[ ٢١ / ١٧ ]
حدثنا هناد قال: حدثنا شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: سألني النبي -ﷺ-: «ما في إداوتك؟» فقلت: نبيذ، فقال: «تمرة طيبة، وماء طهور» قال: فتوضأ منه.
قال أبو عيسى: وإنما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي -ﷺ-، وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث، لا تعرف له رواية غير هذا الحديث، وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم سفيان الثوري وغيره.
وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال إسحاق: إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحب إلي.
قال أبو عيسى: وقول من يقول: لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [(٤٣) سورة النساء].
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"باب: ما جاء في الوضوء بالنبيذ"
[ ٢١ / ١٨ ]
النبيذ: ما يعمل من الأشربة من التمر أو الزبيب أو العسل أو الحنطة أو الشعير كله نبيذ، وكان النبي -﵊- ينبذ له، ينبذ له: يعني يلقى ويطرح التمرات أو الحبات من العنب في الماء ليكون طعمه حلوًا ليلة واحدة يتخمر فيه شيء يؤثر في الطعم، ولا يؤثر في الإسكار، والفرق بين مذهب الجمهور ومذهب الحنفية في مسألة شرب النبيذ أن الجمهور يقولون: إذا كان لليلة واحدة فلا مانع من شربه؛ لأن النبي -﵊- كان ينبذ له، والحنفية يقولون: يشرب ما لم يغلب على الظن أنه يسكر، يعني لو كان ثلاث ليال، لو تغير واشتد وقذف بالزبد، ما لم يغلب على الظن أنه يسكر فيشرب من أي نوع كان إلا العنب، فإنهم لا يرون إلا من العنب فقط، ولا يطلقون الخمر إلا ما تخمر عن العنب، مع أن الجمهور يقولون: الخمر ما خامر العقل من أي مادة كان، وهذا هو الصحيح؛ لأنه نزل تحريم الخمر وما بالمدينة إلا التمر، لم يكن فيها عنب، فدل على أن الخمر المأخوذ من التمر خمر حقيقة شرعية ولغوية وعرفية، والحنفية يخصونه بالعنب، فيقولون: هذا النبيذ الذي يلقى فيه شيء من التمر أو غيره مما يمكن أن يتخمر ويسكر فيما بعد، إذا لم يغلب على الظن أنه يسكر ولو اشتد وقذف بالزبد فإنه يشرب، ولا شك أن قول الجمهور هو الحق الموافق للأدلة والنصوص، وقول الحنفية يجعل الإنسان على خطر لا يهاب الخمر؛ لأنه قد يغلب على ظنه أنه لا يسكر ثم يسكر، وشنع الأئمة على الحنفية في شربهم للنبيذ وإباحة شرب النبيذ، ويتفرع على هذا أن النبيذ إذا أثر فيه ما وضع فيه فقد سلبه اسم الماء لا يسمى ماء، والله -جل وعلا- كما أشار المؤلف قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾ [(٤٣) سورة النساء] فعلق جواز التيمم على عدم الماء، وهذا ليس بماء، إذا تغير الماء ولو بطاهر انتقل عن كونه ماء، والإضافة مؤثرة يعني تقول: ماء التمر، ماء الورد، إلى غير ذلك إذا أضيف إلى غيره تأثر، فلا يسمى ماء مطلق وحينئذٍ لا يتوضأ به، الحنفية قالوا: يتوضأ به ولو أضيف؛ لأن الإضافة غير مؤثرة عندهم، يعني مثل إضافة ماء الورد وماء الحناء وماء التمر وماء كذا، كل ما أضيف لا تؤثر فيه الإضافة، كما أنها لا تؤثر
[ ٢١ / ١٩ ]
في قولنا: ماء النهر، ماء البئر، ما البحر، إضافة غير مؤثرة، لكن فرق بين إضافة إلى ظرف لا يتأثر به الماء، وبين الإضافة إلى أمر يمازج الماء ويخالطه ويتأثر به، يريدون أن ماء الورد الذي اختلط بالورد وأثر فيه مثل ماء القارورة هذه، هذه إضافة وهذه إضافة ما تؤثر.
