حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وسويد بن سعيد، وإسماعيل بن موسى
السدي، قالوا: نا شريك عن المقدام بن شريح بن هانئ عن أبيه عن عائشة
قالت:"من حدّثك أن رسول الله ﷺ بال قائما فلا تصدقه، أنا رأيته يبول
قاعدا " (١) هذا حديث لما أخرجه الترمذي، فال فيه: هذا الحديث أحسن شيء
في هذا الباب وأصح، وأبو حاتم وابن حبان (٢) ذكره في صحيحه بلفظ:"من
حدثكم أنه كان يبول قائما …، وكذلك أبو عوانة (٣) الإِسفرايني، وأخرجه
الحاكم (٤) في مستدركه من جهة سفيان عن المقدام عن أبيه:"سمعت
عائشة تقسم بالله ما رأى أحد النبي﵇- يبول قائما منذ أنزل
عليه القرآن"وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والذي عندي
أنهما لما اتفقا على حديث حذيفة:/"أتى سباطة قوم فبال قائما"، وجدا
حديث عائشة معارضا له، فتركاه والله أعلم. انتهى. وفيه نظر من حيث أنّ
شأن المحدث النظر إلى الإِسناد وصحته، والمتن وكونه محفوظا، وأما التعارض
فليس من شأنه، ذاك من شأن الفقهاء، ولئن سلمنا أن ذلك من شأنهم؛ فلا
تعارض بين الحديثين؛ لأنّ عائشةرضي الله عنها- أخبرت عمّا شاهدت
من فعله ﵇ في بيته، والبيت ليس محلا للأعداد المذكورة قبل، وعلى
رواية أبي عوانة يكون النفي ورد على صيغة الاستمرار في الأغلب، وحديث
حذيفة ليس فيه) كاف (؛ فلا يدلّ إّلا على مطلق الفعل، ولا مخالفة، والله
_________________
(١) صحيح. رواه الترمذي (١٢) وفي"مسند"أحمد (٤/١٩٦) وكذلك رواه ابن ماجة (ح/٣٠٧) وأبو داود وقال الحافظ في الفتح (١/٢٨٢):" هو حديث صحيح، صححه الدارقطني وغيره".
(٢) صحيح. رواه ابن حبان: (٢/٣٥٠) . (٣، ٤) رواه أبو عوانة في"صحيحه" (١/١٩٨) والحاكم في"المستدرك" (١/١٨١) والبيهقي في"الكبرى" (١/١١٠١) وأحمد في"المسند" (١/١٣٦، ١٩٢، ٢١٣) من طريق عن سفيان به، وقال الحاكم:"صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي، وفيه نظر، فإن المقدام بن شريح وأباه لم يحتج لهما البخاري فهو على شرط مسلم وحده، وقال الذهبي في"المهذب" (١/٢/٢٢):"سنده صحيح".
[ ١ / ٩١ ]
أعلم. وفي قولها:"أنا رأيته " وهي لفظة تفرد بها شريك، وزعم بعضهم أيضا
أنها غير محفوظة ولئن كانت صحيحة؛ فتكون على معنى الإخبار عن الحال
المستمرة في روايتها وعلمها، ولم تطلع على ما اطلع عليهَ غيرها؛ ولهذا
عذلت مسبّبة إنكارها بروايتها، ومع ذلك فهي نافية وغيرها مثبت، وإذا تعارضا
فالمثبت مقدم، ويؤيّده ما ذكره ابن ماجة عن سفيان الثوري: الرجل أعلم بهذا
من المرأة، وأيضا فحديث عائشة إنّما جاء من جهة المقدام عن أبيه، وهما ليسا
من شرط البخاري؛ فلذلك أضرب عن ذكره، فلو قال على شرط مسلم لكان
صوابا من قوله، والله أعلم. وحدّثه سالم من ابن بنت السدي الذي في هذا
الباب، وقد رمى بالغلو في التشيّع ومنهم من ضعّفه، حدّثنا محمد بن يحيى،
ثنا عبد الرزاق، نا ابن جريج عن عبد الكريم أبي أمنة عن نافع عن ابن عمر
قال:"رآني رسول الله ﷺ وأنا أبول قائما فقال: يا عمر لا تبل قائما، فما
بلت قائما بعد هذا " (١) قال ابن حبان عند تخريج هذا الحديث في صحيحه:
عن أبي جابر بن زيد بن عبد العزيز بن درهم بن إسماعيل الجوهري، نا
إبراهيم بن موسى/الفراء ثنا هشام بن يوسف عن ابن جريج عن نافع قال:
