حدثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرّة عن
عبد الله بن سلمة قال: دخلت على علي بن أبي طالب﵁-
فقال: " كان رسول الله ﷺ يأتي الخلاء فيقضى الحاجة ثم يخرج فيأكل معنا
الخبز واللحم، ويقرأ القرآن ولا يحجبه- وربما قال: لا يحجزه- عن القرآن
شيء إلا الجنابة " (١) . هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه: فأما أبو
داود فإنه سكت عنه لما رواه مطولا بلفظ: " دخلت على علي أنا ورجلان،
رجل منّا ورجل من بنى أسد احتسب فبايعتهما على وجها وقال: إنها علجان
فعالجا عن دينكما ثم قام فدخل المخرج ثم خرج فدعا بماء فأخذ منه حفنة
فتمسح بها ثم جعل يقرأ القرآن فأنكروا ذلك فقال … " الحديث. ولما خرجه
أبو عيسى (٢) قال فيه: حسن صحيح وخرجه في الصحيح أبو بكر بن خزيمة
وابن الجارود في منتقاه وأبو حاتم البستي، وقال أبو عبد الله بن البيع: هذا
الحديث صحيح الإسناد والشيخان لم يحتجا بعبد الله بن سلمة، ومدار
الحديث عليه وهو غير مطعون فيه، وقال البغوي في شرح السنة: هذا حديث
صحيح وفي الكامل قال سفيان: قال شعبة: لم يرو عمرو أحسن من هذا
الحديث وقال سعيد: لا أدرى أحسن منه عن عمرو وكان شعبة يقول: هذا
ثلث رأس مالي، وقد روى ابن سلمة عن علي وحذيفة وغيرهما هذا الحديث،
وأرجو أنه لا بأس به، وفي سؤالات الميمون لأحمد قال شعبة: ليس أحدث
بحديث أجود من ذلك، وفي فوائد ابن صخر: ورواه عن طريق يحيى بن أبي
بكير عن أبي جعفر الرازي عن الأعمش عن عمرو عن أبي البختري عن على
_________________
(١) صحيح. رواه أبو داود (ح/ ٢٢٩) وسكت عنه كناية عن حسنه. وابن ماجة (٥٩٤) وأحمد (١/٨٤، ١٢٤) والحاكم (٤/١٧) والنسائي (١/١٤٤) . قوله: " لا يحجبه ولا يحجره "، أي: لا يمنعه. وقال البغوي: هذا حديث صحيح.
(٢) قوله: " أبو عيسى " سقطت من " الأولى " وأثبتناه من " الثانية ".
[ ٣ / ٧٥٢ ]
قال ﵊: " اقرأ القرآن على كل حال ما لم تكن جنبا " (١) .
هذا حديث غريب جدا إن كان محفوظا لم يروه غير يحيى عن أبي جعفر
والمسور عن الأعمش وغيره عن عمرو عن ابن سلمة ومحمد أبو محمد
الإشبيلي، وقال أبو علي الطوسي: حديث علي حديث حسن صحيح. وقال
أبو الحسن: رواه أبو جعفر الرازي وجنادة ومحمد بن فضيل عن الأعمش عن
عمرو عن أبي البختري عن علي/إلا أن فضيلا وفيه والآخران رفعاه وخالفهم
أبو الأحوص فقال: عن الأعمش عن عمرو بن علي مرسلا موقوفا ورواه ابن
أبي ليلى عن عمرو على الصواب عن ابن سلمة ورواه جماعة من الثقات عن
ابن أبي ليلى كذلك وخالفهم يحيى بن عيسى الرملي فرواه عنه عن سلمة بن
كهيل عن ابن سلمة ووهم، والصواب عن عمرو بن مرّة، والقول قول من قال
عمرو عن ابن سلمة عن علي. انتهى كلامه. وفيه رد لما ذكره الحاكم فيما
أسلفناه، ولما في الكامل ثنا ابن أبي عصمة ثنا أبو طالب ثنا أحمد لم يرو
أحد: " لا يقرأ الجنب … " غير شعبة عن عمرو عن ابن سلمة عن علي، ولما
ذكره أيضا البزار أثر حديث ابن سلمة لا يروى عن علي إلا من حديث عمرو
عن ابن سلمة وكذا ما ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث النعمان بن
راشد عن أبي إسحاق عن الحرث عن على: نهاني النبي ﷺ عن القراءة وأنا
جنب، ولا أقول نهاكم " (٢)، وقال: لم يروه عن النعمان إلا أبو الجراح. تفرد
به رباح بن زيد، وقال ابن أبي داود في سننه: هذه سنة تفرد بها أهل الكوفة،
وأما المضعّفون فالإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل﵁- فإنه
كان يوهن حديث علي هذا ويضعف أمر عبد الله بن سلمة ذكره عنه
الخطابي، وقال الشّافعي: وإن يكن أهل الحديث يثبتونه، قال البيهقي: وإنما
توقف الشافعي في ثبوته؛ لأنّ مداره على ابن سلمة وكان قد كبر وأنكر من
حديثه وعقله بعض النكرة، وإنّما روى هذا الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة في
_________________
(١) ضعيف جدا. الكنز (٢٧٧٠) وابن عدي في " الكامل " (٣/٩٢٥)، وضعفه الشيخ الألباني. (ضعيف الجامع: ص ١٥٠ ح/١٠٦٥) أنظر، الضعيفة: (ح/٢٨٦٣) .
