حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا حماد بن زيد وجرير عن منصور عن هلال بن يساف عن سلمة بن قيس قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا توضأت فانتثر، وإذا استجمرت فأوتر».
قال: وفي الباب عن عثمان ولقيط بن صبرة وابن عباس والمقدام بن معدي كرب ووائل بن حجر وأبي هريرة.
قال أبو عيسى: حديث سلمة بن قيس حديث حسن صحيح، واختلف أهل العلم فيمن ترك المضمضة والاستنشاق، فقالت طائفة منهم: إذا تركها في الوضوء حتى صلى أعاد الصلاة، ورأوا ذلك في الوضوء والجنابة سواء، وبه يقول ابن أبي ليلى وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق، وقال أحمد: الاستنشاق أوكد من المضمضة.
قال أبو عيسى: وقالت طائفة من أهل العلم يعيد في الجنابة ولا يعيد في الوضوء، وهو قول سفيان الثوري وبعض أهل الكوفة، وقالت طائفة: لا يعيد في الوضوء ولا في الجنابة لأنهما سنة عن النبي -ﷺ-، فلا تجب الإعادة على من تركهما في الوضوء ولا في الجنابة، وهو قول مالك والشافعي في آخرة.
[ ٨ / ١٧ ]
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في المضمضة والاستنشاق" المضمضة في اللغة التحريك، ويراد بها وضع الماء في الفم وتحركيه، وهل المج من مسماها من مسمى المضمضة؟ مسألة خلافية، يعني الأصل في المضمضة أنها وضع الماء في الفم، وإدارة هذا الماء، وتحريكه في الفم، لكن هل من مسمى المضمضة مج الماء وإخراجه من الفم أو يكفي في المضمضة أن يوضع الماء ويحرك في الفم بحيث لو ابتلعه المتوضأ سمي متمضمضًا أو لا؟ خلاف بين أهل اللغة، يعني هل من مسماها المج أو ليس مسماها؟ فعلى القول بأنه من مسمى المضمضة لا تتم المضمضة إلا إذا مج الماء، وإذا قلنا: إنه ليس من مسماها قلنا: إنه إذا ابتلعه كفى، إذا وضعه في فمه وحركه ثم ابتلعه يكفيه.
والاستنشاق: هو إدخال الماء في الأنف بالنفس جذبه إلى داخل الأنف بالنفس، والاستنثار: إخراجه من الأنف بالنفس كذلك، فلا بد من إدخال الماء، وبعض الناس لا يتأكد من هذا، بل بعض الناس مجرد ما يضع الماء على طرف أنفه يظن أنه استنشق، وهذا لا يكفي، حتى يبالغ في الاستنشاق الذي جاء به الأمر في حديث لقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا».
قال -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في المضمضة والاستنشاق"
[ ٨ / ١٨ ]
قال: "حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا حماد بن زيد" وكلاهما تقدم "وجرير" هو ابن عبد الحميد بن قرط الظبي الكوفي، نزيل الري، ثقة، توفي سنة ثمان وثمانين ومائة "عن منصور" بن المعتمر، ثقة ثبت، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة "عن هلال بن يساف" يَساف ويِساف بفتح الياء وكسرها، وبالهمز إساف، الأشجعي مولاهم، ثقة، من أوساط التابعين "عن سلمة بن قيس" الأشجعي صحابي سكن الكوفة "قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا توضأت فانتثر» " الانتثار الأصل فيه إخراج الماء بعد الاستنشاق، الانتثار هو من نثر الماء وإخراجه من الأنف بعد الاستنشاق، لكن منهم من يرى أن الانتثار هو الاستنشاق، فيقول ابن العربي: الانتثار هو إدخال الماء في الأنف مأخوذ من النثرة وهو الأنف، يعني إذا أخذناه من النثرة قلنا: هو الاستنشاق، وإذا أخذناه من النثر فهو إخراج الماء لا إدخاله، «إذا توضأت فانتثر» وهذا أمر «وإذا استجمرت فأوتر» يعني إذا استعملت الجمار وهي الحجارة الصغيرة في الاستنجاء فأوتر يعني اقطعه على وتر على ألا يقل العدد عن ثلاث كما تقدم في حديث سلمان، فإذا أنقى بالثلاث فبها ونعمت، وإذا احتاج إلى رابعة فليوتر بخامسة امتثالًا لهذا الأمر «وإذا استجمرت فأوتر» وهذا هو الظاهر من لفظ الحديث، وعلى هذا فهمه عامة أهل العلم، وقال بعضهم: إذا استجمرت إذا استعملت المجمرة في الطيب فأوتر، يعني تطيب منها ثلاثًا، لكن هذا بعيد، فهم بعيد، وليس هو الظاهر من لفظ الخبر، ففي الحديث الأمر بالانتثار، ولا يكون إلا بعد الاستنشاق إن لم يكن هو الاستنشاق على قول ابن العربي وغيره.
