حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد ثنا وكيع عن هشام بن عروة
عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها وكانت حائضا: " انقضي شعرك
واغتسلي " (١)، وقال علي في حديثه: " انقضى رأسك" (٢) . هذا حديث تقدم
ذكره، وأن إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو في مسند العربي مطولا:
لأخرجنا مع النبي ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة جميعا، قالت: فقدمت
بمكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى
النبي ﷺ فقال: " انقضي رأسك ". وهو في الصحيح أيضا، حدثنا محمد بن
بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن إبراهيم بن مهاجر سمعت صفية تحدّث
عن عائشة أنّ أسماء سألت رسول الله ﷺ عن الغسل من الحيض، فقال:
" تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب على رأسها
فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شئون رأسها ثم تصب عليها الماء ثم تأخذ
فرصة من مسكة فتطهر بها "، قالت أسماء كيف أتطهر بها قالت عائشة:
كأنها تخفي ذلك تتبعي بها أثر الدم. قالت/وسألت عن الغسل من الجنابة،
فقال: " تأخذ إحداكن ماءها فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ في الطهور حتى
تصب الماء على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شئون رأسها ثم تفيض الماء على
جسدها. فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن
في الدّين ". هذا حديث خرجاه في صحيحيهما (٣) وفي لفظ مسلم: " أن
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/٦٤١)، وابن أبي شيبة (١/٧٩)، والكنز (٢٧٧٦٢) . وصححه الشيخ الألباني. الصحيحة (١٨٨)
(٢) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (١/٨٦، ٢/١٧٢، ٣/٤، ٥/٥/٢٢١)، ومسلم في (الحج، ح/١١١، ١١٣)، وأبو داود في (المناسك، باب " ٢٣ ")، والنسائي (٥/١٦٦)، وابن ماجة (٦٤١)، وفيه " شعرك "، وأحمد (٦/١٦٤، ٢٤٦)، والبيهقي (١/١٨٢، ٤/٣٤٦، ٣٥٣، ٠٥/١٥)، وشرح السنة (٧٨١)، وشفع (٩١٢٢)، وتجريد (٤١)، وحبيب (٢/١٤)، والموطأ
(٣) ، وتمهيد (٨/١٩٨، ٢٠٣، ٢٠٤، ٢١٥، ٢٢٥)، وابن خزيمة (٢٧٨٨) .
(٤) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (ح/٣١٥)، مسلم في (الحيض، ح/٦١) والنسائي في (الطهارة، باب " ١٦٠ ")، وابن ماجة (ح/٦٤٢)، وأحمد (٦/١٤٧، ١٤٨، ١٨٨) .=
[ ٣ / ٩٠١ ]
أسماء بنت شكل "، وتبعه على ذلك غير واحد، منهم: أبو العباس العراقي في
أطرافه، وابن بشكوال، وأبو الفضل بن طاهر في الإيضاح، وابن الأثير في
استدراكه على أبي عمرو، وابن ميمون، وأبو موسى المديني في معرفة
الصحابة، ولماّ ذكرها ابن فرقول ضبط اسم أمّها بكاف ساكنه، وأكثر النّاس
على فتحها، وأمّا ابن الجذري فإنّه اضطرب كلامه، فذكر في مشكل
الصحيحين: أنها ابنة شكل، وقال في التلقيح في بنت يزيد بن السكن: وقال
الخطيب أبو بكر: هي أسماء بنت يزيد بن السكن خطيبة النساء، وتبعه على
ذلك غير واحد، حتى قال الحافظ الدمياطي: هذا هو الصحيح؛ لأنه ليس في
الأنصار من اسمه شكل مستدلا بقول البخاري في هذا الحديث " أنّ امرأة من
الأنصار " وهي شهادة على النفي؛ لأنّ مسلما أثبتها، وتبعه من أسلفناه أو ظهر
لهم ما ظهر له فذكروه لا لمتابعته، وأيا ما كان فلا يدفع وإلا بدليل واضح،
وكون الخطيب خالف ذلك لا يقتضى له الاحتمال أن تكونا امرأتين سألتا عن
أمر واحد كما تقدّم نظائره، أو يكون الخطيب هو الواهم من اللام إلى النون
إلى غير ذلك من الاحتمالات، ويوضحه أنّ ابن سعد والطبراني وغيرهما
ذكروا ابنة يزيد بأحاديث ليس فيها هذا، وفرق ابن مندة بين أسماء بنت يزيد
وبين ابنة شكل، وكذا غيره، وذكر أبو موسى هذا الحديث في ترجمة/ابنة
شكل ويزيد ذلك وضوحا، وسترى مسلما في التفرد ما ذكره أبو بكر بن أبي
شيبة في مسنده، كرواية مسلم سواء في كتاب المستخرج لأبي نعيم الحافظ
كذلك عن أبي جعفر محمد بن محمد ثنا الحسن بن محمد بن حاتم ثنا
الوليد بن شجاع ثنا أبو الأحوص (١) عن إبراهيم بن مهاجر عن صفية عن
عائشة، قالت: دخلت أسماء بنت شكل " الحديث ". قال أبو داود في كتاب
التفرد عن إبراهيم بن مهاجر: فرصة ممسكة، قال مسدد كان أبو عوانة يقول:
فرصة، وكان أبو الأحوص (٢) فرصة انتهى، وقوله: فرصة يعني: بكسر الفاء
_________________
(١) = وصححه الشيخ الألباني. قلت: وأسماء هي امرأة صحابية من الأنصار، يقال لها أسماء بنت شكل، وليست بأسماء بنت أبي بكر أخت عائشة. الفرصة: قطعة من قطن أو صوف. وممسكة: أي مطلية بالمسك.