(٢) ضعيف. كذا ذكره الخطابي في معالم السنن. وضعفه أحمد بن حنبل.
[ ٣ / ٧٥٣ ]
تاريخ الجعفي الكبير عن عمرو بن مرة قال: كان عبد الله- يعني: بن سلمة-
يحدّثنا فنعرف وننكر وكان قد كبر لا نتابع في حديثه، وفي الأوسط سألت
أحمد بن أبي سلمة من روى عنه غير عمرو فقال: روى عنه أبو إسحاق
الهمداني قوله، وفي لفظ: لا أعرف روى عنه غيرهما وقال ابن نمير: هذا ليس
به قال صاحب عمرو بن مرة: لم يرو عنه إلا عمرو، والذي قال ابن معين
أصح من الذي قال أبو إسحاق هو الهمداني والذي روى عنه عمرو بن مرّة
هو من رهط عمرو بن مرة الجملي المراوي ويقال: الجهني، وقد روى أبو
إسحاق عن عبد الله بن سلمة أبي العالية الهمداني، وقال بعض الكوفيين: هذا
غير الذي روى عنه عمرو بن مرة وبمثله قاله يحيى بن معين وأبو نصر بن
ماكولا وأبو الحسن في كتاب المختلف والمؤتلف، قرأت على المسند المعمر
محمد بن عبد الحميد أخبركم أبو الحسن بن عبد الواحد أنبأ ابن طبرزد أنبأ
أبو البركات/أنبأ أبو القاسم بن حبابة أنبأ أبو القاسم، نا ابن بنت منيع أن
علي ثنا أبو داود قال: كان شعبة يقول: هو ذي أنزعه من عنقي وأضعه في
أعناقكم قد سمعت عمرا يقول: كان ابن سلمة قد كبر فكان يحدثنا فيعرف
وينكر، وأشار أبو محمد الفارسي إلى ضعف هذا الحديث، وقال أبو حاتم: في
كتاب الثقات وذكر ابن سلمة كان يخطىء، وقال أبو عبد الرحمن: يعرف
وينكر. وقال الساجي: كان يهم، ولقائل أن يقول في هذا الكلام ردّ على
الحاكم لزعمه ألا يطعن فيه ويجاب بأن الحاكم أراد طعنا موجبا لردّ حديثه،
وأمّا الحرف فهذا لا طعن، والله أعلم. ولولا قول من قال: أنّ عمر أخذ عنه
هذا الحديث بعد الكبر لكان قول من صحح على قول المضعف أرجح، ويريده
ما رواه الدارقطني موقوفا من حديث أبي العريف قال: كنّا مع علىّ في الرحبة
فخرج إلى أقصى الرحبة، فوالله ما أدرى أهو أحدث أم غائط، ثم جاء فدعا
بكوز من ماء، فغسل كفيه ثم قبضهما إليه، ثم قرأ سورا من القرآن ثم قال:
اقرءوا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة فإن أصابته جنابة فلا ولا حرف " (١) .
_________________
(١) ضعيف جدا. أورده الألباني في ضعيف الجامع (ص ١٥٠ ح/١٠٦٥) وعزاه إلى أبي الحسن بن صخر في " فوائده " عن علي.
[ ٣ / ٧٥٤ ]
رواه عن أبي بكر النيسابوري وأبي على الصفّار ثنا محمد بن عبد الملك
الدقيقي ثنا يزيد بن هارون ثنا عامر بن السمط ثنا أبو العريف به. وفي سنن
البيهقي من حديث عاصم البجلي عن أبي داود الظهري عن عبد الأعلى عن
عامر الثعلبي عن أبط عبد الرحمن سئل علي عن الجنب يقرأ: قال: " لا، ولا
حرف ". فهذا مما يؤكد قول من صحح الحديث ويدلّ أن له أصلا عن عليّ،
والله تعالى أعلم. قال البستي: وقد توهم غير المتبحِّر في الحديث أنّ حديث
عائشة: " كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه " (١) . يعارض هذا وليس
كذلك؛ لأنها أرادت الذكر الذي هو غير القرآن إذ القرآن يجوز أن يُسمى
ذكرا، وكان لا يقرأ وهو جنب ويقرأ في سائر الأحوال، وقال ابن حزم:
وحديث على لا حجة. انتهى الذي قاله بعضهم وقع لنا في حديث عائشة ثنا
وكيع عن سفيان عن هشام عن أبيه عنها أن النبي ﷺ قال: " لا يقرأ الجنب
ولا الحائض شيئا من القرآن " (٢) . رواه أبو عبد الله في تاريخه عن أحمد بن
هارون الفقيه ثنا جعفر بن سهل ثنا الحسين بن يونس ثنا وكيع به، وقال ابن
حزم: وحديث علي لها حجة فيه لمن منع الجنب من القراءة؛ لأنه ليس فيه/
نهي عن القراءة (٣) وإنما هو فعل منه لا يلزم ولا بيّن ﵊. أنه
إنما يمتنع من ذلك لأجل الجنابة، وقال جاءت آثار في نهي الجنب ومن ليس
_________________
(١) انظر: (الضعيفة ح/٢٨٦٣) .
