[ ٤ / ٦ ]
حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا» فقال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت مستقبل القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله.
قال أبو عيسى: وفي الباب عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، ومعقل بن أبي الهيثم، ويقال: معقل بن أبي معقل، وأبي أمامة وأبي هريرة وسهل بن حنيف.
قال أبو عيسى: حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح، وأبو أيوب اسمه: خالد بن زيد، والزهري اسمه: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وكنيته أبو بكر، قال: أبو الوليد المكي: قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: إنما معنى قول النبي -ﷺ-: «لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا ببول ولا تستدبروها» إنما هذا في الفيافي، وأما في الكنف المبنية له رخصة في أن يستقبلها، وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم، وقال أحمد بن حنبل -﵀-: إنما الرخصة من النبي -ﷺ- في استدبار القبلة بغائط أو بول، وأما استقبال القبلة فلا يستقبلها، كأنه لم ير في الصحراء ولا في الكنف أن يستقبل القبلة.
"باب: في النهي عن استقبال القبلة" هي جهة الكعبة عند الجمهور وعند الشافعية عين الكعبة، على خلاف بين أهل العلم فيما يجزأ استقباله في الصلاة، فالجمهور على الجهة، والشافعي يرى إصابة عين الكعبة، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
"بغائط أو بول" يعني عند قضاء الحاجة، عند قضاء الحاجة.
[ ٤ / ٧ ]
قال -رحمه الله تعالى-: "حدثنا سعيد بن عبد الرحمن -أبي حسان- المخزومي" المكي، ثقة، توفي سنة تسعة وأربعين ومائتين "قال: حدثنا سفيان بن عيينة" الهلالي المكي الإمام الحافظ الثقة المعروف "عن الزهري" وسيأتي ذكر اسمه ونسبه في كلام المؤلف -﵀- "عن عطاء بن يزيد الليثي" المدني نزيل الشام "عن أبي أيوب" وسيأتي ذكر اسمه أيضًا في كلام المؤلف "عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا أتيتم الغائط» الأصل في هذه الكلمة أنها تطلق على المكان المطمئن يعني المنخفض، وعادة هذا المكان هو الذي يقصد لقضاء الحاجة، فأطلق على الحاجة نفسها اسم المكان، أطلق على الحاجة نفسها اسم المكان وإلا فالأصل أن هذه الكلمة للمكان المطمئن المنخفض الذي يقصد من أجل الاستتار لقضاء الحاجة لانخفاضه عن أعين الناظرين، فأطلق على الحال لفظ المحل.
[ ٤ / ٨ ]
«إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة» وقلنا: إن المراد بها الجهة عند الجمهور، وعند الشافعي العين، إصابة العين، «فلا تستقبلوا القبلة بغائط» جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ضمير "لا تستقبلوا"، أي لا تستقبلوا القبلة حال كونكم مقترنين بغائط أو متلبسين بغائط أو بول أو فاعلين أو غير ذلك مما يصح تقديره حالًا في مثل هذا، «بغائط ولا بول، ولا تستدبروها» يعني لا تتجهوا إليها بوجوهكم، ولا تجعلوها دبركم، ولا تستدبروها، يعني مستقبلين ولا مستدبرين «ولكن شرقوا أو غربوا» يعني توجهوا إلى جهة المشرق أو إلى جهة المغرب، توجهوا إلى جهة المشرق أو إلى جهة المغرب، وهذا الخطاب لأهل المدينة؛ لأن أهل القبلة بالنسبة لهم إلى جهة الجنوب، فمن كان في المدينة أو على سمتها مما هو شمال الكعبة أو في الجهة التي تقابلها، ممن هو جنوب الكعبة هذا ينهى عن أن يستقبل الكعبة أو يستدبرها متجهًا إلى الشمال أو الجنوب في الجهتين، ولا ينهى حينئذٍ من استقبال المشرق أو المغرب، أما من كان في جهة المشرق مثلًا كنجد أو في المغرب كمصر مثل هذا لا يقال له: شرق أو غرب، إنما ينهى عن الاستقبال والاستدبار، ولكن يشمل أو يجنب، يتجه إلى جهة الجنوب أو إلى جهة الشمال؛ لأنه إذا شرق أو غرب فإنه حينئذٍ يكون مستقبلًا للكعبة أو مستدبرًا لها، فهذا الخطاب خاص بأهل المدينة ومن كان على سمتها أو مقابلًا لها، في قوله -﵊-: «ولكن شرقوا أو غربوا» فيه ما يرد على من منع استقبال النيرين معللًا ذلك بما فيهما من نور الله، والحديث صريح في الرد عليه؛ لأنه إذا شرق أو غرب استقبل، فإن شرق في أول النهار استقبل الشمس، وإن غرب في أخر النهار استقبل الشمس، وكذلك القمر، ولا يوجد ما يدل على المنع من ذلك ولا العلة.
