حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا إسماعيل ابن علية عن حميد عن بكر بن
عبد الله عن أبي نافع عن أبي هريرة أنه لقيه النبي ﷺ في طريق من طرق
المدينة وهو جنب، فانسل، فقعد النبي ﷺ، فلما جاء قال: أين كنت يا أبا
هريرة؟ قال: يا رسول الله لقيتني وأنا جنب فكرهت أن أجالسك حتى
أغتسل. فقال رسول الله ﷺ: " المؤمن لا ينجس ". (- أ) هذا حديث
أجمع على تخريج أصله الأئمة الستة (١) - رحمهم الله تعالى- إلا أن مسلما
رواه مقطوعا، وأنّ علي الإِمام بدر الدين يوسف بن عمر أخبركم الحافظ رشيد
الدين قراءة عليه قال: وقع في مسلم إسناد هذا الحديث فما رأيته من النسخ
مقطوعا حميد عن أبي رافع قال: وكذلك هو من روايتنا من طريق الجلودي،
وقد سقط من إسناده وحل من حميد وأبي رافع وهو بكر بن عبد الله المزني،
قال حميد: إنّما يروى هذا الحديث عن بكر بن أبي رافع كذلك أخرجه
البخاري وأبو داود فمن بعده في سننهم بلا خلاف أعلمه بينهم في ذلك،
وكذلك رويناه في مسند ابن أبي شيبة ولذلك هو في مسند الإِمام أحمد،
وقد ذكر أبو مسعود وخلف الواسطي أنّ مسلما أخرجه أيضا كذلك إلا أنِي
لم أره في جميع النسخ التي رأيتها من كتاب مسلم إلا مقطوعا، وكذلك
قال الحافظ أبو علي الجياني أنه وقع إسناد هذا الحديث في النسخ كلها حميد
عن أبي رافع قال: وفي هذه الرواية انقطاع إّنما يرويه حميد عن بكر عنه وقال
أبو الحسن في كتاب الوهم والإِبهام: وكذلك رواه ابن السكن من رواية عبد
الرحمن بن بشر بن الحكم عن يحيى بن سعيد عن حميد عن بكر قال: فإذن
_________________
(١) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (٢/٩٣) وابن ماجه (٥٣٤) وتغليق (٤٦٤) وإتحاف (٩/١٧٩) والمغني عن حمل الأسفار (٤/١٤٦) وأبو حنيفة (٣٣) ورواه مسلم في (الحيض، ١١٥، ١١٦) وأبو داود (٢٣١) والنسائي في (الطهارة، باب " ١٧١ ") واحمد (٢/ ٢٣٥، ٣٨٢، ٤٧١، ٥/٣٨٤، ٤٠٢) .
[ ٢ / ٥٧٨ ]
إنما يقرره/عن يحيى بن سعيد عن زهير بن حرب اسقط منه نكرا من
بيتهما. انتهي كلامه. وفيه نظر؛ من حيث زعم أنّ المقصر له هو ابن حرب-
يعني: وحده-، وليس كذلك؛ بل المقصر به مسلم أيضا عن شيخه الذي رواه
عنه أبو بكر بن أبي شيبة فإن أبا بكر رواه متصلا كرواية الجماعة كما تقدم
من عند ابن ماجة ومسلم قصر به عنه على هذا، والله أعلم. وأمّا إنكار
العطار قول أبي مسعود وخلف فكذلك هو فيما رأيت من النسخ ولكن يشبه
أن يكون قولهما صحيحا لما ذكره الحافظ أبو نعيم في كتاب المستخرج: حدثنا
حبيب بن الحسن ثنا يوسف بن يعقوب القاضي ثنا محمد بن أبي بكر ثنا
يحيى بن سعيد ح وثنا محمد أبو محمد بن حيان ثنا أحمد بن الحسين الحذاء
ثنا علي بن المديني ثنا يحيى بن سعيد ح وثنا محمد بن إبراهيم بن علي وعبد
الله بن محمد بن جعفر قالا: ثنا أحمد بن علي ثنا أبو خيثمة ثنا يحيى بن
سعيد ح وثنا محمد بن حسان ثنا أبو بكر بن أبي عاصم ثنا أبو بكر بن أبي