(٢) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (١/٨٣، ١٦٣) ومسلم في (الحيض باب " ٣٠ " رقم " ١١٧ ") وأبو داود (١٨) والترمذي (٣٣٨٤) وصححه. وابن ماجة (٣٠٢) وأحمد (٦/٧٠، ١٥٣، ٢٧٨) والبيهقي (١/٩٠) وأبو عوانة (١/٢١٧) وإتحاف (٦/٢٨٧، ٧/ ١١٠) والكنز (١٧٩٨٠) وشرح السنة (٢/٤٤) والقرطبي (٤/٣١٠) والمشكاة (٤٥٦) ومعاني (١/٨٨، ٩١) والصحيحة (٤٠٦) .
(٣) ضعيف. رواه الترمذي (١٣١) وقال: حديث ابن عمر حديث لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. ورواه ابن ماجة (٥٩٦) والدارقطني (١/١٣١، ١١٧) والعلل (١١٦) . قلت: وعلته إسماعيل بن عياش. وضعفه الشيخ الألباني. (ضعيف الجامع: ص ٩١٨، ح/٦٣٦٤) . انظر الإرواء: ١٦٢.
(٤) في " الأولى " " القمأة " وهو تصحيف، والصحيح " القراءة " كما أثبتناه من " الثانية ".
[ ٣ / ٧٥٥ ]
على طهر عن أن يقرأ شيئا من القرآن، ولا يصح منها شيء، ولو صحت
كانت حجة على من يبيح له قراءة الآية التامة- يعني مالكا- أو بعض
الآية- يعني: أبا حنيفة- لأنها كلها نهى عن القراءة للجنب جملة. حدثنا
هشام بن عمار ثنا إسماعيل بن عياش ثنا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن
عمر قال رسول الله ﷺ: " لا يقرأ القرآن الجنب والحائض ". هذا حديث
إسناده ضعيف لما أسلفناه في إسماعيل لاسيّما وروايته هنا عن المدنيين، ورواه
أبو الحسن القطان عن أبيِ حاتم ثنا هشام به وزاد: " لا يقرأ الجنب والحائض
شيئا من القرآن ". وقال أبو عيسى: لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش
عن موسى بن عقبة وسمعت محمدا يقول: أن إسماعيل يروي عن أهل
الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير، كانه ضعف روايته عنهم فيما يتفرد به،
وقال في العلل: قال محمد: لا أعرفه من حديث ابن عقبة، وقال البزار: وهذا
الحديث لا يعلم رواه عن موسى بن عقبة إلا ابن عباس ولا نعلم يروى عن
ابن عمر من وجه إلا من هذا الوجه، ولا يروى عن النبي ﷺ في الحائض إلا
من هذا الوجه، وفي علل الرازي: سمعت أبي وذكر معنى هذا الحديث فقال:
هذا خطأ إنما هو عن ابن عمر قوله، وفي كتاب المعرفة: وهذا حديث تفرد به
إسماعيل وروايته عن أهل الحجاز ضعيفة لا يحتج بها أهل العلم الحديث وفي
السنن الكبير رواه غيره عن موسى بن عقبة ولا يصح، وفيه ردّ لما قاله في
المعرفة قبل وفي موضع آخر ليس هذا بالقوي، وفي كتاب الخلال عن عبد الله
وذكر هذا الحديث قال أبي: هذا باطل أنكر على إسماعيل- يعني: أنه وهم
من إسماعيل-، ولما رواه أبو أحمد من حديث أبي إسحاق إبراهيم بن العلاء
الزبيدي الحمصي عرف بابن وبريق عن ابن عباس عن عبيد الله- يعني:
العمري- وموسى بن عقبة قال: ليس لهذا الحديث أصل من حديث عبيد الله.
انتهى كلامه. وفيه نظر؛ من حيث أن سعيد بن يعقوب الطالقاني ورواه أبو
الحسن في سننه عن إيراهيم بن محمد ثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم الثقفي
ثنا سعيد به ثم قال: تابعه إبراهيم بن العلاء عن/إسماعيل ورواه عن ابن
عياش كرواية إبراهيم بن العلاء فيما ذكره أبو بكر في الخلافيات الموثق عند
[ ٣ / ٧٥٦ ]
أبي حاتم وغيرها وأمّا قول من قال: لا يروى عن موسى إلا من حديث
إسماعيل، ولا يروى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه، ففيه نظر؛ لما ذكره
الدارقطني في كتاب السنن ثنا محمد بن حمدويه المروزي ثنا عبد الله بن
حماد الأعلى ثنا عبد الملك بن سلمة حدثني المغيرة بن عبد الرحمن عن
موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال ﵊: " لا يقرأ
الجنب شيئا من القرآن ". ثنا محمد بن مخلد ثنا محمد بن إسماعيل الجيشاني
عن رجل عن أبي معشر عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي
ﷺ: " أن الحائض والجنب لا يقرآن من القرآن شيئا ". وقال ابن عبد الواحد
الحافظ: روى بعض الحفاظ هذا الحديث من غير طريق إسماعيل بإسناد لا
بأن به وكأنه- والله أعلم- يريد طريق المغيرة المذكورة أنبأ وأبى ذلك
عبد الحق والبيهقي بقوله روى عن غيره ولا يصح، وأمّا قول البزار ولا يروى
عن النبي ﷺ في الحائض إلا من هذا الوجه ففيه نظر؛ لما أسلفنا من حديث
عائشة قيل والله أعلم، ولم يذكره من حديث جابر بن عبد الله عن النبي
ﷺ قال: " لا يقرأ الحيض ولا الجنب ولا النفساء من القرآن شيئا ". رواه
الدارقطني (١) عن أحمد بن محمد أبي سهل أنبأ أحمد بن على الآباد ثنا أبو
الأشعث على بن الحسن الواسطي ثنا سليمان أبو خالد عن يحيى عن أبي
الزبير عنه وفيه ردّ لما ذكره أبو أحمد هذا ينفرد به محمد بن الفضل بن عطية
وهو متروك عند الجميع، والله أعلم. وفي هذا الباب والذي قبله أحاديث منها
حديث عبد الله ابن رواحة وكان مضطجعا إلى جنب امرأته فقام إلى جارية
في ناحية الحجرة فوقع عليها وفرغت امرأته فلم تجده في مضجعه فقامت
فخرجت فرأته على جاريته فرجعت إلى البيت فأخذت السفرة، ثم خرجت،
وفرغ فقام فلقيها تحمل السفرة قال: وأين رأيتيني؟ قالت: رأيتك على الجارية،
فقال: ما رأيتني وقال: " قد نهانا رسول الله ﷺ أن يقرأ أحدنا القرآن وهو
جنب " قالت: فاقرأ فقال:
_________________
(١) ضعيف. رواه الدارقطني (١/١١٧) .