طيب ماذا عن ماء الرجل وماء المرأة مؤثرة وإلا ما هي مؤثرة؟ إذا قيل: ماء الرجل هو مثل ماء البئر وإلا مثل ماء البحر وإلا، هل يمكن أن يقول الحنفية بمثل هذا؟ يعني الإضافة أثرت وإلا ما أثرت؟ أثرت قطعًا، الحنفية يتوضئون بالنبيذ وعمدتهم هذا الحديث المجمع على ضعفه، مجمع على ضعفه، ومخالف لقواعد الحنفية في كونه يتضمن زيادة على النص، يعني على ما جاء في كتاب الله، والزيادة على النص عندهم نسخ، والنسخ لا يثبت إلا بقطعي، فلا يثبت بالحديث الآحاد ولو صح –النسخ- عندهم، فكيف يثبت بحديث أجمع العلماء على ضعفه؟ اتفق الأئمة على ضعف حديث الباب فكيف؟ لكنه التعصب للمذهب.
[ ٢١ / ٢٠ ]
محمود بن سبكتوكين هذا حاكم في المشرق ومعروف بالعلم ومحبته لأهل العلم وإجلاله لأهل العلم، أشار عليه من أشار أن يتحول من مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة فقال بعض أئمة الشافعية: نريد أن نصلي بين يديك على مذهب الشافعي وعلى مذهب أبي حنيفة ثم اختر، الصلاة عمود الإسلام، عمود الدين، فتوضأ وضوءًا كاملًا وأدى الصلاة بشروطها وأركانها وواجباتها بخشوعها على مذهب الشافعي -﵀- ثم هذا الشافعي صلى على مذهب أبي حنيفة فتوضأ بنبيذ والجو حار فاجتمعت عليه الذبان، حلو، وجاء بجلد ميتة وجعل ما يلي اللحم هو الظاهر والباطن هو الشعر فتكاثرت عليه الحشرات، جلد ميتة مدبوغ أو على كل حال هذا مما يختلف فيه الحنفية عن الشافعية؛ لأن الشافعية يقولون: يصلى عليه ولا يصلى به كالحنابلة ولذلك يقولون: صلى به، هذا الفرق بينهم، ثم صلى ركعتين نقرهما؛ لأن الحنفية عندهم الطمأنينة ليست بركن، ثم بعد ذلك لما انتهى من تشهده وقبل السلام أحدث، فالتفت محمود بن سبكتوكين إلى الشيخ الحنفي قال: إيش رأيك في الصلاة صحيحة عندكم وإلا ما هي بصحيحة؟ قال: والله هذه المسائل مصححة عندنا، لكن ما يمكن أن يقال: مجتمعة هكذا الصلاة صحيحة، لكن الوضوء بالنبيذ صحيح، وإذا أحدث قبل السلام صلاته صحيحة، وإذا يعني اجتمعت كل المساوئ في هذه الصلاة فعدل عن رأيه، يقول: هذا المذهب الذي هذا عمود الإسلام وركن الإسلام الأعظم يؤدى على هذا الكيفية ما لازم مذهب، خلونا على مذهب الشافعي، كيف نتقرب إلى الله بمثل هذه العبادة؟
صاحب دائرة معارف القرن العشرين ذكر هذه القصة وأخذ يفند ما جاء فيها، لم ينكرها هو، ما أنكرها، وإنما قال: هب أن المسلم توضأ بالنبيذ والنبيذ فيه كحول، والكحول معقم، مطهر، يعني هو أولى بالوضوء من الماء، يعني عكس القضية، فجعل هذه محاسن بعد أن كانت مساوئ، لكن العبرة بالاتباع، العبرة بقال الله وقال رسوله، سواءً كانت أعظم في التنظيف، عاد إلا نبي واحد يتوضأ بكلوركس بعد كان يمكن أنظف منه بعد، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
[ ٢١ / ٢١ ]
لا، ليس المرد إلى الرأي ولا إلى العقل، الدين قال الله وقال رسوله، والاتباع هو الأصل بل هو شرط لقبول العبادة، ومعول الحنفية في الوضوء بالنبيذ على هذا الحديث.
