حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد قالا: حدثنا وكيع ثنا
الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة: " أن رسول
الله ﷺ قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قلت: من هي
إلا أنت؟ فضحكت ".
هذا حديث لما رواه أبو داود (٣) عن عثمان: ثنا وكيع قال: وكذا رواه
_________________
(١) المطالب: (١٣٨) .
(٢) تقدم. وراجع: (الصحيحة: ح/١٣٦١) .
(٣) صحيح. رواه أبو داود (١٧٨) عن عثمان بن أبي شيبة. عن ابن ماجة (٥٠٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد. وفي الزوائد: هذا الحديث قد رواه أبو داود والنسائي بإسناد فيه إرسال، والإرسال لا يضر عند الجمهور في الاحتجاج. وقد جاء بذلك الإسناد موصولا. ذكره الدارقطني، ورواه البزار بإسناد حسن، ورواه المصنف بإسنادين؛ فالحديث حجة بالاتفاق. ورواه الطبري في التفسير (٥/٦٧) عن أبي كريب، وأحمد في المسند (٦/ ٢١٠) كلهم عن وكيع عن الأعمش هذا الإِسناد. ورواه الدارقطني (ص ٥٠) من طريق أبي هشام للرفاعي وحاجب بن سليمان ويوسف بن موسى، وكلهم عن وكيع عن الأعمش. ورواه الطبري عن إسماعيل بن مرسى السدي عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش.
[ ٢ / ٤٩١ ]
زائدة وعبد الحميد الحماني عن الأعمش، ثنا إبراهيم بن مخلد الطائفاني ثنا
عبد الرحمن بن معن، ثنا الأعمش، ثنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة
بهذا الحديث. قال أبو داود:/قال يحيى بن سعيد لرجل: احبك عني أنه
هذين- يعني: حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في
المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة- قال: حبك عني أنها سبه لا شيء وروى
عن الثوري قال: ما ثنا حبيب إلا عن عروة المزني يعني: لم يحدثهم عن
عروة بن الزبير سيء، وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير
عن عائشة، حدثنا زياد بن العبد واللؤلؤي صحيحا. انتهى كلامه. ولقائل أن
يقول: قول الأعمش ثنا أصحاب لنا لا يقدح في الإسناد الأول؛ لأمرين:
الأول: عبد الرحمن بن معن لا مقام زائدة والحماني ووكيعا، الثاني: يحتمل
أن أصحابه رووه له كما رواه له حبيب، ويكون لحبيب في هذا شيخان إذا
قلنا بصحة إسناد الثاني، قول الثوري: لم يحدثنا حبيب عن ابن الزبير لا يؤثر
_________________
(١) ورواه الدارقطني (ص ٥١) من طريق إسماعيل بن موسي أيضا، ورواه كذلك من طريق محمد بن الحجاج عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش. ورواه (ص ٥٠) من طريق علي بن هاشم وأبي يحيى الحماني عن الأعمش. وكل هذه الروايات لم يذكر منها نسب عروة، إلا في رواية أحمد وابن ماجة، فإن فيهما: " عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير ". وهذا حديث صحيح لا علْة له، وقد علله بعضهم بما لا يطعن في صحته. وقد رواه للترمذي (ح/٨٦) . وقال الترمذي: " وقد رُوي نحو هذا عن غير واحد من أهل للعلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين. وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، قالوا: ليس في القبلة وضوء. وقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: في القبلة وضوء، وهو قول غير واحد من أهل للعلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين. وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي ﷺ في هذا؛ لأنه لا يصح عندهم؛ لحال الإِسناد. قال: وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني، قال: ضعف يحيى بن سعيد القطان هذا الحدث جدا، وقال: هو شبه لا شيء. قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة. وقد روي عن إبراهيم التيمي عن عائشة: " أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ ". وهذا لا يصح أيضا، ولا نعرف لإِبراهيم التيمي سماعا من عائشة. وليس يصح عن للنبي ﷺ في هذا الباب شيء.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
في صحة هذا الحديث؛ لأنه الشيخ غالبا لا يروي لأصحابه عن جميع
مشايخه، وقد يخص قوما دون آخرين، وقال أبو عيسى. سمعنا محمد
الضعيف هذا الحديث وقال حبيب بن أبي ثابت: لم يسمع من عروة، وقد
روي عن التيمي عن عائشة أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ، وهذا لا يصح
