[ ٦ / ٤ ]
حدثنا هناد وقتيبة قالا: حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله، قال: خرج النبي -ﷺ- لحاجته فقال: «التمس لي ثلاثة أحجار» قال: فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: «إنها ركس»
قال أبو عيسى: وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله نحو حديث إسرائيل، وروى معمر وعمار بن رزيق عن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله، وروى زهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه الأسود بن يزيد عن عبد الله، وروى زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن الأسود بن يزيد عن عبد الله، وهذا حديث فيه اضطراب.
حدثنا محمد بن بشار العبدي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سألت أبا عبيدة بن عبد الله هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا، قال أبو عيسى: سألت عبد الله بن عبد الرحمن أي الروايات في هذا الحديث عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء، وسألت محمدًا عن هذا فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله أشبه، ووضعه في كتاب الجامع، قال أبو عيسى: وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل وقيس عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله؛ لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه على ذلك قيس بن الربيع.
قال أبو عيسى: وسمعت أبا موسى محمد بن المثنى يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان الثوري عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتم، قال أبو عيسى: وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأن سماعه منه بأخرة، قال: وسمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدةٍ وزهير
زائدةَ، زائدةَ.
عفا الله عنك.
إذا سمعت الحديث عن زائدةَ وزهير فلا تبالي أن لا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق، وأبو إسحاق اسمه: عمرو بن عبد الله السبيعي الهَمَدَاني.
الهَمْداني.
الهَمْداني.
وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه ولا يُعرف اسمه.
[ ٦ / ٥ ]
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في الاستنجاء بالحجرين" تقدم الكلام في الاستنجاء بالحجارة، وأنه مجزي إذا استوفى ثلاثة أحجار مع الإنقاء، وألا يقل العدد عن ثلاثة، وأهل العلم يجعلون الحجر الذي له شعب ثلاث يقوم مقام الأحجار الثلاثة، إذا كان الإجزاء لا يكون إلا بثلاثة فماذا عن الحجرين؟ تقدم في كلام الإمام أبي حنفية أنه يجزي الحجر إذا أنقى، وأن مرد ذلك إلى الإنقاء لعموم حديث: «من استجمر فليوتر» استجمر فليوتر فعلق صحة الاستجمار بالوتر، والوتر يحصل بواحد، لكنه حديث مجمل بينه الحديث الذي ساقه سابقًا من حديث سلمان الفارسي، وفيه: "وألا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار" وفي حديث الباب يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "حدثنا هناد" بن السري ثقة حافظ تقدم ذكره، "وقتيبة بن سعيد" كذلك "قالا: حدثنا وكيع" بن الجراح، الثقة الإمام، تقدم أيضًا "عن إسرائيل" بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي "عن أبي إسحاق" وسيأتي ذكر اسمه كاملًا في كلام المؤلف -رحمه الله تعالى- "عن أبي عبيدة" بن عبد الله بن مسعود، ثقة، وسيأتي تصريح المؤلف بأنه لم يسمع من أبيه ولا يعرف من حال أبيه شيئًا.
[ ٦ / ٦ ]
"عن عبد الله" بن مسعود بن غافل الهذلي ابن أم عبد، الصحابي الجليل "قال: خرج النبي -ﷺ- لحاجته" كانوا لا يتخذون الكنف في البيوت، بل يخرجون لقضاء الحاجة، فخرج النبي -﵊- كالمعتاد لحاجته "فقال" يعني لابن مسعود «التمس» أبحث لي ثلاثة أحجار «التمس لي ثلاثة أحجار» وهذا يؤيد حديث سلمان وأنه لا يجزئ الاستنجاء بأقل من الثلاثة "قال: فأتيته بحجرين وروثة" وفي رواية ابن خزيمة: "أنها روثة حمار"، "فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة" وفي بعض الروايات: «أبغني ثالثًا» يعني: آتني بحجر ثالثة، "فأخذ الحجرة وألقى الروثة وقال: «إنها ركس» والركس لغة في الرجس، الرجس هو النجس، ويقال: الركس الرجيع، وفي رواية أحمد قال: «آتني بحجر» يعني مكان الروثة، فعلى هذا لا يجزي الاستنجاء بحجرين ولو أنقى المحل، تضافرت على ذلك الأدلة، منها حديث الباب وما تقدمه من أحاديث، وهذا حديث عبد الله بن مسعود من طريق ابنه أبي عبيدة الذي لم يصح سماعه من أبيه، لكنه من رواية إسرائيل، ورجحه المؤلف على رواية غيره.