[ ٤ / ٩ ]
«ولكن شرقوا أو غربوا» فقال أبو أيوب الصحابي: فقدمنا الشام" يعني بعد فتحها قدموا الشام فوجدوا مراحيض "فوجدنا مراحيض" جمع مرحاض، وهو المتخذ لقضاء الحاجة "قد بنيت مستقبل القبلة" هذا في الشام يعني بنيت إلى جهة الجنوب، بنيت إلى جهة الجنوب إلى جهة القبلة "قال: فننحرف عنها" يعني نميل عن جهة القبلة ينحرفون يمينًا أو شمالًا عنها "فننحرف عنها ونستغفر الله" يقول ابن العربي: هذا الاستغفار يحتمل ثلاثة أوجه: الأول: أن يستغفر الله من الاستقبال، من هذا الاستقبال؛ لأنه وإن انحرف فإنه لا يستطيع أن ينحرف كثيرًا، لا يستطيع أن ينحرف كثيرًا، إنما ينحرف قليلًا عن الجهة، ولا يستطيع أن يحرف تمام الانحراف إلى جهة مخالفة، إلى الشرق أو إلى الغرب، فلا يستطيع امتثال «ولكن شرقوا أو غربوا» فيستغفرون الله -جل وعلا- على ما بدر منهم وحصل، هذا الوجه الأول، الوجه الثاني: أنه يستغفر الله من ذنوبه، من ذنوبه فإن هذا الذي وقع فيه أو وُقع فيه من قبله ذنب، والذنب يذكر بالذنب، فيذكر الإنسان ذنوبه فيستغفر الله منها، وإلا فقد فعل في هذا الظرف وفي هذه الحال ما أمر به، انحرف عن القبلة ولم يرتكب محظور، وحينئذٍ ليس عليه استغفار، ومع ذلك الإنسان لو أدى جميع ما عليه على حد زعمه فإنه لن يستغني عن الاستغفار، التقصير لا بد منه ولا يمحوه إلا الاستغفار.
[ ٤ / ١٠ ]
الوجه الثالث يقول: يستغفر الله لمن بناها فإن الاستغفار للمذنبين سنة، يستغفر الله -جل وعلا- لمن بناها، إذا ثبت أن الذي بناها مسلم وإلا فوقت فتحها الذي يغلب على الظن أن الذي بنى هذه المراحيض غير مسلمين فلا يتوجه الاستغفار لهم، بل لا يجوز الاستغفار لهم، وقد نهي النبي -﵊- أن يستغفر لعمه، ونهي إبراهيم إن يستغفر لأبيه، فلا يجوز الاستغفار للكفار، ولا يجوز الترضي عليهم ولا يجوز الترحم، وإن وجد في أساليب بعض الأدباء وبعض المعاصرين المجاملين؛ لأن الكفار الذين حصل لديهم بعض ردود الأفعال من الأحداث الجارية، فلا يجوز بحال أن يترضى أو يترحم أو يستغفر للكفار، لكن إذا كان الذي بناها مسلم أو يغلب على الظن أنه مسلم، أو وجد على ذلك علامات أو أثار مسلمين فإنه يستغفر له، وعلى هذا الذي يبني بيته فيتعين عليه أن يصرف هذه الأماكن التي تقضى فيها الحاجة عن جهة القبلة، يعني المراحيض تصرف عن جهة القبلة على الخلاف الأتي في النهي، وأنه هل يختص بالصحارى دون البنيان أو يشمل الجميع؟ وعلى كل حال خروجًا من الخلاف من بنى بيتًا يحرف جهة هذا المرحاض عن جهة القبلة فلا يستقبلها ولا يستدبرها.
