/حدثنا محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد ثنا محمد بن جعفر وابن أبي
عدى عن شعبة عن الحكم عن عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس عن النبي
ﷺ: " في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال يتصدّق بدينار أو بنصف دينار ".
هذا حديث لما رواه أبو داود (١) قال: هكذا الرواية الصحيحة دينار أو نصف
دينار، وربما لم يرفعه شعبة ثنا عبد السلام بن مطهر نا جعفر يعنى سليمان عن
علي بن الحكم البناني عن أبي الحسن الجزري عن مقسم عن ابن عباس قال:
" إذا أصابها في الدم فدينار وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار ". قال أبو
داود (٢) وكذلك قال ابن جريج عن عبد الكريم عن مقسم، وعنه من حديث
شريك عن خصيف عن النبي ﵇: " إذا وقع الرجل بأهله وهي حائض
فليتصدق بنصف دينار " (٣) . وكذا قال علي بن بذيمة عن مقسم عن النبي ﷺ
مرسل، وروى الأوزاعي عن يزيد بن أبي مالك عن عبد الحميد بن عبد الرحمن
عن النبي﵊- قال: " امرأتان تتصدق بخمس دينار يعنى
معضلا " (٤)، ولما خرجه النسائي في عشرة النساء فيما ذكره ابن عساكر، وجه
المزي ولم أره في المكان المذكور من المختار الكبير، قال شعبة: أمّا حفظي
فمرفوع، وقال: فلأنّ فلان لا يرفعه، وخرجه أيضا عن الحسن الزعفراني عن
محمد عن الصباح عن إسماعيل بن زكريا عن عمرو بن قيس عن الحكم بن
مقسم عن ابن عباس قال: " واقع رجل امرأته وهي حائض الحديث … " /، وفي
لفظ إن كان الدم غبيطا، وفي كتاب الحيض لأحمد قال أبو عبد الله: لم
_________________
(١) حسن. رواه أبو داود في: ١. كتاب الطهارة، ١٠٥. باب في إتيان الحائض، (ح/٢٦٤) . قال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة قال دينار أو نصف دينار، ورّبما لم يرفعه شعبة.
(٢) حسن. رواه أبو داود في: ١. كتاب الطهارة، ١٠٥. باب في إتيان الحائض، (ح/٢٦٥) . قال أبو داود: وكذلك قال ابن جريج عن عبد الكريم عن مقسم.
(٣) المصدر السابق: (ح/٢٦٦) .
(٤) المصدر السابق.
[ ٣ / ٨٩١ ]
يرفعه عبد الرحمن ولا بهذا عن شعبة، وفي السنن للبيهقي في إسناده أبي
عبد الله قال أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه: جملة هذه الأخبار مرفوعة
وموقوفة يرجع إلى عطاء العطار وعبد الحميد وأبي أمية وفيهم نظر، وأمّا قول
البيهقي: وقيل عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس موقوفا فإن كان
محفوظا فهو من قول ابن عباس يصح ففيه نظر؛ لأنّ إسناده عنده صحيح
رواه عن أبي بكر القاضي عن أبي العباس الأصم عن محمد بن إسحاق
الصنعاني عن أبي الجواب عن الثوري عنه، وأبو الجواب حديثه في صحيح
مسلم. وفي كتاب للجوزقاني وذكره من حديث الوليد بن مسلم حدثنى
عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن علي بن بذيمة سمعت سعيد بن جبير
يحدّث عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: " ضعيف نسمته هذا " (١) . حديث منكر
تفرد به عبد الرحمن وهو ضعيف جدا، وفي كتاب الحلال قال أحمد: لو
صح الحديث عن النبي ﷺ كُنّا نرى عليه الكفارة، قيل له: في نفسك منه
شيء؟ قال. نعم؛ لأنه من حديث فلان أظنه قال عبد الحميد: وقيل:
عبد الرحمن بن مهدى قيل لشبعة: إنك كنت ترفعه قال: إنى كنت مخبوبا
