حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حماد بن خالد عن العمرى عن عبيد الله
عن القاسم عن عياش عن النبي ﷺ قال: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فرأى
بللا ولم ير أنّه احتلم اغتسل، وإذا رأى أنه احتلم ولم ير بللا، فلا غسل
عليه " (١) . هذا حديث خرجه أبو عيسى (٢) عن أحمد بن منيع ثنا حمّاد بن
خالد بلفظ: سئل النبي ﷺ عن الرجل يجد بللا ولا يذكر احتلاما، قال:
يغتسل ". وعن الرجل يرى أنه قد احتلم فلم يجد بللا قال: " لا غسل عليه "،
قالت أم سلمة: يا رسول الله، هل على المرأة ترى ذلك غسل؟ قال: " نعم إن
النساء شقائق الرجال " (٣) . وقال: إنما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر
وعبد الله ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث، ولماّ ذكره
الطوسي في أحكامه ضعفه بعبد الله العمرى، وكذلك ولما رواه أبو القاسم في
الأوسط عن حديث مقدام بن داود عن أبي الأسود عن عروة والقاسم بن
محمد عنها قال: لم يروه عن القاسم إلا عبيد الله بن عمرو/أبو الأسود فتفرد
عن عبيد الله آخره عبد الله وعن أبي الأسود وابن لهيعة انتهى وهو كلام
مخلص الترمذي؛ لأنّ بعضهم اعترض عليه برواية الأسود ولا يصلح ذلك؛
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة في: ١. كتاب الطهارة، ١١٢. باب من احتلم ولم ير بللا، (ح/ ١١٢) . وصححه الشيخ الألباني.
(٢) إسناده ضعيف. رواه الترمذي في: أبواب الطهارة، ٨٢- باب ما جاء فيمن يستيقظ فيرى بللا، ولا يذكر احتلاما، (ح/١١٣) . قال أبو عسى: وإنما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر عن عبيد الله بن عمر: حديث عائشة في الرّجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما. وعبد الله بن عمر ضعّفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث. وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين: إذا استيقظ الرجل فرأى بله أن يغتسل. وهو قول سفيان الثوري وأحمد. وقال بعض أهل العلم من التابعين: إنّما يجب عليه الغسل إذا كانت البلة بلة نُطفة. وهو قول الشافعي وإسحاق، وإذا رأى احتلاما ولم ير بلة فلا غُسل عليه عند عامة أهل العلم.
(٣) حسن. رواه أبو داود (ح/ ٢٣٦) وأحمد في " مسنده " (٦/٢٥٦) .
[ ٣ / ٨١٧ ]
لأنّ قوله تفرد به عبيد الله عن أخيه صحيح، ولو كان قال: تفرد به عبد الله
مطلقا لجاء عليه الاعتراض هذا والله تعالى أعلم، قال أبو عمر في الاستذكار:
وقد روى هذا المعنى يعني: وجد أنّ الماء في النوم ملخصا من أخبار الآحاد
العدول مرفوعا، ورواه عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة بلفظ: " إنما
النساء شقائق الرجال "، ولما ذكره الإشبيلي ردّه بالعجري المتقدّم الذكر، ثم
قال: وهذا اللفظ: إنّما النساء شقائق الرجال، وروى من حديث أنس بن مالك
إسناد صحيح، وقد روى ذلك أبو الحسن من فعله، وقال: والحديث المشار إليه
ذكره البزار فقال: ثنا عمر بن الخطاب ثنا محمد بن كثير ثنا الأوزاعي عن
إسحاق بن عبد الله عن أنس: جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت:
" يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام؟! فقالت أم سلمة فضحت
النساء يا أم سليم فقال: إذا رأت ذلك فلتغتسل فقالت أم سلمة: وهل للنساء
من ماء؟ قال: نعم إنّما من شقائق الرجال " (١)، قال: وهذا حديث قد رواه
جماعة عن أنس، ولا يعلم أحد جاء بلفظ إسحاق عن أنس انتهى كلامه وفيه
نظر؛ من حيث تقديره كلام أبي محمد على صحة هذا الحديث ولا صحة
به؛ لأن راويه محمد بن كثير بن أبي عطاء الصغاني الثقفي مولاهم المصيصي
قال أبو جعفر العقيلي: هو من صنعاء دمشق، وقال أبو محمد بن الأكفاني:
هو من مصيصة دمشق وأنكر ذلك بعض العلماء وإن/كان الحسن بن الربيع
قال: هو اليوم أوثق الناس، وكان يكتب عليه ابن معين فقال: كان
صدوق (٢)، وفي رواية: ثقة وقال ابن سعد لشابا بالشّام ونزل المصيصة وكان
ثقة، وذكره ابن حبّان من الثقات وقال: يخطىء ويغرب. وقال صالح بن
محمد: حزرة هو صدوق كثير الخطأ فقد قال فيه البخاري: لين جدا وضعّفه
أحمد وقال: بعث إلى اليمن وأتى بكتابه فرواه، وقال عبد الله بن أحمد:
ذكره أبي فضعّفه جدا، وضعّف حديثه عن معمر جدا وقال: هو منكر
_________________
(١) صحيح. رواه مسلم في (الحيض، ح/٣١٠) والنسائي (١/١١٢، باب غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل) والدارمي (ح/٧٦٤) وأبو عوانة (١/٢٩٠) .
(٢) قوله: " صدوق " وردت " بالأصل " " صدرة " وهو تحريف، والصحيح ما أثبتناه.
[ ٣ / ٨١٨ ]
الحديث، أو قال: يروى أشياء منكرة، وقال عبد الرحمن: سئل أبي عنه، فقال.
دفع إليه كتاب الأوزاعي من حديث كان مكتوبا ثنا محمد بن كثير فقرأه إلى
آخره يقول: ثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي وهو محمد بن كثير المصيصي،
وأنّه حدّثه عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس قال: نظر النبي ﷺ إلى أبي بكر
وعمر … الحديث فقال: كنت اشتهي أن أرى هذا الشيخ، والآن لا أحب أن
أراه؛ ولذلك قاله علي بن المديني في علله الكبرى، وقال ابن سعد: ويذكرون
انه اختلط في آخر عمره، وقال ابن عدي: له روايات عن معمر والأوزاعي
خاصة لا يتابعه عليها أحد، وقال العقيلي: وقد حدث معمر بمناكير لا يتابع
منها على شيء، وذكره أبو العرب في كتاب الضعفاء له، وقال ابن سعد:
توفي في أواخر سنة ست عشرة ومائتين في خلافة عبد الله بن هارون؛ ولذا
قاله الحافظ أبو يعقوب القراب بعد تضعيفه وزاد السبع عشرة مضت من ذى
الحجة زاد البخاري يوم السبت، وبنحوه ذكره ابن قانع في تاريخه ويعقوب بن
سفيان، وخالف أبو داود فقال: حكاه الآجري مات سنة ثمان عشرة أو سبع
عشرة، قال: ولم/يكن يفهم الحديث فتبيّن بهذا صحة ما قلناه والله تعالى
أعلم، قال أبو سليمان الخطابي: ظاهر الحديث يوجب الاغتسال إذا رأى
البلّة (١)، وإن لم يتيقّن أنّه الماء الدافق، وروى هذا القول عن جماعة من
التابعين منهم: عطاء والشعبي والنخعي وقال أحمد بن حنبل: أعجب أبي أن
يغتسل الرجل به، وقال أكثر أهل الأدب: لا يجب عليه الاغتسال؛ حتى يعلم
انه بلل الماء الدافق، واحتجوا أن يغتسل من طريق الاحتياط، ولم يختلفوا أنّه
إذا لم ير الماء وإن كان قد رأى في النوم أنّه أحتلم فإنه لا يجب عليه
الاغتسال، وقوله: النساء شقائق الرجال. عليه الاغتسال وقوله: " النساء شقائق
الرجل " أي: الظاهر هم وأمثالهم في الخلق والطباع فكأنهن تنقض من الرجال
ولا قد خلقت من آدم ﵇، وفيه من الفقه إثبات القياس، وإلحاق
حكم النظر بالنظير وأنّ الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطابا للنساء، وفيه
ما دل على فساد قول أهل الظاهر: أنّ من اعتق شركا له في جارية بينه وبين
_________________
(١) قوله: " البلْة " بكسر الباء وتشديد اللام: الندوة وضبطها البعض بفتح الباء، وهو لحن.
[ ٣ / ٨١٩ ]
شريكه وكان موسرا؛ فإنه لا يقوم عليه نصيف شريكه ولا يعتق الجارية؛ لأنّ
الحديث إنّما ورد في العبد دون الأمة، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٨٢٠ ]