[ ٣ / ٧٥٧ ]
نهانا رسول الله أن نتلوا كتابه … كما لاح مشهور من الفجر ساطع
/أنا بالهدى بعد العمى فقلوبنا به … وضآت إن ما قال واقع
بين ما في جنبه عن فراشه … إذا استثقلت بالمشركين المناجع
فقال: آمنت بالله وكذبت البصر " ثم غدا " على رسول الله ﷺ فأخبره،
فضحك حتى بدت نواجذه ". رواه الدارقطني (١) عن ابن مخلد نا العباس بن
محمد الدوري ثنا إبراهيم بن قيس بن أحمد الحداد ثنا محمد بن سليمان
الواسع ثنا أبو نعيم ثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة قال:
كان ابن رواحة فذكره وثنا ابن مخلد ثنا القاسم بن خلف ثنا ابن عمار
الموصلي ثنا عمرو بن رزيق عن زمعة عن سلمة عن عكرمة عن ابن عباس
فذكر نحوه هذا متصل لولا ضعف زمعة لكان إسناده لا بأس به على أنّ ابن
معين قال: فيه صويلح، وقال البيهقي: وروى عن ابن عباس عن زمعة كذلك
موصولا وليس بالقوي. قال: وعن عكرمة عن ابن رواحة وليس بالقوى، وقال
عبد الحق: ولا بروى من وجه صحيح يحتج به؛ لأنه منقطع وضعيف، وفي
الاستفتاء أنشدها حين قالت له: " إن الجنب لا يقرأ القرآن فاقرأ:
شهدت بأن وعد الله حق … وإنّ النّار مثوى الكافرينا
وأنّ العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمينا
فقالت له صدق الله وكذبت عيني وكانت لا تحفظ القرآن، قال أبو عمر:
روينا هذه القصة من وجوه صحاح زاد غيره وتحمله ملائكة غلاظ ملائكة
الإله مسبوقينا. وحديث عبد الله بن مالك الغافقي المذكور قبل قال: " أكل
رسول الله ﷺ يوما طعاما، ثم قال: استر علي، فاغتسل فقلت له: أكنت
جنبا يا رسول الله؟ قال: نعم، فأخبرت بذلك عمر فجاء فقال للنبي ﷺ إن
هذا زعم أنك أكلت وأنت جنب، قال: نعم، إذا توضأت أكلت وشربت ولا
أصل ولا أقرأ حتى أغتسل ". رواه البيهقي من حديث محمد بن عمر عن
عبد الله بن سليمان بن أبي سلمة عن ثعلبة بن أبي المنكدر عن عبد الله بن
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ٣ / ٧٥٨ ]
مالك به ثم قال: تابعه ابن لهيعة عن عبد الله بن سليمان. وحديث ابن لهيعة
المشار إليه خرجه الطبراني (١) في الكبير وابن نافع في معجمه وعبد الله بن
وهب/في مسنده وفي كتاب البيهقي من حديث الأعمش عن شقيق عن
عبيدة قال: كان عمر يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب قال: وهو إسناد وصحيح
وفي الخلافيات: من حديث شعبة عن الحكم عن إبراهيم أن عمر كان يكره
أن يقرأ الجنب، قال شعبة: وحدث في صحيفتي والحائض. وحديث أبي
موسى الأشعري قال رسول الله ﷺ " يا علي إنى أرضى لك ما أرضاه
لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقرأ القرآن وأنت جنب، ولا أنت راكع
ولا أنت ساجد، ولا تصل وأنت عاقص شعرك، ولا تذبح بذبح الحمار ". رواه
الدارقطني (٢) من حديث أبي مالك النخعي عبد الملك بن حسين أخبرني أبو
عاصم بن كليب الجرمي عن أبي بردة عن أبي موسى. وحديث علقمة قال:
كنا مع سلمان الخير﵁- في سفر فقضى حاجته، فقلنا له:
توضأ حتى نسألك عن آية من القرآن فقال: سلوني إنى لست أمسه، إنه لا
يمسه إلا المطهرون، فقرأ علينا ما أردناه. خرجه أبو عبد الله في مستدركه (٣)
وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لتوقفه، وقد رواه
أيضا جماعة من الثقات عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد
عن سلمان، وذكر ابن الجوزي: أن بعضهم رفعه ولا يصح. وحديث أنس
قال: " خرج عمر متقلدا السيف، فقيل له: إن حبك واحد قد صبوا، فأتاهما
عمر وعندهما رجل من المهاجرين، فقال: وكانوا أجنابا يقرءون سورة طه،
فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم فاقرؤوه، وكان عمر يقرأ الكتب فقالت
له أخته: إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ، فقام عمر
_________________
(١) ضعيف. رواه الدارقطني (١/١١٩) والكنز (٢٧٤٦٣) والمجمع (١/٢٧٤) وعزاه إلى الطبراني في " الكبير " وفيه ابن لهيعة وهو علته.