[ ٦ / ٧ ]
"قال أبو عيسى: وهكذا روى قيس بن الربيع" الأسدي، أبو محمد الكوفي صدوق، "وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث عن أبي إسحاق" السبيعي "عن أبي عبيدة عن عبد الله نحو حديث إسرائيل"، يقول: "وروى معمر" يعني ابن راشد "وعمار بن رزيق" الضبي الكوفي، وهو لا بأس به عند أهل العلم "عن أبي إسحاق" يعني السبيعي "عن علقمة بن قيس عن عبد الله" بن مسعود، هناك عن أبي عبيدة حديث الباب عن أبي عبيدة عن ابن مسعود من طريق إسرائيل، وأيضًا من طريق -كما قال المؤلف-: هكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة، فقيس بن الربيع متابع لإسرائيل، كلاهما يروي عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود، ثم قال: "وروى معمر" يعني ابن راشد الثقة الإمام المعروف "وعمار بن رزيق" لا بأس به، يعني قريب منزلته قريبة من منزلة قيس بن الربيع "عن أبي إسحاق عن علقمة عن ابن مسعود" وعلقمة له اختصاص، علقمة بن قيس النخعي الثقة الفقيه له اختصاص بابن مسعود، فإذا كانت الرواية من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود، ولم يصح سماعه من أبيه بإقرار المؤلف، بإقرار أبي عيسى المؤلف، وسيأتي قوله: بإسناد صحيح، حدثنا محمد بن بشار هذا بندار من رجال الستة، وشيخه محمد بن جعفر غندر أيضًا كذلك، قال: "حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة" ثقة أيضًا "قال: سألت أبا عبيدة بن عبد الله هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا" هذا تصريح وإقرار من المؤلف -رحمه الله تعالى- أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، إذا كان لا يذكر من حال أبيه شيئًا، والأفعال قد تدرك ويكون الإنسان على ذكر منها ولو كان صغيرًا ويضبطها أكثر من الأقوال، فإذا كان لا يذكر شيئًا من حاله ففي أقواله من باب أولى، وهذا تصريح من المؤلف بأن أبا عبيدة لم يدرك من حال أبيه شيئًا، ولا يذكر شيئًا، بينما الحديث عن علقمة بن قيس النخعي وله اختصاص بابن مسعود، حتى قيل: إنه أصح الأسانيد، وروى زهير عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه الأسود بن يزيد عن عبد الله، وروى زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن الأسود بن يزيد عن عبد الله هذه الطرق الثلاثة عن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله عن عبد الرحمن
[ ٦ / ٨ ]
بن الأسود عن أبيه الأسود بن يزيد عن عبد الله عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن بن يزيد عن الأسود عن عبد الله، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: وهذا حديث فيه اضطراب، هذا الحديث فيه اضطراب، يعني مرة يروى من طريق أبي عبيدة عن أبيه، ومرة يروى عن علقمة عن عبد الله، ومرة عن الأسود بن يزيد عن عبد الله، إذا عرفنا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ولم يذكر من حال أبيه شيئًا فهل يمكن أن يرجح على حديث علقمة؟ وهل يمكن أن يرجح على حديث الأسود بن يزيد عن عبد الله وقد أدركه إدراكًا بينًا؟ يقول: فيه اضطراب، الحديث المضطرب: هو الذي يروى على أوجه مختلفة متساوية، يروى على أوجه يعني على أكثر من وجه، وتكون هذه الأوجه مختلفة، إن كانت متفقة فلا اضطراب، إذا أمكن ترجيح بعضها على بعض انتفى الاضطراب، بحيث لا يمكن الترجيح بينها ليتحقق الاضطراب، الإمام المؤلف -رحمه الله تعالى- رجح حديث أبي عبيدة عن أبيه، فكيف يصف الحديث بالاضطراب مع إمكانه الترجيح؟ هذا خلاف ما عليه أهل العلم في حد المضطرب، مع أن الإمام البخاري رجح غير رواية أبي عبيدة على ما سيأتي، يقول: وهذا حديث فيه اضطراب، الترمذي -﵀- بين في الروايات والطرق السابقة وجه هذا الاضطراب، وأن الرواة اختلفوا فيه في روايته عن عبد الله.
