حدثنا سويد بن سعيد ثنا شريك عن عمرو بن عامر عن أنس بن مالك
قال: " كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة، وكُنّا نحن نصلي الصلوات
كلها بوضوء واحد ". هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه (٢)، وقال فيه
أبو عيسى: حديث حسن صحيح، وزاد: " ما لم يحدث ". ورواه أيضًا عن
محمد بن حميد/الرازي ثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن
حميد عن أنس أن النبي ﷺ: " كان يتوضأ لكل صلاة، طاهرا أو غير
طاهر "، قال: قلت لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: " كنا نتوضأ
وضوءا واحدا "، وقال: حديث حميد عن أنس حديث حسن (٣) غريب من
هذا الوجه، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر، وقال في
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ٧١- باب الوضوء من النوم (ح/ ٥٠٨) . وصححه الشيخ الألباني.
(٢) صحيح. رواه البخاري (١/٦٤) والترمذي (٦٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأحمد (٣/١٣٢، ١٣٣، ١٥٤، ٥/٣٥٨) والبيهقي (١/١٦٢) وابن خزيمة (١٢) وأبو عوانة (١/٢٣٧) وابن أبي شيبة (١/٢٩) وشرح السنة (١/٤٤٧) والمنثور (٢/٢٦١) والكنز (١٧٨٥٣، ١/٢٧٠) والطبري (٦/٧٣) والقرطبي (٦/٨١) وابن كثير (٣/٤٠، ٤٢) والتاريخ الكبير (٦/٣٥٦) والمنتقى (١) .
(٣) انظر، سنن الترمذي: (١/٨٨) . قال الشيخ أحمد شاكر: وحديث حميد عن أنس متابعة جيده لرواية عمرو بن عامر، واستغراب الترمذي له لا أوافقه عليه، فإنّ الحديث الغريب هو الذي ينفرد به أحد الرواة، وهذا لم ينفرد به حميد، إلا إن كان يريد غرابته عن حميد نفسه، ولذلك قيد قوله: " غريب " =
[ ٢ / ٥١٨ ]
العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: لا أدري ما سلمة هذا، كان
إسحاق تكلم فيه، ما أروي عنه، ولم يعرف محمد هذا من حديث حميد،
وأمّا يحيى الحازمي حديث عمرو بن عامر وعزْوِهِ إياه إلى أصحاب السنن
فذهول شديد عن ذكره من كتاب البخاري.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قال: ثنا وكيع عن سفيان
عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ: " كان
يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة صلى الصلوات كلها بوضوء
واحد " (١) . هذا حديث قال أبو عيسى إثر روايته له عن ابن بشار ثنا ابن
مهدي عن سفيان عن علقمة عن سليمان: هذا حديث حسن صحيح،
وروى هذا الحديث علي بن قادم عن الثوري وزاد فيه: " فتوضأ مرة مرة "،
وروى الثوري هذا الحديث أيضا عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة
أن النبي ﷺ: "كان يتوضأ لكل صلاة "، ورواه وكيع عن سفيان عن
محارب عن سليمان بن بريدة عن أبيه، وروى عبد الرحمن بن مهدي وغيره
عن سفيان عن محارب عن سليمان عن النبي ﷺ مرسلا (٢) وهذا أصح من
_________________
(١) - في بعض النسخ باله: " من هذا الوجه "، وفي بعضها بأنه: " من حديث حميد ". ولا عبرة بقول الشارح: " تفرد به محمد بن إسحاق، وهو مدلس، ورواه عن حميد معنعنا " فإن ابن إسحاق ثقة حجة جليل القدر، ومن تكلّم فيه فلم يصنع شيئا. قال شعبة: " محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث "، وقال أبو زرعة الدمشقي: " ابن إسحاق رجل قد أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه، وقد أختبره أهل الحديث فرأوا صدقا وخيرا ".
(٢) رواه الترمذي (ح / ٦١) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال أيضا: وروى هذا الحديث ابن قادم عن سفيان الثوري، وزاد فيه: " توضأ مرة مرة ". ورواه مسلم (٩١١١) وأبو داود (١/ ٦٦- ٦٧) والنسائي (١/ ٣٢-٣٣) كلهم من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد. ورواه ابن ماجة (٩٥١١) من طريق وكيع عن الثوري عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة عن أبيه.
