حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال:
قال رسول الله -ﷺ-: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة».
قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن زيد بن خالد عن النبي -ﷺ-، وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة وزيد بن خالد عن النبي -ﷺ- كلاهما عندي صحيح؛ لأنه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح لأنه قد روي من غير وجه، وأما محمد بن إسماعيل فزعم أن حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح.
[ ٧ / ١٢ ]
قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي بكر الصديق وعلي وعائشة وابن عباس وحذيفة وزيد بن خالد وأنس وعبد الله بن عمرو وأم حبيبة وابن عمر وأبي أمامة وأبي أيوب وتمام بن عباس وعبد الله بن حنظلة وأم سلمة وواثلة بن الأسقع وأبي موسى.
حدثنا هناد قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل».
قال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا أستن، ثم رده إلى موضعه.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في السواك" السواك بكسر السين يطلق على الآلة التي هي العود، ويطلق على الفعل الذي هو التسوك، وهو المراد في هذا الباب الذي هو فعل المكلف، وجمع السواك ها؟ إيش؟ سُوُك، مثل: كتاب وكتب.
[ ٧ / ١٣ ]
قال: "حدثنا أبي كريب" محمد بن العلاء بن كريب، الكوفي، ثقة حافظ "قال: حدثنا عبدة بن سليمان" الكلابي، أبو محمد الكوفي ثقة ثبت "عن محمد بن عمرو" بن علقمة بن وقاص الليثي، صدوق له أوهام "عن أبي سلمة" بن عبد الرحمن بن عوف الزهري "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لولا أن أشق» " (لولا) عند أهل العلم حرف امتناع لوجود، لولا حرف امتناع، امتناع الأمر بالسواك لوجود المشقة، و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر، يعني لولا المشقة والتشديد، والتثقيل على الأمة وهذا من رحمته ورأفته -﵊- بأمته، ولولا ذلك لأمرتهم، والمراد بالأمر أمر الإيجاب، أما أمر الاستحباب فهو ثابت في نصوص كثيرة جدًا، فاستحباب السواك مقطوع به، والنصوص متضافرة عليه، أعني أمر الاستحباب أما أمر الوجوب فلا، فامتنع لوجود المشقة، والحديث من أقوى الأدلة على أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، الأمر المطلق في النصوص يقتضي الوجوب؛ لأنه امتنع الأمر هنا، والمراد به أمر الوجوب أما أمر الاستحباب فهو موجود، فدل على أن الأمر إذا أطلق نفيًا أو إثباتًا فالمراد به أمر الوجوب، إضافة إلى قول الله -جل وعلا-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [(٦٣) سورة النور] فهذا الوعيد يدل على أن الأمر للوجوب، ولا وعيد إلا على ترك واجب.
«لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» الأمة تطلق ويراد بها أمة الإجابة، وتطلق ويراد بها أمة الدعوة، والمراد بها هنا أمة الإجابة «لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» وللبخاري تعليقًا عن أبي هريرة: «عند كل وضوء» ولأحمد: «عند كل طهور» فيجمع بينها، فيستحب السواك عند الوضوء وعند كل طهور بما يشمل الغسل، وعند كل صلاة، وهناك مواضع لإسحتبابه وهو مستحب في كل وقت، ويتأكد استحبابه عند الوضوء، وعند الصلاة، وعند الاستيقاظ من النوم، وعند تغير الفم، وعند أمور وردت بها النصوص، ودعت إليها الحاجة، فكلما احتيج إلى السواك تأكد استحبابه، لطول السكوت وكثرة الكلام، وقلة الأكل أيضًا تتغير المعدة فتصدر روائح تعلق أو يعلق منها ما يعلق بالأسنان فيزال بالسواك.
[ ٧ / ١٤ ]
«عند كل صلاة» عند الحنفية يقدرون عند وضوء كل صلاة، ولا يرون استحبابه عند الصلاة، الحنفية لا يرون استحباب السواك عند الصلاة، لماذا؟ لأنه مظنة لجرح اللثة وخروج الدم وهذا يبطل الصلاة عندهم، وهو أيضًا من باب إزالة القذر، إزالة المستقذر، وهذا لا ينبغي أن يكون في المسجد، نعم عند الوضوء لا بأس، أما عند الصلاة فلا عندهم، ولكن إذا نظرنا إلى النصوص الواردة في السواك وجدناه عبادة، وأنه مطهرة للفم، وأنه مرضاة للرب، فهو عبادة من هذه الحيثية، ولذا من نظر إليه باعتباره إزالة قذر، قال: يكون التسوك بالشمال، باليد اليسرى، ومن نظر إليه باعتباره عبادة قال: يتسوك باليمين، ويمكن أن يجمع بين الأمرين، فإذا كان في الأسنان ما يقتضي السواك لإزالته فحينئذٍ يتجه القول وهو قول عامة أهل العلم أن التسوك يكون بالشمال، لكن إذا تسوك عند الوضوء، وأزال ما في الأسنان من وسخ، ثم أراد أن يتسوك في المسجد عند إقامة الصلاة، نقول: يتسوك باليمين؛ لأنه عبادة محضة، وليس فيه ما يدل على أنه إزالة مستقذر؛ لأن المستقذر أزيل عند الوضوء.
وشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- يقول: لا أعلم أحدًا من الأئمة قال بالتسوك باليمين، مع أن جده أبا البركات المجد ابن تيمية يستحب التسوك باليمين، وإذا كان لإزالة القذر فلا شك أن المستقذرات لليد اليسرى، وإذا كان لا يوجد على الأسنان ما يقتضي ما يسمى به قذرًا فإنه يتسوك بيده اليمني، وعلى كل حال ثبت استحباب السواك عند الوضوء، وثبت أيضًا التسوك عند كل صلاة، فلا وجه لقول الحنفية، لا وجه لقولهم مع ما ثبت عن النبي -﵊-.
[ ٧ / ١٥ ]
"قال أبو عيسى: روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم" هناك فيه أبو كريب السند الأول، ثقة حافظ، وعبدة كذلك، محمد بن عمرو صدوق، يحتاج إلى متابع ليصحح حديثه "عن أبي سلمة" أحد الفقهاء المعروفين "عن أبي هريرة"، وهنا قال: "وروى هذا الحديث محمد بن إسحاق" صاحب المغازي، صدوق أيضًا، لكنه يدلس فلا بد من تصريحه "عن محمد بن إبراهيم" بن الحارث التيمي ثقة، راوي حديث: الأعمال بالنيات، الذي تفرد به وقبله عنه الأئمة وخرجوه، وتلقته الأمة بالقبول "عن أبي سلمة" فمحمد بن إبراهيم أوثق من محمد بن عمرو "عن أبي سلمة عن زيد بن خالد" الجهني، صحابي مشهور، مات سنة ثمان وستين "عن النبي -ﷺ-" وسيأتي ذكره في أخر الباب.
قال المؤلف: "وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة وزيد بن خالد" سواء كان ما جاء من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص، أو طريق محمد بن إبراهيم التيمي "كلاهما عندي صحيح؛ لأنه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح لأنه قد روي من غير وجه" لماذا احتاج الإمام أن يقول مثل هذا الكلام؟ محمد بن عمرو بن علقمة صدوق له أوهام فلا يصحح حديثه إلا إذا توبع، يحتاج إلى متابع ليصحح حديثه، والحافظ العراقي ضرب للصحيح لغيره هذا الحديث مثالًا، هذا الحديث حديث محمد بن عمرو ضربه مثالًا للصحيح لغيره، فقال:
والحسن المشهور بالعدالة والصدق راويه إذا أتى له
طرق أخرى نحوها من الطرق صححته كمتن (لولا أن أشق)
هذا الحديث، كمتن (لولا أن أشق).
إذ تابعوا عليه محمد بن عمرو عليه فارتقى الصحيح يجري
لما توبع محمد بن عمرو بن علقمة وروي من حيث ..، لأنه قد روي من غير وجه قال الترمذي: هو عنده صحيح، ولا شك أنه صحيح وإن لم يكن صحيح لذاته فهو صحيح لغيره.
[ ٧ / ١٦ ]
وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة وزيد بن خالد عن النبي -ﷺ- كلاهما عندي صحيح؛ لأنهما قد رويا من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح لأنه قد روي من غير وجه، وأما محمد بن إسماعيل البخاري فزعم أن حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح، يعني الحديث الثاني أصح من الأول، طيب حديث أبي سلمة عن أبي هريرة فيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو صدوق له أوهام، والحديث الثاني الذي رجحه الإمام البخاري فيه محمد بن إسحاق وهو وإن كان إمامًا في المغازي إلا أن روايته للحديث فيها ما فيها، بل رمي بالكذب، لكن القول الوسط المعتدل فيه أنه صدوق، فهو بمنزلة محمد بن عمرو، ويزيد عليه أنه مدلس لا بد أن يصرح، فكيف رجح الإمام البخاري الحديث الثاني وفيه محمد بن إسحاق على الحديث الأول الذي فيه محمد بن عمرو بن علقمة؟ ما سبب الترجيح؟ يقول الحافظ ابن حجر: حكى الترمذي عن البخاري أنه سأله عن رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ورواية محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن زيد بن خالد فقال: رواية محمد بن إبراهيم أصح، لا شك أن محمد بن إبراهيم أوثق من محمد بن عمرو، لكن الراوي عن محمد بن إبراهيم لا يترجح على محمد بن عمرو بأي حال من الأحوال، قال: رواية محمد بن إبراهيم أصح، وقال الترمذي: كلا الحديثين صحيح عندي، وترجيح البخاري طريق محمد بن إبراهيم لأمرين:
الأول: أن فيه قصة سيأتي في الحديث: "قال أبو سلمة: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات -يعني الخمس- في المسجد -جماعة- وسواكه على أذنه موضع القلم من إذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى موضعه" هذه قصة، قصة الخبر، هذه قصة ذكرت في الخبر، ولا شك أن ذكر الحديث بفصه، بجميع ما يدور حوله بقصته بسببه يدل على أن الراوي ضبطه وأتقنه، بخلاف الحديث المجرد عن قصته وسببه، فإذا ذكر الراوي الحديث بقصته بسبب وروده بسبب إيراده من قبل الصحابي هذا كله يدل على أن الراوي ضبط الحديث وأتقنه بجميع ما يحتف به، وهذا مرجح عند أهل العلم، الأول: أن فيها قصة، وهو قول أبي سلمة التي ذكرناه.
[ ٧ / ١٧ ]
الثاني: أنه توبع، تابعه يحيى بن أبي كثير على روايته ورواية يحيى بن أبي كثير عند الإمام أحمد بسند لا بأس به، هذه وجوه ترجيح الإمام البخاري لحديث زيد بن خالد على حديث أبي هريرة.
"قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي بكر الصديق" رواه أحمد وأبو يعلى "وعلي" رواه الطبراني في الأوسط "وعائشة" عند النسائي وابن خزيمة وابن حبان، وعلقها البخاري "وابن عباس" عند الطبراني في الكبير والأوسط "وحذيفة" وحديثه متفق عليه "وزيد بن خالد" وحديثه عند الترمذي سيأتي، وعند أبي داود، "وأنس" وهو مخرج في البخاري "وعن عبد الله بن عمر" وأخرجه أبو نعيم في كتاب السواك "وابن عمر" عند الإمام أحمد "وأم حبيبة" عند أحمد وأبي يعلى "وأبي أمامة" عند ابن ماجه "وأبي أيوب" عند أحمد والترمذي "وتمام بن عباس" تمام بن عباس هذا من ولد العباس بن عبد المطلب، أخ لعبد الله وهو أصغر أولاده، له رؤية وليست له رواية "وتمام بن عباس" عند أحمد والطبراني في الكبير "وعبد الله بن حنظلة" لم يقف الشارح على من خرجه "وأم سلمة" عند الطبراني "وواثلة بن الأسقع" عند أحمد والطبراني أيضًا "وأبي موسى" عند الشيخين البخاري ومسلم، وفي الباب أحاديث كثيرة جدًا تدل على فضل السواك، وجاء فيه ما يدل على أن الصلاة بسواك عن سبعين صلاة، وله طرق تدل على أن له أصلًا، له طرق تدل على أن له أصلًا، فالسواك مأمور به أمر استحباب، وهو مرضاة للرب -جل وعلا-، وأيضًا هو من باب أخذ الزينة للصلاة ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [(٣١) سورة الأعراف].
[ ٧ / ١٨ ]
قال: "حدثنا هناد قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم -بن الحارث التيمي- عن أبي سلمة عن زيد بن خالد الجهني قال: "سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم» أمر إيجاب كما تقدم «بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل» وأخر النبي -﵊- الصلاة إلى هذا الوقت، وقال: «إنه لوقتها لولا أن أشق عليكم» فيستحب تأخير العشاء ما لم يحصل بذلك مشقة على المأمومين إلى ثلث الليل، ووقت صلاة العشاء يمتد إلى نصف الليل، يمتد إلى نصف الليل، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو في الصحيح.
"قال -أبو سلمة-: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات -يعني الخمس- في المسجد -مع الجماعة- وسواكه على أذنه" الجملة حالية والحال أن سواكه على أذنه موضع في "موضع القلم من أذن الكاتب" الكاتب يضع القلم على أذنه، أدركتم شيئًا من هذا وإلا ..؟ غالبًا النجار هو الذي يضع القلم، أما الكاتب ما يضع القلم على أذنه يضع القلم في جيبه هذا الذي أدرك، أما عندهم ما كنت لهم جيوب تحفظ الأقلام وأشياء مهيأة لهذا الأمر "وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا أستن" يعني إستاك "ثم رده -أي السواك- إلى موضعه" من الأذن.
"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" ومخرج عند أبي داود والنسائي ولعله في الكبرى.
يقول ابن العربي في عارضة الأحوذي: اختلف العلماء في السواك -يعني في حكمه- فقال إسحاق: هو واجب ومن تركه عمدًا أعاد الصلاة، هذا رأي إسحاق، ولكن حديث الباب يرد قوله، «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» فدل الحديث على عدم وجوبه، وقال الشافعي: هو سنة من سنن الوضوء، واستحبه مالك في كل حال يتغير فيها الفم، فأما من أوجبه يقول ابن العربي: فظاهر الأحاديث تبطل قوله، وعلى كل حال عامة أهل العلم على أنه متسحب، نعم.
عفا الله عنك.