فصححت، ولما سأل ابن أبي حاتم أباه عنه قال: اختلفت فيه الرواية، ولم
يسمعه الحكم من مقسم، وسمعت أبا زرعة يقول: لا أعلم قتادة روى عن
عبد الحميد شيئا ولا عن الحكم، وقال أبو سليمان الخطابي: وقال أكثر
العلماء: لا شيء عليه وليستغفر الله، وزعموا: أنّ هذا الحديث مرسلا وموقوفا
على ابن عباس، ولا يصح متصلا مرفوعا، والذمم بريئة إلا أن تقوم الحجة
بشغلها،/وقال ابن المنذر: هذا حديث في سنده اضطراب، فإن ثبت قلنا به
وإن لم يثبت قلنا به وإن لم يثبت لم يقل به، وقال عبد الحق في الكبرى: لا
يصح، ولما ذكره في الوسطى عاب على أبي عيسى قوله روى موقوفا على ابن
_________________
(١) ضعيف جدا. أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١/٢٨٢) من حديث ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أصبت امرأتي وهي حائض فأمره رسول الله ﷺ أن يعتق نسمة، وقيمة النسمة يومئذ دينار. قال الهيثمي: ورواه الترمذي وغيره خلا عتق النسمة وعزاه إلى الطبراني في " الكبير " وفيه عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وهو ضعيف.
[ ٣ / ٨٩٢ ]
عباس، ولم يتعرض لضعفه وهو لا يروى بإسناد يحتج به، وقد روى فيه
يتصدق بخمس دينار وعند أبي داود: " يعتق نسمة " (١)، قال: وفيه النسمة
يومئذ دينار ولم يخص في إتيان الحائض، وما من دم ذكره النسائي عن ابن
عباس عن النبي ﷺ ولا يصح في إتيان الحائض إلا التحريم، ولما ذكره أبو
محمد من حديث مقسم عن ابن عباس: " إن كان الدم غبيطا فدينار وإن كان
فيه صفرة نصف دينار ". ردّه؛ بأنّ مقسما ليس بالقوى فسقط الاحتجاج به،
ومن جهة شريك عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا: " فتصدّق
بنصف دينار "، ثم قال خصيف وشريك كلاهما ضعيف، ومن جهة الأوزاعي
عن يزيد أبي مالك عن عبد الحميد بن عبد الرحمن مرسلا يتصدّق بخمسي
دينار ردّه بالإرسال ورده البيهقي بالانقطاع، ومن جهة عبد الكريم أبي المخارق
قال: وهو حديث باطل، ومن جهة عبد الملك بن حبيب ثنا أصبع ابن الصّرح
عن الشعبي عن زيد بن عبد الحميد عن أبيه أنّ عمر وطئ جارية له فإذا بها
حائض فقال له النبي ﷺ " تصدق بنصف دينار " (٢) . وحديث عبد الملك
أيضا عن المكفوف عن أيوب بن حوط عن قتادة عن ابن عباس مرفوعا:
" فليتصدق بدينار أو بنصف دينار "، ثم قال كيف بهذا سقوطا كونهما من
رواية عبد الملك كيف وفيهما غيره، أما الشعبي فلا تدرى من هو وضع ذلك
_________________
(١) صحيح. رواه الترمذي: أبواب الحيض، ١٠٣. باب ما جاء في الكفّارة في ذلك، (ح/ ١٣٧) . وقال: حديث الكفارة في إتيان الحائض قد رُوى عن ابن عبّاس موقوفا ومرفوعا. وهو قول بعض أهل العلم. وبه يقول أحمد، وإسحاق. وقال ابن المبارك: يستغفر ربه، ولا كفّارة عليه. وحديث ابن عباس هذا في كفّارة إتيان الحائض قد روى بأسانيد كثيرة، وبألفاظ مختلفة، واضطربت فيه أقوال العلماء جدا. وقد وجدت له نحوا من خمسين طريقا أو أكثر، وذكرها مفصلة يطول بها الأمر كثيرا. ومداره في أكثر الأسانيد على مقسم مولى ابن عباس عن ابن عباس. وهو الجادة في روايته. ورواه بعضهم من طريق عكرمة عن ابن عباس، وليس بالثبت، لضعف رواته عن عكرمة وقد يكون هذا شاهدا فقط لحديث مقسم. قلت: ورواية الترمذي: " ليس بها غبيطا " وبلفظه: رواه الدارمي (ح/١١١١) .