(٣) وخلاصة البحث فيما تعرض له الترمذي من أسانيد هذا الحديث: أن سفيان الثوري رواه عن شيخين: أحدهما علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه مرفوعا موصولا، وهذا لم يختلف فيه الرواة عن الثوري أنه موصول. والشيخ الثاني للثوري: محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة، ولكن الرواة عن الثوري اختلفوا فيه؛ فبعضهم يقول: عن سليمان بن بريدة عن النبي ﷺ، وهذا مرسل؛ لأن سليمان ليس صحابيا، وبعضهم يقول:=
[ ٢ / ٥١٩ ]
حديث وكيع، وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سئل أبو زرعة عن
حديث رواه أبو نعيم عن سفيان عن محارب عن سليمان بن بريدة عن النبي
ﷺ: " أنه صلى خمس صلوات بوضوء واحد "، ورواه وكيع- يعني:
مسندا- فقال أبو زرعة: حديث/أبي نعيم أصح. انتهى. وفيه أن وكيعا تفرد
برفعه، وليس كذلك لمتابعة المعتمر بن سليمان له. ذكر ذلك البزار في مسنده
إثر روايته عن سلمة بن شعيب ثنا عبيد الله بن موسى ثنا سفيان عن علقمة بن
مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه، ومن هذه الطريق رواه مسلم (١) في
صحيحه عن ابن نمير ثنا أبي ثنا سفيان ولفظه: " أن النبي ﷺ صلى
الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه "، فقال له عمر: لقد
صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه، قال: عمدا صنعته يا عمر ". قال البزار: ثنا
علي بن الحسين الدرهمي ثنا المعتمر بن سليمان ثنا سفيان عن محارب بن
دينار عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ نحوه، وقال الحافظ أبو علي
الجياني﵀- في كتابه تقييد المهمل: وروى هذا الحديث وكيع
ومعتمر وغيرهما عن الثوري عن محارب عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي
ﷺ، كما رواه علقمة بن يزيد، والله أعلم.
وأما قول الحاكم في المستدرك (٢): اتفقا على حديث علقمة عن سليمان بن
يزيد عن أبيه: " أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة ". فقول لا أعلم له فيه
سلفا ولا رأيت أحدا، قال ابن سليمان: اتفقا على حديثه، وممن نص على
أنه من أفراد مسلم هو في كتاب المدخل قال: ذكر من اتفقا عليه فمن أبيه
سليمان فذكر جماعة ثم قال: وأخرج مسلم وحده سليمان بن بريدة، ثم ذكر
_________________
(١) = عن سليمان بن بريدة عن أبيه مرفوعا، وهذا متصل، والذي رواه عن الثوري هكذا هو وكيع، وروايته عن ابن ماجة، وهذه الرواية جعلها الترمذي مرجوحة، ورأى أن رواية من رواه عن الثوري عن محارب عن سليمان مرسلا أصح. ولسنا نوافقه على ذلك؛ لأن الحديث معروف عن سليمان عن أبيه، ووكيع ثقة حافظ، فالظاهر أن الثوري كان تارة يروي الحديث عن محارب موصولا، كما رواه عنه وكيع، وتارة مرسلا، كما رواه عنه غيره.
(٢) انظر: الحاشية قبل السابقة. وراجع: ابن خزيمة (١٣، ١٤) وعبد الرزاق (١٥٧) والمشكاة (٤٢٥) والكنز (٢٧٠٣٢) .
(٣) قوله: " المستدرك " وردت في " الأولى " غير واضحة، وكذا أثبتناه.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
جماعة-. والله أعلم- اللهم إلا لو قال: اتفقا على حديث علقمة عن ابن
بريدة، لكان صوابا للاختلاف الآتي بعد في ابن بريدة هذا من هو؟ وأن
بعضهم سماه عبد الله.
حدثنا إسماعيل بن ثوبة ثنا زياد بن عبد الله ثنا الفضل بن معشر قال:
" رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد. فقلت: ما هذا؟
فقال: رأيت رسول الله ﷺ يصنع هذا، فأنا أصنع كما صنع رسول الله
ﷺ ". وهذا حديث ذكره الثعلبي في تفسيره بزيادة: " فإن بال أو أحدث/
توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين "، فقلت: الحديث وإسناده صحيح على
رأي أبي حاتم بن حبان لتوثيقه الفعل، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وزياد
خرج حديثه في الصحيح، وإسماعيل قال أبو حاتم الرازي: صدوق، وفي
الباب غير ما حديث؛ منها حديث عبد الله بن حنطلة بن أبي عامر الغسل:
" أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا كان أو غير
طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة،
ووضع عنه الوضوء إلا من حدث، فكان ابن عمر يرى أن به قوة على ذلك
ففعله حتى مات ". رواه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه (١) عن
محمد بن منصور أبو جعفر ومحمد بن شوكة البغدادين قال: ثنا يعقوب-
وهو بن إبراهيم بن سعد- ثنا أبي عن ابن إسحاق ثنا محمد بن يحيى بن
حبان الأنصاري ثم المازني عن عبيد الله بن عبد الله بن عمرو ثنا محمد بن
يحيى بن حبان عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: فلت له: أرأيت وضوء
عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر؟ عن من هو؟ فقال
حديثه: أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة فذكره، وفي
آخره: هذا حديث يعقوب بن إبراهيم غير أن محمد بن منصور قال: " فكان
يفعله حتى مات "، ولما رواه داود عن أحمد بن خالد ثنا بن إسحاق، ولما
ذكره ابن أبي حاتم (٢) في كتابه حسنه به، قال إبراهيم بن سعد: رواه عن ابن
(١) قلت: وقد سقطت بعض الكلمات من " ألفاظ " هذا الحديث، وصححناه من مصدرين:
الأول: صحيح ابن خزيمة. الثاني: من النسخة الثانية التي عليها التصحيح.
