حدثنا علي بن حجر قال: أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله -ﷺ- قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط»
وحدثنا قتيبة قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء نحوه، وقال: قتيبة في حديثه: «فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» ثلاثًا.
وفي الباب عن علي وعبد الله بن عمرو وابن عباس وعَبيدة ويقال: عُبيدة بن عمرو وعائشة وعبد الرحمن بن عائش الحضرمي وأنس.
حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، والعلاء بن عبد الرحمن هو ابن يعقوب الجهني، وهو ثقة عند أهل الحديث.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في إسباغ الوضوء" أي إتمامه وإكماله، ومنه درع سابغ يعني تام كامل وافي، يغطي البدن.
[ ١٢ / ٢٧ ]
قال -﵀-: "حدثنا علي بن حجر" السعدي، وهو ثقة حافظ "قال: أخبرنا إسماعيل بن جعفر" بن أبي كثير الأنصاري الزرقي، من الثقات أيضًا "عن العلاء بن عبد الرحمن" بن يعقوب الحرقي، قال ابن حجر: صدوق، وذكر الترمذي أن أهل الحديث وثقوه "عن أبيه" عبد الرحمن بن يعقوب ثقة "عن -الصحابي الجليل- أبي هريرة: أن رسول الله -ﷺ- قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا؟» ألا: استفهام، ولا، نافية وليست للتنبيه بدليل إجابتهم بـ (بلى) قالوا: بلى يا رسول الله، فهو يستفهم، وإذا دخل الاستفهام على نفي لا بد أن يكون الجواب بـ (بلى) ولو كان الجواب نعم انقلب المعنى ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [(١٧٢) سورة الأعراف] ولو قالوا: نعم، قال: لكفروا؛ لأنها تقلب المعنى.
«ألا أدلكم؟» قالوا: بلى، فائدة السؤال ليكون الكلام أوقع في النفس؛ ليكون الكلام أوقع في النفس، كثيرًا ما يأتي النبي -﵊- بالأخبار على جهة الاستفهام، يسأل ثم يجيب، وقد يجيبون ويصوبهم ويسددهم، وقد يكلون العلم إلى الله ورسوله إلى عالمه «أتدرون من المفلس؟» قالوا ..، يعني يعرفونه المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، لكن النبي -﵊- لم يرد هذه الحقيقة وإن كانت شرعية، لكنه لم يردها إنما أراد أن ينبه على أمر أهم، وهو أن الإنسان يتعب في تحصيل الحسنات ثم يفرقها ويوزعها بحيث لا يبقى منها شيء، هذا هو المفلس الحقيقي، أما من جمع الدراهم والدنانير ثم فرقها هذا أمره سهل، هذا خسر شيء من الدنيا وذاك خسر الآخرة.
«ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا» ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [(٣٩) سورة الرعد] يعني المحو هذا من كتاب الحفظة، من كتاب الحفظة، يحمى مثل هذا، وهو دليل على غفرانها، دليل على غفران هذه الخطايا، قاله النووي.
[ ١٢ / ٢٨ ]
«ويرفع به الدرجات؟» أي يعلي به المنازل في الجنة، قالوا: بلى يا رسول الله قال: «إسباغ الوضوء» أي إتمامه باستيعاب المحل بالغسل «على المكاره» المكاره: جمع مكره، والمراد به ما يكرهه الإنسان، ويشق عليه كالبرودة الشديدة، أو الحرارة الشديدة، وغلاء الثمن، أو ما يمنع في البدن من الارتياح إلى الماء، «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى» جمع خطوة، وهي ما بين القدمين، وكثرة الخطى إنما تكون ببعد الدار عن المسجد، وكثرة التردد إلى المساجد، كثرة الخطى إنما تكون ببعد الدار عن المسجد، فمن كان بيته بعيدًا عن المسجد لا ينتقل إلى قرب المسجد، كما قال النبي -﵊- لبني سلمة: «بني سلمة دياركم، تكتب آثاركم» كما أن القريب من المسجد لا يبحث عن بيت بعيد من المسجد لأجل هذا؛ لأن البعد والقرب ليس مقصودًا لذاته، ليس مقصودًا لذاته، والمشقة إنما يؤجر عليها الإنسان إذا كانت تابعة للعبادة، أما لذاتها فليست من مقاصد الشرع، بعض الناس إذا خرج من بيته وهو يرى المسجد دار على الحي ثم دخل المسجد، هذا لا يكتب له إلا ما بين بيته وبين المسجد، هذا يكتب له التقدم إلى المسجد، هذا يدخل المسجد قبل من بيته بعيد، هذا له أجره وذاك له أجره، فليس القرب والبعد من المقاصد، اللهم إلا إن بعض الناس البعد قد يبعث في نفسه الكسل، أحيانًا يقول: والله الآن ما يمدينا على الصلاة، المسجد بعيد إذا كان قريب تشجع، فمثل هذا يقرب من المسجد؛ ليكون عونًا له على الصلاة حيث ينادى بها مع الجماعة.
«وكثرة الخطى إلى المساجد» في الذهاب أو في الذهاب والإياب، أما بالنسبة للجمعة فالحديث ثابت في أنه في ذهابه وإيابه تكتب له الخطى، أما بالنسبة لغيرها فهو المأمول من فضل الله وكرمه، والقياس على الجمعة صحيح؛ لأنه خرج من بيته لا ينهزه إلى المسجد إلا الصلاة، فتكتب له هذه الخطى، وليس بحاجة إلى الخطى في الرجوع إلا من أجل الصلاة، فتكتب له -إن شاء الله تعالى-.
[ ١٢ / ٢٩ ]
«وانتظار الصلاة بعد الصلاة» انتظار الصلاة يعني وقت الصلاة بعد فراغه من الصلاة السابقة، فيكون القلب معلق بها، معلق بالصلاة، معلق بالمساجد، فيكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله «رجل قلبه معلق بالمساجد» ليس المراد بالمساجد ذاتها، وإنما المراد الصلاة «وانتظار الصلاة بعد الصلاة» ويمكن انتظار صلاة العصر بعد صلاة الظهر، يمكن انتظار المغرب بعد صلاة العصر، يمكن انتظار العشاء بعد صلاة المغرب، لكن هل يمكن انتظار الفجر بعد صلاة العشاء؟ لا يمكن، وهل يمكن انتظار الظهر بعد صلاة الفجر؟ هذا لا يمكن، الإمكان والذي لا يشق انتظار الصلوات الثلاث، لا يمكن انتظار صلاة الظهر أو صلاة الفجر إلا بالاعتكاف شخص معتكف نعم، مع أنه لا ينتظر، بل قد ينصرف عن انتظار الصلاة لنوم أو نحوه.
«فذلكم الرباط» فذلكم الرباط المرغب فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [(٢٠٠) سورة آل عمران] وإن كان الرباط إذا أطلق فالمراد به ملازمة الثغور، والجهاد في سبيل الله، وربط النفس وحبس النفس على ذلك هذا هو المراد به إذا أطلق في النصوص، لكن هذا الرباط حبس للنفس على هذه الطاعة العظيمة، ففيه شبه من المرابطة في سبيل الله، «فذلكم الرباط» تعريف جزئي الجملة، تعريف جزئي الجملة يدل على الحصر، يعني لا غيره، وهذا حصر إضافي بلا شك، ومما يدل على فضل مثل هذا العمل وإن كان غيره لا سيما الرباط في سبيل الله الذي هو الجهاد أعظم منه، وجاء فيه أكثر النصوص، والرباط أيضًا والمرابطة لطلب العلم وتعليمه، والمرابطة من أجل الدعوة إلى الله -جل وعلا-، كل هذه من أبواب الخير التي جاءت النصوص بالحث عليها.
"وحدثنا قتيبة قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد" يعني هو الدراوردي "عن العلاء بن عبد الرحمن نحوه" العلماء إذا قالوا: نحوه فإنما يريدون به المعنى، ولا يريدون به اللفظ، بخلاف ما إذا قالوا: مثله.
[ ١٢ / ٣٠ ]
"نحوه وقال: قتيبة في حديثه: «فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط» ثلاثًا" كررها ثلاثًا، إما أن يكون من أجل تعظيم الأمر والاهتمام بشأنه، أو لكونه على عادته أنه -﵊- إذا تكلم تكلم ثلاثًا، ولا شك أن مثل هذا في غاية الأهمية في حياة المسلم، والحديث مخرج في صحيح مسلم، وعند الإمام مالك في الموطأ، وعند النسائي وابن ماجه.
قال أبو عيسى: "وفي الباب عن علي" عند أبي يعلى والبزار والحاكم "وعبد الله بن عمرو" عند البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه، وأيضًا هو عن ابن عمر لأن بعض النسخ: عبد الله بن عمرو وبعضها عبد الله بن عمر، وهو مروي عنهما، أما حديث عبد الله بن عمرو فهو في الصحيحين والسنن، وأما حديث ابن عمر فهو عند ابن خزيمة "وابن عباس" عند الترمذي سيأتي في اختصام الملأ الأعلى "وعَبيدة ويقال: عُبيدة بن عمرو" وليس هو السلماني وإنما هو الكلابي، أما عبيدة بن عمرو السلماني فهو عبيدة بالفتح، "عبيدة ويقال: عُبيدة بن عمرو" وهو عند أحمد في المسند والبزار والطبراني "وعن عائشة وعبد الرحمن بن عائش الحضرمي" وعائشة لا يدرى ..، لم يقف الشارح على من أخرجه، عبد الرحمن بن عائش الحضرمي أخرجه البغوي في شرح السنة "وأنس" عند البزار.
قال أبو عيسى: "حديث أبي هريرة في هذا الباب حديث حسن صحيح" وعرفنا أنه مخرج عند مسلم "والعلاء بن عبد الرحمن هو ابن يعقوب الجهني" الحرقي نسبة إلى الحرقة بطن من جهينة "وهو ثقة عند أهل الحديث".
وذكرنا فيما تقدم أن الحافظ في التقريب قال: صدوق ربما وهم، ولكنه ما دام مخرج له في الصحيح فقد جاز القنطرة، فالمتجه توثيقه على ما قال الترمذي، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٢ / ٣١ ]