حدثنا أحمد بن عبدة ثنا حماد بن زيد ثنا ثابت عن أنس: أن أعرابيا بال
في المسجد فوثب إليه بعض القوم فقال رسول الله ﷺ: " لا تزرموه ثم دعا
بدلو من ماء فصّب عليه ". هذا حديث خرجاه في صحيحهما (١) وسماه أبو
موسى في كتاب الصحابة ذا الخويصرة اليماني وسامة من أعلام النبوة؛ لأن
النبي ﷺ/لما رآه مقبلا قال: هذا الرجل الذي بال في المسجد ولم ينسب أنه
بال. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا علي بن مسهر عن محمد بن عمرو عن
أبي سلمة عن أبي هريرة قال: " دخل أعرابي المسجد ورسول الله ﷺ جالس
فقال: اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لأحد معنا فضحك رسول الله ﷺ
وقال: لقد اضطيرت واسعا ثم ولى حتى إذا كان في ناحية المسجد فشج يبول
فقال الأعرابي بعد أن فقه فقام إلي بأبي وأمي ﷺ فلم يؤثر ولم يسُبّ فقال:
إنّ هذا المسجد لا يبال فيه، وإنّما بنى لذكر الله وللصلاة ثم أمر بسجل من
ماء فأفرغ على بوله (١) . هذا حديث رواه أبو داود والترمذي من حديث
الزهري عن سعيد، وقال في آخره: قال سعيد قال سفيان: وحدثني يحيى- بن
سعيد عن أنس نحو هذا وهذا حديث حسن صحيح، وقد روى يونس هذا
_________________
(١) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (٨/١٤) ومسلم في (الطهارة، باب " ٣٠ " رقم " ١٠٠ ") والنسائي (١/١٧٥) وابن ماجة (٢٥٨) وأحمد (٣/١٩١) والبيهقي ٢١/٤١٣، ٤٢٨، ١٠/١٠٣) وابن خزيمة (٢٩٣، ٢٩٦) وأبو عوانة (١/٢١٤) وشرح السنة (٢/٨١) وإتحاف (٧/١٣٨) والمغني عن حمل الأسفار (٢/٣٨٩) وأخلاق (٧١، ٨٠) . قوله: " لا تزرموه " أي لا تقطعوا عليه البول. يقال: تزرِم البول، إذا انقطع. وأزرمه غيره.
(٢) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/٢٩) والترمذي (ح/١٤٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أحمد في " المسند " (رقم ٧٢٥٤ ج ٢ ص ٢٣٩) عن سفيان بن عيينة عن الزهري. ونسبه في المنتقى (١/٥١ من نيل الأوطار) للجماعة إلا مسلما. قوله: " السجل " بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: الدلو الملأى ماء، ويجمع على سجال، بكسر السين. قال في النهاية: وقال القاضي أبو بكر بن العربي: " الدلو مؤنثة، والسجل يذكر، فإن لم يكن فيها ماء فليست بسجل، كما أن القدح لا يقال له كأس إلا إذا كان فيه ماء ".
[ ٢ / ٥٦٦ ]
الحديث عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة، وأصله في
صحيح الجعفي بلفظ: " قام أعرابي في المسجد قلنا وله الناس فقال لهم النبي
ﷺ: " دعوه وأهريقوا على بوله سجلا من ماء أو دلوا من ماء، فإنّما بعثتم
مبشرين ولم تبعثوا معسرين " (١) وفى لفظ: " قام النبي ﷺ في الصلاة وقمنا
معه فقال أعرابي: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا فلما سلم
رسول الله ﷺ قال: لقد حجرت واسعا " (٢) . وروى ابن صاعد عن عبد الجبار
بن العلاء عن ابن عيينة عن يحيى ابن سعيد عن أنس أنّ أعرابيا بال في
المسجد فقال ﵇: " احضروا مكانه ثم صبوا عليه ذنوبا من ماء " قال
أبو الحسن البغدادي الحافظ رحمه الله تعالى: وهم عبد الجبار على ابن عيينة؛
لأنّ أصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه عن يحيى بن سعيد فلم يذكر منهم
الحضر، وإنّما روى ابن عيينة هذا عن عمرو بن ذبير عن/طاوس أن النبي ﷺ
قال: " احفروا مكانه فاختلط " على عبد الجبار المتنان، وفى علل الخلال: وقال
أبو بكر بن محمد عن أبيه أنه قال لأبي عبد الله في حديث الأعرابي في
البول في المسجد: يرويه هو لأصحاب أبي حنيفة، ويروون فيه شيئا عن أبي
بكر بن عياش عن سمعان عن أبي وائِل عن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال:
" فأمر به فحفر " قال: ما أعرف سمعان هذا، وهذا حديث منكر ثم قال: كيف
تصنعون في بول الصبي أنه يرش هو عن النبي ﷺ من غير وجه يرش عليه
فالسن حجتهم في هذا، وهم يزعمون إذا صب عليه أو رش عليه فهو شر مما
كان، وقال أبو زرعة: حديث سمعان في بول الأعرابي في المسجد حديث
ليس بقوي. حكاه عنه ابن أبي حاتم وحكى عنه ابن المحمدي، الحديث منكر
وسمعان ليس بالقوى، وذكره الدارقطني أنه يقال فيه أيضا: ابن سمعان أن أبا
بكر بن عياش قال: حدثنا المعلى المالكي، فذكر غير اللفظ الأولى عن شقيق
_________________
(١) صحيح. رواه البخاري (١/٦٥، ٨/٣٧) والفتح (١/٣٢٣) والنسائي (١/٤٩، ١٧٥) والمشكاة (٤٩١) والإِرواء (١/١٩٠) .
(٢) صحيح. رواه أبو داود (٣٨٠) والترمذي (١٤٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي (٣/٢٤) واحمد (٢/٢٣٩، ٢٨٣) والبيهقي (٢/٤٢٨) وابن خزيمة (٨٦٤) والحميدي (٩٣٨) وعبد الرزاق (١٦٥٨) .
[ ٢ / ٥٦٧ ]
عن عبد الله جاء أعرابي إلى النبي ﷺ شيخ كبير فقال: " يا محمد متى
الساعة، قال: وما أعددت لها؟ قال: والذي بعثك بالحق ما أعددت لها من
كثير صلاة ولا صيام إلا أنّى أحب الله ورسوله، قال: إنك مع من أحببت "
قال: فذهب الشيخ فأخذه بوله في المسجد فمر عليه الناس فأقاموه فقال النبي
ﷺ: " دعوه عسى أن يكون من أهل الجنة فصبوا على بوله الماء " (١) . رواه
عن المحاملي ثنا يوسف بن موسى ثنا أحمد بن عبد الله ثنا ابن عباس به وقال
الخطابي: وليس في حديث أبي هريرة ولا في خبر متصل ذكر الحفر مكان،
ولا ينقل التراب وإن سلم الحنفيون للإمام أحمد وغيره قوله فإن لهم حديثا
إسناده على رسم الشيخين، رواه أبو داود (٢) في كتاب السنن فقال: حدثنا
موسى بن إسماعيل ثنا جرير بن حاز قال: سمعت عبد الملك بن عمير
يحدث عن عبد الله/بن معقل بن مقرن قال: قام أعرابي إلى زاوية من زوايا
المسجد فانكشف فبال فيها فقال النبي ﷺ: خذوا ما بال عليه من التراب
فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء ". قال: هذا مرسل، وابن معقل لم يدرك النبي
ﷺ وأبي ذلك عليه الحافظ ابن فتحون فذكر أنّ له صحبة في كتابه
المستدرك على ابن عبد البر ولئن سألنا لأبي داود قوله، وكذا قول ابن ميمون
فيكون مرسلا صحيحا، والمرسل معمول به عندهم، والله أعلم.
وذكره عبد الرزاق عن طاوس، وقد تقدّم كلام أبي الحسن عن ابن عينية
عن عمرو بن دينار عن طاوس مرسلا مثلا، والاصطلاح: إذا عارض مرسلان
صحيحان حديثا صحيحا مسندا كان العمل بالمرسل أولى فكيف مع عدم
المعارضة. حدثنا محمد بن يحيى: هو عندنا ابن أبي حميد ثنا أبو المليح
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، ٧٨- باب الأرض يصيبها البول، (ح/٥٣٠) . في الزوائد: إسناد حديث وائلة بن الأسقع ضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد الله الهذلي. قال الحاكم: يروى عن أبي المليح عجائب. وقال البخاري: منكر الحديث. وصححه الشيخ الألباني.
(٢) ضعيف. رواه أبو داود في: ١- كتاب الطهارة، ١٣٦- باب الأرض يصبها البول، (ح/٣٨١) . قال أبو داود: وهو مرسل. ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
الهذلي عن وائلة بن الأسقع قال: " جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: اللهم
ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتك إيانا أحدا فقال: لقد خطرت واسعا
ويحك أو ويلك قال: فسيح يبول فقام أصحاب النبي ﷺ فقال رسول الله
ﷺ: دعوه فدعا بسجل من ماء فصبه عليه " (١) . هذا حديث إسناده ضعيف
رواه عبيد الله بن أبي حميد غالب أبي الخطاب الهذلي الكوفي، فإنه ممن قال
فيه الإمام أحمد بن حنبل﵁- ترك الناس حديثه، وقال
البخاري: منكر الحديث، وفى علل أبي عيسى عنه: ضعيفه ذاهب الحديث لا
أروى عنه شيئا، وقال أبو عبد الرحمن: متروك الحديث، وقال ابن معين
والدارقطني: ضعيف الحديث، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد فاستحق
الترك، وقال أبو حاتم/الرازي: منكر الحديث ضعيف الحديث، وفى الكامل
لابن عدي عن ابن مثنى أنه قال: ما سمعت يحيى ولد عبد الرحمن يحدّث
بشيء قط، قال أبو أحمد: وعامة رواية عن أبي المليح، وقال أبو زكريا
الساجي: هو ضعيف، وذكر العقيلي في كتاب الضعفاء وكذلك البلخي،
وفى الأشراف: اختلفوا في موضع البول تصبه الشمس أو يجف فكان
الشافعي وأحمد وأبو ثور يقولون: لا يطهره إلا الماء، وفيه قول ثاني، وهو أن
يصلى عليه إذا جفّ وذهب أثره، ولا يصلي عليه إن لم يذهب أثره ولا يجزيه
أن يصلى على بساط أصابه بول وإن ذهب أثره. هذا قول النعمان ومحمد
وقالا: الشمس تزيل النجاسة إذا ذهب الأثر عن الأرض، وروينا عن أبي قلابة
أنه قال: جفوف الأرض إذا أصابتها نجاسة فيبست وذهب أثرها جازت الصلاة
عليها، وقال أبو سليمان رحمه الله تعالى: فيه دليل على أنّ الماء إذا أورد على
النجاسة على سبيل المكاثرة والغلبة طهرها وإن غُسلات النجاسة طاهرة لم تبن
للنجاسة فيها لون أو ريح، ولو لم يكن ذلك الماء طاهرا لكان المصبوب منه
على البول أكثر نجسا للمسجد من البول بعينه فدلّ على طهارته، قال: وإذا
أصابت الأرض نجاسة ومطرت مطرا عاما كان ذلك مطهرا لها، وكانت في
معين صبّ الذنوب وأكثر، والله أعلم. ومن قوله إنّما بعثتم مبشرين دليل على
_________________
(١) انظر أول حديثين في الباب.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
أن أمر الماء على التيسير والسعة في إزالة النجاسات فيه، والله أعلم. وأما قوله:
لا تزرموه أي. لا تقطعوا عليه، قال ابن دريد: الزرم القطع قال الشاعر:
فقلت لما سمعت من تحت لبها … لا يخطئنك إن البيع قد زرى
وقال الجوهري: زرم البول بالكسر إذا انقطع، وكذلك كل شيء ولى
وأزره غيره، وفى الجامع يقال زرمه يزرمه زرما إذا/قطعه، وكذا أزرمه ازراما
إذا فعل به ذلك، وزرم الشيء في نفسه إذا انقطع وإذا انقطع بول الرجل
قلت: زرم بوله وأزرمه هو إذا أقطعه، وقد ازرام الرجل إذا غضب وازرام
الشيء إذا انقطع، وازرام الشاعر ازريما إذا انقطع شعره، وازرام الشيء إذا
سلب، وازرام إذا تعبض وفيه قول الشاعر:
تمري إذا امتحنت من قبل اذرعها … وتزريم إذا ما مسه المطر
ومن السكوت قول الراجز:
الفتية غضبان مزريما … لا سبط الكف ولا خضيما
ويقول: لعن الله ما زرمت به أي: ولدته، ولذلك قال الشاعر:
ألا لعن الله التي زرمت … فقد ولدت داعله وغوايلى
ويقال: زرم السور وغيره إذا بقي جعدة في دبره، وبه سمي السؤر أزرم
ويقال: أزرمت السوق إذا انقطعت، وزرم كلامه إذا قطعه فهو زرم الكلام
أي: قليله، وكذلك قال الأخطل: والشافعون مغيبون وجوههم زرموا المقالة
بالسّواء الأبصار أي: قد قطعوا الكلام، والمزرم المضيق عليه، ويقال: زرم فلان
بأمره إذا ضاق به فلم يدر ما يصنع قوله ﵊: " لقد احتظرت
واسعا على الحظر الحجر " (١)، قال الجوهري: قال: وهو ضد الإباحة والمحظور
المخرم، وفى أساس الزمخشري حظر عليه كذا حيل معه بينه: (وما كان عطاء
ربك محظورا) (٢) وهذا محظور غير مباح، وقال ابن دريد: حظرت الشيء
_________________
(١) طرف من حديث تقدم في هذا الباب.
(٢) سورة الإِسراء آية: ٢٠.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
حظره حظرا فهو محظور: إذا حرمته، والحظار: ما حظرته على غنم أو غيرها
بأغصان الشجر أو بما كان وهو الحظر أيضا قال الشاعر:
ترى حظرا أذوى به الحي عاضد
وقال في كتاب الأسعاف: لما أغار امرؤ القيس بن المنذر عم/النعمان بن
المنذر على النمير بن واسط فشيئا شيئا، فأتى بهم الخبرة فحفر لهم حظائر وهم
بإحراقهم فكلمه فيهم أبو حوط أخو المنذر بن امرئ القيس لأمه، واسمه مالك
ابن ربيعة فوهبهم له فسمى ذو الحظائر، وزعم ابن ماكولا في كتاب الإكمال:
أنه بخاء معجمة مضمومة قال: ذكره ابن دريد، ويشبه أن يكون وهما منه
على ابن دريد اللهم إلا أن تريدكو يذكر بن دريد سما به الحر لا الضبط،
وذلك أنّ الذي ذكره به وغراه له هو من كتاب الوشاح من تأليفه في باب
الأزداء ولم يضبطه كعادته في ذلك الكتاب، وذكره في كتاب الجمهرة في
باب الحاء المهملة والطاء والواو، وبنحوه قاله في كتاب الاشتقاق، وابن سيدة
في كتاب المحكم والوزير أبو القاسم في كتاب أدب الخواص، وسمّاه كعب
بن الحارث بن حسم بن هلال بن ربيعة بن زيد معناه بن عامر الصحيان بن
سعد الخزرج ونضر بن مزروع في كتاب العلماء من الأشراف وسمّاه الحرث
بن زيد مناة، وقد اتبعوا ذلك بشواهده في كتاب الاتصال، وفى رواية لقد
تحجرت واشيعا، قال الخطابي: أصل الحجر: المنع، ومنه الحجر على السفيه،
وهو منعه عن التصرف في ماله وقبض يده عنه يقول له: قد سبقت من رحمه
الله ما وسعه ومنعت منها ما أباحه، والسجل مذكر وهو الدلو إذا كان فيه ماء
قلّ أو كثر، ولا يقال لها: وهى فارغة سجل ولا ذنوب والجمع السجال،
والسجيلة الدلو الضخمة قال المراجز:
خذها وأعط عمك السجيلة … إن لم يكن عمك ذا حليلة
وسجلت الماء فانسجل أي: صببته فانصب وأسجلت الحوض ثلاثة قال:
وغادر الأخد والآخاد مترعه … وأسجل الماء إنها وعد مانا
وفى الجمهرة: والجمع سجول وفى الكتابة وقيل: لا يسمى سجلا حتى
يكون مملوءة ماء، وقال أبو منصور النيسابوري: حتى يكون فيها ماء قلّ أو
[ ٢ / ٥٧١ ]
كثر، ولا يقال لها: ذنوب إلا ما دامت ملأى كما أنه لا يقال/كأس إلا إذا
كان فيها شراب وإلا فهي زجاجة، وفى الألفاظ ليعقوب: الكأس الإناء
والكأس ما فيه من الشراب، ولا يقال مائدة إلا إذا كان عليها طعام وإلا فهو
خوان، ولا يقال كوزا إلا إذا كان له عروة وإلا فهو كوب، ولا يقال قلم إلا
إذا كان مبريا فإلا هو أنبوبة، ولا يقال: خاتم إلا إذا كان فيه فض فهو فتيحة،
ولا يقال فروا إلا إذا كان عليه صوف وإلا فهو جلد ولا يقال ربطة إلا إذا لم
يكن نفقين وإلا فهي ملأه، ولا يقال أريكة إلا إذا كان عليها حجلة وإلا فهي
سرير، ولا يقال لطمة إلا إذا كان عليها طيب وإلا فهي غير، ولا يقال تفق إلا
إذا كان له منفذ وإلا فهو سرب، ولا يقال عهن إلا إذا كان مصوبغا وإلا فهو
صوف، ولا يقال لحم قديد إلا إذا كان معالجا بتوابل وإلا فهو طبيخ، ولا
يقال خدرا إلا إذا كان مشتملا عن جارية وإلا فهو ستر، ولا يقال ركية إلا
إذا كان فيها ماء قلّ أو كثر، ولا يقال محجن إلا إذا كان في طرفه عقافة
وإلا فهو عصا، ولا يقال وقود إلا إذا كانت انقدت فيه النار وإلا فهو حطب،
ولا يقال عويل إلا إذا كان قد رفع صوت وإلا فهو بكاء، ويقال مور للغبار
إلا إذا كان بالريح وإلا فهو وهج، ولا يقال معلول إلا إذا كان في جرن سوط
وإلا فهو مشتمل، ولا يقال للطين سباع إلا إذا كان فيه تبن وإلا فهو طين،
ولا يقال ثرى إلا إذا كان نديا وإلا فهو تراب، ولا يقال مأزق وما قط إلا في
الحرب وإلا فهو مضيق، ولا يقال مغلغلة إلا إذا كانت محمولة من بلد إلى
بلد وإلا فهي رسالة، ولا يقال قراح إلا إذا كانت مهيأة للزرع وإلا فهي براح،
ولا يقال للعبد ابق (١) إلا إذا كان ذهابه من غير خوف ولا له عمل وإلا فهو
هارب ولا يقال لما في الفم رحاب إلا ما دام في الفم فإذا فارقه فهو براق،
ولا يقال للشجاع لمي إلا إذا كان نبال الصلاح/وإلا فهو بطل، ولا يقال
للطبق مهدا إلا ما دامت عليه الهدبة، ولا يقال للبعير راوية إلا ما دام عليه
الماء، ولا يقال للمرأة ظعينة إلا ما دامت راكبة في هودجها، ولا يقال
للسرحين فرث إلا ما دام في الكرش، ولا يقال للسرير نعش إلا ما دام عليه
_________________
(١) قوله: " آبق " أي هارب.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
الميت ولا يقال للعظم عرق إلا ما دام عليه لحم، ولا يقال للخيط سمط إلا ما
دام فيه خرد، ولا يقال للثوب حلة إلا أن يكون ثوبين اثنين من جنس واحد،
ولا يقال للحبل قران إلا إذا قرن فيه بقران، ولا يقال للقوم رفقة إلا ما داموا
منضمين في مجلس واحد ومسير واحد فإذا تفرقوا ذهب عنهم اسم الرفقة
ولم يذهب عنهم اسم الرفيق، ولا يقال للبطيخ حرج إلا ما كانوا صغار
أخضرا، ولا يقال للذهب تبر إلا ما دام غير مدبوغ، ولا يقال للحجارة رصف
إلا إذا كانت محماة بالشمس أو بالنّار، ولا يقال للشمس الغدالة إلا عند
ارتفاع النهار، ولا يقال للثوب مطرف إلا إذا كان في طرفيه علمان، ولا يقال
للمجلس النادي إلا ما دام فيه أهله، ولا يقال للريح جليل إلا إذا كانت باردة
ومعها ندى، ولا يقال للمرأة عانق إلا ما دامت في بيت أبوها، ولا يقال
للبخيل شحيح إلا إذا كان مع بخله حريصا، ولا يقال للذي عد البرد مرض
إلا إذا كان مع ذلك جائعا، ولا يقال للإسراع في السير اهطاع إلا إذا كان
معه خوف، ولا اهراع إلا إذا كان معه رعدة، وقد نطق القرآن بهما، ولا يقال
للحان كع إلا إذا كان مع جيشه ضعيفا، ولا يقال للمقيم متلوم إلا إذا كان
على انبطاء، ولا يقال للفرس محجل إلا إذا كان البياض في قوائمه الأربع أو
الثلاث، ولا يقال دود إلا للقليل من أثاث الإبل. ذكره ابن الجوزي في تقويم
اللسان، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٥٧٣ ]