حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعبد الله بن عامر بن زرارة وإسماعيل بن
موسى السدّى قالوا: أنبأ شريك عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت:
" كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة ". هذا حديث لما خرجه
أبو عيسى (٢) من حديث شريك قال فيه: صحيح. وعاب ابن القطان على أبي
محمد اتباع في ذلك لأجل شريك لأنه دائما يضعف به الأحاديث قال
وطريقه الجيدة ما ذكرها النسائي عن أحمد بن عثمان بن حكيم ثنا أبي ثنا
حسن بن صالح بن حيي عن أبي إسحاق، وكأنه نزل بطريق أبي داود لأجل
زهير؛ فإنّ أبا محمد وأبا الحسن يضعفان حديثه، وخرجه/ابن شاهين من
حديث حبان العبري عن الأعمش عن أبي إسحاق عن الأسود ولفظ أبي
داود (٣) وخرجه من حديث زهير أنبأ أبو إسحاق بلفظ: " كان النبي ﷺ
يغتسل ويصلى الركعتين صلاة الغداة، ولا أراه يحدث وضوءا بعد الغسل ".
ولما خرجه أبو عبد الله من حديث أيضا قال فيه: صحيح على شرط الشيخين
ولم يخرجاه وله شاهد على شرط مسلم ملخص تفسيره. ولم يشك فيه
الراوي فذكر حديث شريك المتقدّم ثم قال: وله شاهد صحيح عن ابن عمر
ثناه عمر ابن جعفر البصري ثنا محمد بن الحسن بن مكرم ثنا محمد بن
عبد الله بن مربع ثنا عبد الأعلى ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر:
أنّ النبي ﷺ سئل عن الوضوء بعد الغسل فقال: " وأي وضوء أفضل من
الغسل ". محمد بن مربع ثقة وقد أوقفه غيره، وفي الأوسط لأبي القاسم: ثنا
_________________
(١) سقط هذا العنوان من " الأولى " وأثبتناه من " الثانية ".
(٢) صحيح. رواه الترمذي (ح/١٠٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي (ح/ ٢٠٩) وابن ماجة (ح/٥٧٩) وأحمد (٦/١٩، ٦٨، ١٩٢، ٢٥٣، ٢٥٨) والبيهقي (١/ ١٧٩) وشرح السنة (٢/١٤) والمشكاة (٤٤٥) والكنز (١٧٨٦٤، ٢٧٤١٥) وأبن أبي شيبة (١/٦٨) . وصححه الشيخ الألباني.
(٣) صحيح. رواه أبو داود في: ١- كتاب الطهارة، ٩٨- باب في الوضوء بعد الغسل، (ح/٢٥٠) .
[ ٢ / ٧٢٦ ]
أسلم بن سهل الواسطي ثنا سليمان بن أحمد بن مسلم عن سعيد بن بشير
عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ " من توضأ
بعد الغسل فليس منا " (١) . وقال: لم يروه عن أبان إلا سعيد، ولا عن سعيد إلا
الوليد. تفرد به سليمان بن أحمد الجرشي الشامي سكن واسط، ولما ذكره أبو
أحمد سليمان هذا ضعيف؛ بل متروك. وروى ابن أبي شيبة عن علقمة وقيل
له أن قلابة توضأ بعد الغسل، فقال: أما لو كانت عندنا لم تفعل ذلك، وأي
وضوء أعمر من الغسل، وروى نحوه عن جابر بن زيد وسعيد بن جبير
وعكرمة وحذيفة وإبراهيم وعبد الله بن مسعود، وأما ما روى عن علي أنه
كان يتوضأ بعد الغسل فمن طريق أبي البختري عنه ولم يسمع منه شيئا، ولو
ثبت كان مجهولا عن انتفاض عارض كما حكى عن ابن عمر: " أنه توضأ
بعد الغسل، فسئل فقال: خيل إلي أنه خرج من ذكرى شيء فتوضأت".
كذلك أو يكون متعلقا بحديث قتادة عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ:
" كان إذا اغتسل من الجنابة توضأ وضوءه للصلاة " (٢) . قال ابن شاهين: وهو
حديث غريب/صحيح، ولقائل أن يقول هذا محمول على الوضوء المسنون
عند الاغتسال لا بعده كما في حديث ميمونة وغيرها، ويحتمل أنه منسوخ
كما ذكره ابن شاهين، ويحتمل أن يكون محمولا على أنه لا يجزئ الغسل
فقد لا ينوب عن الوضوء، ويحمل قول النبي ﷺ: " ليس منا ". أي: ليس
مثلنا، إلا أن يحدث بعد الغسل حادث فوجب الوضوء.
كما قدّمناه، والله ﷾ أعلم بالصواب.
_________________
(١) ضعيف. رواه الطبراني (١١/٢٦٧) والحلية (٨/٥٢) وابن عدي في " الكامل " (٣/ ١١٤٠، ٧/٢٦١٨) والمجمع (١/٢٧٣) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير والأوسط والصغير " وفي إسناد الأوسط سليمان بن أحمد كذبه ابن معين وضعفه غيره ووثقه عبدان. وضعفه الشيخ الألباني. (ضعيف الجامع: ص ٧٩٧ ح/٥٥٣٥) .
(٢) تقدم من أحاديث الباب.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
باب في الجنب يستدفئ امرأته بعد أن يغتسل (١)
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا شريك عن حريث عن الشعبي عن مسروق
عن عائشة قالت: " كان رسول الله ﷺ يغتسل من الجنابة، ثم جاء فاستدفأنى
فضممته إلي ولم اغتسل " (٢) . وقال: ليس بإسناده بأس. ولما ذكره أبو علي
الطوسي في أحكامه عن القاسم بن يزيد الوراق ثنا وكيع ثنا حريث بن أبي
مطرد ثنا يعقوب الدورقي ثنا يحيى بن زكريا بن زائدة حدثني حريث بن أبي
مطر، وهذا حديثه ربما اغتسل النبي ثم باشرني قبل أن أغتسل أو فيه ثم قال:
فقال في هذا الحديث أنه ليس بإسناده بأس، ولفظ ابن وهب في مسنده: " ثم
يأتي وأنا جنب فيسدفئ بي ". ولما خرجه أبو عبد الله الحاكم من حديث
شريك وإسماعيل بن زكريا ثنا حريث بلفظ: " أن النبي ﷺ كان يستدفئ
بها بعد الغسل ". قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه
وشواهده عن سعيد بن المسيب وعنده عن عائشة، والطريق إليهما فاسد. انتهى
كلامه. وله فيه نظر من حيث أن حريث الفزاري أبا عمر والخيّاط الكوفي لم
يخرج له مسلم في كتابه شيئا، وأنى له ذلك مع قول البخاري فيه نظر! وفي
رواية ليس عندهم بالقوي. وقال الفلاس: لم أسمع يحيى ولا عبد الرحمن
يحدثان عنه بشيء قط وهو حديث بن عمرو وهو ضعيف الحديث نابه عبيدة
الضبي وعبد الأعلى/الجزار ونظراؤه، وقال ابن معين: لا شيء. وقال مرّة:
ضعيف. وكذلك قاله أبو حاتم الرازي وأبو أحمد بن عدي. وقال النسائي
وعلي بن الجنيد وأبو الفتح الأزدي: متروك. وقال الحربي: ليس هو بحجة،
وفي تاريخ أبي زرعة البصري يضعون حديثه. ولما روى حديثه هذا أبو بكر في
سننه الكبير قال: تفرد به حريث وفيه نظر. وروى من وجه آخر ضعيف عن
_________________
(١) سقط هذا العنوان من " الأولى " وأثبتناه من " الثانية ".
(٢) ضعيف الإسناد والمتن صحيح. رواه ابن ماجة (حبر ٥٨٠) وأحمد (٦/١١١) وابن أبي شيبة (١/٧٧) والكنز (٢٧٤٤٣) . وضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/ ١٢٨) وضعيف أبي داود (ح/٤٤) والمشكاة (٤٥٩) .