(٢) ضعيف. رواه الدارقطني (١/١١٩) وإتحاف (٣/٩٧) وأحمد (١/١٤٦) وعبد الرزاق
(٣) والمشكاة (٩٠٣) والكنز (٤١٨٧٧، ٤٤٠٠٢، ٤٤٠٥٩) وضعفه الشيخ الألباني. ضعيف الجامع (ص ٩٢٨ ح/٦٤٠٠- ١١٩٢) .
(٤) صحيح. رواه الحاكم وصححه.
[ ٣ / ٧٥٩ ]
وتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ طه ". ذكره ابن سعد في الطبقات عن إسحاق
الأرق رواه الدارقطني (١) عن محمد بن عبد الله بن غيلان ثنا الحسن بن
الجنيد وثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي ثنا ابن المأدي ثنا إسحاق
الأزرق ثنا القاسم بن عثمان البصري عن أبيه عن أنس به. ولما ذكر أبو زيد
السهيلي في روضه أشار إلى أنه من أحاديث السير، وقال القشيري: وذكر ابن
إسحاق في قصة إسلام عمر بن الخطاب/أن أخته قالت له: " إنك جنب ولا
يمسه إلا المطهرون "، وهو هكذا معضل وأظنّه في ذلك تبع ابن عبد البر كأنما
لم ينظر إلى كتاب أبي الحسن وابن سعد نقضه اغتساله وكونه بسند صحيح؛
لأنّ عثمان وثّقه أبو حاتم وباقي من فيه لا نسأل عنه، وفي كتاب المعانقة
لمرتضى بن حاتم ثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حصين مشافهة
قال: أذن لي أبو الفتح محمد بن عبد الله عرف بابن النحاس أنبأ أبو الفرح
أحمد بن محمد بن أبي ذهبة ثنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن الرحماني
ثنا أبو بكر محمد بن بكران ثنا يحيى بن عبيد الله، ثنا الفضل بن عبيد الله
الهاشمي، ثنا يوسف بن محمد البغدادي، ثنا أبو عبد الله محمد بن عبيدة
بن جرود حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الملك الأسدي ثنا ناهض بن
سلام ثنا محمد بن سيرين ومحمد بن كعب القرطبي ثنا أبو العباس عبد الله
بن عبد العباس فذكر سلام عمر مطولا، وفي كتاب الدلائل للبيهقي من
حديث أسامة بن زيد عن أبيه عن جدّه أسلم قال: " قال لنا عمر أتحبون أن
أعلمكم كيف كان بدء إسلامي؟.. " الحديث رواه عن الحمامي ثنا محمد بن
عبد الله بن إبراهيم ثنا محمد بن أحمد بن برد ثنا إسحاق الحسنى قال: ذكره
أسامة أنّ الصحيفة كان فيها: سبح لله ما في السموات وما في الأرض، وقد
استوفينا ذلك في كتابنا المسمى بالوهم الباسم في سير أبي القاسم ﷺ ذلك.
وحديث حكيم بن حزام قال: لما بعثني النبي ﷺ إلى اليمن قال: " لا تمس
القرآن إلا وأنت طاهر ". رواه أبو القاسم في الكبير (٢) عن بكر بن نفيل ثنا
_________________
(١) صحيح. رواه الدارقطني: (١/١٢١، ٢/٢٨٥) .
