حدثنا على بن محمد ثنا وكيع ثنا سفيان عن أبي قيس الأودي عن هزيل
ابن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة: " أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على
الجوربين والنعلين " (١) . هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه، فمن
المصححين له أبو حاتم البستي، فذكره له في كتابه: الصحيح، وأبو عيسى
_________________
(١) صحيح. رواه الترمذي (ح/٩٩) من حديث المغيرة بن شعبة وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود (ح/١٥٩) والنسائي (١/٣٢) وابن ماجة (ح/٥٥٩) كلهم من طرين وكيع عن الثوري. ورواه البيهقي (١/٢٨٣- ٢٨٤) بإسنادين من طريق أبي عاصم عن الثوري. ونسبه الزيلعي في نصب الراية (١/٩٦) إلى صحيح ابن حبان. قلت: وهو في صحيح ابن حبان (٢/٣١٤) من حديث المغيرة بن شعبة. هكذا صحح الترمذي هذا الحديث، وقد صححه غيره أيضا، وهو الحق. وقد أعله بعضهم بما لا يدفع في صحته، فقال أبو داود: " كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث هذا الحديث؛ لأن المعروف ظن المغيرة النبي ﷺ مسح على الخفّين "، وقال النسائي: " ما نعلم أحدا تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين ". ونقل البيهقي عن علي بن المديني قال: " حديث المغيرة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل عن الميرة، إلا أنه قال: ومسح على الجوربين، وخالف الناس ". ونقل البيهقي تضعيفه أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي وأحمد وابن معين ومسلم بن الحجاج. وغلا النووي غلوا شديدا، فقال في المجموع (١/٥٠٠) بعد نقل ذلك: " وهؤلاء هم أعلام أئمة الحديث، وإن كان الترمذي قال: حديث حسن، فهؤلاء مقدمون عليه؛ بل كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي باتفاق أهل المعرفة!! ". وليس الأمر كما قال هؤلاء الأئمة، والصواب صحيح الترمذي في تصحيح هذا الحديث، وهو حديث آخر، غير حديث المسح على الخفين. وقد روى الناس عن المغيرة أحاديث المسح في الوضوء، فمنهم من روى المسح على الخفين، ومنهم من روى المسح على العمامة، ومنهم من روى المسح على الجوربين، وليس شيء منها بمخالف للآخرة، إذ هي أحاديث متعددة، وروايات عن حوادث مختلفة، والمغيرة صحب النبي ﷺ نحو خمس سنين، فمن المعقول أن يشهد مع النبي وقائع متعددة في وضوئه ويحكيها، فيسمع بعض الرواة منه شيئا، ويسمع غيره شيئا آخر، وهذا واضح بديهي.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
الترمذي بقوله: هو حسن صحيح، وذكره ابن حزم مصححا له ومحتجا به،
وكذلك أبو الفرح في كتاب التحقيق، وقال الطوسي في أحكامه: يقال هذا
حديث حسن صحيح. ومن المضعفين أبو داود؛ فإنّه قال: أبو روايته (١)، وكان
عبد الرحمن بن مهدى لا يحدّث بهذا الحديث لا المعروف عن المغيرة أن
النبي ﷺ مسح على الخفين وليس بالمتصل ولا بالقوى ومسح على الجوربين:
علي، وابن مسعود،، والبراء، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد،
وعمر،، وابن حرث، وروى ذلك عن عمرو بن عباس﵃-،
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدّث أبي هذا الحديث فقال: ليس يروى
إلا من حديث أبي قيس وأبي عبد الرحمن بن مهدى أن يحدّث به يقول هذا
حديث منكر. وقال مهنأ: سألت أحمد عن حديث سفيان عن أبي قيس
عبد الرحمن بن مروان عن هزيل، فقال: أحاديث أبي قيس ليست صحيحة
المعروف عن المغيرة أنّ النبي ﷺ مسح على الخفين. وفي كتاب العلل للخلال
أنبأ المروزي أنّ أبا عبد الله ذكر أبا قيس في المسح، فأمّا ابن مهدى فأبي أن
يحدّثاه وأمّا وكيع فحدّث به. وفي كتاب التمييز لمسلم ذكر خبر ليس
بمحفوظ المتن، ثنا يحيى بن يحيى وثنا/وكيع فذكره، ثم ذكر الذين رووا عن
المغيرة مسح الخفين ثم قال: قد بيّنا من ذكر أسانيد المغيرة في المسح بخلاف
ما روى أبو قيس عن هزيل عن المغيرة مما قد اقتضيناه وهم من التابعين الخلة،
وكلّهم قد اتفق على خلاف رواية أبي قيس، ومن خالف بعضهم ليس من
أهل الفهم والحفظ في نقل هذا الخبر والحمل فيه على أبي قيس أشبه، وبه
أولى منه بهزيل؛ لأنّ أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخبارا غير هذا
الخبر سنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى. قال مسلم: وأخبرني محمد بن
عبد الله بن فهران عن على ابن الحسن بن شقيق قال: قال عبد الله بن
المبارك: عرضت هذا الحديث- يعني: حديث المغيرة من رواية أبي قيس-
على الثوري فقال: لم يجيء به غيره فعسى أن يكون وهما، وفي كتاب
السنن للبيهقي قال أبو محمد- يعني: يحيى بن منصور-: ورأيت مسلم بن
_________________
(١) كذا ورد هذا السياق " بالأصل ".
