حدثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدى قالا:
ثنا/سفيان عن ثابت بن هرمز أبي المقدام عن عدىّ بن دينار عن أم قيس بنت
محصن قالت: سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب قال:
" اغسليه بالماء والسدر وحكيه ولو بضلع " (١) . هذا حديث خرجه أبو حاتم في
صحيحه عن محمد بن عمر الحمداني عنه، وقال: قوله ﵇: " اغسليه
بالماء " أمر فرضي، وذكر السدر والحك بالضلع أمر ندب وإرشاد، وقال أبو
الحسن ابن القطان: وهو حديث في غاية الصحة، وعاب على أبي مُحمد
قوله: الأحاديث الصحاح ليس فيها ذكر الضلع والسدر، قال: وهو قد يفهم
منه أنّ حديث أم قيس هذا يروى على وجهين: أحدهما: فيه ذكر الضلع
والسدر، والآخر: لا يذكر ذلك فيه وهي الطرق الصحيحة، والوجه الآخر: أنّ
الأحاديث الصحاح من غير روايتها ليس منها ذلك، فلو كان الأول كان مال
الحديث بالاضطراب وترجيح أحد روايته على الأخرى وإذ كان الوجه الثاني
فذلك لا يكون تضعيفا له إذا صح طريقه فاعلم إلا أن إنه إنما يعني هذا الوجه
أعني: أنّ غيره من الأحاديث كحديث أسماء ليس فيه ذلك، وحديث أم
قيس المذكور مثبت اللفظ صحيح الإسناد، ولا أعلم له علّة، والعجب أنه أورد
قبله حديث ابن إسحاق عن فاطمة بنت المنذر، وهو عنى ما أنكر عليه زوجها
هشام فلم يقل أبو محمد فيه شيئا بل سكت عنه، ثم ذكر هذا بعده، وهو
أحق بأن يصحح فلم يبال: وقال فيه: ما ذكرناه والله تعالى أعلم، ولما ذكره
عبد الحق في الكبير أتبعه عدي: لا أعلم روى عنه إلا ثابت، وقد وثقة
النسائي فكان يلزم أبا الحسن ألا يصححه كما فعل في حديث عمرو بن
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/ ٦٢٨)، والدارمي (١/٢٤٠)، وابن حبان (ح/ ٢٣٥)، وعبد الرزاق (١٢٢٦) وابن خزيمة (٢٢٧)، والحلية (٧/١٢٣)، والكنز (٢٧٢٨٣) . وصححه الشيخ الألباني. (الإرواء: ١/١٩٧) . غريه: قوله: " ولو بضلع " أي: بعود وهو في الأصل واحد أضلاع الحيوان. أريد به العود المشبه به.
[ ٣ / ٨٦٣ ]
نجدان ونظائره لكونهم لم يرو عنهم/إلا واحد، وإن كان قد وثّق كما سبق،
والله أعلم، ولفظ العسكري في كتاب الصحابة حليه بضلع واسقيه ماء
وسدر "، وفي لفظ: قال عبد الرحمن- يعني ابن مهدي- الحل مثل الغسل.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو خالد الأحمر عن هشام بن عروة عن
فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سئل رسول الله ﷺ عن
دم الحيض يكون في الثوب قال: " اقرضيه واغسليه وصلى فيه " (١) . هذا حديث
خرجه الأئمة الستة في كتبهم، ولفظ البخاري سألت امرأة النبي ﷺ فقالت:
يا رسول الله أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيض كيف تصنع؟
قال: " إذا أصاب إحداكن الدم من الحيض فلتقرضه ثم لتنضحه ثم لتصل
فيه " (٢) . ولفظ مسلم (٣) " يصيب ثوبها من دم الحيضة قال: تحته ثم لتقرضه
بالماء ثم تصلي فيه "، وفي لفظ لأبي داود (٤): من حديث محمد بن إسحاق
تصلى فيه: " قال: تنظر: فإن رأت فيه دما فلتقرضه بشيء من ماء، ولتنضح ما
لم ير ولتصلي فيه ". وفي لفظ حبيبة: " ثم اقرضيه بالماء ثم انضحيه "، وزعم في
الفرد أنه حديث تفرد به أهل المدينة، وفي لفظ الترمذي (٥): " اقرضيه بماء ثم
رشيه " ولفظ ابن خزيمة (٦): " كيف تصنع بثيابها التي كانت تلبس، يقال: إن
رأيت منها شيئا فلتحكه ثم لتقرضه شيء من ماء، وتنضح في سائر الثوب ماء
وتصلي فيه "، وفي لفظ: إن رأيت فيه ماء فحكِّيه "، وفي لفظ: " ثم رشي
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/٦٢٩) ونصب الراية (١/٢٠٧) وابن أبي شيبة (١/٩٥) . وصححه الشيخ الألباني. غريبه: قوله: " اقرضيه " من القرض. وهو أن تقبض بإصبعين على الشيء ثم تغمز غمزا جيدا. وفي النهاية: القرض الدلك بالأصابع، مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره. (٢-٣-٤) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري في (الحيض، باب ٣٠٠ "، والوضوء، باب " ٦٣ ") ومسلم في (الطهارة، ح/١١٠) وأبو داود في (الطهارة، باب " ١٣٠ "، ح/٣٦٠) .