- شيبة ثنا ابن علية عن حميد عن بكر عن أبي نافع عن أبي هريرة أنه لقيه النبي
ﷺ في طريق.. الحديث. قال: رواه مسلم عن زهير بن جرير عن يحيى بن
سعيد وعن أبي بكر عن إسماعيل ابن علية جميعا عن حميد ح فلعل من
ذكرناه رأى ذلك في نسخة لم يقع إلى غيره، والله أعلم. وكذا فعله البغوي
في شرح السنة لما رواه عن عباس ثنا عبد الأعلى ثنا حميد عن بكر هو ابن
عبد الله المزي عن أبي رافع فقال: رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن
ابن علية عن حميد، والله أعلم. ثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد ثنا أبو
الحرث الظاهري ثنا الحسن بن محمد بن حكيم ثنا البوالموجه ثنا ابن أبي شيبة
ثنا ابن علية ثنا حميد عن بكر عن أبي رافع عن أبيِ هريرة: " أنه لقي النبي
ﷺ … الحديث ". قال: هذا حديث متفق (١) على صحته/أخرجه مسلم عن
أبي بكر عن إسماعيل عن حميد حدثنا علي بن محمد ثنا وكيع ح وثنا
إسحاق بن منصور ثنا يحيى بن سعيد جميعا عن مسعر عن واصل إلا حديث
_________________
(١) الحاشية السابقة.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
عن أبي وائل عن حذيفة قال: " خرج النبي ﷺ فلقيني وأنا جنب فحدث
عنه فاغتسلت ثم جئت ". قال مالك: قال: كنت جنبا قال رسول الله ﷺ:
" إن المسلم لا ينجس ". هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه ولفظ ابن
حبان (١) في صحيحه: " كان النبي ﷺ إذا لقي الرجل من أصحابه ماسحه
ودعا له قال: فرأيته يوما بكرة فحدّث عنه ثم أتيته حين ارتفع النهار، فقال:
إني رأيتك فحدث عني " الحديث (٢) . وفي باب حديث ابن مسعود رواه أبو
عبد الرحمن إسناد صحيح عن إسحاق بن منصور ثنا يحيى ثنا مسعر حدثني
واصل عن أبي وائل عن عبد الله أن النبي ﷺ لقيه وهو جنب فأهوى إلي
فقلت: إني جنب. فقال: " إن المسلم لا ينجس ". وهو حديث ثابت في
سائر نسخ النسائي، ولم يذكره صاحبا الأطراف ابن عساكر والمزي، وقال أبو
عيسى: وفي الباب عن ابن عباس فلعل أن عبد الله هذا هو ابن عباس وليس
بابن مسعود فليعلم أن شقيقا لم يرو عن ابن عباس شيئا في كتب الأئمة،
والله أعلم. ولم نر لابن عباس حديثا فيما نعلم إلا ما ذكره البخاري معلّقا
عنه: " المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا". ولما ذكره أبو عبد الله في مستدركه
قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وروى الحافظ أبو بكر بن خزيمة في
صحيحه ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان عن يحيى بن سعيد
عن القاسم بن محمد قال: سألت عائشة: " عن الرجل يأتي أهله ثم يلبس
الثوب فيعرق فيه، أنجس ذلك؟ ففْالت: قد كانت المرأة تعدّ خرقة أو خرقا فإذا
كان ذلك مسح بها الرّجل الأذى عنه ولم/يرى أن ذلك ينجسه ".
_________________
(١) قوله: " ابن حبان في " وردت " بالأولى " " كان ابن حبان إذا " والصحيح " الثانية " وكذا أثبتناه.