[ ٢ / ٦٦١ ]
الحجاج ضعّف هذا الخبر وقال أبو قيس وهزيل: لا يحتملان هذا مع
مخالفتهما للأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: يمسح على الخفين
وقالوا: لا نترك ظاهر الكتاب لمثل أبي قيس وهزيل، فذكرت هذه الحكاية عن
مسلم لأبي العباس الدعولي فسمعته يقول: سمعت علي بن محمد بن شيبان
سمعت أبا قدامة السرخسي يقول: قال ابن مهدي: قلت للثوري: لو حدثتني
بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منك، فقال سفيان: الحديث ضعيف- أو
واه أو كلمة نحوها- وقال على بن المديني: هذا حديث منكر ضعّفه الثوري،
وابن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني ومسلم،
والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، وسئل عنه الدارقطني فقال:
يرويه الثوري عن أبي قيس عن هزيل، ورواه كليب بن وائل عن أبي قيس
عمن أخبره عن المغيرة وهو هزيل ولكنه لم يسمّه ولم يروه غير أبي قيس، وهو
مما يغمر عليه لم لأنّ المحفوظ عن المغيرة المسح على الخفين، ولما ذكر العقيلي
هذا الحديث فيما أنكر على أبي قير قال: الرواية في الجوربين فيها لين، وقال
أبو عبد الرحمن النسائي: لم نتابع هزيل على هذه الرواية والصحيح عن المغيرة
مسح على الخفين، وقال ابن الحمار في كلامه على الموطأ: اضطراب لا ينكر
قد صحّ عن النبي ﷺ أنّه مسح على النعلين وعلى القدمين، ولقائل أن يقول:
أبو قيس عبد الرحمن بن مروان وهزيل حديثهما في صحيح البخاري وثّقهما
غير واحد، وما روياه هنا ليس مخالفا لرواية الجمهور عن المغيرة مخالفة
معارضة؛ بل هو أمر زائد على ما رووه، ولا يعارضه لكونه طريقا مستقلا على
حده لم يشارك المشهورين في سندها، فيترجح قول المصححين لهذه العلة،
والله أعلم. وأمّا قول أبي داود: وروي هذا الحديث عن أبي موسى إلى آخره-
يعني: المخرج عند ابن ماجة- وليس ثابتا في روايتنا وهو كما قال: ضعيف
ومنقطع ويفهم منه إلا مشارك له، وليس كذلك لما ذكره الطبراني في المعجم
الكبير (١) من حديث يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة
عن بلال: " كان رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والجوربين".
