه محمد بن
جابر فقال: لا بأس به، وفي تاريخ ابن المبارك قال عبد الله بن محمد بن
جابر: هذا وهو الحديث الثاني من أبيه لا يحفظ جزئية، فقلت له: أيّها
الشيخ إنك حدثتني بكذا وكذا، قال: فوثب أولئك على المسار للحديث
فكفّهم محمّد عني قال: ثم جاءني محمد إلى رحلي ومعه كتابه فقال: انظر،
فنظرت فإذا هو صحيح على ما حدثني فقلت: ﵀ لا أحدِّث إلا من
كتابه، ولفظ أبي داود في كتاب التفرد/عن محمد بن جابر قال في الصّلاة،
كذا رواه الثوري وربيعة وهشام بن حسان وابن عيينة وجرير عن ابن جابر،
وفي رواية عباس أنه كان أعمى واختلط حديثه، وكان كوفيا ثم انتقل إلى
اليمامة، وقال أحمد: لا يحدث عنه إلا من هو شرّ منه، وقال البخاري:
ليس بالقوي، تكلموا فيه، وقال: ذهب في آخر عمره واختلط وساء حفظه،
وكان يلقن، وقال ابن حبان: كان أعمى يلحق في كتبه ما ليس من حديثه
ويسرق ما ذكر فيحّدث به، وقال عبد الله بن أحمد (٢): سمعت أبي يقول:
كان محمد رُبّما ألحق في كتابه أو لحق كتابه- يعني الحديث- وربما الحق،
وهذا حديث ليس بصحيح، وهو كذب، وفي كتاب العقيلي عن عبد الله
قال الفلاس: صدوق كثير الوهم متروك الحديث، وكان ابن مهدي يحدث
عنه ثم تركه بعد، وكان يروي أحاديث مناكير، وهو معروف بالسّماع، جيِّد
اللقاء وفي كتبه لحن، وحديثه عن حمّاد فيه اضطراب، وقال النسائي:
_________________
(١) قوله: " الحنفي " وردت " بالثانية ": " الختني "، وهو تحريف، والصحيح الأولى.
(٢) شطب " بالأصل ".
[ ٢ / ٤٣٤ ]
ضعيف، وقال ابن عدي ولمحمد بن جابر من الحديث غير ما ذكرت، وعند
إسحاق بن إسرائيل عنه أحاديث صالحة، وكان يعني ابن إسرائيل يفضله على
جماعة شيوخ هم أفضل منه وأوثق، وقد روى عنه من الكبار أيوب وابن عون
وهشام وحسان والثوري وشعبة وغيرهم، ولولا أن محمد بن جابر في ذلك
المحل لم يروه عنه هؤلاء الذين هو دونهم، وقد خالف في أحاديث، ومع ما
تكلم فيه من تكلم فكتب حديثه، وفي سؤالات الآجري: سألت أبا داود عن
محمد بن جابر اليمامي فقال: ليس بشيء، وفي موضع آخر: سمعت أبا داود
يقول: روى شعبة وسفيان عن محمد بن جابر ذاك الحديث، وسفيان أظنّه
كتب به إليه، وقال الدولابي في كتاب الكني: ضعيف، وقال العجلي:
ضعيف، وذكره أبو العز عن ابن مهدي، وذكر محمد بن جابر فجعل
يضعفه، وقال محمد بن عيسى: قال لي أخي- يعني إسحاق-: حديث
محمد بن جابر كان يحدّث لشريك عن أبي إسحاق، قال: وأبيه في كتابه
قد ألحقه ين سطرين من كتابه طري (١)، قرأت على أبي الفنون وأبي الحسن بن
أبي بكر/الضرير- رحمهما الله تعالى- قلت للأول: أنبأك المقبري عن المدني
وابن ناصر، وقال المدني: نا وقال ابن ناصر أنبأنا ابن خلف، والثاني: أنبأك
الحافظ البكري أنا القاسم بن عبد الله الصفّار، ثنا عمه والد عائشة بنت أحمد
عن أبي بكر بن خلف، قال: أنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، أنا أبو بكر بن
إسحاق الإمام أنا أبو مسلم عبد الله بن رجاء، ثنا همام عن محمد بن جابر
عن قيس بن طلق عن أبيه: " أنّه سأل النبي ﷺ- أو سأله رجل- فقال: بينا
أنا في الصلاة ذهبت أحك فخذي فأصابت يدي ذكري فقال: هل هو إلا
بضعة منك " (٢) . قال الحاكم: هذا حديث رواه جماعة من التابعين عن
محمد بن جابر فلم يذكر الزيادة في حك الفخذ غير عبد الله بن رجاء عن
همام بن يحيي، وهما ثقتان. وفي تاريخ أصبهان (٣) لأبي نعيم من حديث ابن
جابر: " إنما هو بضعة منك فأنى أعزله "، وقال ابن شاهين: هذا حديث
_________________
(١) كذا ورد هذا اللفظ " بالأصل ". (٢، ٣) رواه النسائي (١/١٠١) وأحمد (٤/٢٣) والبيهقي (١/١٣٤) وابن أبي شيبة=
[ ٢ / ٤٣٥ ]
اشتهر به محمد بن جابر، ورواه عنه الأكابر ممن هو أسنّ منه وأقدم موتا،
منهم: أيوب السختياني وعبد الله بن عون وسفيان الثوري وهشام بن حسان
وقيس بن الربيع وهمام بن يحيى وصالح المزي وحّماد بن زيد وسفيان بن عبد
الله ووكيع وابن فضيل والمفضل ابن صدقة وأخوه أيوب بن جابر، وجماعة
ذكروا في الأكابر عن الأصاغر، وذكر الحافظ أبو القاسم الطبراني لمحمد بن
جابر متابعا؛ وهو أيوب بن عتبة عن قيس بلفظ: " سأل رجل النبي ﷺ
فقال: يا رسول الله أرأيت إذا مس أحدنا ذكره يتوضأ؟! فقال: لا، إنما هو
بضعة منك " (١)، وفي لفظ: " سأله عن مس فرجه "، وأيوب أشُدّ من محمد،
فإنّه ممن قال فيه يحيى: ليس بشيء، وفي رواية: ليس بالقوي، وقال مرّة:
ضعيف الحديث، وكذلك قال مسلم وأبو زرعة، وقال النسائي: مضطرب
الحديث، وقال علي بن الجنيد: شبه المتروك، وقال البخاري: لا أحدث عنه،
كان لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه، وقال الترمذي: وضعّفه محمد بن
رجاء، وقال أبو داود: منكر الحديث، وقال السعدي: ضعيف، ولما ذكره
الشامي في كتاب الضعفاء قال: قال العلاء: وضعّفه يحيى، وليس هو ساقط