قال: حدثنا محمد بن بشار العبدي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، وهؤلاء كلهم ثقات أثبات، قال: سألت أبا عبيدة بن عبد الله هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا، وعرفنا أن هذا نص صحيح صريح في أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا، وهو الراجح من أقوال أهل العلم.
[ ٦ / ٩ ]
"قال أبو عيسى: سألت أبو عبد الله بن عبد الرحمن" يعني أبو عيسى ما رجح حتى سأل، لم يرجح حتى سأل "سألت عبد الله بن عبد الرحمن -يعني الدارمي الإمام- أي الروايات في هذا الحديث عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقضِ فيه بشيء"، يقول: "وسألت محمدًا عن هذا فلم يقضِ فيه بشيء" يعني البخاري، كأنه تردد في الجواب، ثم أثبت في صحيحه رواية اعتمدها ورجحها "وسألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا فلم يقضِ فيه بشيء، وكأنه -يعني البخاري- رأي حديث زهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله أشبه" يعني بالصحة وأقرب إلى الصواب، ووضعه في كتابه الجامع، يعني خرجه في صحيحه في باب: لا يستنجى بروث.
"قال أبو عيسى: وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل وقيس عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله؛ لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء" إذا كان يرجح حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله ويقر بأن أبا عبيدة لم يعرف من حال أبيه شيئًا ولم يسمع منه فهل رجح الرواية على رواية زهير من جهة التصحيح وإلا من جهة أنها أثبت لا من باب الصحة؟ لأن رواية أبي عبيدة عن أبيه منقطعة، فيكون الحديث عنده إذا كانت الرواية المنقطعة عنده أثبت من المتصلة فهل يعني هذا أنه يصحح المنقطعة، أو يطعن في المتصلة، يعني الترجيح الإجمالي لا شك أن المتصل أولى بالتصحيح من المنقطع، لكن ترجيح الترمذي للرواية المنقطعة مع إقراره بانقطاعها ترجيحه إياها على المتصلة لا شك أنه قدح في المتصلة لا أنه تصحيح للمنقطعة، ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ ظاهر يا الإخوان وإلا ما هو بظاهر؟ لأنه قد يقول قائل: كيف يقول الإمام الترمذي يسوقه بإسناده الصحيح أن أبا عبيدة لا يذكر من حال أبيه شيئًا، ثم يرجح هذا الذي جاء من طريق هذا الرجل الذي لا يذكر من حال أبيه شيئًا، ولم يصح سماعه من أبيه يرجحه على الرواية المتصلة، هل لأن الترمذي يرى أن المنقطع صحيح أو أنه أرجح من المتصل؟ لا، ليس لهذا، وإنما هو يقدح في الرواية المتصلة، لماذا؟ لأن راوي المنقطعة أحفظ وأثبت وأشبه على ما يقول.