_________________
(١) ضعيف. رواه الطبراني (١/٣٣٤، ٣٤٩) وأحمد (٦/١٤، ١٥) وابن عساكر في " التاريخ " (٣/٤٦٢) وحنيف (١/٢٨٢) . قلت: فيه ابن أبي ليلى.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
ولما ذْكره المخرمي في كتاب العلل من حديث أنس بن مالك: " أنه توضأ
ومسح على جوربيه ونعليه " (١)، ثنا علي بن مسلم ثنا محمد بن القاسم ثنا أبو
طاهر قال: رأيت أنسا قال الحربي: أبو طاهر رجل يتولى الحسن حدّث عنه
شهر بحديث منكر، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق جيدة رواها النسائي
في كتاب الكنى عن عمرو بن علي ثنا سهل بن زياد أبو زياد الطحان ثنا
الأزرق بن ميسرة قال: رأيت أنسا، فذكره فسلم مما أعلّه به الحربي. وحديث
جرير بن عبد الله، وقد تقدّم ذكره. وحديث أبي موسى ذكره في الأوسط،/
وقال: لا يروى عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد. تفرد به عيسى بن سنان،
وقال البيهقي في سننه: وذكر حديث أنس وقد رفعه بعض الضعفاء وليس
بشيء، وإنما تعداده في الصحابة فقد أغفل ابن عمر وأنا مسعود وسعد بن أبي
وقاص، وذكرهم ابن حزم وقال: لا نعلم لهم مخالفا. قال: وهو قول ابن
المسيب، وعطاء، والنخعي، والأعمش، والحسن، وحلاس زاد في المصنف،
وإبراهيم، والضحاك، وسعيد، وجبير، ونافع، وفي كتاب الإسراف: وابن
المبارك، وزفر، والثوري والحسن بن صالح، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن،
وأبي ثور، وأحمد: وإسحاق، وداود بن علي وغيرهم، وقال أبو حنيفة: لا
يمسح عليهما، وقال: مالك لا يمسح عليهما إلا أن يكونا مجلدين. انتهى
كلامه، وفيما حكاه عن أبي حنيفة؛ نظر؛ لأن مذهبه جواز المسح عليهما إذا
كان مجلدين ومنعلين، كذا هو في المنافع وغيره، وحكى أبو عيسى في جامعه
عن صالح بن محمد الترمذي سمعت أبا مقاتل السمرقندي (٢) يقول: دخلت
على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه فدعا بماء فتوضأ وعليه جوربان
فمسح عليهما، ثم قال: فعلت اليوم شيئا لم أكن أفعله مسحت على الجوربين
وهما غير منعلين قال أبو عيسى: وبه يقول الشافعي: انتهى كلامه. والحنفيون
يذكرون أنّ الشّافعي لا يجوز المسح عليهما، وكذا ذكره أبو سليمان الخطابي
قال: إلا أن يكونا منعلين يمكن متابعة المشي عليهما. وقال ابن المنذر: فكرة
_________________
(١) تقدّم أول حديث من هذا الباب، وعليه تعليقا مطولا.
(٢) قوله: " السمرقندي " وردت " بالأولى " " التيمي أفندي " والصحيح ما أثبتناه من " الثانية ".
[ ٢ / ٦٦٣ ]
المسح عليهما مالك والشافعي وروى أباحية عن تسعة من الصحابة: علي،
وعمار، وابن مسعود، وابن عمر، وأنس، والبراء، وبلال، وأبو أمامة، وسهل بن
سعد، وأبو سعيد الخدري، وبه قال عطاء: والحسن بن صالح، وابن المبارك،
وأحمد، وإسحاق، وزفر وأما صاحبا (١) أبي حنيفة/فقالا: يمسح عليهما إذا
كانا نجسين لا يشفّان. والجورب. قال أبو نصر: معرب لفافة الرجل والجمع
جواربه والهاء للعجمة. ويقال: الجوارب أيضا كما قالوا في جمع الكيلج
الكيالج، ويقول: جوربه فتجورب أي: ألبسه الجورب فلبسه، وقال الجواليقي:
كثر حتى صار كالعربي قال رجل من بنى تميم لعمر بن عبيد الله بن معمر،
وكانت تحته رملة أخت طلحة الطلحات وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله:
أنبذ برجله نبذ الجورب الخلق وعش بعيشة عيشا غير ذى رنق وضرب العرب
المثل بعيشة، وقال نافع بن لقيط الأسرى:
وما ولق أنصحت كية رأسه … فتركته وفرا كى الجورب
وقال مسكين الدارمي:
أثنى على بما علمت فإنني … مثن عليك بمثل ريح الجورب
وأما الأحاديث الواردة في المسح على النعلين فمنها ما رواه أبو داود عن
أوس بن أبي أوس الثقفي أنه رأى النبي ﷺ: " توضأ ومسح على نعليه
وقدميه " (٢)، وقال الجرجاني: هذا حديث منكر، ولما ذكره عبد الحق سألت
عنه- يعني: مصححا له- ومع ذلك الخزرجي وأعترض عليه ابن القطان بأن
ما مثله صحح؛ لأنه من رواية هيثم عن يعلى ابن عطاء عن أبيه أخبرني أوس،
فذكره، وعطاء العامري والد يعلى مجهول الحال لا يعرف له رواية إلا هذه،
وأخزى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ولا يعرف روى عنه غير يعلى وإن
كان ابنه ثقة فروايته غير كافية في المتبقي من بقية، وللحديث علة أخرى
وذلك أن منهم من يقول فيه: عن أوس بن أوس- أو ابن أبي أوس- عن أبيه
_________________
(١) المراد هما: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني.