الحديث، وقال أحمد: ضعيف الحديث، وفي كتاب أبي العرب/قال ابن
البرقي أيوب بن النجار: والمحاملي وأيوب بن عتبة ممن نسب إلى الضعف
واحتملت روايتهما، وذكر البيهقي أنّ أيوب ومحمد ضعيفان، وكذا قاله
الحازمي وابن طاهر وابن الجوزي في العلل الساهرة، ورواه أيضا رجل آخر
يسمى أيوب بن محمد عن قيس بن طلق، في مس الذكر لا أعرفه، بل
أعرف لأبي داود شيخا يقال له أيوب بن محمد العجلي روى عن بشير له
وطعنه ابن علي، وأيوب بن محمد شيخ مصري يلقب أبا الجمل، ثنا عنه عبد
الله بن صالح بحديث عن أيوب بن موسى بن يحيى بن أبي كثير، فلعل عبد
الحميد أراد هذا إذ أيوب أخا محمد بن جابر، فقال ابن محمد: أو أراد بقول
_________________
(١) (١/١٦٥) وتلخيص (١/١٢٥) والمشكاة (٣٢٠) وابن سعد (٥/٤٠٢) والمعاني (١/٧٦) وأصفهان (٢/٢٢٢) .
(٢) رواه أحمد (٤/٢٢) والحلية (٠٣/١٧) والفتح (١/٢٥٤) والمتناهية (١/٣٦٢، ٣٦٣) وأصفهان (٣/٣٥٣) والدارقطني (١١/٤٩) وابن عدي في " الكامل " (١/٣٤٤) .
[ ٢ / ٤٣٦ ]
أيوب بن عتبة، وكان هذا أشبه من روى الحديث عمن يقال له أيوب تسعون
رجلا، وضعف هذا الحديث أيضا طلق الراوي له عن أبيه، وفي تاريخ أبي
زرعة: كان أحمد يضعف رواية أيوب عن يحيى بن أبي كثيِر قال: ذكر ابن
أبي حاتم في كتاب العلل: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه محمد بن
جابر عن قيس بن طلق عن أبيه في مس الذكر، فلم يثبتاه، وقالا: قيس بن
طلق ليس ممن تقوم به حجه ووهّناه، وفي كتاب " العلل " للخلال: قيل له-
يعني: للإِمام أحمد- حديت قيس بن طلق عن أبيه قال: قد رواه وغيره أثبت
منه (١)، وقاله الشافعي في " القديم "، وزعم بعض من خالفنا أن قاضي اليمامة
يعني: أيوب بن عتبه- ومحمد بن جابر ذكرا عن قيس بن طلق عن أبيه عن
النبي﵇- ما يدلّ على أن لا وضوء منه، قال الشّافعي: قد سألنا
عن قيس فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره، وقد عارضه من وصفنا
ثقته ورجاحته في الحديث وثبته، وقال يحيى بن معين: لقد أكثر الناس في
قيس بن خلف وإنّه لا يحتج بحديثه، وأُعلّ أيضا باختلاف الرواة في ألفاظه
فيما ذكره المحاربي.
وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق سالمة من هؤلاء الضعفاء، وحكم
بصحيحها جماعة؛ منهم: الإمام أبو حاتم البستي، فإنه ذكر في كتابه
الصحيح: ثنا الحسن بن سفيان، ثنا نصر بن علي، ثنا ملازم بن عمرو عن عبد
الله بن بدْر/عن قيس بن طلق عن أبيه قال: " خرج وفد إلى النبي ﷺ فجاء
رجل فقال: يا نبي الله … " الحديث ثم قال: ذكر الخبر المرخص فول من
زعم أن هذا الخبر ما رواه ثقة عن قيس بن طلق خلا ملازم بن عمرو، وأنا
محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري بمكة، ثنا محمد بن عبد الوهاب
الفراء، ثنا حسين بن الوليد عن عكرمة بن عمار عن قيس بن طلق عن أبيه:
" أنّه سأل النبي ﷺ عن الرجل يمس ذكره فقال: لا بأس إنه كبعض
جسدك " (٢) . ولما ذكره أبو عبد الله في تاريخ نيسابور، ثنا محمد بن يعقوب
(١) قوله: " أثبت منه " سقط من " الأولى "، وأثبتناه من " الثانية ".
(٢) روى الترمذي في سننه: حدثنا هنّاد، حدثنا مُلازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن=
[ ٢ / ٤٣٧ ]
الحافظ ثنا الفراء، قال: تفّرد به الحسين بن الوليد الثقة المأخوذ عن عكرمة،
ومنهم الحافظ أبو محمد الفارسي في كتابه المحلّي، ورجحه ابن مندة على
حديث سبرة، وحكي نحو ذلك عن الفلاس وابن المديني، وقال أبو عيسى
عندما رواه في جامعه من حديث ابن بدُر عن قيس: وهذا الحديث أحسن
شيء في هذا الباب، وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر،
وقد تكلّم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر وأيوب بن عتبة، وحديث
ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر أصح وأحسن، وأمّا قول أبي عمرو:
ملازم بن عمرو ثقة وعلى حديثه عوّل أبو داود والنسائي وكل من خرج في
الصحيح ذكر حديث سبرة في هذا الباب وحديث طلق بن علي إلا البخاري
فإنهما عنده متعارضان معلولان، وعند غيره هما صحيحان، وفيه نظر؛ لأنّ
مسلما لم يخرّج واحدا منهما، وكذا ابن خزيمة لم يخرّج حديث طلق، وهما
ممن يخرج في الصحيح، وأمّا قول البيهقي في المعرفة والخلافيات: حديث
عكرمة بن عمار عن قيس منقطع؛ لأنه قال عن قيس: إن طلقا سأل وقيس لم
يشهد سؤال طلق، وعكرمة بن عمّار أقوى من رواه عنْ نفر، وإن كان هو
أيضا يختلف في عدالته؛ فاحتج به مسلم في غير هذا الحديث وتركه
البخاري، وتبعه على ذلك الحازمي فغير الصواب منها؛ لما قدّمناه قبل من عند
ابن حبان من أنّ روايته متصلة لاشكّ فيها، وإذا صحّ للحديث طريق، وسلم
من شوائب/الطعن تعين المصير إليه، ولا عبرة باختلاف الباقين.