[ ٦ / ١٠ ]
"قال أبو عيسى: وأصح شيء في هذا عند حديث إسرائيل وقيس عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله؛ لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء" يعني من معمر بن راشد وعمار بن رزيق وزهير وزكريا بن أبي زائدة، أثبت من هؤلاء كلهم؛ لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق، عرفنا السبب؟ إذا تعارضت الروايات وكان فيها المتصل وفيها المنقطع وفيها المرسل وفيها الموصول وفيها المرفوع وفيها الموقوف، الأقوال المعروفة عند أهل العلم الأربعة ممن يحكم على مثل هذا الاختلاف بأحكام مطردة، هذا مفروغ منه معروف، منهم من يحكم للاتصال مطلقًا والرفع، ومنهم من يحكم للإرسال والوقف مطلقًا، ومنهم من يحكم للأكثر، ومنهم من يحكم للأحفظ، وهنا الترمذي حكم للأحفظ على الأكثر، وكأنه تبع في هذا أبا حاتم الرازي، أبو حاتم الرازي هذا منهجه وهذه طريقته، وقد قال في الحديث مثل ما قال الترمذي، وهو إمام من أئمة الحديث لا يقدح فيه، لكن أين إمامته من إمامة الإمام البخاري؟ لا سيما ما أودعه البخاري في صحيحه، يعني إذا اختلف قول الإمام البخاري مع قول الإمام أحمد أو مع قول أبي حاتم، أو مع قول الأئمة الكبار فمن يرجح؟ نعم إن كان قول البخاري في صحيحه إن كان قوله مدون يعني ترجيحه مدون في صحيحه الذي تلقته الأمة بالقبول فلا يرجح عليه أحد، وإن كان قوله مما يروى عنه في غير كتابه فقوله كغيره من الأئمة ينظر فيه، يعني لو كان الترجيح ذكره الإمام الترمذي عن البخاري ما هو في صحيحه إنما نقله الترمذي عن البخاري في جامعه نقول: ينظر، قول البخاري مثل غيره من الأئمة، يعني ليس بأحفظ من الإمام أحمد، وليس بأكثر تعليل للأحاديث من على بن المديني، هو كغيره من الأئمة ينظر فيه، لكن إذا أودع كلامه في صحيحه الذي تلقته الأمة بالقبول، فيرجح على غيره مطلقًا، الإمام البخاري لما رجح رواية الرفع في حديث ابن عمر في رفع اليدين بعد الركعتين، والإمام أحمد رجح الوقف، يعني لو كان قول البخاري منقول من قبل الترمذي أو غيره، منقول عنه نظرنا في قوله مع قول الإمام أحمد، لكن ما دام في صحيحه، وصحيحه له شأن عند الأمة، تلقت الأمة بالقبول حتى اكتسب القطيعة بهذا القبول، قلنا: لا
[ ٦ / ١١ ]
ينظر لقول أحد مع قوله -﵀-، مع أنه لا يلزم إمام بقول إمام، لا نقول: لماذا الترمذي ما قلد البخاري؟ قلد أبا حاتم ولم يقلد البخاري؟ لا يلزم مجتهد بقول مجتهد.
يقول: "وسألت محمد عن هذا فلم يقضِ فيه بشيء، وكأنه رأى -يعني الإمام البخاري- حديث زهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله أشبه" يعني أشبه بالصحة، وأقرب إلى الصواب "ووضعه في كتابه الجامع" وإذا وجدنا الترجيح من قبل الإمام البخاري في جامعه لم ننظر إلى غيره، أما إذا وجدنا ترجيحه فيما ينقل عنه خارج الجامع قلنا: إمام من أئمة المسلمين، وينظر في ترجيحه مع أقوال الأئمة الآخرين.
"قال أبو عيسى: وأصح شيء عندي في هذا إسرائيل وقيس عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله؛ لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء" يعني من هؤلاء مجتمعين، معمر وهو إمام وعمار بن رزيق وزهير وزكريا بن أبي زائدة، وهنا رجح رواية الأحفظ على رواية الأكثر، وتابعه يعني إسرائيل على روايته عن أبي إسحاق، تابعه على ذلك قيس بن الربيع، قيس بن الربيع.
"قال أبو عيسى: وسمعت أبا موسى محمد بن المثنى -العنزي المعروف، شيخ الأئمة- يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان، عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل، لأنه كان يأتي به أتم" يعني يأتي به على وجهه لا يخرم منه كلمة، يعني أنه يضبط حديث أبي إسحاق، إسرائيل يضبط حديث أبي إسحاق، ولهذا رجح على غيره من قبل الإمام الترمذي، الترجيح في مثل هذه المواطن لا يتسنى لكل أحد، لا يتسنى لكل أحد، فلو نظرنا كيف رجح الإمام الترمذي رواية إسرائيل على رواية أئمة حفاظ ثقات مجتمعين أربعة أو خمسة يرجح عليهم رواية واحد لا شك أن القرائن دلته على ترجيح رواية إسرائيل، وغيره رجح رواية غير إسرائيل على روايته لا سيما وأن الحديث الذي من طريق إسرائيل يروى بسند منقطع، ورواية غيره متصلة، وعرفنا أن الترمذي لا يرجح المنقطع على المتصل لذات الانقطاع والاتصال، وإنما يعل المتصلة بهذه الطريق المنقطعة.