(٢) تقدم بنحوه وبألفاظ فيها " خفيه وعمامته " و" خفيه ونعليه ".
[ ٢ / ٦٦٤ ]
عن النبي ﷺ فزيادة عن أبيه عادت بنقص فإنّا إنما كنّا نقبل الأولى، ولا
نضع منها نظرا باعتقاد أنّ أوس بن أوس أو ابن أبي أوس صحابي على رأى
من يقبل أمثال هؤلاء الذين يدّعون لأنفسهم الصحبة ولا تكون معلومة لهم إلا
من أقوالهم، فأمّا إذا كان إنمّا برويه عن أبيه عن النبي ﷺ/فقد صار هو ممن
يجب النظر فيه كسائر من بعد في زمن التابعين، وإذا كان ذلك كذلك فإنّه
حينئذ يكون مجهول الحال غير ثابت العدالة، وفي أنّه أوس بن أوس أو ابن
أبي أوس خلاف معروف، واختصاره هو أنه أوتيت عن النبي ﷺ أربعة
أحاديث: أحدها: هذا، والثاني: من غسل واغتسل برويه أبو الأشعث عن أوس
بن أوس، والثالث: غريب القرآن يرويه عثمان بن عبد الله بن أوس عن جدّه
أنس بن حذيفة، والرابع: في الصوم فقيل في هذا كلّه أنّه واحد هو أوس بن
أوس وابن أبي أوس، وابن حذيفة، وذكر أبو عمر بن عبد البر قول ابن معين:
أوس بن أوس وأوس بن أبي أوس واحد فخطأه فيه، وقال: أنّ أوس بن أوس
بن أبي أوس هو ابن حذيفة جدّ عثمان بن عبد الله بن أوس، وله أحاديث
منها: في المسح على القدمين وفي إسناده ضعف، يعني: حديث المبدي يذكره،
قال: ورواه الطحاوي فأسقط عطاء والد يعلي وجعله من حديث يعلى عن
أوس وهو غير صواب وفيه نظر من وجوه: الأوّل: قوله معترضا على أبي
محمد وما مثله صحيح، وأبو محمد﵀- ليس هو ثاني عذره
بصحيحه فقد سبقه إلى ذلك الحافظ أبو بكر الحازمي بقوله: لا يعرف مجردا
متّصلا إلا من حديث يعلى، وعلى تقدير قولهم ذهب بعضهم إلى نسخه،
وهذا وإن كان لا يعطي تصحيحا فقد صحّحه أبو حاتم البستي بعد توثيقه
عطاء ثم قال: وهذا من الأخبار التي رويت مجملة، ويفسرها في أخبار أخر
ثم قال: ذكر البيان بأن مسح المصطفي على النعلين كان ذلك في وضوء النفل
دون الوضوء الذي يجب من حدث معلوم فذكر حديث البزار عن علي،
وذكر وضوءه فمضمض واستنشق ومسح وجهه وذراعيه ومسح رأسه ومسح
رجليه، ثم قال: فشرب فضل مائه، ثم قال: أتى حديث: " أنّ رجالا يكرهون
[ ٢ / ٦٦٥ ]
أن يشرب أحدهم وهو قائم وإنى رأيت رسول الله ﷺ فعل كما فعلت " (١)،
وهذا وضوء من لم يحدث، وفي الأوسط عن علي بنحوه رواه عن ابن
أحمد/ابن حنبل حدثنى أبو عبيدة بن فضيل بن عياض ثنا مالك بن سعيد ثنا
فرات بن أحنف حدثنى أبي عن ربعي عنه وقال: لم يروه عن ربعي إلا أحنف
بن فرات. تفرّد به أبو عبيده بن عياض، وفي كلام ابن حبان نظر ومن حيث
أنّ عليا صلى بهذا الوضوء، أمّا ما ذكر ذلك البيهقي من حديث سفيان عن
حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن وهب. ومن حديث ابن بحر عن سفيان عن
الأعمش عن أبي طيبان أنه قال: " رأيت عليا بالرحبة بال قائما حتى أرغى فأتى
بكوز من ماء ثم أخذ كفا من ماء فوصف وضوءه ثم قال: ومسح على نعليه
ثم أقيمت الصلاة فخلع نعليه ثم تقدّم فأمّ الناس " (٢) . قال الأعمش: فحدثت
إيراهيم به فقال: إذا رأيت أبا طيبان فأخبرني فرأيته قائما في الكناسة فقلت:
هذا أبو طيبان فأتاه فسأله عن الحديث، وقال: حديث أبي طيبان ثابت زاد في
كتاب الأبواب أنّ عليا مسح عليهما ثم خلعهما فجعلهما في كمّه ثم صلى