"قال: وفي الباب عن عثمان" متفق عليه "ولقيط بن صبرة" رواه أحمد والأربعة "وابن عباس" عند أبي داود وابن ماجه "والمقدام بن معد كرب" عند أبي داود "وائل بن حجر" عند الطبراني في الكبير والبزار "وأبي هريرة" عند الشيخين، متفق عليه.
[ ٨ / ١٩ ]
"قال أبو عيسى: حديث سلمة بن قيس حديث حسن صحيح" وهو مخرج عند النسائي "واختلف أهل العلم فيمن ترك المضمضة والاستنشاق، فقالت طائفة منهم: إذا تركهما -يعني المضمضة والاستنشاق- في الوضوء حتى صلى أعاد الصلاة" يعيد الصلاة؛ لأن وضوءه ناقص "ورأوا ذلك في الوضوء والجنابة سواء، وبه يقول ابن أبي ليلى" يعني المضمضة والاستنشاق واجبان معًا، المضمضة والاستنشاق في الطهارتين الكبرى والصغرى في الوضوء والغسل "وبهذا يقول ابن أبي ليلى" ابن أبي ليلى عندنا مجموعة مترجم لهم منهم عبد الرحمن بن أبي ليلى ثقة متقن من رواة الصحيح، ومنهم ابنه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى مضعف في الحديث، فأيهما المراد؟ يعني في كتب الفقه التي تذكر المذاهب لا تخلو مسألة عن ذكر لابن أبي ليلى ولا يسمونه، وبهذا يقول: ابن أبي ليلى وفلان وفلان وفلان كما عندنا، وقد بحث فقه ابن أبي ليلي في رسالة -رسالة دكتوراه- لكنه أشكل على الباحث تعيين أبي ليلى؛ لأن في أكثر من واحد ابن أبي ليلى، فعبد الرحمن الأب ثقة متقن من رجال الكتب، من رجال الصحيحين وغيرهما، وابنه محمد رمي بسوء الحفظ، فأيهما المقصود؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
الابن وإلا الأب؟
طالب:. . . . . . . . .
الغالب الأب لأنه ثقة.
طالب:. . . . . . . . .
طيب.
طالب: أقول: في الفقه الابن.
[ ٨ / ٢٠ ]
الابن، يقول النووي والذي حل الإشكال يقول في شرح مسلم: وابن أبي ليلى -لما تكلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الحافظ الثقة المتقن المحدث المشهور- قال: وابن أبي ليلى الذي يدور اسمه كثيرًا عند الفقهاء هو ابنه محمد، القاضي الفقيه، الفقيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وليس الأب، وانتم مر بكم من الفقهاء الكبار من لا تقبل روايته، من القراء الكبار من تكلم في حفظه كما تقدم لنا في عاصم بن أبي النجود، فلا يدل هذا على الضعف المطلق، نعم قد تكون الحافظة عند بعض الناس أقل من الفهم، وبعض الناس الحافظة عنده أقوى من الفهم، وهذا يغلب عليه الرواية وذلك تغلب عليه الدراية، وكل يستفاد منه في فنه، وإذا جمع الله للإنسان الأمرين معًا الحفظ والفهم نعمة، إن استغلت فيما يرضي الله -جل وعلا- فهذا شكرها، وإن لم تستغل فكم في أسواق المسلمين من العباقرة الذين لم يستفيدوا من ذكائهم لا في دينهم ولا دنياهم، تجدهم من أكثر الناس حيل ونصب، وحيل تدل على دهاء، لكن ما الفائدة تجدهم أفقر الناس، المقصود أن الحفظ مع الفهم نعمة من نعم الله وهما بعد الإخلاص لله -جل وعلا- وسلوك الطريق والجادة هما من أقوى ما يعين على التحصيل.