[ ٢ / ٧٢٨ ]
علقمة عن عائشة مختصرا. وذكره أبو جعفر العقيلي في كتاب الضعفاء ولما
ذكره أبو زكريا الساجي قال: ضعيف الحديث عنده مناكير. ثم ذكر له هذا
الحديث فقط، ولما ذكره الطبراني في الأوسط قال: لم يروه عن الشعبي إلا
ابن أبي مطر وكلامه أوضح من كلام البيهقي؛ لأنّ كلامه يقتضى تفرّد
حريث بالحديث نفسه، وليس كذلك لما أسلفناه من كتاب المستدرك، وكان
أبو عبد الله لمح كذب شريك في الإسناد وأنه ممن يخرج مسلم حديثه،
فاعتمده وسهى عمن عداه، وممن كان يستدفئ بزوجته عمر بن الخطاب من
رواية النخعي عنه وأبو الدرداء من رواية عطاء الخراساني عن أم الدرداء
وعبد الله بن عمر من حديث مسعر عن جبلة، وابن عباس من حديث إبراهيم
بن المهاجر عن عبد الله بن شدّاد، وأبو هريرة، والأسود، وعلقمة، وعلي بن
أبي طالب من حديث أبي إسحاق عن الحرث، وسعيد بن المسيب، والحسن
البصري، ذكر ذلك في مصنفه ابن أبي شيبة، قال: وكرهه حماد حين رواه
عن وكيع عن مسعر. وفي كتاب أبي داود من حديث الأفريقي عن عمارة بن
عراب أن عمّة له حدّثته وأنها سألت عائشة؛ فذكرت حديثا فيه: " دخل النبي
ﷺ إلى مسجده. قال أبو داود: يعني: مسجد بيته، فلم ينصرف حتى غلبتني
عيني وأوجعه البرد، فقال: ادن منّى فقلت: إني حائض، فقال: وأن اكشفي
عن فخذيك فكشفت فخذي فوضع خدّه وصدره على فخذي وحنيت عليه
حتى دفيء ونام ﷺ " (١) .
ويعارض هذا على تقدم صحته ما في التمهيد من حديث ابن لهيعة، قال
أبو عمر: ولا يعرف/إلا من طريقه إن فرط بن عوف سأل عائشة: أكان النبي
ﷺ يضاجعك وأنت حائض؟ قالت: نعم، إذا شددت على إزاري وذلك إذا
لم يكن لنا إلا فراش واحد فلما رزقنا الله فراشين اعتزل النبي ﷺ. وما في
السنن أيضا عن أبي اليمان عن أم درة وهي مجهولة فيما قاله ابن حزم عن
_________________
(١) حسن. رواه أبو داود (ح/٢٧٠) وابن كثير (١/٣٧٨) والبخاري في الأدب للفرد (ح/ ١٢٠) والمنثور (١/٢٥٩) والتمهيد (٣/١٧٥) .
[ ٢ / ٧٢٩ ]
عائشة أنها قالت: " كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير فلم يقرب
النبي ﷺ ولم يدن منه حتى نطهر " (١) ٠ الغريب قال ابن القطاع: يقال: دفيء
دفأ ودِفْاء ودفأة: ذهب عنه البرد. وقال ابن درستويه: والمصدر الدفأ ممدود
والدفأة ومنه رجل دفان وامرأة دفأني إذا كان سخنا من حرارة أو مرض أو
عليل القلب من الحب. وفي نوادر الترمذي: دفؤه فاه مثل توضوء وضأه ودفأ
يزيه دفعا وفي شرح الترمذي وقوله يعني: يعلما من الرجل فهو دفآن وامرأة
دفأة أي: كثير لحمها وسمنها. وقال ابن قريب: يقال رجل دفأ بكسر الدال
مع الهمز وكذلك الكسائي، وقال ابن سيده: إنّما إذا أستدفي فدفيء في
مكسور لا غبر ورجل دفان وبلده وفيه، والله ﷾ أعلم بالصواب.
_________________
(١) حسن. رواه أبو داود (ح/٢٧١) والمشكاة (ح/٥٥٦) . قوله: " المثال " - بكسر الميم بعدها ثاء مثلثة- قال الجوهري: هو الفراش.
[ ٢ / ٧٣٠ ]