هما الفريضة، وذكره عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن يزيد بن أبي زياد
عن أبي طيبان به، قال معمر: وأخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن
ابن عباس عن النبي ﷺ بمثل صنيع علي هذا قال البيهقي: ورواه الثوري عن
قابوس بن أبي طيبان، وعبد العزيز بن رفيع، وسلمة بن كهيل، والزبير بن
جري، وورقاء بن إياس كلّهم عن أبي طيبان به، قال ثاني قوله أنّ الطحاوي
رواه عن أوس بن أوس فأسقط عطاء فكذلك هو، ولكن الخرائطي ذكر في
كتاب اعتلال القلوب ثبوته في هذه الرواية من حديث عمر بن شيبة ثنا يحيى
بن سعيد عن شعبة عن يعلى عن عطاء عن أبيه عن أوس بن أوس عن أبيه،
وكذا رواه أبو القاسم الطبراني من حديث يحيى بن سعيد، ولما رواه بحشل
_________________
(١) صحيح أورده الهيثمي. في " مجمع الزوائد " (٥/٧٩) من حديث أنس: " أن النبي ﷺ شرب وهو قائم " وعزاه الهيثمي إلي أبي يعلى والبزار ورجاله رجال الصحيح.
(٢) بنحوه. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٥٦) من حديث عوسجة.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
في تاريخه عن هيثم بن إسحاق ثنا شريك عن يعلى عن أوس به قال: هذا
غلط. وحديث هشيم يعني- الذي فيه عن- أبيه أصح والله أعلم./الثالث:
سكوته عن علة ذكرها الإمام أحمد فهي أولى بالذكر مما تقدم، وهو قوله لم
يسمع هشيم هذا الحديث من يعلى ذكره الجوزجاني عنه، وقال: كان هشيم
يدلس فلعله سمعه من بعض الضعفاء ثم أسقطه فلئن كان ما قالاه صحيحا
فهو أجدر بأن يكون علّة لا سيما على ما ثنا قيس به أنا محمد كونه يقبل
أخبار المدلسين والمتصرحون بالسماع، وليس لقائل أن يقول لعلّه لم يعتد هذه
علّة؛ لأنه لو كان كذلك لرأيته كعادته والله أعلم. ثم نظرنا هل هو كذلك أم
لا فوجدنا هشيما صرح فيه بالتحديث المزيل للشبهة المذكورة هنا أنبأ المسند
المعمر فتح الدين الجودري قراءة عليه وأنا أسمع عن أبي الحسن البغدادي أنبأ
الحافظ السلامي أنبأ الإمام أبو منصور محمد بن أحمد بن علي المعمري أنبأ
القاضي أبو بكر محمد بن عمر أنبأ الحافظ أبو حفص بن شاهين ثنا أحمد بن
سليمان الفقيه ثنا بشر بن موسى ثنا سعيد بن منصور ثنا هشيم أنبأ يعلى بن
عطاء عن أبيه أخبرني أوس به ثم قال: قال هشيم: هذا كان في مبدأ الإسلام
وأنبأ الشيخ أبو الفتح القاهري﵀- قراءة عليه وأنا أسمع قال: أنبأنا
الأخوان أبو المكارم عبد الله وأبو عبد الله الحسين أنبأ الحسن بن منصور وقال
الأول: ثنا، وقال الثاني: ثنا الحافظ أبو بكر محمد بن حازم الهمداني قراءة
على محمد بن أحمد بن القاضي أخبرك أبو طاهر أحمد بن الحسن الكرخي
في كتابه ثنا الحسن بن أحمد ثنا دعلج بن أحمد أنبأ محمد بن على ثنا سعيد
ابن منصور أنبأ هشيم أنبأ يعلى بن عطاء عن أبيه فذكره، وعن علّة (١) أخرى
ذكرها الحازمي في كتاب الناسخ والمنسوخ حديث يعلى من ترك لأنّ بعضهم
رواه عنه عن أوس ولم يقل عن أبيه، وقال بعضهم: عن رجل- يعني:
مجهولا- والله أعلم. وأما تخطيئه أبي عمر بن معين فغير جيد؛ لأنه قول قاله
_________________
(١) قوله: " علْة " وردت " بالأصل " " عسلة " وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه عن " الثانية ".
