حدثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن المقدام بن شريح
عن أبيه عن عائشة قالت: " كنت أتعرّق العظم وأنا حائض، فيأخذ رسول
الله﵌- فيضع فمه حيث كان فمي وأنا حائض ".
هذا حديث أخرجه مسلم (١) في صحيحة وفي لفظ النسائي (٢): " يدعوني
فآكل معه وأنا عارك وكان يأخذ، العرق فيقسم على فيه فآخذه/منه ثم أضعه،
فيأخذه فيعترق منه، ويضع فمه حيث وضعت فمي من العرق ويدعو
بالشّراب ". فذكر بقية ذلك. حدثنا محمد بن يحيى ثنا الوليد ثنا حماد بن
سلمة عن ثابت عن أنس " أن اليهود كانوا لا يجلسون مع الحائض في بيت
ولا يؤاكلوها ولا يشاربوها قال: قد قيل ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله ﷿:
(ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) . فقال
رسول الله ﷺ: " اصنعوا كل شيء إلا الجماع ". هذا حديث خرجه مسلم (٣)
بزيادة، فقالت اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا
فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر إلى النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله:
إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا تنكحهن فتمعر وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا
أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هديّة من لبن إلى رسول الله ﷺ
_________________
(١) صحيح. رواه مسلم في (الحيض، ح/١٤) . غريبة: قوله: " أتعرق العرق " هو العظم الذي عليه بقية من لحم. هذا هو الأشهر في معناه. وقال أبو عبيد: هو القدر من اللحم. وقال الخليل: هو العظم بلا لحم. وجمعه: عُراق، بضم العين: ويقال: عرقت العظم وتعرقته واعترقته إذا أخذت عنه اللحم باسنانك.
(٢) صحيح. رواه النسائي في: للطهارة، باب: " ١٧٧ "، والحيض، باب " ١٥ ". ورواه أحمد: (٦/١٢٧، ١٩٢) .
(٣) صحيح. رواه مسلم في: الحيض، ١ ح/١٦) . قوله: " المحيض " المحيض الأوْل المراد به الدم. والثاني قد اختلف فيه. فقيل: إنه الحيض ونفس الدم. وقال بعض العلماء هو الفرج. وقال الآخرون: هو زمن الحيض. وقوله: " قد وجد عليهما " أي: غضب عليهما، ولم يجد عليهما أي: لم يغضب.
[ ٣ / ٩٠٤ ]
فبعث في آثارهما فسقاهما فظننا أنه لم يجد عليهما، وذكر الإمام أبو الحسن
علي بن أحمد الواحدي في كتابه، أسباب النزول الذي قرأته على أبي الهون
القاهري رحمه الله تعالى عن ابن المعتز أنبأ أبو الفضل أحمد بن طاهر المنهى
عنه قال: أنبأ أبو بكر محمد بن عمر الخشاب أنبأ أبو عمرو بن حمدان أنبأ أبو
عمران موسى بن العباس ثنا محمد بن عبد الله بن زيد القردوانى حدثنى أبي
عن أبي سابق ابن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال في قوله ﷿:
(ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) . قال: وقال المفسرون: كانت العرب
في الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يسكنوها في
بيت كفعل المجوس، فسأل أبو الدحداح النبي ﷺ فأنزل الله تعالى الآية، وفي
الباب حديث/عبد الله بن سعد، وسأل النبي ﷺ عن مؤاكلة الحائض، فقال:
" واكلها " رواه ابن ماجة (١) في موضع آخر، وقال فيه الطوسي: حسن غريب،
وهو قول عامة أهل العلم، واختلفوا في فضل طهورها، وأما العرق: فهو عظم
عليه لحم، وقيل. العرق الذي قد أخذ أكثر لحمه، والعراق: العظم بغير لحم،
والعرق القذرة من اللحم، وجمعها عراق وهو من الجمع العزيز، وله نظائر قد
أحصيتها في المخصص، وحكى ابن الأعرابي في جمعه عراق بالكسر وهو
أقيس وأنشد بيت ضيفي في عراق ملس، وفي شمول عرضت للنجس أي
بلس من الشحم والنجس الريح التي فيها غيره وعرق العظم يعرقه عرقا
واعتراقه لكل ما عليه ذكره ابن سيّده، وفي الجمهرة: وعرق العظم أعرقه
واعرقه، وفي الصحاح: والعرق بالفتح مصدر قولك عرقت العظم أعرقه بالضم
عرقا وتعرقا إذا أكلت ما عليه من اللحم.
وقال. اكف لساني عن صديقي فإن أحيا إليه فإنّى عارق كل معرقي،
وفي الجامع. عرقت العظم واللحم أعرقه عرقا، واعترقه اعتراقا مثله، وكذا
تعرقته تعرقا وأعرقت فلانا عرقا من لحم أعطيته إيّاه، والعراق الذي قد أخذ عنه
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/ ٦٥١)، والترمذي (ح/ ١٣٣)، وقال: هذا حديث حسن غريب وأحمد (٤/٣٤٢، ٥/٢٩٣)، والدارمي (ح/ ١٠٧٣)، والمنثور (١/٢٥٩)، والحلية (٩/٥٠، ٥١)، وابن عساكر في " التاريخ " (٧/٤٣٧)، والكنز (٢٧٧٠٤) . وصححه الشيخ الألباني.
[ ٣ / ٩٠٥ ]
اللحم هذا قول الخليل، وقال غيره: العراق القذرة من اللحم، وقيل: هو العظم
الذي عليه اللحم، يقال له: عرق وعراق، وكذا قال اللحتاني من اللحم عرق
وعراق، وقيل: العراق جمع العرق، كما قالوا: ظير وظوار، وهم يقولون: هذه
ثريدة كثيرة العراق يريدون قدر اللحم.. وهو غلط على قول من قال: العراق
العظم بغير لحم، وقال غيرهم: إذا كان في القطعة سميت عراقا، وإذا لم يكن
منها عظم فهي بضعة، وفي الحديث: " دخل على أم سلمة فتناول عرقا " (١) .
فدلّ على أنّ العرق عظم عليه لحم، ومما يدل على أنه يكون بغير لحم حديث
جابر:/ " فكأني أنظر إليه وفي يده عرق ينتهشه " (٢)، فالعراق هنا العظم وقد
عرى من اللحم، وقالوا: يدلّ على أنّ العراق العظم بغير لحم، وقول الراجز:
وهو يطير والطير عن زرع له: " عجبت من نفسي زمن أشقاقها " ومن طرأ
والطير عن أرزاقها في سنة قد كشفت عن ساقها حمرا يبدى اللحم عن
عراقها، والموت في عنقي وأعناقها، فإنّما يريد برئ اللحم عن عظامها، والعرب
تقول: هذا كلّه، تريد به مرّة اللحم بالعظم ومرة العظم بغير لحم كما تقول:
في العراق على ما قدمناه وأكثر قولهم أنّ العراق اللحم والعراق بعظم،
والمعارق من العظام الذي أكل لحمه، ولذلك قال الشاعر: ولا تهدى بعروق
العظام، وكذلك يقولون: رجل معروق ومعترق إذا لم يكن على وجهه لحم،
ويقال ذلك للمهزول، ومنه قول رؤبة: يذكر امرأة ورجلا غول نضدي بسنتي
معترق، فمعترق: شديد الغض من اللحم، وتعرقت ما على العظم مثل عرقت،
وقال: تعرقته إذا أخذت نسمة اللحم بأسنانك، وأما السؤر: بالهمزة فهو ما
بقى من الشراب وغيره في الإناء، كذا ذكره ثعلب، وذكر ابن درستويه: أنّ
العامة: لا تهمز، وتركها الهمز ليس بخطأ ولكن الهمز أفصح.
_________________
(١) تقدم. في باب ترك للوضوء مما مست النار.
(٢) بنحوه رواه أحمد: (٦/٣١٩) .
[ ٣ / ٩٠٦ ]