قال: "حدثنا هناد" يعني ابن السري، وهو ثقة "قال: حدثنا شريك" بن عبد الله النخعي القاضي، صدوق، له أخطاء وأوهام "عن أبي فزارة" راشد بن كيسان "عن أبي زيد" مجهول لا يدرى من هو، ولا من أبوه، وما بلده "عن عبد الله بن مسعود قال: سألني النبي -﵊-: «ما في إداوتك؟» يعني الإناء الذي يحمله فيه الماء «ما في إداوتك؟» فقلت: نبيذ، فقال -ﷺ-: «تمرة طيبة، وماء طهور» أي النبيذ ما هو في الحقيقة إلا تمرة وهي طيبة، وما هو أيضًا إلا ماء، وهو طهور فليس فيها ما يمنع التوضؤ، يعني لو صح الخبر حمل على هذا " «تمرة طيبة، وماء طهور» قال: فتوضأ منه".
"قال أبو عيسى: وإنما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي -﵊-" ورواه أيضًا أبو داود وابن ماجه "وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث".
يقول ابن حبان: أبو زيد شيخ يروي عن ابن مسعود لا يدرى من هو ولا أبوه ولا بلده، ومن كان بهذا النعت ثم لم يروِ إلا خبرًا واحدًا خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس استحق مجانبة ما رواه.
قال: "وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم سفيان الثوري وغيره" ومنهم أيضًا: أبو حنيفة -﵀- في المشهور عنه، وأنه يتوضأ من النبيذ ولا يتمم بعده، وعند الحنفية أنه يتمم ولا يتوضأ، وهذا قول أبي يوسف، ومنهم من قال: يجمع بينهما وهو محمد بن الحسن، توضأ من النبيذ ويتيمم، هذا ذكره الجصاص في أحكام القرآن، ذكر الروايات الثلاثة.
"وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق" بل هو قول جماهير العلماء، "وقال إسحاق: إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحب إلي" يعني كأنه جعل وجوده مثل عدمه.
[ ٢١ / ٢٢ ]
مثل ما قال بعض القضاة جيء له بشخص من الأعيان فهاب أن يقول: لا أقبل شهادته؛ لأنه كذا وكذا، قال: فلان ونِعِم، لكن نبي معه شاهدين، هذا يبي يتوضأ منه ويتيمم، ما له داعي مثل هذا، ما دام الماء متغير وسلب الاسم المطلق، مطلق الماء فلا يتمم به، ولا يلتفت إليه، مثل العصير الآن الذي يباع في الأسواق، لو واحد توضأ به، على مقتضى قول الحنفية ما في إشكال يتوضأ به؛ لأنه في حكم النبيذ "إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحب إلي".
"قال أبو عيسى: وقول من يقول لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [(٤٣) سورة النساء] والنبيذ ليس بماء، يقول ابن حجر: هذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه.
ومثله عند الملأ علي قاري في المرقاة، ومما يضعفه قول ابن مسعود؛ لأن هذا الحديث في بعض رواياته ما يدل على أنه حصل في ليلة ذهاب النبي -﵊- إلى الجن، وابن مسعود صرح بسند يثبت عنه أنه لم يكن ليلة الجن مع النبي -﵊-، وتمنى أن لو كان معه.
بعض من تكلم على الحديث قال: كان أبو زيد نباذًا بالكوفة "عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود" أبو زيد هذا نباذ، يعني يصنع النبيذ، وفي عارضة الأحوذي لابن العربي يقال: إن أبا فزارة كان نباذًا بالكوفة، لكن أبو فزارة قد لا يليق به مثل هذا، أما بالنسبة لأبي زيد فمجهول لا يدرى من هو ولا من أبوه ولا بلده، يمكن أن يكون نباذ، وإذا جاء الخبر عن مثل هذا فيما يستفيد منه يعني أهل الأطعمة كثر وضعهم للحديث، الهراس قال: "عليكم بالهريسة فإنها تشد الظهر" وصاحب العدس يقول: "عليكم بالعدس فإنه قدس على لسان سبعين نبيًا" وأبو فزارة نباذ قال: "تمرة طيبة، وماء طهور" فهؤلاء يبثون هذه الدعايات لتجاراتهم مع ضعفهم في الأصل، فلا يقبل قولهم، وإذا كان المبتدع الذي تدين بالبدعة لا تقبل روايته فيما يؤيد بدعته فمثل هذا الفاسق المجهول لا تقبل روايته من باب أولى.
سم.
عفا الله عنك.
قال الترمذي -رحمه الله تعالى-: