حدثنا علي بن حجر قال: أخبرنا شريك عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة قالت: "من حدثكم أن النبي -ﷺ- كان يبول قائمًا فلا تصدقوه؛ ما كان يبول إلا قاعدًا".
قال: وفي الباب عن عمر وبريدة وعبد الرحمن بن حسنة.
قال أبو عيسى: حديث عائشة أحسن
ما عندك وعبد الرحمن بن حسنة؟
قال: وفي الباب عن عمر وبريدة وعبد الرحمن بن حسنة.
[ ٤ / ٢٤ ]
قال أبو عيسى: حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح، وحديث عمر إنما روي من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: "رآني النبي -ﷺ- وأنا أبول قائمًا فقال: «يا عمر لا تبل قائمًا» فما بلت قائمًا بعد.
قال أبو عيسى: وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أيوب السختياني، وتكلم فيه.
بفتح السين، بفتح السين السختياني.
عفا الله عنك.
ضعفه أيوب السختياني، وتكلم فيه.
وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر -﵁-: ما بلت قائمًا منذ أسلمت، وهذا أصح من حديث عبد الكريم، وحديث بريدة في هذا غير محفوظ، ومعنى النهي عن البول قائمًا على التأديب لا على التحريم، وقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: إن من الجفاء أن تبول وأنت قائم.
نعم يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
[ ٤ / ٢٥ ]
"باب: ما جاء في النهي عن البول قائمًا" قال -﵀-: "حدثنا علي بن حجر" بن إياس السعدي المروزي، ثقة حافظ، توفي سنة أربع وأربعين ومائيتين "قال: أخبرنا شريك" بن عبد الله النخعي، الكوفي، القاضي، صدوق يخطأ، له أخطاء وأوهام وعدت أخطاؤه وأوهامه في حدث الإسرى فبلغت عشرة أوهام، ذكرها ابن القيم في زاد المعاد، وذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري فهو يخطأ، توفي سنة سبع وسبعين ومائة "عن المقدام بن شريح" بن هانئ بن يزيد الحارثي الكوفي، ثقة "عن أبيه" شريح بن هانئ من كبار أصحاب علي، ثقة مخضرم "عن عائشة قالت: "من حدثكم أن النبي -ﷺ- كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا" في هذا دليل على أن الهدي النبوي البول قاعدًا، وهذه عادته وقاعدته المطردة، ولكنه هذا على حد علم عائشة -﵂-، وهذا هي الجادة عنده -﵊- قاعدة مطردة عنده أنه يبول قاعدًا "ومن حدثكم أنه كان يبول قائمًا فلا تصدقوه" وهذا على حد علمها، وإلا فسيأتي في حيث حذيفة -﵁- عند الجماعة كلهم أنه انتهى إلى سباطة قوم فبال قائمًا، فهذا على حد علمها، ويبقى أن الأصل البول قاعدًا، وجواز البول قائمًا -على ما سيأتي- مشروط بالاستتار، والأمن من الرشاش، ودليل على جوازه.
[ ٤ / ٢٦ ]
"قال: وفي الباب عن عمر" أخرجه ابن ماجه والبيهقي "وبريدة" عند البزار "وعبد الرحمن بن حسنة" عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه، وصححه الدارقطني وغيره "قال أبو عيسى: حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح" يعني في حديث النفي، وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه، وفيه شريك وهو يخطئ كثرًا، هذا بالنسبة لحديث عائشة، وعلى تقدير ثبوته عنها على ما قيل في شريك القاضي من كثرة الأخطاء، على تقدير ثبوته يدل على أن هذه هي القاعدة والعادة منه -﵊-، لكنها لا تنفي ما جاء في حديث حذيفة لعدم اطلاعها عليه؛ لأنها تذكر ما كان مما تتطلع عليه، وأما ما لم تتطلع عليه فالمثبت مقدم على النافي "وحديث عمر" المخرج عند ابن ماجه والبيهقي "إنما روي من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق" أبو أمية البصري، متروك عند أئمة الحديث، أبو أمية عبد الكريم بن أبي المخارق هذا متروك، وخرج عنه الإمام مالك -رحمه الله تعالى- على شدة تحريه وانتقاده للرجال، خرج عنه في الموطأ، والعادة أن مالك لا يروي إلا عن ثقة كما هو مقرر عند أهل العلم، لكن الإمام مالك -رحمه الله تعالى- اغتر به "أغرني بكثرة جلوسه في المسجد" ولا شك أن الجلوس في المسجد محمدة، فالمسجد بيت كل تقي، وإذا اغتر الإمام مالك مع شدة تحريه ونقده للرواة بعبد الكريم بن أبي المخارق فله عذره وله وجه حينما اغتر بهذا الذي يكثر من الجلوس في المسجد، مع الأسف أن المسجد الآن يهجر إلا في أوقات الصلوات، مع أنه كان معمور على مر العصور معمور وهو محل الأعمال المتعلقة بالدين والدنيا كلها، حشا ما يصان عنه من لغو ولغط وبيع وشراء وما أشبه ذلك من أمور الدنيا، فإنه لم يبنَ لهذا؛ لكن الأمور التي تخص العامة من أمور دينهم ودنياهم أيضًا كل هذا كان موضعه المسجد، ولا مكان للنبي -﵊- غير بيوته والمسجد.
[ ٤ / ٢٧ ]
الآن تجد الناس مجرد ما يسلم الإمام جلهم سرعان بما في ذلك بعض طلاب العلم، وكانت المساجد إلى وقت قريب معمورة، وفيها سكان، فيها غرف للمجاورين، الآن ما يوجد، وتجد بعض المساجد بعد صلاة الصبح يجلس فيها أكثر المصلين وبعض المساجد أقل لكن هذا موجود في مساجد المسلمين، والآن مع الأسف الشديد أنها صارت قاعدة مطردة إذا سلم الإمام من صلاة الصبح وأدوا الأذكار على قلتها تطفأ الأنوار ويغلق المسجد، حتى اعتاد الناس هذا، واستغربوا من يجلس، وقال قائلهم من المؤذنين الذين وكل إليهم إغلاق المساجد قال لبعضهم: من أراد الجلوس لا نستطيع أن نترك الكهرباء من أجلك، وهذا في بلد محط أنظار، محل علم وعمل، في هذا البلد مثلًا وقيلت هذه الكلمة، ورأينا الناس في بلدان أخرى ما يظن بها نصف ما يظن بهذا البلد وتجد صف كامل يجلسون إلى أن تنتشر الشمس، فالعلم والدين ليس له بلد، ليس له بلد فقد يوجد في وقت من الأوقات في مكان ويرحل عنه في وقت آخر والعكس، فيلاحظ في بلدنا هذا وما جاوره شيء من الانصراف، لا سيما عن العبادات الخاصة اللازمة، يوجد علماء وطلاب علم ويوجد إقبال لكن مع ذلك العمل قليل بالنسبة للعلم، فعلى طالب العلم أن يعنى بعمل الفضائل والرغائب التي جاءت النصوص في فضلها والحث عليها، وعلى كل حال هذا الذي غر الإمام مالك ضعيف مضعف عند أهل العلم، ولا يضيره أن يضعف في الرواية، ويبقى أن له عمله، لا يلزم أن يكون الإنسان عالم أو حافظ أو إمام أو مجتهد، عليه أن يبذل الوسع، ويجتهد ويحرص على التحصيل، وأهم من ذلك التطبيق.
يقول: "وحديث عمر إنما روي من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: رآني النبي -ﷺ- وأنا أبول قائمًا فقال: «يا عمر لا تبل قائمًا» فما بلت قائمًا بعد" و(بعد) هذه مبنية على الضم؛ لأنها قطعت عن الإضافة مع نية المضاف إليه، وقبل وبعد والجهات الست إذا قطعت عن الإضافة مع نية المضاف إليه بنيت على الضم، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [(٤) سورة الروم] "أما بعدُ" فما بلت قائمًا بعدُ، أما إذا قطعت عن الإضافة مع عدم نية المضاف إليه فتعرب بالتنوين:
[ ٤ / ٢٨ ]
فصاغ لي الشراب وكنت قبلًا . . . . . . . . .