أيضا ولا يعرف لإبراهيم سماعا من عائشة وليس يصح في هذا الباب شيء،
قال أبو عيسى: وسمعت أبا بكر العطار يذكر عن ابن المديني قال: ضعف
يحيى بن سعيد هذا الحديث جذا، قال أبو عيسى: وإنما ترك أصحابنا حديث
عائشة عن النبي ﷺ في هذا؛ لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد، وذكر
الدارقطني عن يحيى بن سعيد أنه قال: إنما كان الثوري أعلم الناس بهذا،
وزعم أن حبيبا لم يسمع من عروة شيئا، وبنحوه ذكره الإمام أحمد بن حنبل
ويحيى بن معين والحافظان؛ أبو بكر البيهقي، وأبو الحسن بن القطان، وأبو
الفرج ابن الجوزي وابن سرور والمقدسي واستناد ابن حزم إلى عدم صحته،
وفي كتاب الخلال: سئل أبو عبد الله عن حديث عائشة/في القبلة؛ فقال: هو
غلط، وفي كتاب الميمون: قال أبو عبد الله: هذا الحديث مقلوب على
حديث عائشة قيل: وهو صائم وهو هذا الحديث بعينه، يرويه هشام بن عروة
عن أبيه عن عائشة قلت: فمن أين؟ أليس حبيب صالح الحديث؟! قال: بلى
ولكن لا أعلم أحدا روى عن حبيب عن عروة شيئا إلا هذا الحديث،
وحديث آخر يرويه الأعمش، وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم: وسمعت أبي
يقول: لم يصح حديث عائشة في ترك الوضوء من القبلة- يعني: حديث
الأعمش عن حبيب عن عروة- وسئل أبو زرعة عن الوضوء من القبلة؛ فقال:
إن لم يصح حديث عائشة قلت به، وأشار البغوي في شرح السنة إلى ضعفه،
وقال الشافعي: ليس بمحفوظ من قبل أن عروة إنما روى: " أن النبي ﷺ
قبلها صائما " (١) . وقال البيهقي في المعرفة: والصحيح رواية عروة والقاسم بن
_________________
(١) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (١/٨٨) ومسلم في (المقدمة باب " ٦ " رقم " ٣٢ ") وأبو داود
(٢) وأحمد (٦/٣٩، ١٢٣، ٢٣٤، ٢٨٠، ٢٩١، ٣١٠، ٣١٨) وأبو عوانة، والدارقطني (١/ ١٤٢) والحميدي (١٩٧) وشفع، وشرح السنة (٦/٢٧٨) والتمهيد (٥/١٢٣) ومعاني (٢/٩٠، ٩١) والمشكاة (٢٠٠٥) والفتح (٤/١٥٢) والطبري (٥/٦٨)
[ ٢ / ٤٩٣ ]
محمد وعلي بن الحسن وعلقمة والأسود ومسروق وعمرو بن ميمون عن
عائشة: " كان﵇- يقبل وهو صائم ". وحديث حبيب
معلول (١) . وقال في الخلافيات: أشبه فساده على ليث ممن ليس الحديث من
بابه وقرأهُ إسنادا صحيحا، وهو فاسد من وجهين: الأول: الانقطاع، والثاني:
عروة هو ابن الزبير إنما هو شيخ يحتمل يعرف بالمدني، وقال عباس بن محمد
الدوري: قلت لابن معين: حبيب ثبت؟ قال: نعم، إنما روى حديثين أظن
يحيى يريد منكرين الحديث: " تصلي الحائض وإن قطر الدم على
الحصير " (٢)، وحديث القبلة، وفي مسائل حرب بن إسماعيل الحنظلي
الكرماني: وسمعت إسحاق- يعني: ابن راهويه- لما ذكر حديث حبيب عن
عروة- يعني هذا- قال: هذه الرواية ليست بصحيحة لما فطن أن حبيبا لم
يسمع من عروة، وإنما بلغه عنه، ويروى عن هشام عن أبيه خلاف ذلك وهذا
أعظم الدلالة في ذلك. انتهى كلامه. وفيه نظر، لما نذكر بعد من رواية هشام
عن أبيه/لرواية حبيب، والله تعالى أعلم.
وقال أبو جعفر البخاري في كتاب الناسخ والمنسوخ، وذكر حديثا فيه
حبيب هذا حديث فيه غير علله منها أن حبيب بن أبي ثابت على محلة لا
يقوم لحديثه حجة لمذهبه، وكان مذهبه أنه قال: لو حدثني رجل عنك
بحديث ثم حدثت به عنك لكنت صادقا، ومنها أنه روِى عن عروة عن
عائشة: " أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ "، وقال أبو
عمر بن عبد البر هذا حديث معلول (٣) عندهم؛ فمنهم من قال: لم يسمع
حبيب من عروة، ومنهم من قال: ليس هو عروة بن الزبير، وضعفوا هذا
الحديث ورفعوه، قال: وصححه الكوفيون وبيّنوه لرواية الثقات من أئمة
_________________
(١) وابن كثير (٢/٢٧٨) وابن عساكر في " التاريخ " (٢/٢٢٩٩) .
(٢) قوله: " معلول " ورد " بالأصل ": " مقلوب "، وكذا أثبتناه من " الثانية ".
(٣) موضوع. رواه أحمد (٦/١٣٧) ونصب الراية (١/٢٠٠) وللدارقطني (١/٢١٢) بلفظ: " تصلي المستحاضة ولو قطر الدم على الحصير ".
(٤) قوله: " معلول " ورد " بالأصل ": " مقلوب "، وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه من " الثانية ".
[ ٢ / ٤٩٤ ]
الحديث له، وحبيب لا ينكر لقاؤه عروة لرواية من هو أكبر من عروة وأجل
وأقدم موتا، وهو إمام ثقة من أجلة العلماء. انتهى. ما ذكره وهو مزيل
للانقطاع من صحته إمكان اللقاء فقط، ويؤيده قول أبي داود: روى حبيب
عن عروة حديثا صحيحا.
ولقائل أن يقول: ما قاله أبو داود لا يعطي سماعا؛ لاحتمال أن يكون
الحديث الذي أشار إليه- وهو قوله﵊-: " اللهم عافني
في جسدي وعافني في بصري " (١) - صحيحا في نفس الأمر لا ضعيفا
كهذا، إذ هو معروف الصحة من خارج فيقال له إنما ذكره أبو داود في هذا
الموطن ردا على من زعم أنه لم يسمع منه، ولولا ذلك لكان كلامه لا فائدة
فيه، وفي قول أبي عمر: حبيب لا ينكر لقاؤه عروة إلى آخره نظر؛ لما علم
من حاله جماعة من الأئمة روى أحدهم عن الكبار، وأرسل عن الصغار هذا
أبو حاتم الرازي يقول في ابن شهاب: لم يسمع من أبان بن عثمان؛ لأنه لم
يدركه، وقد أدرك من هو أكبر منه، ولكن لا نثبت له السماع منه كما أن
حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة، وهو قد سمع ممن هو أكبر
منه غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل لم الحديث على
شيء يكون حجة وأما قوله: ومنهم من قال: ليس هو عروة بن الزبير ففيه
نظر، لما أبلغناه من رواية وكيع المصرح فيها بنسبه عند ابن ماجة والدارقطني،
وأيضا قال أحد من الغرباء يتجاسر على أم المؤمنين بقوله: " من هو إلا أنت؟ "
ويحكى وضوحها غالبا إلا من كان ذا محرم منها، ويزيده وضوحا رواية هشام
له عن أبيه كرواية حبيب. ذكر ذلك الدارقطني في كتاب السنن من رواية
حاجب بن سليمان عن وكيع عنه، وقال: تفرّد به حاجب عن وكيع ووهم
فيه، والصواب عن وكيع بهذا الإسناد: " أن النبي ﷺ كان يُقبل وهو صائم "
وحاجب لم يكن له كتاب، إنما كان يحدّث من حفظه. انتهى.
ولقائل أن يقول: هو تفرد ثقة، وبحديثه من حفظه إن كان أوجب كثرة
_________________
(١) حسن. رواه الترمذي (٣٤٨٠) وقال: هذا حديث حسن غريب، والحاكم (١/٥٣٠) والخطيب (٢/١٣٧) وأمالي الشحري (١/٢٣٣) والأذكار (٣٤٩) ونصب الراية (١/٢٧٠) وكشاف (٩٣) وابن عدي في " الكامل " (٢/٨١٥) وأحمد (٥/٤٢) والكنز (٣٦٤٢، ٥٠٦٩) .
[ ٢ / ٤٩٥ ]
أخطائه بحيث يجب ترك حديثه فلا يكون ثقة، وليس كذلك؛ لقول
النسائي، وابن حبان فيه: ثقة، وإن لم يوجب خروجه عن الثقة فلعله لم يفهم،
وكان نسبه إلى الوهم بسبب مخالفة الأكثرين له، وليس لمتابعة عاصم بن
علي أبي الحسن الواسطي- المخرّج حديثه في صحيح البخاري، والقائل فيه
أحمد بن حنبل: صدوق، وفي رواية المروزي عنه: لا أعلم إلا خيرا- كان
حديثه صحيحا له ذكر ذلك أبو الحسن في كتابه عن الحسين بن إسماعيل عن
علي بن عبد العزيز الوراق- يعني: المصنف المشهور- عنه عن أبي أويس
قال: حدثني هشام فذكره ثم قال: لا أعلم حدث به عن عاصم غير علي بن
عبد العزيز، ورواه أيضا من جهة شيبان بن عبد الرحمن عن الحسن بن الزبير
عن هشام عن أبيه عروة بن الزبير أن رجلا قال: سألت عائشة الحديث، ومن
جهة محمد بن جابر عن هشام، ومن جهة عبد الملك بن محمد عن هشام،
ورواه عن عروة كروايتهما عن الزهري قال أبو الحسن: ثنا ابن قانع عن
إسماعيل بن الفضل عن محمد بن عيسى بن يزيد الطرسوسي عن سليمان بن
عمر بن/يسار عن أبيه عن ابن أخي الزهري، أكثرهم مجهولون ولا يجوز
الاحتجاج بأخبار ترويها المجاهيل، ورواه الدارقطني أيضا من جهة إسماعيل بن
موسى ثنا عيسى بن يونس عن سر فأدخل بين الزهري وعروة رجلا- وهو
أبو سلمة- ثم قال: هذا خطأ من وجوه، قال البيهقي: إنما أراد الخطأ في
نسبه وإسناده جميعا حيث أدخل سلمة وزاد في سننه: " ثم صلى ولم
يتوضأ "، والمحفوظ ما سبق، والحمل فيه على من دون عيسى، وكيف يكون
ذلك من جهة الزهري صحيح ومذهبه بخلافه، ورواه عن عروة أيضا محمد بن
عمر، وذكره عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد عن معبد بن نباتة عن محمد
عن عروة به، وذكر الزعفراني عن الشافعي قال: إن ثبت حديث معبد في
القبلة لم أر به بأسا ولا في اللمس، ولا أدري كيف معبد هذا؟ فإن كان ثقة
فالحجة فيما روى عن النبي ﷺ ولكن أخاف أن يكون غلطا، قال أبو
عمر: هو مجهول لا حجة فيما رواه عندنا، وقال البيهقي نحوه وزادنا
محمد بن عمر: ولم يثبت له عن عروة شيء. انتهى.
فقد تبين لك أن عروة هذا هو ابن الزبير لا المزني لكونه مجهولا، ولم يرو
[ ٢ / ٤٩٦ ]
عنه إلا ابن أبي ثابت، أخذ من إسناد حديثه المذكور عند ابن أبي داود، ولو
روى عنه ما وصفناه يخرج عن الجهالة التي لم تزايله فيما ذكره غير واحد من
المؤرخين والله تعالى أعلم.
وأيضا فقد رواه عن عائشة جماعة غير عروة نذكر منه ما تيسر؛ فمن
ذلك: رواية عطاء عنها أن النبي ﷺ: " كان يقبل بعض نسائه ولا يتوضأ ".
رواه البزار (١) في مسنده عن إسماعيل بن يعقوب بن صبيح بن محمد بن
موسى بن أعين حدثني أبي عن عبد الكريم الخرزي عنه، وقال: هذا الحديث لا
نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من رواية عائشة، ولا نعلمه يروى عن عائشة
إلا من حديث حبيب/عن عروة ومن حديث عبد الكريم عن عطاء عنها،
وقال في موضع آخر: وهذا الحديث إسناده حسن، وهو معروف من حديث
عبد الكريم، ومحمد بن موسى ليس به بأس، قد احتمل حديثه أهل العلم، ولا
نعلم فيه مطعنا يوجب التوقف عن حديثه، وسائر الرجال ليستعين بشهرتهم
عن صفاتهم، وإسماعيل أبي بيان رجل ثقة مشهور، وقد رواه خطاب بن
القاسم قاضي حران، وكان مشهورا أيضا عن عبد الكريم. انتهى كلامه. وفيه
نظر؛ لما نذكره بعد- إن شاء الله تعالى-، ولما ذكر أبو محمد الإشبيلي هذا
الحديث قال: موسى بن أعين، يعد مشهورا وابنه مشهور روى له البخاري، ولا
أعلم لهذا الحديث علّة توجب تركه، ولا أعلم فيه مهما تقدم أكثر من قول
يحيى بن معين حديث عبد الكريم عن عطاء حديث روى لأنه غير محفوظ،
قال أبو محمد: انفراد الثقة بالحديث لا يغيره فإما أن يكون قبل نزول الآية
وإما أن يكون الملامسة الجماع كما قال ابن عباس: ولما رواه الدارقطني من
جهة جندب بن والق ثنا عبيد الله عن غالب عن عطاء قال: غالب هو ابن
عبد الله، متروك. وقال صاحب الذخيرة: هذا حديث لا يصح لأنّ غالبا
يفهم بالموضع، قال أبو الحسن بن عثمان بن أحمد الدقّاق بن محمد بن
_________________
(١) بألفاظ متقاربة. رواه الدارقطني (١/١٣٥، ١٣٧، ١٤٢) وابن عساكر في " للتاريخ " (١/٣٩٧) والبزار والمجمع (١/٢٧٤) من حديث أم سلمة وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط " وفيه يزيد بن سنان الرهاوي ضعفه أحمد ويحيى وابن للديني، ووثقه البخاري وأبو حاتم، وثبته مروان بن معاوية، وبقية رجاله موثقون.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
غالب ثنا بن الوليد بن صالح ثنا عبيد الله بن عمر وعن عبد الكريم الخوازى
بمثله ثم قال: يقال أن الوليد وهم في قوله: عبد الكريم، إنما هو حديث
غالب، ورواه الثوري عن عبد الكريم عن عطاء من قوله وهو الصواب. ولما
ذكر أبو بكر هذا الحديث في كتاب الخلافيات لم يقل على الوليد بشيء إلا
بقول عبد الله بن أحمد قلت لأبي: لِم لم تكتب عن الوليد فقال: رأيته يصلي
في المسجد الجامع ونسي صلاته، وفي موضع آخر قال: ورواه سلمة بن
صالح منفردا به ولم يدافع عليه، قال الحاكم: عن محمد بن عبد الرحمن
الكوفي عن عطاء عن عائشة، وروي عن عبد الكريم عن عائشة مرفوعا، وهو
وهم، والصحيح: عن عطاء من قوله. انتهى.
/والذي يشبه أن يكون ابن معين أراد الطريق التي أسلفناها من عند
الدارقطني أولا، يؤيد ذلك قول ابن عدي، والحديث الذي ذكره أبو زكريا
هو ما روى عبيد الله بن عمرو عنه عن عطاء، فذكر حديث القبلة، ثم قال:
إنما أراد ابن معين هذا الحديث؛ لأنه غير محفوظ ثم قال: ولعبد الكريم
أحاديث صالحة مستقيمة يرويها عن قوم ثقات، وإذا روى عند الثقات فحديثه
مستقيم، وقول الدارقطني: يقال أن الوليد وهم في قوله: عن عبد الكريم؛ فقد
تنازع في ذلك على طريقة معلومة لمتأخري المحدثين والفقهاء إذا كان ثقة
ويطالب قائل ذلك بالدليل على ما حكم به من الوهم، وما تقدّم من متابعة
ابن معين تضعيف قوله ومقنعي أن للحديث أصلا من رواية عبد الكريم، وقال
ابن الحصار في كتابه تقريب المدارك: وقد طعنوا على عبد الكريم؛ لانفراده
برفع هذا الحديث وليس ذلك مطعنا، وانفراد الثقة برفع الحديث لا يقدح فيه،
وحديثه هذا مسند صحيح، وأمّا رواية الثوري له موقوفا فهي مسألة مشهورة
عند الفقهاء، والأصل فيما إذا وقف ثقة ورفع ثقة، وعبيد الله بن عمرو من
الثقات المخرج حديثهم في الصحيحين، وأيضا فعطاء قوي معروف بذلك
فيجوز أن يكون أمي بما روى كما نقل ذلك عن جماعة من الصحابة
والتابعين فلا تقوى القرينة في غلط من دفع كلّ القوة، وأما ما ذكره البيهقي
عن الوليد فليس عيبا ترد به أحاديثه؛ لاحتمال أن يكون يرى رأي العراقيين،
[ ٢ / ٤٩٨ ]
وصلاة بعضهم عند أحمد غير صحيحة، ولئن سلمنا له الطعن فيه؛ فحديث
البزار المذكور ليس فيه حرمة، والله أعلم.
ومن ذلك: رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عنها: أنا عنها القدوة المعمر
أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر بقراءتي عليه: أخبركم أبو إسحاق
إبراهيم بن خليل بن عبد الله الدمشقي قراءة عليه يوم الجمعة ثامن عشر ربيع
الأول سنة سبع وخمسين وستمائة بجامع حلب، أنا أبو محمد/عبد الرحمن بن
علي بن المسلم اللخمي المعروف بابن الخدمي بقراءة أخي سنة ست وثمانين
وخمسمائة، أنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الحضر السلمي في ربيع
الأول سنة ست وعشرين وخمسمائة، أنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن
محمد الصوفي، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن أبي نصر،
أنا خيثمة بن سليمان بن جنادة سنة أربعين وثلاثمائة، ثنا العباس بن الوليد بن
يزيد، ثنا محمد بن شعيب أخيه ابن سعيد بن سيراء ومنصور بن زادان حدثه
عن محمد بن مسلم الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أنها قالت: " كان
النبي ﷺ يخرج إلى الصلاة، ثم يقبلني ولا يتوضأ ". قال أبو القاسم في
المعجم الأوسط، ورواه من حديث شعبة: لم يروه عن الزهري إلا منصور،
وتفرد به سعيد، وقال أبو حاتم: وسأله إنه عند هذا الحديث قيل لا أصل له
من حديث الزهري، ولا أعلم منصور أسمع من الزهري ولا روى عنه، قال أبو
محمد: وحفظي عن أبي أنه قال: إنما أراد الزهري: عن أبي سلمة عن عائشة:
" كان يقبل وهو صائم ". قلت لأبي: ممن الوهم؟ قال: من سعيد، وقال
البيهقي: تفرد به سعيد، وليس بالقوي، وقال الدارقطني: تفرد به سعيد عن
منصور عن الزهري، ولم يتابع عليه، وليس بقوي في الحديث، والمحفوظ عن
الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أن النبي ﷺ " كان يقبل وهو صائم ".
كذلك رواه الثقات الحفاظ عن الزهري؛ منهم معمر وعقيل وابن أبي ذئب،
وقال مالك: عن الزهري في القبلة الوضوء، ولو كان ما رواه سعيد عن
منصور عنده صحيحا لما كان المزهري مفتي بخلافه. انتهى. وفي تعليله بفتوى
[ ٢ / ٤٩٩ ]
الزهري نظر؛ لما علم من حال جماعة ردوا أحاديث، وعملوا بغيرها إما
لذهولهم عمّا رووا لثبوت ناسخ عدهم، أو لغير ذلك كما فعل أبو هريرة حين
أفتى في ولوغ الكلب في الإناء يغسل ثلاثا، وروايته عن النبي ﷺ في ذلك/
سبعا، ومالك يروى في موطأه حديث ابن عمر: " البيعان بالخيار " (١)، ومذهبه
إلا خيار، وأما سعيد فيحتمل رفعه لحديث تابعه عليه غيره من الثقات؛ لقول
ابن عيينة فيه. كان حافظا، وقال سعيد: كان صدوق اللسان، وقال أبو زرعة
البصري: وروايته موضعا عند أبي مسهر للحديث، وكان يقول: ليس بمصرنا
أحفظ منه قال: وسألت دحيما عن محمد بن داسة فقال: ثقة وكان يميل لما
هوى، فقلت أين هو من سعيد؟ فقدم سعيدا عليه، وفي موضع آخر كان
مشايخنا يقولون: هو ثقة، وقال عبد الرحمن: سألت أبي وأبا زرعة عنه فقالا:
محله عندنا الصدق، وسمعت أبي ينكر على من أدخله في كتاب الضعفاء،
وقال: يحول منه، وقال ابن عدي: لا أرى بما يرويه بأسا، والغالب عليه
الصدق، ومن ذلك أبو الصديق الناجي؛ ذكر ذلك ابن أبي حاتم في كتاب
العلل، وقال: سألت أبي عنه فقال: هذا حديث منكر، ومن ذلك: دبيب
السحمة إلا في حديثهما بعد، ومن ذلك: إبراهيم التيمي عنها: " أن النبي
ﷺ قبّلها، ولم يتوضأ " (٢) . رواه أبو داود عن محمد بن شار ثنا يحيى وعبد
الرحمن ثنا سفيان عن أبي روق عنه، وقيل: هذا مرسل؛ التيمي لم يسمع من
_________________
(١) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (٣/٧٦، ٧٧، ٨٤، ٨٥) ومسلم في (البيوع، باب " ٤٧ ") والترمذي (١٢٤٥، ١٢٤٦، ١٢٤٧) وصححه، والنسائي في (البيع، باب " ٤، ٨، ٩، ١٠) وأبو داود (٣٤٥٧، ٣٤٥٩) وابن ماجة (٢١٨٢، ٢١٨٣) والمنتقى
(٢) وأحمد (٢/٩، ٧٣، ٣/٤٠٢، ٤٠٣، ٤٣٤، ٤/٤٢٥، ٥/١٢، ١٧، ٢١، ٢٢، ٢٣) والدارمي (٢/٢٥٠) والحاكم (٢/١٦) والبيهقي (٥/٢٦٩، ٢٧٠، ٢٧١، ٢٧٢) والقرطبي (٥/١٥٣) والمشكاة (٢٨٠٢، ٢٨٠٤) وابن كثير (٢/٢٣٤) وأصفهان (١/٢٢٠، ٢/٢، ٣/٣٦٣) . وصححه الشيخ الألباني. (الإِرواء: ٥/١٢٤، ١٥٣) .
(٣) ضعيف. رواه أبو داود في: ١- كتاب الطهارة، ٢٧- باب للوضوء من القبلة (ح/١٧٨) . قال أبو داود: وهو مرسل، إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
عائشة، وقد سبق كلام البخاري فيه، وقال الدارقطني: لم يروه عن إبراهيم
غير أبي روق عطية بن الحرث، ولا نعلم حدث به غير الثوري وأبي حنيفة من
حديث يحيى بن نظر وصاحب عنه واختلفا فيه فأسنده الثوري عن عائشة،
وأبو حنيفة عن حفصة، وكلاهما أرسله، وإبراهيم لم يسمع من عائشة ولا من
حفصة ولا أدرك زمانهما، وفيه نظر؛ لما علم أن مولده على ما ذكره البيهقي
سنة خمسين، وتوفيت حفصة سنة إحدى وأربعين على ما قاله أبو معشر وابن
أبي خيثمة، وعائشة كانت وفاتها سنة سبع- أو ثمان- وخمسين، والله أعلم.
وقال ابن حزم: هذا الخبر لا يصح؛ لضعف أبي روق/وقال أبو عمر: هو
مرسل لاختلاف فيه، وفي موضع آخر: لم يروه غير أبي روق، وليس فيما
انفرد به حجة، وقال النسائي: إبراهيم لم يسمع من عائشة، وليس في هذا
الباب أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسل، وفي الخلافيات: هو فاسد
من وجهين؛ الأول: الإرسال، والثاني: أبو روق لا يقوم به حجة. أما قول
عمر: وليس فيما انفرد به حجة ترد قوله في كتاب الاستمناء هو عندهم
صدوق ليس به بأس، صالح الحديث، وفي موضع آخر: وقال الكوفيون: هو
ثقة لم يذكره أحد يخرجه، وقال أحمد: ليس به بأس، وقال أبو حاتم الرازي:
صدوق، وذكره أبو حاتم في كتاب الثقات.
وأما إجماعهم على إرساله فليس كذلك؛ لما ذكره أبو الحسن في سننه
مسندا من طرق صحيحة، فقال: ورواه معاوية بن هشام- يعني: المخرج
حديثه في صحيح مسلم- عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم عن أبيه-
يعني: المخرج حديثه في الصحيحين- عنها فوصل إسناده واختلف عنه في
لفظه؛ فقال عثمان بن أبي شيب فيما ثناه البغوي عنه بهذا الإسناد: " أن
النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم "، وقال غيره: " كان يقبل ولا يتوضأ ".
ولما ذكر البيهقي هذا في المعرفة قال معاوية لي: قويا لم يُرد على ذلك، وليس
به علة ترد به هذا لما أسلفناه، والله تعالى أعلم.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا محمد بن فضيل عن حجاج عن عمرو بن
شعيب عن زينب السهمية عن عائشة أن رسول الله ﷺ: " كان يتوضأ ثم
[ ٢ / ٥٠١ ]
يقبل ويصلي ولا يتوضأ، وربما فعله بي " (١) . هذا حديث قال ابن أبي حاتم:
سألت أبي وأبا زرعة عنه فقالا: الحجاج يدلس في حديث الضعفاء، ولا يحتج
بحديثه، وقال أبو الحسن: زينب هذه مجهولة ولا يقوم بها حجة، ونحوه قاله
أبو/عمر في الاستذكار، وقال الحاكم: أبو عبد الله فيما ذكره عند البيهقي في
الخلافيات: هذا الإسناد لا يقوم به حجة؛ حجاج على جلالة قدره غير مذكور
في الصحيح، وزينب ليس لها ذكر في حديث آخر ولا أبو بكر.
وقد رواه ابن فضيل الأوزاعي عن عمرو عنها، وقد قيل: عن عمرو عن
أبيه عن جدّه مرفوعا: " كان يقبل ولا يحدث وضوءا " (٢) . رواه العوفي عنه،
وهو متروك. انتهى كلامه. وفيه بيان لصحة الحديث المذكور حيث قال: ورواه
الأوزاعي عن عمر، ويخرج حجّاج من أن يكون علة له على قول من أعلّه
به، وعلى التقدير أن يكون ثقة كان حديثه عن عمرو منقطعا، قال ابن
المبارك: ولم يبق إلا النظر في حال زينب فقط؛ هل كما قيل: مجهولة، أم لا،
فنظرنا فإذا أبو حاتم البستي ذكرها في كتاب الثقات؛ فزال عنها- بحمد
الله- اسم الجهالة، وصح حديثها على هذا لما أسلفنا من متابعات وشواهد،
والله تعالى أعلم.
وأما قول البزّار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن غير عائشة، ففيه نظر؛
لما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث أبي علي الحنفي عن زفر بن
الهذيل عن ليث بن أبي سليم عن ثابت بن عبيد عن أبي مسعود الأنصاري:
أن رجلا أقبل إلى الصلاة، فاستقلب امرأته، فأكبّ عليها فناولها، فأتى النبي
ﷺ فذكر ذلك له، فلم يأمره بالوضوء، ولم يروه عن زفر إلا أبو علي. ولما
_________________
(١) ضعيف. رواه ابن ماجة (ح/ ٥٠٣) وأحمد في " المسند " (٦/٦٢) والكنز (١٧٨٥٥) . في الزوائد: في إسناده حجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة. وزينب، قال فيها الدارقطني: لا تقوم بها حجة. قلت: فهي مجهولة. وضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/ ١١٢) .
(٢) موضوع. جامع مسانيد أبي حنيفة (١/٤٢٧) وابن القيسراني (٥٥٤) بلفظ: " كان يقبل ولا يعيد الوضوء ".
[ ٢ / ٥٠٢ ]
ذكره أبو الفرج في كتاب العلل من حديثه ذكر ابن عبد الله الشامي القائل
فيه ابن حبان: يروى عن مكحول نسخة أكثرها موضوع، ولا يحل الاحتجاج
به عن مكحول عن أبي أمامة أنه قال: " قلت: يا رسول الله الرجل يتوضأ
للصلاة ثم يقبل المرأة أو يلاعبها، أينقض ذلك وضوءه؟ قال: لا " (١) . ذكره
الإسماعيلي في جمعه من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد
للرحمن،/عن أم سلمة زوج النبي ﷺ: " أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو
صائم ثم لا يفطر ولا يحدث وضوءا " (٢) . رواه من جهة يزيد بن سنان أبو
فروة الرهاوي قال فيه أحمد وعلي والدارقطني: ضعيف، وقال النسائي:
متروك عن الأوزاعي عن يحيى، ولما ذكره أبو القاسم في الأوسط قال. لم
يروه عن الأوزاعي- إلا يزيد بن سنان. تفرد به سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه.
وقد تقدم حديث حفصة من كتاب الدارقطني، وحديث عمرو بن العاص
من عند البيهقي، وقوله؛ ولأنه لم يرو عن عائشة من حديث حبيب وعبد
للكريم أيضا نظر؛ لما أسلفناه والله تعالى أعلم.
وفي كتاب التمهيد: روى عن عمر بن الخطاب بإسناد صحيح ثابت أنه
" كان يقبل امرأته ويصلي قبل أن يتوضأ " (٣) . وروى الدارقطني عن ابن أخي
ابن شهاب عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن عمر قال: " القبلة من اللمم
فتوضأ منها "، وهو وهم عندهم وخطأ، لا حفاظ أصحاب ابن شهاب
يجعلونه عن ابن عمر ولا عن عمر، وذكر إسماعيل بن إسحاق أن مذهب
عمر بن للخطاب في الجنب لا يتهم (٤) . ويدل على أنه كان يرى الملامسة ما
دون للجماع كمذهب ابن مسعود، فإن صح عن عمر ما قاله إسماعيل بين
الخلاف في القبلة عنه، والله أعلم، وصحح الحاكم ذلك عن عمر في مسنده
وله والبيهقي في كتاب الخلافيات قال أبو عمر: وأما ابن مسعود فإنه يختلف
عنه أن اللمس ما دون الجماع، وأن الوضوء واجب على من قبّل امرأته
كمذهب ابن عمر سواء هو ثابت عن ابن عمر من وجوه، وممن رأى الوضوء
_________________
(١) موضوع. ابن القيسراني (١٠٥٩) .
(٢) تقدم من أحاديث الباب.
(٣) تقدم من أحاديث الباب.
(٤) كذا ورد " بالأصل ".
[ ٢ / ٥٠٣ ]
في القبلة من التابعين: عبيدة السلمان وابن المسيب وحماد والبيهقي في المعرفة،
وعن ابن مسعود أيضا من طريق شعبة عن مخارق عن طارق بن شهاب عنه،
قال: وهذا الإسناد/ صحيح موصول. قاله أبو عمر والنخعي ومكحول
الدمشقي وابن شهاب وزيد بن أسلم وسعيد بن عبد العزيز ويحيى الأنصاري
وسعيد بن أبي عبد الرحمن ومالك وأصحابه، وهو قول جمهور أهل المدينة
والشافعي وأحمد وإسحاق، وأما الذين ذهبوا إلى أن اللمس هو الجماع؛ فعبد
الله بن عباس وعائشة- فيما ذكره في الأسرار- ومسروق والحسن وعطاء بن
أبي رباح وطاوس اليماني وعبيد بن عمير، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه
والثوري وسائر الكوفيين إلا ابن أخي، ورووا عن علي بن أبي طالب مثل
ذلك، واختلف في ذلك عن الأوزاعي، والحجة لأصحابنا أن إطلاق الملامسة
لا يعرف العرب منها إلا اللمس باليد قال الله تعالى: (فلمسوه
بأيديهم) (١) . وقال ﷺ: " اليدان تزنيان وزناهما اللمس " (٢)، وفيه مع
الملامسة، وهو لمس الثوب باليد وحديث ابن عباس: " لعلك مسست "، وفي
المستدرك عن عائشة: " كان يقبّل ما دون الوقاع ". قال أبو عمر: وقد قرنت
الآية: (أو لامستم النساء) (٣) وذلك يفيد اللمس باليد، وحمل الظاهر
والعموم على التصريح على الكناية، وقد روى عبد الملك بن عمير عن ابن أبيِ
ليلى عن معاذ قال: " أتى رجل النبي ﷺ فسأله عن رجل أتى امرأة لا تحل
له، فأصاب منها ما يصيب الرجل من امرأته إلا الجماع، فقال﵇-
: توضأ وضوءا حسنا " (٤) . فأمره بالوضوء لما قال منها دون الجماع- والله
أعلم- انتهى كلامه. وفي استدلاله بحديث معاذ نظر؛ لأن آخره تبين أن
_________________
(١) سورة الأنعام آية: ٧.