(٢) صحيح. رواه الترمذي في: أبواب الطهارة، ١٠٤. باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب، (ح/١٣٨) . وقال: " هذا حديث حسن صحيح ".
(٣) صحيح. رواه ابن خزيمة: (٢٧٦) والدارمي (١/١٩٧، ٢٣٩) . وصححه الشيخ الألباني. (الصحيحة: ١/٥٣٩) .
[ ٣ / ٨٦٤ ]
وصلى فيه "، وفي لفظ: " تنضحيه وتصلى فيه "، ولفظ أبي نعيم: " لتحكه ثم
لتقرضه بالماء، ثم لتنضحه، ثم لتقرضه بالماء، ثم تنضحه، ثم لتصلى فيه " (١) .
حدثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث/عن
عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: " إن
كانت إحدانا لتحيض ثم لتقرض الدم من ثوبها عند طهرها فتغتسله وتنضح
على سائره ثم تصلى فيه ". هذا حديث تفرد ابن ماجة (٢) به موقوفا وإسناده
صحيح، وفي الصحيحين (٣): " ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإن
أصابه شيء من دم بلّته بريقها ثم تضعه بظفرها "، وفي كتاب أبي داود (٤)
بسند فيه ضعف: يغسله فإن لم يذهب أثره فليقرضه بشيء من صفرة قالت:
كنت أحيض عند النبي ثلاث حيضات جميعا لا أغسل لي ثوبا ". ورواه
الدارمي في مسنده بسند جيّد، وفي لفظ لأبي داود: " أخذ النبي ﷺ الكساء
فلبسه، ثم خرج يصلي الغداة، ثم جلس: فقال رجل: يا رسول الله هذه لمعة
من الدم، فقبض إلى يأتليها فبعث بها إلي مصروره في يد الغلام، فقال:
اغسلي هذه وأجفّيها ثم أرسلي بها إلي "، فقلت: فجاء رسول الله ﷺ نصف
النهار وهي عليه " (٥) . وحديث أبي هريرة: أنّ خولة بنت يسار أتت النبي ﷺ
فقالت: يا رسول الله: ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه، قال: " فإذا
طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلى فيه، قالت يا رسول الله: إن لم يخرج
_________________
(١) صحيح. رواه أحمد (٦/٣٤٥)، والبيهقي (١/١٣) وأبو عوانة (١/٢٠٦) .
(٢) صحح. رواه ابن ماجة في: ١. كتاب الطهارة ١١٨١. باب في ما جاء في دم الحيض يصيب الثوب، (ح/٦٣٠) . وصححه الشيخ الألباني.
(٣) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري في (الحيض، باب " ٩ ") ومسلم في (الطهارة، ح/١١٠) وأبو داود (ح/٣٥٨) والترمذي (ح/١٣٨) . وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقد اختلف أهل العلم في الدم يكون على الثوب فيصلى فيه قبل أن يغسله. ومالك في (الطهارة، ح/١٠٣) .
(٤) حسن. رواه أبو داود في: ١. كتاب الطهارة، ١٣٠. باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها، (ح/٣٥٧) .
(٥) حسن. رواه أبو داود في: ١. كتاب الطهارة، ١٤٠. باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب، (ح/٣٨٨) .
[ ٣ / ٨٦٥ ]
أثره؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره ". ورواه الإمام أحمد (١)، وفي تاريخ
ابن أبي خيثمة في الأوسط: ثنا أبو داود وثنا علي بن ثابت عن الوازع بن
نافع عن ابن سلمة عن خولة بنت يسار قالت: قلت: يا رسول الله، ست
جعله من مسنده، وفي كتاب الطبراني عن يحيى بن إسحاق عن عثمان بن
أبي شيبة ثنا علي بن ثابت الجوري عن الوازع عن أبي سلمة/عن خولة بنت
حكيم فذكره والله أعلم، والوازع تركه جماعة منهم النسائي، وحديث امرأة
من غفار قالت: أردفني رسول الله ﷺ على حقيبة رحله قالت: فوالله لتركب
رسول الله ﷺ أتى الصبح فأناخ ونزلت عن حقيبة رحله، وإذا بها دم منى،
وكانت أول حيضة حضتها قالت: فتقبضت إلى الناقة أو استحييت، فلما
رأيت رسول الله ﷺ يأتي ورأى الدم قال: مالك لعلك نفست، قلت: نعم.
قال: " فأصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء واطرحي فيه ملحا، ثم
اغسلي ما أصاب الحيضة من الدم، ثم عودي لمركبك ". قالت: فلما أفتح
رسول الله ﷺ خيبر رضخ لنا من الفئ، قالت: وكانت لا تطهر إلا جعلت
في طهورها ملحا، وأوجبت به أن يجعل في غسلها حتى ماتت " (٢) . أنبأ به
أبو الحسن بن الصلاح رحمه الله تعالى بقراءتي عليه، ثم الحافظ أبو علي
البكري، أنبأ أبو عبيد الله محمد بن محمد بن عاصم أنبأ الشيوخ أبو طاهر
روح وأبو الفضل بن عباس أنبأ أبو الرجاء الداري وأبو سعيد محمد بن
عبد الواحد قالوا: أنبأ الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن مندة-
رحمه الله تعالى- بجميع كتاب المردفين، قال: أنبأ أبو الحسن على بن محمد
ابن على بن محمد السيرافي ثنا القاضي أبو عبد الله أحمد بن إسحاق بن
حرمان النهاوندي ثنا محمد بن عبد الرزاق، نا سليمان ثنا محمد بن عمرو
_________________
(١) صحيح. رواه أحمد (٣٦٤، ٣٨٠) والبيهقي (٨/٤٠٢) والفتح (١/٣٣٤) والإرواء (١/ ١٨٩) والصحيحة (ح/٢٩٨) .
(٢) حسن. رواه أبو داود (ح/٣١٣) والبيهقي (٢/٤٠٧) وبداية (٤/٢٠٤) . غريبه: قوله: " حقيبة " بفتح الحاء المهملة هي كل ما شد في مؤخْر رحل أو قتب، والرحل: هو المركب للبعير، وهو أصغر من القتب، وقال ابن الأثير: الحقيبة: هي الزيادة التي تجعل في مؤخر القتب.
[ ٣ / ٨٦٦ ]
الرازي ثنا سلمة- يعني ابن فضيل- ثنا محمد يعنى ابن إسحاق عن سليمان
ابن سحيم عن آمنة بنت أبي الصلت عنها، قال ابن منده: وأنبأ محمد بن
أحمد بن محمد بن عبد الرحيم أنبأ عبد الله بن محمد المقري ثنا ابن أبي
عاصم، ثنا أحمد بن محمد بن مبارك/ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ثنا أبي
ثنا ابن إسحاق عن سليمان بن سحيم عن آمنة بنت أبي الصلت الغفارية
قالت: أتيت النبي ﵇ في نسوة من بنى غفار فقلنا: يا رسول الله قد
أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا، وهو يسير إلى خيبر. فنداوي الجرحى
ونعين المسلمين ما استطعنا فقال: " على بركة الله " فخرجنا معه، وكنت جارية
حديثة السنن، فأردفني ﵇ على حقيبة راحلته "، واعترض ابن القطّان
على سكوت أبي محمد عنه وإبرازه من إسناده منه بقوله، ولم يتقدّم له فيها
شيء ولا يعرف لها غير هذا، ولا هي مذكورة في غيره، وزعم بعضهم: أنها
آمنة بنت الحكم كان الحكم اسم لأبي الصلت، وأنها أم سليمان كذا قاله أبو