[ ٦ / ١٢ ]
"قال أبو عيسى: وزهير" هو ابن معاوية ثقة ثبت عند الأئمة توفي سنة اثنتين وسبعين ومائة "في أبي إسحاق ليس بذلك" يعني في روايته عن أبي إسحاق ليس بذاك، يعني ليس بذاك القوي "لأن سماعه منه بآخرة" كذا ضبط هنا، ويضبطه أهل العلم بأخرة بالقصر، يعني بعد ما تغير أبو إسحاق "قال: وسمعت أحمد بن الحسن -بن جنيدب- الترمذي" الحافظ، الجوال، أحد أوعية العلم، توفي سنة خمس ومائتين "يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا سمعت الحديث" لعله سنة خمسين ومائتين؛ لأنه يروي عنه الترمذي وهو يروي عن أحمد، "سمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير" زائدة بن قدامة الثقفي أحد الأعلام "إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبالي ألا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق" لأنه سمع منه بعد الاختلاط "وأبو إسحاق اسمه: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني" ثقة عابد، توفي سنة تسع وعشرين ومائة "وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه ولا يُعرف اسمه" وسماه الإمام مسلم في الكنى سماه عامر، لكنه مشهور بكنيته، وهذه هي العادة أن من اشتهر بشيء من اسم أو كنية أو لقب فإنه يضيع ما سواه.
الشارح المبارك فوري: يقول: اعلم أن الترمذي رجح رواية إسرائيل على رواية زهير التي خرجها الإمام البخاري في صحيحه، يقول: اعلم أن الترمذي رجح رواية إسرائيل على رواية زهير التي وضعها الإمام البخاري في صحيحه، وعلى رواية معمر وغيره بثلاثة وجوه:
الأول: أن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من زهير ومعاوية وغيرهما.
الثانية: أن قيس بن الربيع تابع إسرائيل على روايته عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبي عبد الله عن عبد الله.
الثالث: أن سماع إسرائيل من أبي إسحاق ليس في أخر عمره، يعني بعد الاختلاط والتغير وسماع زهير منه في آخر عمره، هذه الأوجه التي رجح الترمذي بها رواية إسرائيل على رواية غيره.
[ ٦ / ١٣ ]
قلت -الشارح يقول كذا- قلت: في كل من هذه الوجه الثلاثة نظر، فما قال في الوجه الأول: فهو معارض بما قال الآجري: سألت أبا داود عن زهير وإسرائيل في أبي إسحاق فقال: زهير فوق إسرائيل بكثير، وما قال في الوجه الثاني من متابعة قيس بن الربيع لرواية إسرائيل فإن شريكًا القاضي تابع زهيرًا، وشريك أوثق من قيس، وأيضًا تابع زهيرًا إبراهيم بن يوسف عن أبيه وابن حماد الحنفي وأبو مريم، وزكريا بن أبي زائدة، وما قاله في الوجه الثالث فهو معارض بما قال الذهبي في الميزان.
قال أحمد حنبل: حديث زكريا وإسرائيل عن أبي إسحاق لين، سمعا منه بآخرة أو بأخرة؟ بما في ذلك إسرائيل التي رجحها الترمذي، فظهر الآن أنه ليس لترجيح رواية إسرائيل وجه صحيح، بل الظاهر أن الترجيح لرواية زهير التي رجحها الإمام البخاري ووضعها في صحيحة، يعني إذا اعتبرنا الإمام الترمذي من أئمة هذا الشأن ولا يقدح فيه أحد، إمام يعني لا يتطاول عليه عالم فضلًا عن طالب علم، لكن أين إمامة الترمذي من إمامة البخاري في هذا الشأن؟ معول الإمام الترمذي في العلل على البخاري، سواء كان في جامعه أو في علله، هو يعول كثيرًا على الإمام البخاري.