[ ٢ / ٦٦٧ ]
جماعة/من العلماء، منهم: أبو جعفر بن منيع، وعبد الله بن محمد البغويان،
وأبو بكر أحمد بن عبد الله البرقي في تاريخه، وأبو إسحاق الحربي في كتابه
العلل، وأبو القاسم الطبراني في الكبير والأوسط، وأبو حاتم البستي في كتاب
الصحابة قال: وهو ابن حذيفة أيضا، وأبو عيسى الترمذي في كتاب التاريخ،
وأبو أحمد العسكري في كتاب الصحابة﵃ أجمعين- وأبو
داود الطيالسي- رحمه الله تعالى-، وفي تاريخ الجعفي (١) الكبير أوس بن
حذيفة والد عمرو بن أوس، ويقال: أوس بن أبي أوس، ويقال: أوس بن أوس
له صحبة، وفي معجم ابن نافع أوس بن أوس بن ربيعة بن مالك بن كعب بن
عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف روى عنه عبد الملك بن المغيرة وأبو
الأشعث وعبادة بن نسى وابن عمرو بن أوس عنه فقالوا: ابن أوس ومن قال
ابن أبي أوس: المعمر بن سالم قال: سمعت رجلا، وفي رواية أخرى اسمه
عمرو جدّه أوس بن أبي أوس، وفي رواية أبوه ويعلى بن عطاء في كتاب
الصحابة لأبي مُوسى: اسم أبي أوس هذا جابر بن عوف شيعي، وروى حديثه
هذا من طريق محمد بن إدريس عن عنان عن حماد بن سلمة عن يعلى عن
أبيه عن أوس بن أبي أوس واسمه جابر، ثم قال: وكذلك رواه حجاج عن
حماد إلا أنه لم يسمه جابرا قال: ولأبيه أيضا صحبة، وهو جد عمرو بن أوس
ذكره أبو عثمان سعيد السراج القرشي الأصبهاني في الأفراد، وكتبه عنه
عبد الله بن مردويه (٢)، رحمهم الله تعالى. وحديث ابن عمر أنّه كان يتوضأ
ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما ويقول كذلك: كان رسول الله ﷺ يفعل،
رواه البزار عن إبراهيم بن سعيد ثنا روح بن عبادة عن ابن أبي ذئب عن نافع
عنه وقال: وهذا الحديث لا نعلمه رواه عن نافع إلا ابن أبي ذئب، ولا نعلم
رواه/عنه إلا روح بن عبادة، وإنما كان يمسح عليهما؛ لأنه توضأ من غير
حدث، وكان يتوضأ لكل صلاة من غير حدث فهذا معناه عندنا، ولما ذكره
_________________
(١) أي: تاريخ البخاري.