الوليد بن الفرض في كتابه، ولم يحصل بهذا كله في حدّ من يحتج برواية،
وضبط اسمها آمنة بألف مطولة قبلها همزة مفتوحة وميم مكسورة بعدها نون،
وكذا وقع ذكرها في سير ابن إسحاق وكتاب أبي داود، وخالف في ضبط
اسمها أبو بكر بن ثابت فقال في كتابه التلخيص، باب الفرق بالتذكير
والتأنيث مع الاتفاق في الحروف، فذكر في هذا الباب: أمية بن أبي الصلت
الشاعر وآمنة بنت أبي الصلت هذه، وروى حديثها المذكور من عند ابن
إسحاق، ثم من طريق الواقدي بزيادة أم علي بن أبي الحكم في نفس الإسناد
بين سليمان بن سحيم وأمية المذكورة، ثم جعله من روايتها عن النبي ولم
يذكر الجارية إلا أنها صاحبة القصة فكان أمية على رواية الواقدي صحابية،
وشيء من هذا لم يثبت، ولو جهدت جهدك لم تجد فيه إلا ما قلناه من أنّها
مجهولة، وكذلك الغفارية المذكورة ليس ينبغي أن يقبل قولها عن نفسها أنها
صحابية، كما لا تقبل قول أحد عن/نفسه أنه ثقة والله تعالى أعلم. انتهى
كلامه وفيه نظر من وجوه: الأوّل: قوله: ولا يعرف لها غير هذا، ولا أنها
مذكورة في غيره وليس كذلك؛ لأنّ ابن عبد البر ذكر أنّ لها حديثا عن النبي
ﷺ غير هذا في القدر رواه عنها ابنها سليمان، الثاني قوله: أنّها مجهولة،
[ ٣ / ٨٦٧ ]
مردود بأمرين: الأوّل: برواية اثنين عنها، سليمان ابنها، وأمّ علي الثاني: كونها
صحابية (١) معروفة بالصحبة، قال النسوي: أمية بنت قيس أبي الصلت الغفارية
لها صحبة، وهي ممن بايعت النبي﵊-، وكذا ذكرها
البلاذري في تاريخه وابن حبان والدارمي في أنسابه، ولما ذكرها ابن سعد في
الطبقات الكبرى، قال: أسلمت وبايعت بعد الهجرة، وشهدت مع النبي-
﵊- خيبر، وزاد في حديثها بعد قولها: وصح لنا من الفئ
ولم يسهم لنا وأخذ هذه القلادة التي في عنقي وأعطانيها وعلقها بيده في
عنقي، فوالله لا تفارقني أبدا، فكانت في عنقها حتى ماتت وأوصت أن تدفن
معها.
الثالث: قوله: اسمها كذلك وقع في سير ابن إسحاق، والذي رأيت في
السير بخط عبد الله بن ربيع الحافظ شيخ أبي محمد بن حرام مضبوطا بياء
مثناة من تحت، وقد كتب أحمد بن دراح العطلى في الحاشية عن آمنة- يعني
بنون- وفي نسخة أخرى بخطه أمية بن أبي الصلت من غير تسمية، وكذا هو
في نسخة أخرى مغربية جيّدة الضبط قديمة بياء مثناة من تحت، وكذا هو في
كتاب الإكليل لأبي عبد الله الحاكم النسخة التي عليها خطّه وقرأها عليه
البيهقي وغيره من العلماء، الرابع: قوله في الغفارية إنّها مجهولة لا يقبل قولها
عن نفسها غير جيد؛ لأنها صحابية معروفة الصحابة، والاسم سماها السهيلي
ليلى،/قال: ويقال: هي امرأة أبي ذر فلئن كانت ليلى فقد روى عنها غير آمنة
وهو برئ من القسم الثعلبي فيما ذكره أحمد بن أبي خيثمة في تاريخه وأبو
القاسم في معجمه الكبير، وقال أبو حاتم البستي في كتاب الصحابة: وشرطه
ذكر من روى دون غيرهم ليلى الغفارية كانت تغزو مع النبي ﷺ ولما
ذكرها أبو عمر في استيعابه بنحوه زاد راويا آخر وهو محمد بن القاسم
الطائي، وذكر لها حديث غير المذكور، وهو قول النبي- عليه الصلاة
والسلام- لعائشة: " هذا علي بن أبي طالب أوّل النّاس إيمانا " ولئن كانت امرأة
أبي ذر، فلا حاجة لنا إلى تعريفها لشهرتها الخامس: ترك إعلاله الحديث
_________________
(١) قوله: " صحابية " غير واضحة " بالأصل " وكذا أثبتناه.
[ ٣ / ٨٦٨ ]
بدخلو على بين سليمان وأمه إذ هي مجهولة العين والحالة، وأظنّه إنما ترك ذاك
لكونه جاء على لسان بن أبي سيرة وهو ممن لا يعتمد على قوله ولو كان ثقة
لكان إعلاله الحديث بهذه العلّة حسن، وليس لقائل أن يقول سليمان ثقة
مجمع عليه، وروى عن أمه وليس مدلسا فلا اعتبار ممن أدخل بينهما راويا
لاحتمال أن تكون ماتت وهو صغير كما جرى (١) لأبي عبيدة بن عبد الله
وغيره، أو يكون سمع منها ولم يسمع هذا بعينه فسمعه عنها هذا إذا صرّح
بالسماع منها، وهنا فلم يصرح به والله تعالى أعلم، السادس: قوله أنّ الغفارية
صاحبة القصة، وقد قدمنا عن ابن مندة أنها هي صاحبتها لا غيرها وهذا كلّه
مشيا على مذهبه، وما استلزمه وإلا فلنحن في غنية عن هذا جميعه؛ لأنّ من
كان مذكورا في كتب الصحابة كفينا مؤنته سواء شهد له التابعي بالصحبة أو
لم يشهد له، وسواء روى عنه واحد أو أكثر، هذا هو المعمول عليه والجاري،/
وأمّا إعراض المنذري عن كلّ من تقدّم ذكره وتضعفيه لحديث محمد بن
إسحاق فغير حسن؛ لأنه ممن لا يضعف به الأحاديث لا سيّما هو فإنّه فعل
ذلك في غير حديث صححه أو سكت عنه، وهو من روايته وأحيانا ينبّه عليه
فما أدرى ما يوجب ذاك وليس بقائل أن يقول العلة بصحته بما عضده من
متابعات وشواهد؛ لأنّه لم يقل ذلك ولو قاله ما قبل منه إلا بإبرازه ذكر ذاك
لكي يعلم هل المتابع أهل لذلك أم لا، هذا هو الاصطلاح ولسنا من يحسن
الظن به أو الحرص في إبرازه ولا صدوره والله تعالى أعلم، وحديث الحسن
عن أبيه عن أم سلمة: " أنّ إحداهن يتبعها القطرة من الدم فإذا أصاب إحداكن
ذلك فلتنفثه برقيها ". رواه الدارمي (٢) من حديث أبي بكر الهذلي وهو ضعيف
وفي الأوسط (٣) لأبي القاسم من حديثه عن أحمد بن زهير ثنا علي بن
السكن ثنا محمد بن ربيعة العلائي ثنا المنهال بن خليفة عن خالد بن سلمة
_________________
(١) قوله: " جرى " سقطت من " الأصل " وكذا أثبتناه.
(٢) قوله: " الدارمي " والحديث الذي رواه بإسناده سقط من " الأصل " إلا كلمات بسيطات، وعليها أتممنا لفظ الحديث.
(٣) صحيح. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٨٢) وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط " ورجاله موثقون.
[ ٣ / ٨٦٩ ]
عن مجاهد عنها قالت: " كانت إحدانا تحيض في الثوب وإذا كان يوم طهرها
غسلت ما أصابه ثم صلت فيه، وإنّ إحداكن اليوم تفرغ خادمها فتغسل ثوبها
يوم طهرها ". لم يروه عن مجاهد إلا خالد تفرد به المنهال، ورواه ابن خزيمة
في صحيحه عن أحمد بن أبي شريح الرازي أنبأ ابن أحمد ثنا المنهال بلفظ،
وقيل لهما: " كيف كنتن تضعن ثيابكن إذا أطمثت على عهد النبي ﷺ
قالت: " إنّ كنا لنطمث في ثيابنا أو في دروعنا فما نغتسل منه لا أثر ما أصابه
الدم " الحديث. غريبه، قوله: تضلع بضاد معجمة، قال ابن الأعرابي: الضلع
العود هاهنا، وقال الأزهري: الأصل ضلع الجنب، ويقال للعود الذي فيه عرض
واعوجاج ضلع شبيها / بالضلع، وفي ديوان الأدب: في باب فعل بكسر بالفاء
وفتح العين الضلع واحد الأضلاع والضلع أيضا الجبيل (١) المنفرد، وأنبأ ابن
سيده فقال: هو الجبيل الصغير الذي ليس بالطويل: وقيل: هو جبل مسروق
طويل وقيل: هو الحبل مشد وأمّا قول القشيري في روايتنا يخطئ من جهة
ابن حيوة عن النسائي بصلع بالصاد المهملة، وفي الحاشية: الصلع بالصاد
المهملة المجرد وقع في مواضع بصاد معجمة ولعلّه تصحيف؛ لأنه لا معنى
يقتضى تخصيص الضلع وأمّا الحجر فيحتمل أن يحمل ذكره على غلبة الوجود
واستعماله في الحك فيشبه أن يكون وهما انتهى ما ذكرنا قبل يوضح ذلك،
ويبين أنّه غير مصحف والتصحيف ما أجده وبخط غير معروف ولعلّه إن صحّ
كون الصلع بضم الصاد المهملة، وذلك أنّ أبا نصر حكى في صحاحه
والصلاع بالضم والتشديد العريض من الصخرة الواحدة، وكذلك الصلع لأنه
مقصود منه، وقال الأصمعي: الصلع الذي لا ينبت وأصله من صلع الرأس،
وكذا ذكره ابن سيدة في محكمه، وفي الجامع: والضلع الحجر والذي في
الحديث رقاع يصلح، قيل: هو الحجر، وقيل: هو الأرض التي لا تنبت فتعيّن
أن المرتع للكاتب ما فسر به هذا الحديث هنا فيوهمه هناك أيضا، وليس
صحيحا؛ لأنّ عامة الأصول إنما فيها ضلع بالمعجمة كما سبق فإنه ليس بالضلع
الذي هو العظم والله تعالى أعلم أما قوله اقرضيه، قال أبو موسى المديني-
_________________
(١) قوله: " الجبيل " غير واضحة " بالأصل " وكذا أثبتناه.
[ ٣ / ٨٧٠ ]
رحمه الله تعالى- يعني ادلكيه بأطراف أصابعك وأظفارك مع صب الماء حتى
يذهب أثره وقرضه إذا قبضته بإصبعك على جلده ولحمه فأملنه وقصوصه
شتمته وتناولته باللسان، وقال المرى: سألته امرأة عن دم الحيض قرصة بالماء
أي/قطعة، قال المنذري: وقد روى مخففا ومثلا ومعناهما واحد قوله حبسته
بتاء مثناه من فوق معنى الحك والقشر والحيض أصله عند اللغويين السيلان،
يقال: حاض الوادي إذا سال، قال الأزهري: وغيره الحيض جريان دم المرأة في
أوقات معلومة مرضية رحم المرأة بعد بلوغها، ومخرجه عقب الدم، يقال:
حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ومحاضا: فهي حائض كذا ذكره أبو
العباس في صحيحه وفي الصحاح: يالها قال الشاعر:
* كحائضة يرى بها غير طاهر *
وفي كتاب السبكي عن كتاب الراعي: هو اجتماع فرج المرأة، وفي شرح
الصحيح الترمذي: سمى بذلك تشبيها بالحيض وهو ماء أحمر يخرج من شجر
السمر يقال من ذاك حاضت السمرة، وفي المحكم يجمع على حيض
وحوائض، ويقال: امرأة طامث بالمثلثة والمثناة وطامث ودارس وعارك وضاحك
وضاحك وكابر ومعصر ونافث وطامي بالهمزة بمعنى واحد، حكاه الهروي
والقاضي أبو بكر بن العربي وغيرهما، وذكر الجاحظ في كتاب الحيوان: أنّ
الأرنب يحيض، وكذلك الخفاش واختلف النّاس في أول من حاض فزعم
بعضهم: أنّ أوّل ما كان على بنى إسرائيل ورد لقول النبي ﷺ: " هذا شيء
كتبه الله على بنات آدم " (١) وقال تعالى: (وامرأته قائمة فضحكت) قال قتادة
وغيره: حاضت.
_________________
(١) صحيح. رواه مسلم في (الحج، ح/١٢٠) والفتح (١/٤٠٠) .
[ ٣ / ٨٧١ ]