"قال أبو عيسى -المؤلف الترمذي-: وفي الباب عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي" وهذا مخرج عند ابن ماجه وابن حبان، حديثه مخرج عند ابن ماجه وابن حبان، وهو صحابي شهد فتح مصر، ومات بها سنة ست وثمانين "ومعقل بن أبي الهيثم" وحديثه أيضًا عند أبي داود وابن ماجه، وهو معدود في أهل المدينة له ولأبيه صحبة مات في خلافة معاوية "ويقال له: معقل بن أبي معقل" معقل بن أبي الهيثم، ويقال: معقل بن أبي معقل، ولا يمنع أن يكون معقل بن أبي الهيثم ويكون أيضًا معقل بن أبي معقل، يمكن اجتماعهما لأن أباه يكنى بأكثر من كنية بأبي الهيثم؛ لأنه أكبر ولده وقد يكنى بمعقل؛ لأنه أقرب الناس إليه، كما صنع الإمام أحمد يكنى بأبي عبد الله وصالح أكبر منه "وأبي أمامة" وهذا ينظر من أخرجه، "وأبي هريرة" وهو مخرج عند مسلم وابن ماجه "وسهل بن حنيف" وحديثه عند الدارمي.
[ ٤ / ١١ ]
"قال أبو عيسى: حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح" وأخرجه الشيخان، فالحديث متفق عليه، "وأبو أيوب اسمه: خالد بن زيد" بن كليب من كبار الصحابة مات سنة خمسين أبو أيوب يقول المؤلف اسمه: خالد بن زيد، وجده اسمه: كليب، وهو من كبار الصحابة مات سنة خمسين "والزهري اسمه: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وكنيته أبو بكر" متفق على إمامته وجلالته توفي سنة أربع وعشرين ومائة "قال أبو الوليد المكي" موسى بن أبي الجارود صاحب الإمام الشافعي من الآخذين عنه، من الملازمين له "قال أبو عبد الله -ينقل عن شيخه أبي عبد الله- محمد بن إدريس الشافعي" الإمام العلم صاحب المذهب المتبوع، المتوفى سنة أربع ومائتين "إنما معنى قول النبي -ﷺ- «لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا ببول ولا تستدبروها» هذا النهي الوارد في حديث الباب "إنما هذا في الفيافي" في الصحاري التي لا يوجد فيها حواجز بينه وبين القبلة "وأما في الكنف المبنية" جمع كنيف، وهي المتخذة لقضاء الحاجة "له رخصة" يعني يجوز له أن يستقبل وأن يستدبر "وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم" الحنظلي، الإمام المعروف بابن راهويه.
[ ٤ / ١٢ ]
هذا الكلام من الإمام الشافعي ويوافقه عليه إسحاق وهو قول مالك أيضًا نبسه ابن حجر للجمهور، قال: وهو قول الجمهور، وهو أعدل الأقوال أن الحكم يختلف فإذا كان في الصحاري اتجه المنع، وإن كان في البنيان فالأمر فيه سعة، وفيه رخصة، يعني جائز، ونسبه ابن حجر للجمهور، ويدل عليه حديث ابن عمر الآتي، وحديث جابر أيضًا، هذا قول، القول الأول: التفريق بين الصحاري والبنيان، فيجوز في البنيان دون الصحاري، والقول الثاني: يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "وقال أحمد بن حنبل -﵀-: إنما الرخصة من النبي -ﷺ- في استدبار القبلة بغائط أو بول، وأما استقبال القبلة فلا يستقبلها" يعني سواء كان في الصحاري أو في البنيان، فالاستدبار يجوز مطلقًا في الصحاري وفي النبيان، والاستقبال لا يجوز مطلقًا في الصحاري ولا في البنيان "كأنه لم ير في الصحراء ولا في الكنف أن يستقبل القبلة" وأما الاستدبار فلا بأس به، هذا ما نسبه الإمام المؤلف -﵀- إلى الإمام أحمد، وعنه يعني عن الإمام أحمد كقول الشافعي التفريق بين الصحاري والبنيان، وعنه لا يجوز مطلقًا لا الاستقبال ولا الاستدبار لا في الصحاري ولا في البنيان، قول مالك كقول الشافعي الذي نسبه