"وبه يقول ابن أبي ليلى وعبد الله بن المبارك" الإمام المجاهد المعروف الذي جمعت له أبواب الخير "وأحمد -بن حنبل- وإسحاق" بن إبراهيم الحنظلي، المعروف بن راهويه، واستدلوا بحديث الباب: «إذا توضأت فانتثر» لكنه يدل على الاستنشاق دون المضمضة، والمضمضة جاء ما يدل عليها: «إذا توضأت فمضمض».
"وقال أحمد: الاستنشاق أوكد من المضمضة" نعم لأن الوارد فيه من النصوص أكثر مما ورد في المضمضة، ولو لم يكن فيه إلا حديث: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا».
[ ٨ / ٢١ ]
"قال أبو عيسى: وقالت طائفة من أهل العلم يعيد في الجنابة ولا يعيد في الوضوء، وهو قول سفيان الثوري وبعض أهل الكوفة" وهو قول أبي حنفية ومن تبعه فعندهم أنهما واجبتان في الغسل دون الوضوء لحديث: «توضأ كما أمرك الله» فأحاله على الآية، وليس في الآية ذكر المضمضة والاستنشاق، وأيضًا الغسل يطلب فيه الاستيعاب دون الوضوء، الغسل يطلب فيه استيعاب البدن وهما من البدن دون الوضوء، فأوجبا في الغسل دون الوضوء هذا عندهم، كون المضمضة والاستنشاق لم يذكرا في آية المائدة هل يدل هذا على عدم الوجوب؟ وفي الحديث: «توضأ كما أمرك الله» فأحاله على الآية، الآية ليس فيها تنصيص على المضمضة والاستنشاق، لكن الخلاف في فهم الآية بين أهل العلم كل منهما، كل منهم يستدل بالآية لمذهبه، فالذي يقول: بالوجوب -بوجوب المضمضة والاستنشاق- يقول: إن الفم والأنف من مسمى الوجه الذي جاء الأمر بغسله، من مسمى الوجه الذي جاء الأمر بغسله، والذي يقول: لا يجب لا مضمضة ولا استنشاق يقول: ليس من مسمى الوجه؛ لأنهما لا تحصل بهما المواجهة، فإذا أردت أن تواجه مخلوقًا من المخلوقين هل تفغر فاك لمواجهته ليكون الفم من مسمى المواجهة؟ هذه حجة من يقول: إن المضمضة والاستنشاق لا تدخلان في الآية، وعلى كل حال جاء ما يدل على وجوبهما من السنة، والنبي -﵊- داوم على المضمضة والاستنشاق، وكل من وصف وضوءه -﵊- ذكر أنه تمضمض واستنشق، وهذا بيان للمجمل المأمور به في الآية.
"وقالت طائفة: لا يعيد في الوضوء ولا في الجنابة لأنهما سنة من النبي -ﷺ-، فلا تجب الإعادة على من تركهما في الوضوء ولا في الجنابة، وهو قول مالك في آخرة" يعني في آخر أمره.
قال الشارح: ليس لهذا الطائفة دليل صحيح، وقد اعترف جماعة من الشافعية وغيرهم بضعف دليل من قال بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار قاله في النيل.
ابن العربي يقول: اختلف العلماء في المضمضة والاستنشاق في الطهرين على أربعة أقوال:
الأول: أنهما سنتان في الطهارتين، قاله مالك والشافعي والأوزاعي وربيعة.
والثاني: أنهما واجبتان فيهما قاله أحمد وإسحاق.
[ ٨ / ٢٢ ]
والثالث: أن الاستنشاق واجب والمضمضة سنة قاله أبو ثور.
والرابع: أنهما واجبتان في الغسل سنتان في الوضوء قاله الثوري وأبو حنيفة، وعلى كل حال المتجه القول بالوجوب لورود الأمر بهما؛ ولأن النبي -﵊- ما حفظ عنه أنه توضأ دون مضمضة واستنشاق، وفعله -﵊- بيان للمجمل في آية الوضوء، نعم.
عفا الله عنك.