قال ﵇: الحديث، أخاف أن يكون ابن جريج لم يسمع من نافع هذا
الخبر. انتهى. إذا شككت في اتصاله فلا نحكم بصحته؛ لأنّ الاتصال شرط
في الصحة، والله أعلم، وحديث ابن ماجة يوضح ما شكّ فيه أبو حاتم،
وبذلك لم يصح، وكذا ذكره الكرابيسي في كتاب المدلّسين، ولفظ البزار:
"أتى وأنا أبول قائما؛ فقال: مه! قال عمر: فما بلت قائما بعدها، وقال
الترمذي: رفع هذا الحديث عبد الكريم، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه
أبو أيوب السختياني، وتكلّم فيه، وروى عبد الله عن نافع عن ابن عمر قال
عمر:"ما بلت قائما منذ أسلمت " (٢) وهذا أصح من حديث عبد الكريم،
وبنحوه قاله الكرابيسي، وفي قوله: ضعفه أيوب نظر؛ وذلك أنّ المعروف
_________________
(١) ضعيف. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب للطهارة، ١٤- باب في البول قاعدا،) رقم: ٣٠٨) . في الزوائد: عبد الكريم متفق على تضعيفه. وكذا ضعفه الشيخ الألباني. كما في ضعيف ابن ماجة. (ح/٦٣) والمشكاة (٣٦٣) والضعيفة (ح/٩٣٤) .
(٢) صحيح. رواه الحاكم في"المستدرك" (١/١٨٢) وصححه. وأورده الهيثمي في=
[ ١ / ٩٢ ]
حاله، أنّ أيوب رماه بالكذب وقال: أحمد اشتهر به، وضربت على حديثه،
وهو سببه المتروك، وقال يحيى: ليس بشيء، قال السعدي: غير ثقة، وقال ابن
حبان: كثير الوهم فاحش الخطأ، فلما كثر ذلك منه بطل الاحتجاج به، وقال
النسائي والدارقطني: متروك الحديث، وقال أبو داود: لم يحدث بذلك عن
أحمد أضعف من عبد الكريم، وقال الحربي: كان يتفقه ويرى الإرجاء وغيره
أوثق منه، وفي تاريخ البخاري الأوسط: قال علي: عن سفيان لم أر مثل عبد
الكريم، إن شئت قلت عن أبي، إنّما يقول سمعت، وقال ابن أبي حاتم: كان
يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وقال أبي: ضعيف الحديث: وقال أبو
زرعة: لن، وروى الأعمش عن زيد بن وهب:"أنه رأى عمر بن الخطاب
يبول قائما " (١) مخالفا لرواية الحجازيين له. قاله ابن عبدة في كتاب التفرد،
حدثنا يحيى بن الفضل، نا أبو عامر، نا عدي بن الفضل عن علي بن الحكم
عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله قال:"نهى رسول الله ﷺ الرجل أن
يبول قائما" (٢) هذا حديث ضعيف؛ لضعف/رواية عدي بن الفضل أبي
حاتم البصري مولى بني تميم، قال فيه يحيى: ليس بشيء، وسئل مرّة أخرى
أنكتب حديثه؟ قال: لا ولإِكرامه قال أبو حاتم الرازي والنسائي: متروك
الحديث، وسأل ابن أبي شيبة ابن المديني عنه فقال: كان ضعيفا وقال ابن
حسان: ظهرت المقال في حديثه بروايته؛ فبطل الاحتجاج بروايته، وترك أبو
زرعة حديثه وقال: ليس بالقوي وقال الدارقطني: متروك وقال الآجري: سئل
أبو داود عن عدي بن الفضل للقال: ضعيف، وفي موضع آخر: لا نكتب
حديثه، وأمّا قول الترمذي وفي الباب عن عمر بن بريدة قال: وحديث بريدة
في هذا غير محفوظ ففيه نظر من وجهين، الأول: إغفاله حديث جابر
وحديث أبي موسى الأشعري المذكور في تاريخ واسط من حديث علي بن
_________________
(١) = "مجمع الزوائد" (١/٢٠٦) وعزاه إلى البزار، ورجاله ثقات.
(٢) الذي وجدناه في"الكامل"لابن عدي:"٥/٢٠٠١" لفظه:"رأيت عمر بن الخطاب بال ثم مسح بالتراب".
(٣) ضعيف. رواه البيهقي (١/١٠٢) وابن عدي في"الكامل" (٥/٢٠١٣) .