(٢) ضعيف. جامع المسانيد: (١/١٠٩٦) . قلت: به من لا يعرف.
[ ٣ / ٨٩٣ ]
فهو مرسل، وأمّا المكفوف فلا يعرف من هو وابن حوط/ساقط، ومن حديث
الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن علي بن بذيمة عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا: " يعتق نسمة "، ورد بأن رواية غير الوليد
موسى بن أيوب وهو ضعيف، وكذلك ابن جابر قال: فسقطت جمع الآثار
في هذا الباب. انتهى كلامه وفيه نظر: من حديث بن عبد الملك: ثم بابن أبي
المخارق، وإن كان له في ذلك سلف وهو ما رواه روح بن عبادة عند الطبراني
عن سعيد بن أبي عروبة عن عبد الكريم بن أبي أمية كما قاله أبو الوليد
الوتيتني وغيره من أنه الجزري لا ابن أبي المخارق والله تعالى أعلم، وقال أبو
عمر بن عبد البر: وهذا حديث مضطرب، ولا تقوم بمثله حجة، وقال الشافعي
﵀: فإن أتى رجل امرأته حائضا أو بعد ولية الدم ولم يغتسل
فليستغفر الله تعالى ولا يعد، وقد روى فيه شيء لو كان ثبتا أخذنا به، لكنه لا
يثبت مثله، وفي المعرفة لأبي بكر: وذكر حديث مقسم فاعله لوقف شعبة له
ورواية شريك بقوله وكان شريكا شكّ في رفعه، ورواية عبد الكريم أبي أمية
تارة عن مقسم وتارة عن عكرمة وأبو أمية لا يحتج به، ورواه يعقوب بن
عطاء وهو لا يحتج به عن مقسم عن ابن عباس مرفوعا ورواه عطاء بن
عجلان، وهو ضعيف موقوفا يتصدّق بدينار وإن لم يجد بنصف دينار، وكذا
رواه علىّ بن الحكم البناني عن أبي الحسن الجذري عن مقسم عن ابن عباس،
وضعّف ابن القطّان حديث خصيف به، ولما ذكر أبو الفرج: حديث ابن عباس
في تحقيقه، ضعفه، وقال الغزالي: هو حديث ضعيف، وقال الشيخ محى الدين
رحمه الله تعالى وذكره: هذا حديث ضعيف باتفاق الحفاظ، ولما ذكره أبو
الحسن في كتاب الغرائب قال: غريب من حديث عمرو بن/ قيس الملائي عن
الحكم عن عبد الحميد تفرد به عمر بن شهيب، وقد روى عن جماعة من
السلف ما يؤذن بأنه غير صحيح منهم الشعبي، وسئل عن فاعل فقال: ذنب
أتاه ليستغفر الله ويتوب إليه ولا يعود، وقال جبير: ذنب أتاه وليس عليه كذا
رواه، وقال القاسم: يعتذر إلى الله ويتوب، وقال عطاء: يستغفر الله وليس عليه
شيء، وكذا قاله ابن أبي ملكية، وعن أبي قلابة أن رجلا أتى أبا بكر فقال:
[ ٣ / ٨٩٤ ]
رأيت في المنام كأني أقول قال: تأتى امرأتك وهي حائض؟ قال: نعم قال: اتق
الله ولا تعدو عن ابن سيرين، وسئل عن ذلك قال: يستغفر الله تعالى، وقال
إبراهيم: ذكره الدارمي في مسنده (١) قال ابن المنذر به، وقال عطاء ومكحول
والزهري وأبو الزناد وربيعة وحماد بن أبي سليمان وأيوب ومالك والليث
والثوري والنعمان ويعقوب، وأما المصححون فالإمام أحمد بن حنبل في رواية
أبي داود عنه أنه قال: ما أحسن حديث عبد الحميد في كفارة الحيض، قيل
له: تذهب إليه؟ قال: نعم، وفي رواية الميموني عنه عبد الحميد ولى الكوفة
لعمر بن عبد العزيز والفاسي قديما قد حملوا عنه وليس به بأس، وقال الحربي:
هذا الحديث اختلف فيه أصحاب شعبة فرفعه يحيى وغندر ومعاذ ووهيب وابن
أبي عد ووثقه وكيع وابن مهدى، وحكى عنه ابن مهدى كتب في رفعه
كالمجنون، فصححت أنّى رجعت إلى الفاقة، فإن ذلك من قول شعبة صحيحا،
فكأنه رجع عن رفعه وبعض، يريد عبد الحميد ورفعه وبعض روح أيضا
عبد الحميد وافقه، وجعل مكان مقسم عكرمة، وعبد الحميد هو ابن أخي عمر
ابن الخطاب، أمّه: ميمونة بنت وهبة، ولاه عمر بن عبد العزيز الكوفة، وكان
أبو الزناد كاتبه، وكان من أحسن الناس وجها روى عنه بكر بن الأشج وزيد
ابن أبي أنيسة وغيرهما، وأمّا حديث/حماد بن الجعد عن قتادة عن الحكم
عن عبد الحميد عن مقسم، وحديث ابن أبي عروبة عن قتادة عن الحكم عن
عبد الحميد عن مقسم لم يذكر عبد الحميد والحكم يوجب أن يكون القول
قول حماد بن الجعد؛ لأنّه زاد قال: واختلف أصحاب الحكم، فرفعه إسماعيل
ابن مسلم وسفيان بن حسين ورقية ووثقه الأعمش والمسعودي وأبو عبد الله
الشعرى وابن أبي ليلى وخالد، وأرسله خصيف فكان اتفاقه في هذا الحديث
أثبت عندي، واختلف أصحاب خصيف، فرفعه شريك وإسرائيل، وأوقفه ابن
سعيد ومعمر، وأرسله الثوري وابن جريج، وقول حماد عن عكرمة وهم بيّن
فالحكم يوجب أن يكون القول قول شريك وإسرائيل، واختلف أصحاب
عبد الكريم، فكان ممن وثقة ابن عيينة وأبان وحجاج وأبو جعفر وابن جريج
_________________
(١) المصدر السابق للدارمي: (ح/١١١٢) . قلد وهذا حديث صحيح.
[ ٣ / ٨٩٥ ]
وأرسله أبو الأحوص، فالقول قول من رفعه لكثرتهم، وعبد الكريم هذا غيره
أوثق منه، وأمّا حديث علي بن الحكم والثوري عن علي بن بذيمة عن مقسم
فأسده علي بن الحكم، وأرسله الثوري، ولما ذكره أبو جعفر في شرح المشكل
وذكر بعده حديث عمر أنه كانت له امرأة تكره الجماع فوقع عليها وهي
حائض فقال له النبي ﷺ: " تصدق بخمس دينار " (١) . قال: والأحاديث
الأولى أولى من هذا البيت رواتها ولتجاوزهم في المقدار، ولما ذكره الحاكم من
حديث مسدد ثنا يحيى عن شعبة عن الحكم مرفوعا ولفظه: " بدينار أو نصف
دينار " (٢) . قال: هذا حديث صحيح فقد احتجا جميعا بمقسم، فأما عبد الحميد
فمأمون ثقة وشاهده ودليله ما ثناه علي بن حماد ثنا إسماعيل بن إسحاق
القاضي ثنا عبد السلام بن مطهر ثنا علي بن جعفر بن سليمان عن على بن
الحكم البناني عن أبي الحسن الجزري عن مقسم عن ابن عباس قال:/ " إذا
أصابها في الدم فدينار وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار " (٣) . قد أرسل
هذا الحديث وأوقف أيضا، ونحن أصلنا الذي أصلناه أنّ القول قول الذي
يسنده، ويصل إذا كان ثقة، وذكره أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم الجوزقاني
الحافظ في باب صحاح الأحاديث ومشهورها، وكذلك ابن الجارود في منتقاه،
وقال ابن أبي داود في كتاب الطهارة: هذه سنة تفرد بها أهل المدينة
وعبد الحميد من ولد عمر بن الخطاب ثقة مأمون، وفي كتاب حرب الكرماني
قيل لإسحاق أو قال قائل: كيف يتصّدق بدينار ونصف دينار، قيل له في
ذلك في حديث ابن عبدة بيان ما سألت حيث قال: " إن كان الدم غبيطا
فدينار وإن كان فيه صفرة فنصف دينار فخمس دينار على قدر رقّة الدّم
وغلظه " (٤) . وربّ طهارة من بعده، وفرق بينهما من لا يغلط ولا يسهو، فمن
_________________
(١) صحيح. رواه الدارمي في: الوضوء١١٢. باب من قال: عليه الكفارة، (ح/١١١١٠) .
(٢) المصدر السابق: (ح/١١٠٦) ولفظه: " عن ابن عباس، في الذي يأتي امرأته وهي حائض يتصدق بدينار. أو نصف دينار ". شك الحكم. قلت: وهذا حديث صحيح.
(٣) صحيح. رواه الدارمي في: كتاب الوضوء " ١١٢. باب من قال: عليه الكفارة، (ح/١١٠٨) .
(٤) تقدم من أحاديث الباب.
[ ٣ / ٨٩٦ ]
رغب عن هذه السنة الصحيحة فقد أخطأ، وينبغي للمسلم إذ جاءه مثل هذا
وأشباهه عن النبي﵊- وأصحابه من سعده أن يقبله
بقبول حسن، وقال الحافظ أبو الحسن ابن القطان رحمه الله تعالى: وأمّا
زعمهم أن متن الحديث بالجملة لا بالنسبة إلا رواية راو بعينه مضطرب وذلك
عندي خطأ من الإعلال، والصواب هو أن ينظر رواية، وكل راو بحسبها
ويعلم ثنا يخرج عنه فيها فإن صح من طريق قبل، ولو كانت له طرق أخرى
ضعيفة، وهم إذا قالوا هذا روى فيه بدينار وروى بنصف دينار فباعتبار صفات
الدم، وروى باعتبار أوّل الحيض وأخره، وروى بخمس دينار وروى بعتق نسمة
والتحقيق لا يضرّه، ونحن نذكر الآن كيف/هو صحيح بعد أن قال يحتمل
قوله دينارا ونصف دينار ثلاثة أمور، أحدها: أن يكون تخييرا، ويبطل هذا بأن
يقال: إنّما يصح التخيير بين شيئين، أمّا من فعل الشيء أو بعضه فمحال أو
حكم التخيير أن يكون بين شيئين أو أشياء حكما واحدا، فإذا خيرّ من الشيء
بعضه كان بعض أحدهما متروكا بغير يدك، والأمر الثاني: أن يكون شكا من
الراوي، والثالث: أن يكون باعتبار حالتين وهذا هو الذي يتعين منها، وننبه بأن
عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب اعتمده أهل الصحيح، منهم
البخاري ومسلم، ووثّقه النسائي والكوفي وبحق له، فقد كان محمود السيرة
في إمارته على الكوفة لعمر ضابطا لما يرويه ومن دونه في السند لا يسأل
عنهم، ويستنكر على سمعك من بعض المحدّثين أنّ الحديث في كفارة من أتى
حائضا لا يصح فليعلم أنّ لا عيب له عندهم إلا الاضطراب زعموا، فمِمّن
صرح بذلك أبو علي بن السكن قال: هذا حديث مختلف في إسناده ولفظه،
ولا يصح مرفوعا ولم يصححه البخاري وهو صحيح من كلام ابن عباس
انتهى، فيقول: والرجال الذين رووه مرفوعا ثقات، وشعبة إمام أهل الحديث قد
ثبت في رفعه إيّاه، فمن رواه عنه مرفوعا يحيى القطّان وناهيك به وغندر، وهو
أخصّ النّاس به، ورواه سعيد بن عامر عن شعبة فقال: عن الحكم عن
عبد الحكيم عن مقسم عن ابن عباس قوله شعبة، أما فمرفوع وقال: فلان
وفلان إنه كان لا يرفعه فقال له بعض القوم: نا بسطام ثنا بحفظك ودعنا من
[ ٣ / ٨٩٧ ]
فلان وفلان، فقال: والله ما أحب لي حديث بهذا أو سئلت أو أن عمرت في
الدنيا عمر نوح ﵇ في قومه، فهذا غاية التثبت أو أن أوثّق أهل
الأرض فخالفه/فيه فوقفه على ابن عباس كان ما إذا لبس إذا روى الصحابي
حديثا عن النبي ﷺ يجوز له بل يجب عليه أن يتقلّد مقتضاه فيقضى (١) به،
هذا قوة للخير لا توهين له فإن قلت: فكيف بما ذكر ابن السكن ثنا يحيى
وعبد الله بن سليمان وأوهم قالوا: ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا شعبة
بالإسناد المقدّم مثله موقوفا، وقال رجل: إنّك كنت ترفعه قال لي كنت مجنونا
فصححت، قلنا: نظن أنه لما أكثر عليه في رفعه إيّاه يؤتى رفعه لا لأنه موقوف
لكن أبعاد الثقة عن نفسه، وأبعد من هذا الاحتمال أن يكون شك في رفعه
في ثاني حال موقفه، فإن كان هذا فلا يبالى أيضا بل لو نسي الحديث بعد أن
حدّث به لم يضرّه، فإن أبيت إلا أن يكون شعبة رجع عن رفعه، فاعلم أنّ
غيره من أهل الثقة والأمانة قد رواه عن الحكم مرفوعا، كما رواه شعبة فيما
تقدّم وهو عمرو بن قيس الملائي قال فيه عن الحكم ما قال شعبة من رفعه إيّاه
إلى أن لفظ فأمره أن يتصدّق بنصف دينار ولم يذكر دينارا، وذلك لا يضرّه
فإنّه إنّما حكى قصة معينة قال فيه: " واقع رجل امرأته وهي حائض فأمره النبي
ﷺ أن يتصدّق بنصف دينار ". ذكره النسائي (٢) فهذه حال يجب فيها
نصف دينار وهو مؤكد لما قلناه من أن دينار أو نصف دينار إنما هو باعتبار
حالين لا تخيير وشك، ورواه أيضا مرفوعا هكذا عن عبد الحميد بن
عبد الرحمن عن قتادة وهو من هو قال النسائي أنا حشيش بن أصرم ثنا روح
وعبد الله بن بكر ثنا ابن أبي عروبة عن قتادة عن عبد الحميد به مرفوعا،
بدينار أو بنصف دينار، إلا أنّ الأظهر في هذه الرواية أنه شك من الراوي في
هذه القضية بعينها فهذا شأن حديث مقسم،/وإن تقدّم عنه فيه وقفا وإرسالا
وألفاظا أخر لا يصح منها شيء غير ما ذكرناه، وأمّا ما روى عن خم دينار
_________________
(١) قوله: " فيقضى " غير واضحة " بالأصل " وكذا أثبتناه.
(٢) صحيح. رواه النسائي في: الطهارة، باب (١٨٢) ما يجب على من أتى حليلته في حال حيضتها (١/١٥٣) .
[ ٣ / ٨٩٨ ]
أو عتق نسمة فما منها شيء يقول عليه فلا يعتمد في نفسه ولا يطعن به على
حديث مقسم، والله تعالى أعلم. انتهى كلامه. وفي قوله ابن حزم مقسم ليس
بالقوى فسقط الاحتجاج به نظر؛ لأنه من حديث في الصحيحين على سبيل
الاحتجاج وأثنى عليه غير واحد من الأئمة، وفي قول الدارقطني: تفرد به عمر
بن شبيب يعنى عن الملائي نظر لما أسلفناه من كتاب النسائي، وأما قول ابن
السكن فمردود؛ بأن البخاري لم يخرج ولم يصحح كل حديثه وقال:
أسقيت كتابي من مائة ألف حديث صحيحة، وإنما خرجت هنا ما أجمعوا
عليه فلا حجة إذا في عدم تصحيح البخاري له، وأمّا قول النووي فمردود بما
قدّمنه أيضا، وأما ما أعله به أحمد فمعارض بما تقدم ولعله ظهر له ذاك بعد
وأمّا تضعيف الجوزقاني؛ فلرواية خاصة بدليل ما ذكره بعد، ويؤكد صحته قول
جماعة من السلف به منهم الحسن قال: " عليه عتق رقبة أو عشرين صاعا
لأربعين مسكينا " (١)، وقال عطاء: " يتصدق بدينار " (٢)، وفي رواية: " بنصف
دينار " (٣)، وقال الأوزاعي " بخمس دينار "، ذكره الدارمي (٤) وزاد ابن المنذر
وقتادة وإسحاق والنخعي وسعيد بن جبير وهو قول محمد بن الحسن وأحمد
بن حنبل، وفي كتاب الماوردي قال أصحابنا: ولو اعتقد مسلم صار كافرا
مرتدا فإن فعله ناسيا أو جاهلا بتحريمه أو بوجود الحيض أو مكرها فلا إثم
عليه ولا كفارة، وإن تعمّدا الموطئ عالما بما سبق فقد ارتكب كبيرة يجب
عليها التوبة، وفي وجوب الكفارة قولان للشافعي رحمه الله تعالى: وليشبه أن
يكون خطره ذلك لما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن/أبي هريرة قال
_________________
(١) صحيح. رواه الدارمي في: الوضوء، باب " ١١٢ "، (ح/١١١٧)، قلت: " ولم يذكر فيه أو عشرين صاعا لأربعين مسكينا ".
(٢) صحيح. المصدر السابق: (ح/١١١٨) .
(٣) حسن. رواه الترمذي (ح/١٣٦)، وأبو داود (ح/٢٦٤)، والنسائي (١/١٥٣. كتاب الطهارة، باب ما يجب على من أتى حيلته في حال حيضها. والدارمي (ح/ ١١٠٩) انظر تعليق الشيخ شاكر على الترمذي ١/٢٤٤ - ٢٤٥. فقد أطال في تصحيحه وأجاد.
(٤) صحيح. رواه الدارمي في: الوضوء باب " ١١٢ " كحل/١١١٠) .
[ ٣ / ٨٩٩ ]
﵇: " من وطئ امرأة وهي حائض فقضى بينهما ولد فأتى به جزام فلا
يلومن إلا نفسه " (١) . قاله أبو القاسم في الأوسط ولم يروه عن الزهري إلا
الحسن بن الصلت من أهل الشّام تفرد به محمد بن أبي السدى.
_________________
(١) ضعيف رواه أبو للعباس الأصم في " حديثه " (ج ٢ رقم ١٤٧)، والطبراني في " الأوسط " (١/ ١٦٩/ ١) وابن عدي في الكامل " ٤/١٤٥٤)، والمجمع (٤/٢٩٩) . والحديث أعله الهيثمي (٤/ ٢٩٩) ببكر. وضعفه النسائي وقال الذهبي: " قد حمل النّاس عنه وهو مقارب الحديث ". وضعفه الشيخ الألباني. (ضعيف الجامع: ح/٧٥٧) .
[ ٣ / ٩٠٠ ]