(٢) حسن. رواه الحاكم (٣/٤٨٥) والدارقطني (١/١٢٣) ونصب الراية (١/١٩٨) والكنز
(٣) والطبراني (٣/٢٣٠، ٩/٣٣) والمجمع (١/٢٧٦، ٢٧٧)، وعزاه إلى الطبراني=
[ ٣ / ٧٦٠ ]
إسماعيل بن إبراهيم صاحب القوهي سمعت أبي ثنا سويد أبو حاتم ثنا مطر
الوراق عن حسان بن بلال عنه. ولما خرجه أبو الحسن قال لنا ابن مخلد:
سمعت جعفرا يقول: سمع حسان من عائشة وعمار قيل له: سمع مطر من
حسان؟ فقال: نعم. وحديث ثوبان قال رسول الله ﷺ " لا يمس القرآن إلا
طاهر. والعمرة الحج الأصغر وعمرة خير من الدنيا. وما فيها. ذكره ابن القطان
من رواية علي بن عبد العزيز ثنا إسماعيل بن إسحاق ثنا مسعدة البصري عن
حصيب بن جحدر عن النضر بن شقي عن أبي إنّما الرحبي عنه قال: وهو
إسناد في غاية الضعف./وحديث ابن عمر قال رسول الله ﷺ: " لا يمس
القرآن إلا طاهر " (١) . رواه أبو الحسن عن الحسين بن إسماعيل ثنا سعيد بن
محمد بن سوار ثنا أبو عاصم ثنا ابن جريج عن سليمان بن موسى قال:
سمعت سالما يحدث عن أبيه فذكره وهو سند صحيح، وذلك أن أبا الحسن
ذكر حديثا من رواية سعيد هذا في كتاب الصيام وقال: إسناده صحيح، وذكر
الخطيب أنه روى عنه إسماعيل بن الفضل البلخي وابن ياسين وابن صاعد
ومحمد بن أحمد البوداني وسليمان بن موسى معروف الحال بالفقه، وممن
خرج مسلم حديثه في صحيحه ولما ذكره الجوزجاني في كتابه قال: هذا
حديث مشهور حسن، وقال الطبراني في الصغير: لم يروه عن سليمان بن
موسى إلا ابن جريح ولا عنه إلا أبو عاصم. تفرد به سعيد والله أعلم.
وحديث أبي بكر بن إسحاق الجعفي قال: ذكره أسامة عن أبيه عن جده أن
رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا فكان فيه: " لا يمس القرآن إلا
طاهرا ". رواه الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري ثنا محمد بن علي وثنا
الحسن بن إسماعيل ثنا إبراهيم بن هانىء ثنا الحكم بن موسى ثنا على بن
حمزة عن سليمان بن داود حدثني الزهري عن أبي بكر، ومن هذه الطريق
خرّجه الطبراني وابن عبد البر والبيهقي في شعب الإيمان، وفي الموطأ عن
_________________
(١) = في " الكبير " و" الأوسط "، وفيه سويد أبو حاتم ضعفه النسائي وابن معين في رواية، ووثقه في رواية. وقال أبورعة: ليس بالقوي حديثه حديث أهل الصدق.
(٢) تقدم من أحاديث الباب.
[ ٣ / ٧٦١ ]
عبد الله بن أبي بكر أن في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ لعمرو بن حزم:
" لا يمس القرآن إلا طاهرا ". ورواه أبو الحسن في الغرائب من جهة إسحاق
الطباع ومبشر ابن إسماعيل عن مالك مسندا، ورواه في الخلافيات عن أبي
بكر بن الحرث عن ابن حبان عن محمد بن سهل عن أبي مسعود عن
عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن جده
قال: كذا في كتابه عن جده ولم يذكره غيره عن عبد الرزاق، ومن حديث
إسماعيل بن أبي أويس حدثنى ابن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر عن أمه عن
أبيهما عن جدهما عن النبي ﷺ، فذكره، وهو حديث لو صحح إسناده
لكان بذلك جديرا؛ فإن سليمان بن داود وهو أبو داود الخولاني الدمشقي
حاجب عمر بن عبد العزيز وكان متقدما عنده قال ابن حسان: كان ثقة
مأمونا، وقال الدارقطني:/لا بأس به، وقال البيهقي أثنى عليه أبو زرعة وأبو
حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ، وأبو بكر معروف بالسماع من
أبيه، وأبوه محمد معروف بالسماع من عمرو، وذكره بعضهم في الصحابة
لمولده سنة عشر، ويفهم من حمل قوله عن جده أنه هو، فإن كان صحيحا
فيكون فيه شامة الاتصالِ، ومنهم من حمله على جده الأعلى وهو الصحيح؛
لأنّ في الحديث كان فما أخذ عليه رسول الله ﷺ.. الحديث، والله أعلم.
وحديث إسحاق ابن عيسى الطباع يعضده وإسناده أيضا صحيح لتخريج
مسلم حديثه ولمتابعة مبشر له ويزيد ذلك وضوحا قول عبد الله بن محمد بن
عبد العزيز سمعت أبا عبد الله، وسئل عن حديث الصدقات أصحيح هو؟
قال: أرجو أن يكون صحيحا، وقال أبو عمر بن عبد البر: كتاب عمرو بن
حزم كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة
يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه ليلقى الناس له
بالقبول والمعرفة، وما فيه متفق عليه إلا قليلا ومما يدلك على شهرة كتاب
عمرو وصحته ما ذكره ابن وهب عن مالك والليث بن سعد عن يحيى بن
سعيد عن سعيد بن المسيب، قال: وجد كتاب عند آل ابن حزم يذكرون أنه
من رسول الله ﷺ فيه وفيما هنالك من الأصابع عشر عشر فصار القضاء في
الأصابع إلى عشر عشر.
[ ٣ / ٧٦٢ ]
وقال أبو أحمد: وأما حديث الصدقات فله أصل في بعض ما رواه معمر
عن الزهري عن أبي بكر وأفسد إسناده. وحديث سليمان بن داود مجود
الإسناد، وقال البيهقي والحديث الذي رواه- يعني: سليمان- في الصدقات
موصول الإسناد، وحسن، وقال السهيلي: قد أسند من طرق حسان أقواها
رواية ابن داود عن الزهري وأبي ذلك جماعة من الحفاظ قال الدارقطني: فإنه
لما ذكر حديث سليمان عن الزهري قال: لا يثبت عنه، وقال غير الحكم بن
موسى أنه سليمان بن أرقم، ولما روى النسائي هذا الحديث من طريق يحيى بن
حمزة عن سليمان بن داود ثم رواه من حديث يحيى عن سليمان بن أرقم
قال: هذا أشبه بالصواب، وقال ابن المديني: سليمان بن داود الذي يروى عن
الزهري حديث عمرو في الديات منكر الحديث وضعفه، وقال أبو بكر بن
خزيمة: لا يحتج/بحديثه إذا انفرد، وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى يقول:
الحكم بن موسى ثقة، وسليمان بن داود الذي يروى عن الزهري، حديث
الصدقات والديات مجهول لا يعرف، وفي رواية أبي يعلى عنه سليمان لا
يعرف ولا يصح هذا الحديث. وفي رواية الدارمي عنه: ليس بشيء، وفي رواية
ابن الدورقي عنه: شامي ضعيف. وقال أبو محمد الإشبيلي: والصحيح في هذا
الحديث الإرسال كما رواه مالك وغيره وسليمان ضعيف، وأكثر أهل الحديث
لا يأخذون هذا وأشباهه من الكتب. انتهى كلامهم. فإن كان ما قالوه عن
سليمان صحيحا فطريق إسحاق الطباع بعض على قولهم وتوهنه، والله أعلم.
وحديث معاذ بن جبل قال: قلنا يا رسول الله فقوله: " لا يمسه إلا
المطهرون ". قال: يعني: لا يمس ثوابه إلا المؤمنون. قال: قلنا: فقوله كتاب
مكنون من الشرك، ومن الشياطين ذكره أبو أحمد بن عدى من حديث
إسماعيل بن زياد الموصلي ويقال: أن ابن زياد قال: وهو منكر الحديث، وعامة
ما يرويه لا يتابعه عليه أحد، وقال الجوزجاني هذا حديث باطل لا أصل له.
وذكره ابن الجوزي في كتاب المرفوعات وقال: لا بارك الله فيمن وضعها افتح
هذا الوضع. وحديث عثمان بن أبي العاص قال: كان فيما عهد إلى رسول
[ ٣ / ٧٦٣ ]
الله ﷺ: " ألا تمس المصحف وأنت غير طاهر ". ذه ابن أبي داود في
كتابه عن أحمد بن الحباب الحميري ثنا أبو صالح الحكم بن المبارك الحبشي ثنا
محمد بن راشد عن إسماعيل المكي عن القاسم بن أبي بزة عنه ومحمد بن
راشد وشيخه متكلم فيهما، قال أبو محمد الفارسي: وقراءة القرآن والسجود
فيه ومس المصحف وذكر الله جائز كل ذلك بوضوء وبلا وضوء للجنب
والحائض: برهان ذلك أن هذه أفعال خير مندوب إليها أما جواز فعليها فمن
ادعى المنع منها في بعض الأحوال كلف أن يأتي البرهان، ويعد قول ربيعة
وابن المسيب وابن عباس وسعيد بن جبير وقول داود وجمع أصحابنا، وأما
مس المصحف فإن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه فإنه لا يصح
فيها شيء؛ لأنها إما مرسلة وإما ضعيفة لا يستر، وإما عن مجهول وإما عن
ضعيف، والصحيح حديث ابن عباس عن أبي سفيان أنه كان عند هرقل
فجيء/بكتاب النبي ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم كسرى فدفعه إلى
هرقل فقرأه فإذا فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى
هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنى أدعوك بدعاية
الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليكم إثم
الأرمسيين ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا
الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا
فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (١) . بهذا النبي ﵊ قد بعث
كتاب فيه قرآن إلى البصري وقد اتقن أنهم يمسون ذلك الكتاب فإن ذكروا
حديث ابن عمر: " كان نبي الله ﷺ ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو
مخافة أن يناله العدو " فهذا حق يلزم اتباعه وليس فيه أن لا يمس المصحف
جنب ولا كافر، وإنما فيه أن لا ينال أهل الحرب القرآن فقط، فإن قالوا إنما
بعث النبي ﷺ إلى هرقل بآية واحدة قيل لهم ولم يمنع ﵇ من غيرها
وأنتم أهل قياس فإن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها فلا تقيسوا على
_________________
(١) راجع القصة في " البداية والنهاية ".