[ ١ / ٩٣ ]
عاصم، نا خالد الحذاء عن ثوبة العنبري أبي المودع عن أبي بردة عن أبي
موسى قال:"رأيت النبي ﷺ يبول جالسا" (١) وقد جافى بين فخذيه حتى
أنّي لا أرى له من طول الجلوس، ثم قام قابضا على ثلاث وستين فقال: صب
فصاحب بني إسرائيل كان في البول أشدّ منكم، كان إذا أصاب جسده شيء
من قوله برأه" (٢) وفي الباب عن عمر وبريدة، قال: وحديث بريدة في هذا
غير محفوظ ففيه نظر من وجهن:
الأول: إغفاله حديث جابر الذي حدثت به عائشة وحديث أبي هريرة:
"نهى النبي ﷺ أن يبول الرجل قائما " ذكره أبو سعيد الحسن بن الحسين
السجزي المعول في فوائده نا أبو وهب جعفر بن محمد النيسابوري عبد
الله بن عمير، نا حماد بن سلمة عن أيوب عن علي عنه، الثاني: قوله في
حديث بريدة: غير محفوظ ففيه نظر من وجهين، وليس بصحيح ة لأن البزار
رواه في مسنده من طرق صحيحة: فقال: نا نصر بن علي، نا عبد الله بن
داود، نا سعيد بن عبد الله، نا عبد الله بن يريدة عن أبيه وقال: لا أعلم رواه
عن أبي بريدة إلَّا سعيد بن عبيد الله، قال الثَّقفي:/معنى قول عائشة:"ما
بال ﵇ قائما في منزله".
* * *
_________________
(١) بنحوه. رواه ابن ماجة في: ١- كتاب الطهارة، باب (١٤)، (ح/٣٠٩) ضعيف. لاتفاقهم على ضعف عدي بن الفضل. قلت: والحديث ضعيف جدا. ضعفه الشيخ الألباني. انظر: ابن ماجة (ح/٣٠٩) والضعيفة (ح/٩٣٨) .
(٢) ضعيف. أورده الهيثمي في"مجمع الزوائد" (١/٢٠٩) من حديث أبي موسى، وعزاه إلى الطبراني في"الكبير"وفيه علي بن عاصم، وكان كثير الخطا والغلط، وينبه على غلطه فلا يرجع، ويحتقر الحفاظ.
[ ١ / ٩٤ ]
كراهة مس الذكر باليمين والاستنجاء باليمين
حدثنا هشام بن عمار، نا عبد الحميد بن حبيب بن أبيِ العشرين الأوزاعي
عن يحيى بن أبي كثير حدّثني عبد الله بن أبي قتادة، أخبرني أبي أنه سمع
رسول الله ﷺ يقول:"إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح
بيمينه" (١) نا عبد الرحمن بن عمر، نا الوليد، نا الأوزاعي بإسناده نحوه. هذا
حديث خرجه الأئمة الستة في كتبهم من غير هذه الطريق، وهذه الطريق
حسنه للاختلاف في ابنَ أبي العشرين، وقد تقدّم ذكره قبل، والإِسناد الثاني
صحيح، وذكر ابن منده أن إسناده مجمع على صحته، ورواه أبان عن يحيى
منفردا"وإذا شرب فلا يشرب نفسا واحدا" (٢) حدثنا عليَ بن محمد، نا
وكيع، نا الصلت بن دينار عن عقبة بن صهبان قال: سمعت عثمان بن
عفان يقول:"ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت
رسول الله ﷺ" (٣) هذا أثر ضعيف رواه الصلت بن دينار أبي شعيب
البصري الأزدي المجنون، ويقال: الهنائي، كذا قاله عبد الغني كلاهما أنّ
الأزدي وهُناه غير مجتمعين، وليس كذلك؛ لأن هناه مجلز من الأزد، قال فيه
يحيى بن معن، ليس بشيء، وقال أحمد: متروك الحديث ترك الناس حديثه،
وقال الفلاس: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، قال: وهو كثير الغلط
متروك الحديث، وقال السعدي: ليس بقوي في الحديث، وقال ابن عدي: عامة
ما يرويه لا يبايعه الناس عليه، وكان شعبة يتكلم فيه، وقال علي بن الجنيد:
_________________
(١) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري في (الوضوء، باب"١٨"والأشربة باب"٢٥" ( ومسلم في (الطهارة، ح/٦٣) وأبو داود (ح/٣١) وابن ماجة (ح/٣١٠) والنسائي في ) الطهارة، باب"٤١" (وأحمد في"المسند" (٤/٣٨٣، ٥/٢٩٦، ٣٠٩، ٣١٠، ٣١١) .
(٢) ضعيف جدا. إتحاف السادة المتقين (٧/١٢٥) والفوائد (١٨٥) والمغني عن حمل الأسفار (٢/٣٧١) وتذكرة (١٤٦) .
(٣) ضعيف جدا. رواه ابن ماجة في: ا- كتاب الطهارة، ٥ ا- باب كراهة مس الذكر باليمين والاستنجاء باليمين (ح/٣١١) . وكذا ضعفه الشيخ الألباني. كما وجدته في"ضعيف ابن ماجة". (ح/٣١١) وأشار إليه بالضعف.
[ ١ / ٩٥ ]
متروك، وسئل عنه أبو داود فقال: ضعيف، ورواه ابن يونس في تاريخ مصر
عن العباس بن محمد البصري، نا جعفر بن مسافر، نا عبد الله بن يوسف، نا
ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو المغافري أنه سمع أبا ثور الفهمي يقول: قدمت
على عثمان فذكر الحديث وفيه:"إني اختبأت عند ربي عشرا/: إنِّي لرابع
أربعة في الإِسلام، ولقد ائتمنني النبي ﷺ على ابنتيه، ووالله ما زنيت ولا
سرقت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا تغنّيت ولا تمنَّيت ولا مسست فرجي
بيميني منذ بايعت رسول الله ﷺ ولقد ختمت القرآن على عهد رسول الله
ﷺ، ولا مضت لي جمعة إلا وأنا أعتق فيها رقبة منذ أسلمت، إلا أن لا
أجد في تلك الجمعة فأعتق لما بعد"وفي الأوسط: نا أحمد بن يحيى
الحلواني، نا سعيد بن سليمان عن عبد الأعلى بن أبي المساور، حدثني
محمد بن إبراهيم بن حاطب عن عبد الرحمن بن محيرز عن زيد بن أرقم
قال:"بعثني النبي ﷺ إلى أبي بكر … "فذكر حديثا طويلا فيه أنه بعثه
إلى عثمان، وأنّ عثمان جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن زيد أتاني
فقال: إنّ رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول: أبشر بالجنة بعد بلاء
شديد وأي بلاء يصيبني يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما تغنيّت ولا
تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك، فقال: هو ذاك " ثم قال: لا
يروى هذا الحديث عن زيد إلا بهذا الإِسناد يرويه ابن أبي المساور، ولما
ذكر ابن الحرث هذا الحديث في علله قال: ابن أبي المساور- رحمنا الله
وإيّاه- وإبراهيم بن محمد بن حاطب رجل معروف، حدّثنا يعقوب بن
حميد بن كاسب، نا المغيرة بن عبد الرحمن وعبد الله بن رجاء المكي عن
محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة أن
رسول الله ﷺ قال:"إذا استطاب أحدكم فلا يستطب بيمينه، ليستنج
بشماله " (١) هذا الحديث قطعة من الحديث الذي في الباب بعده. كذا قاله
ابن عساكر في كتاب الأطراف وغيره، وفي ذلك نظر- والله أعلم- اليمين
فعيل من اليمن، وقيل من القوّة، قال تعالى: ﴿لأخذنا مضه باليمين﴾ (٢)
_________________
(١) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/٣١٢) وابن عساكر في"التاريخ" (٣/٣٧٨) وجامع المسانيد (٢/٦٩٠) . وصححه الشيخ الألباني.
(٢) سورة الحاقة آية: ٤٥.
[ ١ / ٩٦ ]
وقال تعطونه أي: لأخذنا بيمينه فمعناه من التصرف، وعلى الوجه الأولى قال
الشماخ: إذا ما غاية رفعت لمجد تلقاها عن آية باليمين/قال الجوهري:
وتصغيرها يميِّن بالتشديد بلا هاء، وفي الجمهرة: والجمع أيمن فيه دلالة على
المنع من مس الذكر باليمين حالة الاستنجاء ويؤخذ من مفهومه: إذا بال
أحدكم جواز مس الذكر باليمين فصاعدا حال التحلي، فإن وجد ما يقتضى
المنع منه قبل ولا فجواز المس باق بحاله، وقول عثمانرضي الله عنه-
ليس من هذه البَينة العلة، وفيه المنع من الاستنجاء باليمين، فمن العلماء من
حمله على التنزيه ويحتاج إلى دليل، ومنهم من حمله على التحريم، وهو
الصحيح، وبه قال أحمد بن حنبل وجماعة من الشافعين، وأهل الظاهر.
[ ١ / ٩٧ ]