(٢) صحيح. رواه النسائي في: الطهارة، باب " ٧٣ " (ص ١٤٥ ج ١) . قوله: " لا ينجس " بفتح الجيم وضمها أي: الحدث ليس بنجاسة تمنع عن المصاحبة وتقطع عن المجالسة وأنما هو أمر تعبدي أو المؤمن لا ينجس أصلا، ونجاسة بعض الأعيان اللاصقة بأعضائه أحيانا لا توجب نجاسة الأعضاء نعم تلك الا عيان يجب الاحتراز عنها فإذا لم تكن فما بقي إلا أعضاء المؤمن إذ ليس هناك عين نجسة لاصقة به، والمؤمن من لا ينجس هذه الصفة فلا نجاسة، والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وفي حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قالت " ثم صليا في ثوبهما "
وسيأتي حديث معاوية عن أخيه عن أم حبيبة: " أنّ النبي ﷺ كان يصلي
في الثوب الذي يجامعها فيه " (١) . وابن علي شيخينا العلامة أبي الحسن
المكي- رحمه الله تعالى- أخبركم علامة دهره وفريد عصره شمس الدين
الخرق بقراءتكم عليه في رجب سنة تسع وستين وستمائة ثنا الفقيه رشيد الدين
زاهر بن محمد بن أحمد بن وكيع المرورزدي ثنا الإمام شيخ الإسلام أبو
محمد عبد الرحمن بن عبد الله المرورزدي ثنا محيي السنة أبو محمد الحسين
بن مسعود قال: معنى قول ابن عباس: " أربع لا ينْجُسُن الإنسان والثوب
والماء والأرض يريد الإنسان لا يجنب بمماسة الجنب ولا الثوب إذا ألبسه
الجنب ولا الأرض إذا أفضى إليها الجنب ولا الماء ينجس إذا غمس الجنب
يده " فيه، وفي كتاب الدارقطني من حديث المتوكل بن فضل عن أم القلوص
الغاضرية عن عائشة قالت: " كان النبي ﷺ لا يرى على الثوب جنابة ولا
على الأرض جنابة ولا يجنب الرجل الرجل " (٢)، وقال عطاء: يحتجم الجنب
ويقلِّم أظفاره ويحلق رأسه وإن لم يتوضأ. وقال الحافظ رشيد الدين قول أبي
هريرة فأنجست منه فئة أربع روايات: فانبجست بنون ثم باء معجمة بواحدة
بعدها جيم ومعناه أنرفعت منه، وقال الترمذي: معناه تنجست عنه. الثانية:
فأنجست منه بنون بعدها خاء معجمة ثم نون ومعناها انقبضت وتأخرت عنه.
الثالثة: فاختنست بتقّدم الخاء المعجمة وبعدها تاء معجمة باثنتين من فوقها ثم
نون ومعناها معنى التي قبلها. الرابعة: فأنتجست بنون ثم تاء معجمة باثنتين من
فوقها ثم جيم ومعناها: اعتقدت لعسى أصير نجسا لا أصلح لمجالسة رسول الله
ﷺ وأنا على تلك الحالة، وقد ذكر في هذه الكلمة قول خامس وهو
فانبجست بنون ثم ياء معجمة بواحدة بعدها خاء معجمة/من البخس وهو
_________________
(١) حسن. رواه أبو داود (٣٦٦) والنسائي في (الطهارة باب " ١٨٣ ") وأحمد (٦/ ٢١٧) وابن أبي شيبة (٢/٤٨٢) والكنز (٢١٧٠٦) والخطيب (٧/ ٤٠٧) .
(٢) صحيح. رواه الدارقطني: (١/١٢٥) .
[ ٢ / ٥٨١ ]
النقص، فإن صحت هده الرواية فقد ذكر بعض العلماء أنّ معناها أنّه طهّر له
نقصان عن مما شاه رسول الله ﷺ لما اعتقده في نفسه من النجاسة فرأى أنّه
لا يقارنه ما دام في تلك الحال، وقال الحافظ: ومعنى هذه الأقوال يرجع إلى
شيء واحد وهو الانفصال والمزايلة على وجه التوقير والتعظيم له ﷺ، وذكر
الحافظ أبو محمد المنذري فيه قولا سادسا وهو فانتجشت بنون وتاء ثالث
الحروف وشين معجمة من النجش وهو الإسراع، قال الزمخشري: والأصل
فيه سفيان الوحش من مكان إلى مكان وفي الحديث: " نهي عن
النجش " (١) .
شفير النّاس من شيء إلى غيره، وذكر بعضهم قولا سابعا وهو فاحتبست
بحاء مهملة وبعد التاء باء وسين مهملة من الاحتباس، والله أعلم. قال ابن
المنذر: وأجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، وثبت عن ابن
عمرو وابن عباس وعائشة أنهم قالوا ذلك، وهو مذهب الشافعي والنعماني ولا
أحفظ عن غيرهم خلاف قولها، قال أبو بكر: وعرق اليهودي والنصراني
والمجوسي عندي طاهر. وخالف قوله هذا أبو محمد بن حزم فزعم أنّه منهم
نجس تمسكا بقوله ﵊: " أن المؤمن لا ينجس " وبقوله
سبحانه: (إنّما المشركون نجس) (٢) والله أعلم.
واستنبط أبو حاتم البستي من حديث أبي هريرة أنّ الجنب إذا وقع في البئر
وهو ينوي الاغتسال لا ينجس ماء البئر خلافا لمن قال ذلك وقوله سبحان الله
قال أبو بكر بن الأنباري في الكتاب الزاهر: معنى سبحانك تنزيها لك يا ربنا
من الأولاد والصحابة والشركاء أي: نزهناك من ذلك، قال الأعشى: أقول لما
جاء في فخره: سبحان من علقمة الفاخر أراد تنزيها لله من فخر علقمة.
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة (٢١٧٣) وأحمد (٢/٦٣، ١٠٨، ١٥٦) وشرح السنة (٨/ ١٢١) وأسرار (٣٢٣) والشافعي (١٧٢) وحبيب (٢/٤١) . وصححه الشيخ الألباني. قوله: " النجش " هو أن يمدح السلعة ليروجها. أو يزيد في الثمن ولا يريد شراعها ليضر بذلك غيره.
(٢) سورة التوبة آية: ٢٨.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
وفي كتاب الإشقاق (١) للبخاري تعجب الأعشى بالتسبيح من فخره كما
يقول القائل إذا تعجب: سبحان الله/، وقال القزاز: معناه: برأة الله من السوء
قال الجوهري: إنّما لم يبنون؛ لأنه معرفة عندهم وفيه سنة التأنيث. قال ابن
الأنباري: ويكون التسبيح الاستثناء من ذلك قوله تعالى: (ألم أقل لكم لولا
تسبحون) (٢) معناه: قال: أعد لهم قولا هلا تسبحون، ويكون التسبيح
الصلاة من ذلك ما روي عن الحسن أنه كان إذا فرغ من سبحه قال: …
الحديث معناه إذا فرغ من صلاته وفيه قوله تعالى: (ونحن نسبح بحمدك
ونقدس لك) (٣) قال أبو عبيدة: معنى نسبح لك بحمدك ونصلي لك،
ويكون التسبيح النور من ذلك لولا ذلك لأحُرقت سبحات وجهه ما أدركت
من شيء ويكون من البرية قال تعالى: (قالوا سبحانك لا علم لنا) (٤) .
وقال الفراء: سبحانك منصوب على المصدر، كأنك قلت: سبحت الله
تسبيحا، فجعل السبحان في موضع التسبيح كما يقول: كفّرت عن يميني
تكفيرا، ثم نجعل الكفران في موضع التكفير فيقول: كفرت عن يميني كفرانا،
قال زيد بن عمرو بن نفيل أو ورقة بن نوفل: سبحان ذي العرش سبحانا
يدوم له رب البرية فرد واحد حمد سبحانه ثم سبحانا تعود له وقبلنا سبح
الجودي والحميري، وفي الأساس: سبّحت الله وسبّحت له وكبرت بسبحانه
وتسابيحه، ومن المجاز وسبحان من يعجب منه وأسألك بتسبيحات وجهك،
وقال أبو موسى الحافظ في كتابه المغيث. سبحان الله قائم مقام الفعل أي:
اسمه، وسبحت أي: لفظت بسبحان الله، وقيل: معنى سبحان الله: التسرع
إليه ولحقه في طاعته من قولهم قرش سابح، وذكر النضر بن شميل أنّ معناه:
الشرعة إلى هذه اللفظة؛ لأن الإنسان يبدأ فيقول: سبحان الله، وذكر أنه
_________________
(١) قوله: " الإشقاق " وردت " بالأصل " " الإشقار " وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه من " الثانية ".
(٢) سورة القلم آية: ٢٨.
(٣) سورة البقرة آية: ٣٠.
(٤) سورة البقرة آية ٣٢٠.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
سأل في المنام عن هذا ففسّر له هكذا أو قوله أنّ المؤمن لا ينجس، قال أبو
نصر: يقال: نجس الشيء ينجس نجسا فهو نجس ونجس أيضًا.
وقال الفراء: إذا قالوه مع الوحي أتبعوه إيّاه قالوا رجسّ نجس بالكّسر
وأنجسه غيره ونجسه بمعنى،/وقال القزاز: النجس فيه ثلاث لغات النجس
بكسر النون وبفتحها وفتح الجيم، وكل شيء قذر فهو نجس والجمع أنجاس
يقول هو نجس وهم أنجاس، وفي بعض اللغات فقال للواحد: نجس وللجمع
نجس، وذاك إذا لم يكن على طهارة من الجنابة، وفي كتاب ابن القوطبة:
وعلى فعِل وفعُل ينج الشيء نجُس نجسا ونجاسة ضد طهر، وفي كتاب
المطالع: ينجُ بضم الجيم وفتحها، يقال: ثوب نجس ونجس وكذلك في التثنية
والجمع والذكر والأنثي. قاله الكسائي، وقال غيره: إنما يقال بفتحهما فإذا
أتبعته الرجس كسرت النون.
[ ٢ / ٥٨٤ ]