(٢) قوله: " حاتم " وردت في " الأولى، والثانية " " حبان " والصحيح " حاتم " كما أثبتناه.
[ ٢ / ٥٢١ ]
إسحاق فقال: عبيد الله بن عبد الله. انتهى. وهو مع ذلك منقطع فيما بين
محمد بن إسحاق ومحمد بن يحيى بن حبان. نص على ذلك الحافظ أبو
القاسم بن عساكر- رحمه الله تعالى- فقوله إثر قول أبي داود المتقدم: كذا
رواه علي بن مجاهد وسلمة بن الفضل، وأدخلا بينه وبين محمد بن طلحة،
يعني أن يزيد بن ركانة بن عبد بن يزيد بن المطلب بن عبد مناف القرشي
المطلبي الموثق عند ابن/معين وغيره- والله تعالى أعلم-، وحديث عبد الله بن
عمر: " كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة، حتى كان يوم الفتح، فإنه
صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد " (١) . رواه عبد الغني في
إيضاح الإِشكال من حديث حبان عن الحكم بن ظهير عن مسعر عن حبيب
ابن أبي ثابت عنده عنه، وحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه: " لولا أن
أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك ".
رواه الإِمام أحمد في مسنده (٢) . قال أبو جعفر الطحاوي: فذهب قوم أن
الحاضرين يجب عليهم الوضوء لكل صلاة، واحتجوا في ذلك بحديث بريدة:
" كان يتوضأ لكل صلاة "، وخالفهم في ذلك أكثر العلماء فقالوا: لا يجب
الوضوء إلا من حدث، وما روى عن النبي ﷺ محمول على إلتماس النّفل لا
على الوجوب، ويحتمل أن يكون هذا لما حصر فيه﵊-
دون أمته فإن قيل: وهل وجدتم في ذلك دليلا؟ قلنا: نعم؛ حديث أنس-
يعني: المتقدم- قال: فهذا أنس قد علم ما ذكرنا من فعله ﷺ، ولم ير ذلك
فرضا على غيره قال: وقد يجوز أن يكون النبي ﷺ كان يفعل ذلك وهو
_________________
(١) تقدم من أحاديث الباب ص ٥١١.
(٢) صحيح، متفق عليه. رواه ابن أبي شيبة (١/١٦٨) وابن عدي في " الكامل " (٣/ ١٢١٨) والبيهقي في " الكبرى " (١/٣٥) ومعاني (١/٤٣) وأحمد (١/٢٢١) . وفي المتفق عليه: " لولا ان أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ". رواه البخاري (٢/٥، ٣/٤٠، ٩/١٠٦) ومسلم في (الطهارة، باب " ١٥ " رقم " ٤٢ ") وأبو داود (٤٦، ٤٧) والترمذي (٢٢، ٢٣) والنسائي (١/١٢) وابن ماجة (٢٨٧) وأحمد (١/٢٢١، ٣٦٦، ٢/٢٤٥، ٢٥٠، ٢٨٧، ٣٩٩، ٤٠٠، ٤١٠، ٤٢٩) والمجمع (١/٢٢١) والبيهقي (١/٣٥) وإتحافات (٢٦٥) والتمهيد (٧/١٩٦، ١٩٧) وعبد الرزاق (٢١٠٦، ٥٧٤٦) وابن عدي (١/٤٢١، ٤/١٦١٧، ٥/١٧٠٤) والمعاني (١/ ٣٣) والإِرواء (١/١٠٨، ١٠٩، ٢/١٩٧) .
[ ٢ / ٥٢٢ ]
واجب، ثم نسخ؛ يدل عليه حديث عبد الله بن حنظلة، وحديث بريدة:
" وصلى﵊- يوم الفتح الصلوات بوضوء واحد " (١) .
وقال ابن شاهين: ولم يبلغنا أن أحدا من الصحابة والتابعين كانوا يتعمدون
الوضوء لكل صلاة، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) تقدم من أحاديث الباب ص. ٥١١
[ ٢ / ٥٢٣ ]