(٢) قوله: " مردويه " غير واضحة " بالأصل " وكذا أثبتناه.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
أبو الحسن بن القطان. انتهى. وفيه نظر؛ لأنّ ابن عمر وإن كان مذهبه الوضوء
لكلّ صلاة فليس ذلك من مذهبه ﵊. وقد قال كذلك: كان
النبي ﷺ يفعل على خفية؛ لأنه حديث منكر الإسناد والخبر جميعه خرّجه
البيهقي من حديث داود، ولما ذكره أبو الحسن بن القطان صححه، وحديث
ابن عباس وتوضأ وضوء النبي ﷺ وفيه ثم قبض قبضة من الماء فرشّ على
رجله اليمنى، وفيها النعل ثمّ مسحها بيده يد فوق القدم ويد تحت القدم ثم
صنع باليسرى مثل ذلك خرّجه أبو داود من رواية هشام بن سعد، وحديثه في
صحيح مسلم وتكلّم فيه بعضهم، وفي لفظ عن ابن عباس: أن النبي ﷺ:
" توضأ مرة مرة ومسح على نعليه ". ذكره الحربي من حديث عبد الرزاق عن
معمر قال: لو شئت حدثتكم أنّ زيد بن أسلم حدثنى عن عطاء عن ابن
عباس فذكره ثم قال: الحمد لله الذي لم يقدر على لسان معمر أن يحدث به
ابن الجراح عن سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء عنه، وقال: هكذا رواه داود
وهو منفرد عن الثوري مناكير هذا أحدها، والثقات رووه عن الثوري دون هذه
اللفظة، وقد روى عن زيد بن الحباب عن سفيان هكذا وليس بمحفوظ،
والصحيح رواية الجماعة، ورواه الدراوردي وهشام بن سعد عن زيد فحكا في
الحديث ورشّ على الرجل وفيها النعل، قال: وذلك يحتمل أن يكون غسلها
في النعل، فقد رواه سليمان بن بلال، وابن عجلان، وورقاء، ومحمد بن
جعفر، وابن أبي كثير عن زيد بن أسلم فحكوا في الحديث غسله رجليه
والحديث واحد، والعدد الكبير أولى بالحفظ من العدد اليسير مع فضل حفظ
من حفظ فيه الغسل بعد الرش على من لم يحفظه./انتهى كلامه. وفيه نظر
من وجوه: الأول: ما قاله من حديث زيد بن حباب ليس صحيحا لأمرين:
الأول كونه ثقة وما قاله ابن معين من أنّ أحاديثه عن الثوري مقلوبة اعتذر عن
ذلك أبو أحمد بن عدي بقوله: زيد من أثبات مشايخ الكوفة ممن لا يشك في
صدقه، والذي قاله ابن معين إنما له عن الثوري أحاديث تستغرب بذلك
الإسناد يرفع بعضها ولا برفع ذلك غيره، والباقي عن الثوري وغيره مستقيمة
[ ٢ / ٦٦٩ ]
كلّها، ثم ذكر له أحاديث لم يذكر هذا منها فنلخص مما قاله أبو أحمد أنّه
ثقة تفرّد به، وتفرّد الثقة مقبول عند الجمهور. الثاني: قوله ليس محفوظ يشعر
أنه لم يأت به غيره، وقد سبق مجيئه من حديث رواد المرفق عند ابن معين أنّه
لم يأت به غيره وأحمد وغيرهما، ومن مصنف عبد الرزاق بسند كالشمس
على شرط الشيخين، وذكره ابن خزيمة في صحيحه من حديث سفيان عن ابن
عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن أسلم وقال بعده: والدليل على أنّ
النبي ﷺ مسح على النعلين كان في وضوء تطوع لا في وضوء واجب عليه
ثم ذكر حديث سفيان عن الثوري عن عبد خير عن علي، وفيه: هكذا وضوء
النبي ﷺ للطاهر ما لم يحدث، وخرجه أحمد بن عبيد الصفار في مسنده
بزيادة هكذا فعل رسول الله ﷺ ما لم يحدث، ولما ذكره أبو داود في كتاب
التفرد قال: الذي تفرد هذا الحديث مسح باطن الأذنين مع الوجه وظاهرهما
مع الرأس. قال: وحديث عبد خير عن علي ليس بالبين. انتهى. قد أسلفنا ما
برفع هذا قبل والله أعلم، وقد أسلفنا بخبر زيد بن حباب شواهد ومتابعات
دلّت على أنّ لحديثه أصلا، وأنّ الثقات رووه عن سفيان بهذه اللفظة لا كما
زعم. الثالث: قوله فأما المسح على الرجلين فهو محمول على غسلهما؛ لأنّ
المسح سنة لمن تغطت رجلاه بالخفين فلا يعد بها موضوعها والأصل وجوب
غسل/الرجلين إلا ما خصّته سنة ثابتة أو إجماع لا يختلف فيه، وليس على
النعلين ولا على الجوربين واحد منهما. انتهى. وعليه فيه اعتراضات: الأول:
مقتضى صناعة الحديث النظر في الإسناد بصحة أو غيره، وأمّا التأويلات
وغيرها فمن نظر الفقيه. الثاني: قوله: وليس عليهما سنة ثابتة، وقد أسلفنا
أحاديث صحيحة وحسنة في هذا الباب وغيره ولله الحمد والمنة.
[ ٢ / ٦٧٠ ]