إليه المؤلف في الكتاب، وقول الحنفية كقول أحمد المذكور في الكتاب، يعني التفريق بين الاستقبال والاستدبار، وقيل: يجوز مطلقًا، وهو قول عروة وربيعة وداود الظاهري بناءًا على أن ما حصل منه -﵊- من استدبار للكعبة في حديث ابن عمر واستقبالها في حديث جابر يكون ناسخًا للنهي، ومثل هذا الذي فيه تعظيم لهذه الجهة المعظمة شرعًا لما فيها من بيت الله المعظم، ومن شعائر الله التي تعظيمها من تقوى القلوب، يرى بعض أهل العلم أن مثل هذا لا يقبل النسخ مثل هذا لا يقبل النسخ؛ لأن العلة قائمة ما ارتفعت وهو تعظيم البيت، من أهل العلم من يرى أن الفعل خاص به -ﷺ- والنهي للأمة، يعني فعله -﵊- في استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة خاص به، وأما نهيه فهو محمول على غيره على الأمة، ولا شك أن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، ومن جهة أخرى تخصيص النبي -عليه
[ ٤ / ١٣ ]
الصلاة والسلام- بهذا الأمر لا وجه له، لا وجه له لماذا؟ لأن عدم الاستقبال وعدم الاستدبار أكمل من الاستقبال والاستدبار حال قضاء الحاجة، لا شك أن احترام الجهة المحترمة شرعًا أكمل من ضده، وكل كمال يطلب من الأمة فالنبي -﵊- أولى به، كل كمال يطلب من الأمة فالنبي -﵊- أولى به، فكيف تمنع الأمة من أجل تعظيم الكعبة ألا تستقبل ولا تستدبر ويباح للنبي أن يستقبل ويستدبر؟ مع أن هذا كمال يعني ما أمرت به الأمة كمال، فالنبي -﵊- أولى بالكمال فتخصيصه غير وارد هنا، مع أن التخصيص لا بد له من مخصص، يعني نظير ما قيل في مسألة الكشف -كشف الفخذ- في حديث جرهد: «غط فخذك، فإن الفخذ عورة» وحسر النبي -﵊- فخذه كما في الصحيح من حديث أنس، يقولون: هذا خاص به -﵊-، وأما من عداه يجب عليه أن يغطي الفخذ.
نقول: ستر الفخذ كمال أكمل من كشفه فكيف يطالب غيره بالكمال ويعفى -﵊- من هذا الكمال؟! لا يمكن أن يقال مثل هذا، النبي -﵊- أكمل الخلق وأتقاهم وأورعهم وأخشاهم وأحياهم، فمثل هذا لا يتجه القول بتخصيصه، ثم بعد ذلك ينظر إلى مسلك أخر من مسالك الجمع.
[ ٤ / ١٤ ]
هذه المسألة مسألة الاستقبال والاستدبار للكعبة بالغائط أو البول عرفنا ما فيها من أقوال، منهم من يرى أن النهي محفوظ، وأنه لا يجوز مطلقًا لا الاستقبال ولا الاستدبار، لا في الفضاء ولا في البنيان، عملًا بحديث الباب، وقالوا: إنه محفوظ وما عداه يمكن الإجابة عنه، والعلة قائمة التي من أجلها نهي عن ذلك، والتفريق بين الصحراء والبنيان كما قال الإمام الشافعي: "إنما هذا في الفيافي، وأما في الكنف المبنية فله رخصة" قد يقول قائل: إنه هذا البنيان لا بد من وجوده، إذا كان خارج البيت لا بد من وجود البنيان، سواء كان ملاصقًا أو بعيدًا يعني الذي يبول في الصحراء إلى الجهة يعني هل معنى هذا أنه ليس بينه وبين الكعبة بنيان ولو بعد؟ لا بد من وجود بنيان، فالتفريق بهذا فيه ما فيه، والذي يفرق بين الاستقبال والاستدبار لا شك أن الاستقبال قبيح وشنيع، الذي يجيز الاستقبال وكما نسب المؤلف للإمام أحمد وهي رواية عنه: "إنما الرخصة في استدبار القبلة بغائط أو بول وأما استقبال القبلة فلا يستقبلها" لا شك أن الاستقبال قبيح، لكن الاستدبار قد يكون أقبح من الاستقبال، فالتفريق بمثل هذا فيه ما فيه، وعرفنا الأقوال تبلغ خمسة أو تزيد، التفريق بين الصحراء والبنيان، التفريق بين الاستقبال والاستدبار، الجواز مطلقًا، المنع مطلقًا، التخصيص بالنبي -﵊-.