وأما إذا أضيفت فتعرب ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [(١٣٧) سورة آل عمران].
"قال أبو عيسى: وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف عند أهل الحديث ضعفه أيوب -بن أبي تميمة كيسان- السختياني" البصري، تسمع بنطق بعض الكبار من الشيوخ بالكسر، والشيخ أحمد شاكر أظن ضبطها بالكسر، ضبطها بالكسر، وهو معروف ينص على أنه بفتح السين، بفتح السين، ضعفه هذا الإمام الجليل ثقة حجة من كبار الفقهاء "وتكلم فيه" وعلى كل حال أبو أمية هذا عبد الكريم متفق على تضعيفه "وروى عبيد الله عن نافع" عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري الذي تقدم، وهو ثقة أحد الفقهاء "عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر: ما بلت قائمًا منذ أسلمت" يريد الإمام -رحمه الله تعالى- أن يضعف رواية عبد الكريم بن أبي المخارق بهذه الرواية، هذه الرواية صحيحة هذه الرواية مروية عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن عمر بإسناد كالشمس "ما بلت قائمًا منذ أسلمت" أخرجه البزار، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، قال الترمذي: "وهذا أصح من حديث عبد الكريم" يعني هذا الموقوف على عمر أصح مما ذكره من الحديث المرفوع من حديث أبي أمية، وقد أخرجه البزار، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، ولكن قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ثبت عن عمر وعلى وزيد بن ثابت وغيرهم أنهم بالوا قيامًا، ولا يمنع أن يكون عمر -﵁- بال قائمًا بعد ما قال ما قال من قوله: "من بلت قائمًا منذ أسلمت" فلعله ما بال قائمًا منذ أسلم حتى بلغه أن النبي -﵊- بال قائمًا ففعله، ولا يمنع من هذا مانع.
[ ٤ / ٢٩ ]
"وحديث بريدة في هذا غير محفوظ" حديث بريدة في هذا غير محفوظ، وفيه كلام العيني السابق في قول الترمذي: في هذا نظر؛ لأنه البزار أخرجه بسند صحيح، قال: حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا عبد الله بن داود قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله قال: حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله -ﷺ- قال: «من الجفاء أن يبول قائمًا» يعني أشار إليه الترمذي ولم يذكره، وهو مخرج عند البزار بسند صحيح الحديث، وقال: لا أعلم رواه عن ابن بريدة إلا سعيد بن عبيد الله، أخرجه البزار بسند صحيح وهو يريد أن يتعقب الترمذي، ونظّر في كلامه قال: هذا فيه نظر، لكن الشارح المبارك فوري، وهذا سبق أن ذكرناه مقارنة بقول الشيخ أحمد شاكر السابق: الترمذي من أئمة هذا الشأن فقوله حديث بريدة في هذا غير محفوظ يعتمد عليه، وأما إخراج البزار حديثه بسند ظاهره الصحة فلا ينافي كونه غير محفوظ.
"ومعنى النهي عن البول قائمًا على التأديب لا على التحريم" حديث بريدة الذي فيه أن من الجفاء أن يبول قائمًا وحديث عائشة -﵂- وغيرهما من الأحاديث التي بمجموعها تدل على أن المنع من البول قائمًا وأنه من الجفاء، وأن من حدث أن النبي -﵊- بال قائمًا فقد كذب، كل هذا مصروفة عن وجهها عن المنع الجازم إلى التأديب لا على التحريم، والصارف حديث حذيفة الآتي.
"وقد روي عند عبد الله بن مسعود أنه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائم" والجفاء غلظ الطبع، وأنت قائم جملة حالية، وحديث ابن مسعود هذا يقول المبارك فوري: لم أقف على من وصله، ذكره الترمذي معلقًا ولم يقف المبارك فوري على من وصله، نعم.
سم.
عفا الله عنك.