(٢) قوله: " الأحوص " غير واضحة " بالأصل " وكذا أثبتناه.
(٣) و" الأحوص " هنا وردت " بالأصل " " الأخرص " وهو تحريف، والصحيح ما أثبتناه.
[ ٣ / ٩٠٢ ]
وسكون الراء هذا هو المشهور، وهي القطعة من الصوف أو غيره، يقال:
فرصت الشيء بمعنى قطعه بالفراص، وأنكر أبو محمد بن قتيبة ذلك، وقال:
إنما هي قرضة بالقاف والضاد المعجمة وهي القطعة، وقال بعضهم: قرصة بفتح
القاف وسكون الراء ثم صاد مهملة، أي: شيئا يسيرا مثل القرصة بطرف
الإصبعين، وقوله. من مسك وهو دم الغزال المعروف، وقال بعضهم: من مسك
بفتح الميم أي جلّد عليه شعر، قال عياض: وهي رواية الأكثرين، وأنكرها ابن
قتيبة وقال: المسك لم يكن عندهم من السعد بحيث يمتهنونه في هذا، وليس
فيه ما يتميّز من غيره فيمضى به قال: وإنّما أراد فرصة من شيء صوف أو
قطن أو خرقة ونحوه، وقال بعضهم: أراد قطعة من جلد عليها صوف،
والصواب: الأوّل وتدلّ عليه الرواية الأخرى فرصة ممسكة بضم الميم الأولى
وفتح الثانية وتشديد السين مع فتحها أي: قطعة من صوف ونحوها مطيبة
بالمسك وروى بعضهم: ممسكة بضم الميم الأولى وسكون الثانية وسين مخففة
مفتوحة، وقيل: مكسورة أي من الإمساك، وفي بعض الروايات: خذي فرصة
ممسكة فتحمل بها وقيل: أراد/بالممسكة الحلق التي أمسكت كثيرا كان أراد
أن لا يستعمل الجديد من القطن وغيره للارتفاق به؛ ولأنّ الحلق أصلح لذلك،
ووقع في كتاب عبد الرزاق يعني بالفرصة، وقال بعضهم: هي الذريرة، وزعم
المحاملي الشافعي: أنه يستحب للمغتسلة من الحيض والنفاس أن تطيب جمع
المواضع التي أصابها الدم من بدنها، والحكمة في ذلك: تطييب المحل ورفع
الرائحة الكريهة، وقيل: لأنه أسرع إلى علوق الولد، واختلف في وقت
استعمالها لذلك، فقال بعضهم: بعد الغسل، وقال آخرون قبله، وفي صفة
الاغتسال أحاديث سبق ذكرها، ومنها حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن
سالم خادم النبي ﵇ قال: " إنّ أزواج النبي ﵇ تجعلن رؤوسهن
أربع فروق، فإذا اغتسلن جمعهن على وسط رؤوسهن ولم ينقضهن ". رواه في
الأوسط (١)، وقال: لم يروه عن جعفر إلا عمرو بن هارون، ولا يروى عن
سالم إلا بهذا الإسناد.
_________________
(١) تقدم في بابه. كما ذكر المصنف.
[ ٣ / ٩٠٣ ]