_________________
(١) - قيس بن طلق بن علي- هو الحنفي- عن أبيه عن النبي ﷺ قال: " وهل هو إلا مضغة منه؟! " وبضعة منه؟! ". قال أبو عيسى: وقد رُوي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ وبعض التابعين: أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر. وهو قول أهل الكوفة وابن مبارك. وقد روى هذا الحديث أيوب عن عتبة ومحمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه. وقد تكلم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر وأيوب بن عتبة، وحديث ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر وهو أصح وأحسن. قلت: والحديث رواه النسائي. (١/٣٨) عن هناد شيخ الترمذي فيه، ويظهر أن الترمذي اختصره، ولفظ النسائي: " أخبرنا هناد عن ملازم قال: حدثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق بن علي عن أبيه قال: خرجنا وفدا حتى قدمنا على رسول الله ﷺ، فبايعناه وصلينا معه، فلما قضى الصلاة جاء رجل كانه بدوي، فقال: يا رسول الله، ما ترى في رجل مس ذكره في الصلاة؟ قال: وهل هو إلا مضغة منك؟! أو بضعة منك؟! ".
[ ٢ / ٤٣٨ ]
ورجحه أيضا محمد بن يحيى الذهلي بقوله: الوضوء من مس الذكر استحبابا
لا إيجابا؛ لحديث عبد الله بن بدْر عن قيس بن طلق عن أبيه عن النبي ﷺ. حكاه
الحافظ بن خزيمة في صحيحه، وذكره أيضا ابن الجارود في كتاب المنتقى،
وكذلك الإمام أحمد بن حنبل، وسكت عنه أبو محمد الأودي، وذلك مشعر
بصحّته عنده، وتبع ذلك أبو الحسن عليه، وقال: هو حسن صحيح، وقال أبو
عمر بن عبد البر: أحسن أسانيده من جهة ملازم، وأشار الطبراني﵀
تعالى- إلى صحته، وأما تضعيف من ضعفه بقيس فغير صحيح؛ لأنه ممن
ذكره غير واحد في جملة الصحابة، وعلى تقرير لا يكون صحابيّا فقد وثقة
ابن معين فيما حكاه ابن عبد الحميد (١) وغيره، ولا معارضة بينه وبن ما
حكياه عنه من أنّه لا يحتج به؛ لاحتمال أن يكون أحد الأمرين قبل الآخر، أو
يكون الحجة عنده فوق الثقة، ووثقه أيضا أحمد بن عبد الله العجلي الحافظ،
وذكره أبو حاتم البستي في كتاب الثقات، وروى عنه جماعة؛ منهم: عبد
الله بن بدْر ومحمد بن جابر وعبد الله بن النعمان السّحيمي وابن أخيه
عجيبة بن عبد الحميد بن طلق وابنه هودة بن قيس وعكرمة بن عمار
وأيوب بن عتبة وأيوب بن محمد وموسى بن عُمير اليماني وسراج بن عقبة
وعيسى بن حيثم، وفي ذلك رد لقول من قال: قد سألنا عنه فلم نجد من
يعرفه بما يكون لنا قبول خبره؛ لأنّ هؤلاء عرفوه فرووا عنه، وأولئك عرفوا
حاله فأخبروا عنها، ولولا عرفانها لما جاز لهم تصحيح خبره، والله أعلم. ومن
كان بما وصفناه كان حديثه صحيحا لا علّة فيه، حسنا بغير شبهة تعتريه؛ أمّا
الصحة فقد تقدّم سببها، وأمّا الحسن فلعرفان مخرجه بما يأتي بعد، إن شاء
الله تعالى. حدثنا عمرو بن عثمان بن سعد بن كثير بن دينار الحمصي ثنا
مروان بن معاوية عن جعْفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامه سئل رسول الله
ﷺ عن مس الذكر فقال: " إنما هو جزء منك " (٢) . وفي مصنف وكيع بن
الجرّاح: " إنما هو جِذْوةٌ منك ". هذا حديث معلّل بأمرين:
_________________
(١) قوله: " عبد الحميد لما وردت في " الأولى ": " الخير "، والصحيح الثاني.
(٢) الكنز (٢٧٠٧٣) والمتناهية (١/٣٦٣) .
[ ٢ / ٤٣٩ ]
الأول: جعفر بن الزبير الدمشقي الباهلي وقيل: الحنفي العابد العزاء، قال
عليِ بن المديني:/سمعت يحيى وذكره فقال: لو شئت أن كتب عنه ألفا
لكتبت، كان يروي عن ابن المسيب نحوا من أربعين حديثا، وضعفه يحيى
جدا، وقال يزيد بن هارون: كان جعفر ابن الزبير وعمران بن جُرير في
مسجد واحد، وكان الزحام على جعفر وليس عند عمران أحد فكان شعبة يمرّ
بهما فيقول: عجبا! الناس اجتمعوا على أكذب الناس وتركوا أحذق الناس،
قال يزيد: فما أتى علينا إلا العلل حتى رأيت ذلك الزِّحام على عمران وتركوا
جعفرا ليس عنده واحد، وقال غندر: رأيت شعبة راكبا على حمار، قيل له:
أين تريد يا أبا بسطام فقال: أذهب وأستعدى على هذا- يعني: جعفرا-
وضع على رسول الله ﷺ أربعمائة حديث كذب، وقال يحيى بن معين:
جعفر ضعيف، وفي رواية: ليس بثقة، وقال الفلاس: متروك الحديث، كثير
الوهم، وقال أبو زرعة: اضربوا على حديثه، لا أحدّث عنه بشيء، وقال
السعدي: نبذوا حديثه، وقال البخاري: متروك الحديث، وفي التاريخ
الأوسط: أدركه وكيع ثم تركه، وقال النسائي والدارقطني وعلي بن الجنيد
والأودي: متروك الحديث، وقال أبو أحمد: وعامة أحاديثه لا يتابع عليها،
والضعف على حديثه بيّن، وتركه الإمام أحمد، وفي موضع آخر ضرب على
حديثه، وفي كتاب العلل عنه: أنّه أذهب رواية جعفر بن الزبير؛ لأنه إنّما كانت
رواية عن القاسم، وذكره القيرواني في كتاب الضعفاء وذكر العقيلي عن
محمد بن المثنى: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن حدثا عنه شيئا قط.
الثاني: أبو عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن الشامي مولى عبد
الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية ويقال: مولى جويرية بنت أبي سفيان،
قال أبو زرعة الدمشقي: وهو أحبّ القولين إلي، وقال الطبراني: مولى
معاوية بن أبي سفيان، وإن كان قد وثقة يعقوب بن سفيان وابن معين
والترمذي ويعقوب بن شيبة والحربي، وقال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: ما
رأيت أحدا أفضل منه، وقال الجرجاني: كان خيرا فاضلا، فقد قال الإمام
أحمد … وذكر فحمل عليه، وقال: يروي عنه علي بن يزيد أعاجيب، وتكّلم
فيها، وقال: ما أدّى هذا الأمر إلا من قبل القاسم وهو منكر الحديث، وفي
[ ٢ / ٤٤٠ ]
كتاب/العقيلي: هذه الأحاديث المناكير يقولون: من قبل القاسم، وسئل عنه
أبو حاتم فقال: حدّث الثقات عنه، مستقيم، لا بأس به، وإنمّا ينكر عليه
الضعفاء، وقال ابن حبان: كان يروي عن أصحاب رسول الله ﷺ المعضلات
وقال الكوفي: نكتب حديثه، وليس بالقوي، وقال إبراهيم بن عبد الحميد (١):
سمعت ابن معين يقول: القاسم ثقة إذا روى عنه الثقات أرسلوا ما رفع هؤلاء،
وفي رواية البرقي عنه: ضعيف ذكر ثنا أبو العرب، وفي الأوسط للبخاري:
روى عنه المعلي بن الحرث وكثير بن الحرث وسليمان بن عبد الرحمن ويحيى
بن الحرث وابن جابر أحاديث مقاربة، وأمّا من تكلّم فيه مثل جعفر بن الزبير
وعلي بن يزيد وبشر بن نمير ونحوهم ففي حديثهم مناكير واضطراب، وفي
كتاب العقيلي: لما حدّث بشر بن نمير عن القاسم قال شعبة: ألحقوه به، وعن
أبي داود: هو أبو عبد الرحمن ومولى عبد الرحمن وأهل الشام ينكرون أن
يكون ابن عبد الرحمن ويقولون: هو سيء، قال أبو داود: وهم أعلم به،
وقال الآجري: وسمعت أبا داود يقول: سمعت أحمد بن صالح يقول: إنما
هو القاسم مولى وأدخل بينه وبن أصحاب النبي ﷺ ثنا امامة وعمرو بن
عنبسة وعليا وجماعة لا أعرفهم، فضعف لحال هذا- والله أعلم- ذكره
الساجي والبلخي في كتاب الضعفاء. وفي الباب غير ما حديث بخلاف ما
يوهمه كلام أبي عيسى؛ من ذلك: حديث عمر بن الخطاب وعصمة بن ملك
الخظْمي- وكان من الصحابة- أنّ رجلا قال: " يا رسول الله، إنِّي أحنكم
في الصلاة فأصابت يدي فرجى فقال ﷺ: وأنا أفعل ذلك". رواه الدارقطني
(٢) عن محمد بن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق قال: ثنا أحمد بن محمد بن
رشدين عن ابن غفير عن الفضل بن المختار عن الصلت بن دينار عن ابن أبي
عثمان المهدي عن عمر بن الخطاب، وعن عبد الله بن موهب عن عصمة بن
الصلت، قال أحمد وعمرو بن علي: ليس بالقوي، وفي رواية عن أحمد:
ترك الناس حديثه، وقال علي بن الجنيد: متروك، والفضل بن المختار قال ابن
عدي: له أحاديث منكرة، وغايتها لا يتابع عليها، وقال أبو حاتم الرازي:
_________________
(١) قوله: " عبد الحميد " وردت " بالأولى ": " بن الحيد "، والصحيح ما أثبتناه من الثانية.
(٢) رواه الدارقطني في " السنن ": (١/١٤٩) .
[ ٢ / ٤٤١ ]
مجهول، وأحاديثه/مُنكرة، يُحدثُ بالأباطيل، وقال الأزدي: منكر الحديث
جذا، ولما ذكرهما البيهقي في الخلافيات ضعفهما بنحو ما قدمناه بعد فصْله
بينهما.
وحديث الحنفي: " أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: وأنّا
ربما كان ذلك أمضى في صلاتك " (١) . رواه الحافظ محمد بن إسحاق بن
مندة في كتاب معرفة الصحابة عن عبدوس بن الحسين النيسابوري عن
محمد بن المغيرة الهمداني عن القاسم بن الحكم العربي عن سلام الطويل عن
إسماعيل بن رافع بن حكيم بن سلمة عنه وسلام بن سلم وقيل: ابن سليمان
وقيل: ابن سالم أبو عبد الله السعدني الخراساني، سكن المدائن، قال فيه
يحيى: ضعيف لا نكتب حديثه، وقال مرّة: ليس بشيء، وضعفه ابن المديني
جدا، وقال الإمام أحمد: منكر الحديث، وقال البخاري والرازي: تركوه،
وقال أحمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: كذاب، وقال النسائي
وعلي بن الجنيد والأزدي والدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروى
عن الثقات الموضوعات كانه كان المتعّمد لها، وإسماعيل بن رافع أبو رافع
مات بالمدينة قديما، وكان كثير الحديث ضعيفا وهو الذي روى حديث الصور
بطوله. قاله ابن سعْد، وقال أحمد ويحيى: ضعيف الحديث، وفي رواية عن
يحيى: ليس بشيء، وقال الفلاس: منكر الحديث، وقال النسائي وعليِ بن
الجنيد: متروك الحديث. انتهى. ويشبه أن يكون حديثه عن الصحابة لأني لم
أر أحدا ذكر أنه سمع من الصحابة، وإنما وصف بالرواية عن التابعين، ولما
ذكره البيهقي في الخلافيات عن رجل من بني حنيفة ولم يسمعه قال: هذا
منقطع، والله أعلم.
وحديث مرثد بن الصلت عن أبيه: " إنّه وفد على رسول الله ﷺ فسأله
عن مس الذكر، فقال: إنما هو بضعة منك " (٢) . رواه ابن بنت منيع الحافظ في
_________________
(١) الكنز: (ح ٢٧١٧٩) .
(٢) تقدم من أحاديث الباب انظر ص ٤٢٧.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
معجمه عن محمد بن خلف المقري ثنا أحمد بن محمد بن شماس ثنا عبد
الرحمن بن عمرو قال: سمعت عبد الرحمن بن مرثد الجعْفي يحّدث عن أبيه
مرثْد بن الصلت، ثم قال: وهذا حديث منكر، والذي حدث به عبد الرحمن
ابن عمرو بن جبلة، وهو ضعيف الحديث جدا.
وحديث أبي أيوب الأنصاري قال: " سألت رسول الله ﷺ فقلت:
مسست ذكرى وأنا في الصلاة، فقال: لا بأس ". ذكره أبو زيد في كتاب
الأسرار بغير إسناد، ويشبه أن يكون ضعيفا؛ لاعنا نعرف اختلافه قبل./
وحديث عائشة﵂- أن رسول الله ﷺ: " سئل عن مسّ
الذكر فقال: ما أبالي مسسته أو مسست أنفى " (١) ذكره البيهقي في
الخلافيات، وقال: هذا حديث منكر، روينا خلافه عنها وحديث جاء من بني
حنيفة بنحوه ذكره أيضا ورماه بالانقطاع، وحديث ابن أبي ليلى. قد ذكره
البيهقي في السنن الكبير عن أبي بكر القاضي وأبي سعيد بن أبي عمرو قالا:
ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق
ثنا محمد بن عمران حدّثني ابن أبي ليلى عن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي
ليلى عن أبي ليلى قال: " كنّا عند النبي ﷺ فجاء الحسن، فأقبل يتمرغ
عليه، فرفع عن قميصه وقبل ربيبته ". ذكره إثر حديث طلق ثم قال: هذا
إسناد غير قوي، وليس فيه أنه مسّه بيده ثم صلى ولم يتوضأ.
اختلف أهل العلم في هذا الباب ة فذهب بعضهم إلى هذه الأحاديث،
ورأوا ترك الوضوء من مسّ الذكر. يروى ذلك عن علي بن أبي طالب
وعمار بن ياسر وابن مسعود وعبد الله بن عباس وحذيفة بن اليمان وعمران بن
حصين وأبي الدرداء وسعد بن أبي وقّاص- في إحدى الروايتين- وعمر بن
خطاب في رواية وعمران بن حصين، وأنس بن مالك ومعاذ بن جبل وعبد
الله بن عمر وأبي بكر الصديق وأبي هريرة- في إحدى الروايتين عنه- وأبي
_________________
(١) أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/ ٢٤٤) من حديث سيف بن عبد الله الحميري، وعزاه إلى " أبي يعلى " من رواية رجل من أهل اليمامة عن حسين بن دفاع عن أبيه عن سيف وهؤلاء مجهولون، وهو أقل ما يقال فيهم.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
أيوب وعائشة- في إحدى الروايتين عنها- قال أبو عمران عبد البرقي:
الأسانيد عن الصحابة في إسقاط الوضوء منه أسانيد صحاح من نقل الثقات.
انتهى كلامه (١) . وفيه نظر إن أراد هؤلاء المسمين؛ لأن حديث ابن مسعود
تقدّم ردّه بأبي قيس الأودي، وحديث ابن عمر وعائشة تقدّم الكلام عليهما
قبل، وحديث حذيفة أعلّه أبو حاتم الرازي فيما حكاه عنه ابنه، وكذلك
حديث أبي أيوب وعمر بن الخطاب تقدم ذكرهما، وحديث عمران مشكوك
في اتصاله أنه من رواية الحسن عنه وغيره أحد زعم أنه منقطع وقال: فيه أيضا
ابن المسيب والشعبي وإبراهيم وسعيد بن جبير والحسن البصري وعكرمة وقتادة
وطاوس وأبو عبد الرحمن السلمي والضحاك ومكحول وأبو جعفر محمد بن
علي بن الحسين- جدّ الثوري- وأبو حنيفة وأصحابه وربيعة بن عبد الرحمن
وشريك والحسن بن حيي وعبيد الله بن الحسين، وقال/أبو عمر: وجمهور
علماء العراقيين معنى على ذلك أسلافُهم، ويحيى بن معين وابن المبارك؛
وخالفهم في ذلك آخرون؛ فذهبوا إلى إيجاب الوضوء من مسّ الذكر فممن
يروى عنه ذلك: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب وزيد بن خالد وأبو
هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبد الله وعائشة وأم حبيبة
وبُسرة بنت صفوان وسعد بن أبي وقاص وابن عباس وعروة بن الزبير
وسليمان بن يسار وعطاء ابن أبي رباح وأبان بن عثمان وجابر بن زيد
والزهري ومصعب بن سعد ويحيى بن أبي كثير وسعيد بن المسيب، قال
الحازمي في أصّح الروايتين عنه: وهشام بن عروة والأوزاعي وأكثر أهل الحديث
وجماعة أهل الشام والمغرب والشّافعي وأحمد وإسحاق والمشهور من قول
مالك ومجاهد وعبد الرحمن بن القاسم وحُميد الطويل وسلمان التيمي وأبو
العالية والشعبي. قال أبو عمر بن عبد البرغي الثوري قال: دعاني ابن جريج
وبعض الأمراء فسُئلْنا عن مسّ الذكر فقال ابن جريج: يتوضأ من مسّ الذكر،
وقلت أنا: لا وضوء على/من مسّ ذكره فلما اختلفنا قلت لابن جُريج:
أرأيت لو أنّ رجلا وضع يده في مني؟! قال: يغسل يده. قلت: فأيهما نجس
_________________
(١) قلت: كذا ورد هذا القول " بالأصل "، ولعل علاء الدين مغلطاي يقصد أنه يقلب الأسانيد عن الصحابة.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
المني أم الذكر؟ قال: المني. قلت: فكيف هذا؟ قال: ما ألقاها على لسانك
إلا شيطان. قال أبو عمر: يقول الثوري: إذا لم يجب الوضوء من مس المني
فأجدر ألا يجب من مس الذكر، فإذا لم يجب من النجس فأحرى ألا يجب
من الطاهر، وإنما ساقت المناظرة وصارت المعارضة عنده في هذه المسألة
لاختلاف الآثار فيها عن النبي ﷺ واختلاف الصحابة ﵃، ومن
تعلم في ذلك، ولو كان فيها أثر لا معارض له ولا مطعن فيه لسلّم الجميع له
وقالوا به، قال أبو بكر بن حازم: ومن ذهب إلى إيجاب الوضوء ادّعى أنّ
حديث طلق منسوخ، وناسخه حديث بُسرة وأبي هريرة وعبد الله بن عمر؛
لتأخّرهم في الإسلام، وقال بعض من ذهب إلى الرخصة المصير إلى حديث
طلق (١) أولى؛ لأسباب: منها: إشهار طلق بالصحبة، ومنها: طول صحبته
وكثرة روايته، ثم لو سلمنا ثبوت حديث بُسرة فمن أين لكم ادعاء النسخ في
ذلك إذ ليس في حديث بُسرة/ما يدل على النسخ؟ بل أولى الطرق أن يجمع
بين الحديثان كما حكى عن ابن عيينة، فإنه قال: تفسير حديث النبي ﷺ:
" من مس ذكره فليتوضأ " معناه: أن يغسل يده إذا مسّه، وردّ ذلك ابن حزْم
فقال: هذا باطل، لم يقل أحدٌ أنّ غسل اليد واجب أو مستحب من مس
الفرج، لا المتأولون لهذا التأويل الفاسد ولا غيرهم، ويقال لهم: إن كان كما
تقولون فأنتم مخالفين الأمر، وأيضا فإنه لا يطلق الوضوء في الشّريعة إّلا
الوضوء للصلاة، وقد أنكر﵇- اتباع هذه اللفظة على غير الوضوء
للصلاة لما أتى من الغائط فأتى بطعام فقيل: ألا تتوضأ؟ فقال: لم أصل
فأتوضأ، وقد جاء مبينا في حديث بُسّرة: " فليتوضأ وضوءه للصلاة "، وقال
ابن حبّان: خبر طلق منسوخ؛ لأن قدومه على النبي ﷺ أول سنة من سنين
الهجرة، وقد روى أبو هريرة إيجاب الوضُوء من مسّ الذكر، وأبو هريرة أسلم
سنة سبْع، ذلك على أن خبر أبي هريرة كان بعد خبر طلق بسبع سنين، ثم
قال: ذكر الخبر المصّرح برجوع طلق إلى بلده بعد قدمته، قال: أنبأنا خليفة نا
(١) قوله: " طلق " وردت في " النسخة الأولى ": " طوق "، وهو تحريف، والصحيح " طلق "
كما في النسخة الثانية.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
مسدد نا ملازم نا عبد الله عن قيس عن أبيه قال: " خرجنا ستة وفدا على
النبي ﷺ خمسة من بني حنيفة، ورجل من بني ضبيعة من ربيعة حتى قدمنا
على النبي ﷺ فبايعناه وجلسنا معه، وأخبرناه بأن بأرضنا بيعة لنا واستوهبناه
من فضل طهوره فدعا بماء فتوضأ منه وتمضمض وصبّ لنا في إداوة ثم قال:
اذهبوا هذا الماء فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم، ثم انضحوا مكانها من
هذا الماء واتخذوا مكانها مسجدا، قلنا يا رسول الله، البلد بعيد، والماء ينشف
قال: فأمدوه من الماء فإنّه لا يزيده إلا طيبا، فخرجنا فتشاجرنا على حمل
الإداوة أيّنا يحملها، فجعل النبي ﷺ ذلك يوما لكل رجل يوما وليلة فخرجنا
بها حتى قدمنا بلدنا فعملنا الذي أمرنا، وراهب ذلك القوم رجل من طيء
فنادينا بالصلاة، فقال/الراهب: دعوة حق ثم ذهب فلم ير بعد قال أبو حاتم:
في هذا الخبر بيان واضح ان طلقا رجع إلى بلده بعد القدْمة التي ذكرنا قال:
ثم لا يُعلم له رجوع إلى المدينة بعد ذلك فمن ادعّى رجوعه بعد ذلك فعليه
أن يأتي ببينة مصرحة (١)، ولا سبيل له إلى ذلك وبنحوه قاله البيهقي والبغوي
في شرح السنة وفيه نظر لما ذكره أبو القاسم الطبري نا الحسن بن علي
الفسوي ثنا حماد بن محمد الحنفي ثنا أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن
أبيه طلق عن النبي ﷺ قال: " من مس فرجه فليتوضأ ". قال الطبراني: لم
يرد هذا الحديث عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد وهما عندي
صحيحان يشبه أن يكون سمع الحديث الأوّل من النبي ﵇ قبل هذا
ثم سمع هذا بعد فوافق حديث بسرة وغيرها فسمع الناسخ والمنسوخ انتهى،
وفيه إشعار برجوعه مرة أخرى فإن الإيجاب وعدمه لإثبات في أيام قليلة غالبا
لما قيل عنه: من أنّ مقامه بالمدينة كان قليلا نص على ذلك الأئمة، وإذا كان
كذلك كان حديثها ظاهرا في النسخ ولا احتياج إلى حديث أبي هريرة لتقدّمه
عليه، وممن قال ذلك إسماعيل بن سعد الفقيه والاحتياط في ذلك أبلغ يروى
عن النبي ﵇ بإسناد صحيح أنه: " نهى أن يمس الرجل ذكره
بيمينه " (٢) أفلا ترون ان الذكر لا يشبه سائر الجسد، ولو كان ذلك بمنزلة
_________________
(١) قوله: " مصرحة " وردت " بالأولى ": " مفرجة "، وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه من " الثانية ".
(٢) صحيح. رواه الترمذي (١٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحميدي (٤٢٨) =
[ ٢ / ٤٤٦ ]
الإِبهام والأنف والأذن وما هو منّا لكان لا بأس علينا أن نمسّه بأيماننا فكيف
يشبه الذكر بما وصفوا من الإبهام وغير ذلك فلو كان شرعا سواء لكان سببه
في المسّ سبيل ما سمّينا، ولكن ها هنا علّة قد غابت عنا معرفتها، ولعل ذلك
أن يكون عقوبة لكي يترك الناس مس الذكر فيصير من ذلك إلى الاحتياط
انتهى كلامه، وفي استدلاله بحديث مسّ الذكر باليمين نظر؛ لإغفاله قوله
ﷺ وهو يبول لما فيه من الاستهانة باليمين وخشية الاستنجاء، والله أعلم.
وقال أبو محمد/بن حزْم: خبر طلق صحيح إلا إنه لا حجة فيه لوجوده
أحدها أنّ هذا الخبر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود الأمر بالوضوء من
مسّ الفرج، هذا ما لا شك فيه، وهو كذلك فحكمه منسوخ يقينا حين أمر-
﵇- بالوضوء منه، ولا يحل ترك ما يتيقّن أنه ناسخ والأخذ بما يتيقّن
أنّه منسوخ، وثانيها: أن كلامه﵇- هل هو إلا بضعة منك؟! "
دليل على أنه كان قبل الأمر بالوضوء منه؛ لأنه لو كان بعده لم يقل- عليه
السلام- هذا الكلام؛ بل كان بيّن على أنّ الأمر بذلك قد نسخ، وقوله هذا
يدل على أنه لم يكن سلف قد حكم أصلا وأنّه كسائر الأعضاء، وقال
الخطابي: وترك خبر طلق على أنه أراد اللمس ودونه حائل، واستدلوا على ذلك
برواية الثوري وشعبة وابن عيينة أنّه سأله عن مسّه في الصلاة والمصلي لا يمس
فرجه من غير حائل بينه وبينه انتهى.
وفي قوله: والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل نظر؛ لما ذكره أبو عمر من
حديث أبي الوليد الطيالسي ثنا نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة عن
عمر بن الخطاب: " أنه صلى بالناس فأهوى بيده فأصاب فرجه فأشار إليهم
كما أنتم، فخرج فتوضأ ثم رجع إليهم فأعاد "، وفي الإسرار: ومطلق المس
اسم للمس بلا حائل، وهذه المسألة وقعت في زمن عبد الملك بن مروان،
_________________
(١) والخطيب (٣/١١١) . وتمام لفظه: " أن النبي ﷺ نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه ". قلت: وأخرجه الشيخان بلفظ: " إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإِناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمسّ ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه ". وأخرجه أبو داود (١/١٢) من طريق أبان عن يحيى بن أبي كثير. قال المنذري: " وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة مطولا ومختصرا ".
[ ٢ / ٤٤٧ ]
فشاور الصحابة فأجمع من بقي من الصحابة أنه لا وضوء فيها، وقالوا: لا
ندع كتاب ربنا ولا سنة نبيّنا لقول امرأة لا تدري أصدقت أم كذبت يعْنُون
بُسرة، ومعنى قولهم: كتاب ربنا، بين الأحداث في كتابه وكانت نجسة من
دم حيض ومنى وغائط وشرع الاستنجاء بالماء بقوله: (رجال يحبون أن
يتطهروا) (١) الآية. فكانوا يتبعون الحجارة الماء والاستنجاء بالماء لا يتصور إلا
بمس الفرجين جميعا، فلما ثبت بالنص أنه من التطهير لم يجز أن يجعل حدثا
بخبر غريب تعظم به البلوى، فسقط على ما هو الأصل في خبر الواحد؛ لأنه
ورد بخلاف القياس، وقد ثبت من مذهب أبي هريرة ما يذكر أنه ليس
بحديث، والراوي إذا ذهب إلى خلاف ما روى دل على زيافة الحديث على
ما عرف في موضعه، قال أبو محمد بن حزْم: وقول من قال: تعظم به
البلوى، ولو كان لما جهله/ابن مسعود ولا غيره حماقة قد غاب عن جمهور
الصحابة الغسل من الإيلاج الذي لا إنزال معه، وهو مما تكثر به البلوى، وقد
رأى أبو حنيفة الوضوء من الرعاف، وهو مما تكثر به البلوى، ولم يعلم ذلك
جمهور العلماء، ورأى الوضوء من ملك الفم من القلس ولم يره في أقل من
ذلك، وهذا تعظم به البلوى، ولم نعلم قال ذلك قبله أحدٌ من ولد آدم- عليه
السلام- والله أعلم.
وأما الوضوء من مسّ الإبط، فقد جاء في حديث رواه الزهري عن عبد
الله بن عتبة عن عمر: أنه رأى رجلا يتوضأ من مسّ الإبط. قال البيهقي:
هذا مرسل، وقد أنكره الزهري بعد ما حدث به، ويمكن أن يكون أمره بغسل
اليد تنظفا، وروى أبو الحسن من حديث ابن عرفة: ثنا خلف بن خليفة عن
ليث عن مجاهد عن ابن عمر: " إذا توضأ الرجل ومس إبطه أعاد الوضوء ".
قال: وعن ابن عباس: ليس عليه إعادة، وروى البيهقي أن ابن عمر أدخل يده
في إبطه وهو في الصلاة ثم مضى.
وأما الوضُوء من مسّ الصنم فذكر المدائني في تفسيره من حديث محمد بن
الوليد عن يعلى بن عبيد عن صالح بن حبان عن ابن بُريدْة عن أبيه: " أن
_________________
(١) سورة التوبة آية: ١٠٨.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
النبي ﷺ أمر بريدة وقد مس بريدة صنما فتوضأ " (١) . وفي مصنف عبد
الرازق، وعن سفيان بن عيينة عن عمار الرهني عن أبي عمرو النسائي أن
علي بن أبي طالب لما استناب المستورد العجلي مسّ صليبا كان في عُنقه فلما
دخل في الصلاة قدم رجلا ثم أخبر الناس إنه لم يفعل ذلك لحدثٍ أحدثه،
ولكنّه من مس هذه الأحداث فأجبت أن أحدث وضوءا. وفي الأوسط
للطبراني: ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا
معاوية بن هشام ثنا شيبان أبو معاوية عن جابر الجعفي عن عبد الرحمن بن
الأسود عن أبيه عن ابن مسعود قال: " كنا نتوضأ من الأبرص إذا
مسسناه " (٢) . لا يروى هذا الحديث عن ابن مسعود إلا بهذا الإسناد. تفرد به
ابن نُمير ولم يكتبه إلا عن الحضرمي، وكتبه عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل
من حديث شعبة عن عمر وابن أبي عمرو عن طاوس عن ابن عباس قال-
﵇:- " الحدث حدثان: حدث اللسان وحدث الفرج، وحدث
اللسان أشد من حدث الفرج ومنهما الوضُوءُ " (٣) . وقد روى عن ابن عباس
موقوفا، وروى داود بن المحبّر القائل به/ابن المديني وهب حديثه عن شعبة عن
قتادة عن أنس أن النبي ﷺ: " كان يتوضأ من الحدث وأذى المسلم " (٤)،
وقالت عائشة: " يتوضأ أحدكم من الطعام الطّيب ولا يتوضأ من الكلمة
العوراء " (٥) يقولها لأخيه؟! وعن إبراهيم النخعي: إني لأصلّي الظهر والعصر
_________________
(١) ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٤٦) وعزاه إلى " البزار " وفيه صالح بن حبان، وهو ضعيف.
(٢) ضعيف. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٤٦) وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط " و" الكبير "، وفيه جابر الجعفي، وثقة شعبة والثوري، وضعّفه الناس.
(٣) العلل المتناهية: (١/٣٦٥) .
(٤) روى ابن ماجة في سننه: حدثنا محمد بن الصباح، قال: أنبأنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، وعباد بن تميم، عن عمه، قال: شُكي إلى النبي ﷺ الرجُل يجدُ الشيء في الصلاة فقال: " لا، حتى يجد ريحا، أو يسمع صوتا ".
(٥) كتاب الطهارة، ٧٤- باب لا وضوء إلا من حدث، (ح/٥١٣) . قلت: وهذا حديث صحيح الإسناد.
(٦) ضعيف. رواه عبد الرزاق (٤٧٠) والمطالب (١٢٠) . قلت: هذا حديث موقوف عن عائشة، مُعلل.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
والمغرب بوضُوء واحد إلا أن أحدث، أو قول منكر، الوضوء من الحدث
وأذى المسلم، وعن عبيدة السلماني نحوه، وفي كتاب الترهيب لأبي محمد
عبد الله بن محمد الأصبهاني: ثنا محمد بن سعيد الشافعي عن محمد بن
عامر عن سعيد بن عبد الحميد بن جعفر ثنا عثمان بن مظفر عن أبي عبيدة
عن علي بن زيد عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: " من
فسر القرآن برأيه وهو على وضوء فليعد وضوءه " (١)، وعن ابن مسعود: " لأن
أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إليّ من أن أتوضأ من الطعام الطيب " (٢) . ذكره
ابن حزم، وعلّل الجميع قال: وقد أوجب الوضوء من قرقرة البطن في الصلاة
إبراهيم النخعي، وأوجب الوضوء في الإيقاظ والتذكر والمس على الثوب بشهوة
بعض المتأخرين، وروينا إيجاب الغسل من نتف الإبط عن علي وعبد الله بن
عمرو، وعن مجاهد، الوضوء من تنقية الأنف، وقد صح عن عروة: " الوضوء
من مس الاثنين " (٣)، وروينا عن علي بن أبي طالب ومجاهد وذر والد عُمر بن
ذر الحبان: " الوضوء من قص الأظفار، وقص الشعر "،- والله تعالى أعلم-
قال ابن المنذر: وبه قال الحكم وحمّاد، ومن ارتد ثم رجع إلى الإِسلام كان
الأوزاعي يقول: يستأنف الوضوء. (٤)
_________________
(١) ضعيف. إتحاف: (٤/٥٢٦) . قلت: هذا حديث موقوف عن ابن مسعود، مُعلل.
(٢) صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٥٤)، وعزاه إلى الطبراني في " الكبير "، ورجاله موثقون.
(٣) الكامل لابن عدي: (٢/٧٩٣) بلفظ: " الوضوء من مس الذكر ".
(٤) قوله: " الوضوء " زائدة في " الأولى " التي عليها العمل، فكذا أثبتناها.
[ ٢ / ٤٥٠ ]