يقول: قال الحافظ ابن حجر في مقدمته -مقدمة فتح الباري-: حكى ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة أنهما رجحا رواية إسرائيل، وكأن الترمذي تبعهما في ذلك، والذي يظهر أن الذي رجحه البخاري هو الأرجح، وبيان ذلك أن مجموع كلام هؤلاء الأئمة مشعر بأن الراجح على الروايات كلها، أم طريق إسرائيل وهي عن عبيدة عن أبيه وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه فيكون الإسناد منقطعًا، أو رواية زهير وهي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود فيكون متصلًا، وهو تصرف صحيح؛ لأن الأسانيد فيه إلى زهير وإلى إسرائيل أثبت من بقية الأسانيد، وإذا تقرر ذلك كان دعوى الاضطراب في الحديث منفية؛ لأن الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربًا إلا بشرطين.
أحدهما: استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم، ولا يعل الصحيح بالمرجوح.
[ ٦ / ١٤ ]
وثانيهما: مع الاستواء أن يعتذر الجمع على قواعد المحدثين، أو يغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه، فحينئذٍ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب، ويتوقف في الحكم لصحة ذلك الحديث لذلك، وهاهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه؛ لأن الروايات المختلفة عنه لا يخلو إسناد منها من مقال غير الطرقين المقدم ذكرهما عن زهير وعن إسرائيل، مع أنه يمكن رد أكثر الطرق إلى رواية زهير، والذي يظهر بعد ذلك تقديم رواية زهير؛ لأن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق قد تابع زهيرًا وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية يحيى بن أبي زائدة عن أبيه عن أبي إسحاق كرواية زهير، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه من طريق ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود كرواية زهير عن أبي إسحاق، وليث وإن كان ضعيف الحديث فإنه يعتبر به ويستشهد، فيعرف أن له من رواية عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أصلًا انتهى كلام الحافظ.
وعلى هذا يرجح ما خرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- واعتمده من الرواية المتصلة، وتكون رواية زهير محفوظة حينئذٍ، وإن كانت روايته عن أبي إسحاق بأخرة.
[ ٦ / ١٥ ]
كيف تكون الرواية محفوظة ورواية زهير عن أبي إسحاق بأخرة كما صرح بذلك الترمذي ووافقه ابن حجر في التقريب؟ وافقه بن حجر في التقريب فيكف تكون محفوظة وقد روى عنه بعد التغير؟ الراوي إذا تغير واختلط هناك التغير الكلي المطبق بحيث لا يحفظ شيئًا من حديثه، ولا يعي شيئًا من أقواله، ومثل هذا لا يمكن أن يروى عنه، لا يروي عنه زهير ولا غير زهير، حتى من دون زهير ما يمكن أن يروي عن مثل هذا، إنما يروي زهير عمن تغير ومثل زهير إنما يروي عن الراوي إذا تغير إذا كان يضبط شيئًا ولا يضبط شيئًا، يضبط بعض أحاديثه ولا يضبط بعض الأحاديث، فيكون ما رواه زهير عنه بعد التغير منه مما ضبطه وأتقنه، وكلكم يعرف الإنسان إذا تغير في أخر عمره إذا وصل الثمانين أو تعدها وحصل عنده بعض الاختلاف بعض القصص والأحداث يسوقها كما هي، كما كان يسوقها في العشرين من عمره، وبعضها يحصل عنده شيء من الاضطراب في سياقها، والتقديم والتأخير والنقص وبعض التغير؛ لئلا يقول: كيف يكون زهير روى عنه بعد التغير وتكون روايته عنه محفوظة؟ لماذا الحافظ ابن حجر يقول: محفوظة ويعترف أن زهير في التقريب إنما روى عن أبي إسحاق بعد التغير، نقول: نعم تكون محفوظة وروايته عنه بعد التغير لكن المتغير يحفظ شيئًا ويضيع أشياء، فيكون هذا مما ضبطه وأتقنه، إذًا هذا ظاهر.
اقتراحات من بعض الإخوان أن مثل هذه الأمور لا نعرج عليها ولا نلتفت إليها، ونكتفي بمتن الحديث إذا صح، ونقرر المسائل الفقيهة على ضوئه.
نقول: إذا ما تعرضنا ما تعرضنا لمثل هذه الأمور، نأخذ متن فقهي يكون أريح لنا شوي، لكن تخريج طالب العلم على مثل هذه الأمور في غاية الأهمية، نعم بعض الإخوان قد يكون تحصيله لا يؤهله إلى مثل هذه الأمور، لكن يلحق -إن شاء الله-.
سم.
عفا الله عنك.