(٢) صحيح. رواه أحمد (٢/٣٤٣، ٤١١، ٥٢٨. ٥٣٥) والطبراني (١٠/١٩٢) وإتحاف (٧/٤٣٤) وحبيب (٢/٥٥) .
(٣) سورة النساء آية: ٤٣.
(٤) ضعيف. رواه البيهقي (١/١٢٥) والمنثور (٣/٣٥٢) ومسير (٤/١٦٦) ونصب الراية (١/٧٠) وابن كثير (٢/٢٧٧، ٤/٢٨٨) والطبري (١٢/٨١) والدارقطني (١/١٣٤) والحميدي (١٨١) والترمذي (٤/١٢٨- التحفة) والحاكم (١/١٣٥) .
[ ٢ / ٥٠٤ ]
المقصود بالوضوء الصلاة لأجل التكفيل لا لأجل اللمس، بين ذلك لسوقه من
كتابي الدارقطني والبيهقي قد علم أنه في كتاب المستدرك، وهو منقطع فيما
بين عبد الرحمن بن أبي ليلى ومعاذ أن رجلا قال: يا رسول الله ما تقول في
رجل أصاب من امرأة لا تحل له، فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته/الا
قد أصابه منها، الا أنه لم يجامعها؟ فقال: " توضأ وضوءا حسنا ثم قم
فصل، فأنزل الله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل
الآية، فقال معاذ: أهي خاصة له أم للمسلمين عامة؟ فقال: " بل للمسلمين
عامة "، وأما قوله: إطلاق الملامسة لا يعرف العرب منها الا اللمس باليد ففيه
نظر؛ لما علمه أئمة اللغة أبو عمرو بن العلاء وابن السكيت والفارابي وابن دريد
والجوهري والبطليوسي والمبرد وصاعد وابن القوطية وابن القطاع وابن سبرة
والفراء وابن الأعرابي وثعلب وابن الأنباري وأبو عبيد بن سلام والعسكري
والخطابي والأزهري والهروي وابن حيي وابن قتيبة والقزاز والتبريزي وأبو عبيدة
معمر بن المثني وغيرهم، وفي كتاب الأشراف: وقال عطاء: ان قبل حلالا
فلا إعادة عليه، وإن قبل حراما أعاد الوضوء فتعين، ولما ذكر ابن حزم حديث
عائشة قال: لو صح لما كانت لهم فيه حجة؛ لأن معناه منسوخ فتعين؛ لأنه
موافق لما كان عليه الناس من قبل نزول الآية، ووردت الآية بشرع زائد لا
يجوز تركه ولا تخصيصه، فإن احتجوا بحديثها الصحيح: " التمست النبي
ﷺ في الليل فوقعت يدي على باطن قدمه وهو ساجد ". فلا حجة لهم
فيه؛ لأن الوضوء إنما هو على القاصد، واللمس لا على الملموس من دون أن
يقصد هو إلى أصل الملامسة لأنه لم يلامس، فأيضا فليس فيه أنه كان في
صلاة وقد سجد المسلم من غير صلاة، وحتى لو صحّ أنه كان في صلاة،
_________________
(١) - قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ ابن جبل، ومعاذ مات في خلافة عمر، وقتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام صغير ابن ست سنين، وقد روى عن عمر ورآه. وروى شعبة هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير عن عبد للرحمن بن أبي ليلى عن النبي ﷺ مرسلا ". وبهذا أعله البيهقي، فقال عقبة: " وفيه إرسال عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يدرك معاذ ابن جبل ".
[ ٢ / ٥٠٥ ]
وهذا مالا يصح فليس في الخبر أنه لم ينقض وضوءه ولا أنّه صلى صلاة
مسابقة دون تجديد وضوء ثم لو صح أنه كان في صلاة وصح تأديه عليها
وأنه صلى غيرها دون تجديد وضوء- وهذا كله لا يصح أبدا- فإنه كأن
يكون في هذا الخبر موافقا للحال التي كان الناس عليها قبل الآية بلا شك،
وكذا حديث صلاته وهو حامل أمامة؛ لأنه ليس فيه نص أن يديها ورجليها
مست شيئا من بشرته﵇-/إذ قد يكون موشحة بقفازين أو
جوربين أو يكون تقريبا شائعا، وهو الأولى أن يظن مثلها محضر الرجال، وإذا
لم يكن ما ذكرنا في الحديث فلا يحل لأحد أن يزيد فيه ما ليس منه؛ فيكون
كاذبا، وإذا كان ما ظنوا ليس في الخبر وما قلنا ممكنا، أو الذي لا يمكن غيره
بطل تعلّقهم به، والله تعالى أعلم.