[ ٣ / ٧٦٤ ]
هذه الآية غيرها، فان ذكروا قوله يقال: لا يمسه إلا المطهرون، فلا حجة فيه؛
لأنه ليس أمرا وإنما هو خبر والرب تعالى لا يقول إلا حقا، ولا يجوز أن
يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا ببصر جلى أو إجماع متيقن، فلما رأينا
المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر علمنا أنه ﷿ لم يعِنِ المصحف وإنما
عنا كتابا آخر كما جاء عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: (لا يمسه إلا
المطهرون) قال: الملائكة الذين في السماء. وكان علقمة إذا أراد أن يتخذ
مصحفا أمر نصرانيا فنسخه له. وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يحمل الجنب
المصحف بعلاقة وغير المتوضئ عندهم كذلك. وأبي ذلك مالك إلا إن كان
خرج أو يموت، وقال: فلا بأس أن يحمله اليهودي والنصراني والجنب وغير
الطاهر، قال أبو محمد: وهذه تفاريق لا دليل على صحتها، والله أعلم. وقد
أسلفنا ما يرد هذا القول وأن المرسل أسند والضعيف قوي والحمد لله وحده
لذلك، وفي المحيط يكره للجنب من كتب التفسير والسنن والفقه لعدم خلوها
عن آيات من القرآن، وفي فتاوى السمرقندي يكره للجنب/والحائض أن يكتبا
كتابا فيه آية، لأنه مس القرآن. وفي مسند الدارمي أنبأ عبيد الله بن موسى
وأبو نعيم قالا: حدثنا ابن عمرو عن ابن أبي مليكة أن عائشة ﵂:
" كانت ترقى أسماء وهى عارك " (١) وفي تفسير عبد بن حميد ثنا عبيد الله
بن موسى عن أبي جعفر عن الربيع بن أنس لا يمسه إلا المطهرون، قال:
الملائكة هم المطهرون من الذنوب ثنا يونس عن شيبان عن قتادة لا يمسه إلا
المطهرون، قال: ذاكم عند رب العالمين لا يمسه إلا المطهرون الملائكة، فأما
عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس وفي الروض المطهرون في هذه
الآية: هم الملائكة، وهو قول مالك في الموطأ واحتج بالآية الأخرى التي في
سورة عبس، ولكنهم وإن كانوا الملائكة فمع وصفهم بالطهارة مقرونا بذكر
_________________
(١) صحيح. رواه الدارمي في: كتاب الطهارة، ١٠٣- باب الحائض تذكر الله ولا تقرأ القرآن، (ح/ ٩٩٦) . قوله: " عارك "، أي: حائض.
[ ٣ / ٧٦٥ ]
المس يقتضى أن لا يمسه إلا طاهر اقتداء بالملائكة المطهرين فقد تعلق الحكم
بصفة التطهر، ولكنّه حكم مندوب إليه وليس محمولا على الفرض، وكذلك
ما كتب به النبي ﷺ لعمرو بن حزم ليس على الفرض أيضا وإن كان
الفرض فيه أتى منه في الآية؛ لأنه جاء بلفظ: النهي عن مسه على غير طهارة
ولكنه في كتابه إلى هرقل دليل على ما قلناه، وقد خالف أبو ثور وطائفة ممن
سلف منهم ابن عيينة وابن أبي سليمان إلى إباحة مسه على غير طهارة، ومما
يقوى إن المطهرين في الآية هم الملائكة إنه لم يقل المتطهرون إنما قال:
المطهرون، وفرق ما بين المتطهر والمطهر وذلك أن المتطهر: من فعل الطهور
وأدخل نفسه فيه، كالمتفقه الذي يدخل نفسه في الفقه وكذلك المتفعل في
أكثر الكلام أنشد سيبويه وقيس بن غيلان ومن بقيا. فالآدميون متطهرون إذا
تطهروا، والملائكة مطهرون خلقة، والآدميات إذا طهرت متطهرات، قال تعالى:
(فإذا تطهرن) والحور العين مطهرات قال تعالى: (لهم أزواج مطهرة)
وهذا فرق بيّن والمصطفي ﵊ متطهر ومطهر ولله الحمد
والمنة. قال ابن المنذر: ورخص بعض من كان في عصرنا للجنب والحائض في
مسّ المصحف والدنانير والدراهم التي فيها ذكر الله تعالى، قال:/ثبت أن
النبي ﷺ قال: " المؤمن لا ينجس ". وفي كتاب المعرفة: قال مجاهد وأنس بن
مالك: المطهرون: الملائكة. وقال أبو عبد الله الحليمي: إّنما أتى بالملائكة إلى
مسّ ذلك الكتاب؛ لأنهم مطهرون والمطهر: هو الميسّر للعبادة والمرض لها فثبت
أن المطهر من الناس هو الذي ينبغي له أن يمس المصحف، والمحدث ليس
كذلك؛ لأنه ممنوع من الصلاة والطواف والجنب والحائض ممنوعان منها ومن
قراءة القرآن؛ فلم يكن لهم حمْل المصحف ولا مسّه، وفي شرح السنة قول
أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم لا يجوز للجنب ولا للحائض قراءة
القرآن وهو قول الحسن، وفيه قال سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد
وإسحاق وجوّز عكرمة للجنب قراءة القرآن وجوّز مالك للحائض قراءة القرآن
لأنّ زمن حيضها قد يطول فتمس القرآن. وقال مالك: لا يحمل المحدث
[ ٣ / ٧٦٦ ]
المصحف بعلاقته ولا على وسادة إلا وهو طاهر وجوز الحكم وحماد وأبو
حنيفة: حمله ومسه، وقال أبو حنيفة: لا يمس الموضع المكتوب. وكان أبو وائل
يرسل شارعة وهي حائض إلى أبي رزين لكتابة المصحف فيمسكه بعلاقته،
وكذلك رأي الشعبي. والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى
آله وسلم.
تم الجزء المبارك من كتاب
الإعلام بسنته ﵊
تأليف الإمام العالم العلامة المتقن المحقق مغلطاي
تغمّده الله تعالى برحمة منه وكرمه آمين
وحسبنا الله ونعم الوكيل، يتلوه في السفر الذي يليه
باب: تحت كل شعرة جنابة، والحمد لله رب العالمين
[ ٣ / ٧٦٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم