[ ١٩ / ٢ ]
حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط». قال: فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال: فقال أبو هريرة: يا ابن أخي إذا سمعت حديثًا عن رسول الله -ﷺ- فلا تضرب له مثلًا.
قال: وفي الباب عن أم حبيبة وأم سلمة وزيد بن ثابت وأبي طلحة وأبي أيوب وأبي موسى.
قال أبو عيسى: وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء مما غيرت النار، وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- والتابعين ومن بعدهم على ترك الوضوء مما غيرت النار.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في الوضوء مما غيرت النار" مما غيرت النار، يعني مما مسته من المطبوخ، "باب: ما جاء في الوضوء مما غيرت النار" يعني قلبته من حال إلى حال، من نيئٍ إلى ناضج، ونحو ذلك.
قال -﵀-: "حدثنا ابن أبي عمر" تقدم أنه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني "قال: حدثنا سفيان" وهو ابن عيينة، وإن جاء في بعض النسخ الثوري، لكنه معروف من حديث ابن أبي عمر عن ابن عيينة، والقاعدة: أنه إذا كان بين المؤلفين من أصحاب الكتب الستة وبين سفيان واحد فقط فهو ابن عيينة، وإن كان بينهما اثنين فالمراد به الثوري غالبًا، وقد ينزل المؤلف فيروي عن سفيان بن عيينة بواسطة اثنين، وقد يعلو سنده فيروي عن سفيان وهو متقدم، سفيان الثوري، بواسطة واحد، لكن هذا قليل نادر، والجادة أنه إذا كان بين الإمام المصنف من أصحاب الكتب الستة واحد فقط، فالذي يغلب على الظن أنه ابن عيينة، وإذا كان الواسطة اثنين فالذي يغلب على الظن أنه الثوري، وذكرنا مرارًا أن الحافظ الذهبي -﵀- ذكر قواعد وضوابط في آخر المجلد السابع من السير، للتفريق بين السفيانين والحمادين وغيرهما.
[ ١٩ / ٣ ]
"قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو" بن علقمة بن وقاص الليثي، صدوق، حديثه حسن، فيه شيء من الكلام لأهل العلم بسبب حفظه وضبطه، وإلا فهو عدل لا إشكال فيه من حيث العدالة، لكن حفظه فيه شيء، وحديثه إذا توبع عليه يرتقي إلى الصحيح لغيره، كما قال الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
والحسن المشهور بالعدالة والصدق راويه إذا أتى له
طرق أخرى نحوها من الطرق صححته كـ (متن) لولا أن أشق)
إذ تابعوا محمد بن عمرو عليه فارتقى الصحيح يجري
محمد بن عمرو هذا هو، حديثه من قبيل الحسن يرتقي إلى الصحيح بالمتابعة.
"عن أبي سلمة" بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قيل: اسمه: عبد الله، وقيل: اسمه: إسماعيل، وهو ممن اشتهر بالكنية، فضاع اسمه كغيره، العادة أن الإنسان إذا اشتهر بشيء ضاع ما عداه، وهذا معروف في القديم والحديث، كثير من الناس يكون من أصدقاء والده شخص اشتهر بأبي محمد أو أبي علي، أو أبي سعيد، أو أبي زيد، أولاد هذا الشخص ما يعرفون اسمه، وين راح أبو علي؟ وين جاء أبو علي؟ ما عمره ذكر باسمه، ومعاصر من أصدقاء أبيه، بعض المعاصرين الآن تتردد أسماؤهم في الصحف يوميًا ومع ذلك لا تعرف أسماؤهم، حتى لأقرب الناس، أو لمن قرب منهم؛ لأنهم اشتهروا بالكنى مثلًا، وأبو سلمة ممن اشتهر بذلك فضاع اسمه، وأقرب وأوضح مثال على ذلك أبو هريرة اشتهر في الكنية فاختلف في اسمه واسم أبيه على نحو من ثلاثين قولًا كما قال ابن عبد البر -﵀-، ثقة مكثر، من الطبقة الثالثة، توفي سنة أربعة وتسعين، وأربعة وتسعين هذه سنة الفقهاء، التي توفي فيها الفقهاء السبعة، ومنهم أبو سلمة على قول.
[ ١٩ / ٤ ]
"عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الوضوء مما مست النار» " يعني الوضوء واجب أو لازم مما مست النار، وفي رواية مسلم بالأمر: «توضئوا مما مست النار» «ولو من ثور أقط» الثور القطعة، والأقط هو اللبن المجفف المستحجر، ويختلف الناس في تسميته، هذا اسمه الفصيح، بعض الناس يسمونه بجل، بقل، يسمونه بجل، حتى عندنا ذا، نعم يسمونه في جهة أخرى مضير في جهة الوشم وما والاه هناك، نعم، المقصود أنه هو الأقط، وجاء ذكره في حديث الفطرة، زكاة الفطر من رمضان، وأيضًا له ذكر في كثير ..، في نصوص كثيرة.
"قال: فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة أنتوضأ من الدهن؟ " الدهن مسته النار؛ لأنه شحم يصفى "أنتوضأ من الدهن أنتوضأ؟ أنتوضأ من الحميم؟ الماء الحار الذي مسته النار، نتوضأ منه؟ "فقال أبو هريرة: يا ابن أخي" خاطبه بذلك لصغر سنه، فإذا كان أحدهما كبير والثاني صغير فالصغير يقول: يا عم، كما قالت خديجة أم المؤمنين لورقة بن نوفل: يا عم، والكبير يقول للصغير: يا ابن أخي، والخطاب بمثل هذا يذكر بالصلة والأخوة، ومع الأسف تجد بعض الناس يقول لأبيه: يا أبا فلان، أو لعمه يا أبا فلان، ما يقول: يا عم، وهذا يوحي بانقطاع الصلة بينهم، التي تربط بينهم.
[ ١٩ / ٥ ]
"يا ابن أخي إذا سمعت حديثًا عن رسول الله -ﷺ- فلا تضرب له مثلًا" يعني بل اعمل به، واسكت عن ضرب المثل له، وبادر بالامتثال، ابن عباس -﵄- حينما قال لأبي هريرة معتمدًا على نصوص، يستدل بها على عدم الوضوء مما مست النار، فهو لا يعارض الحديث برأيه، ابن عباس لا يعارض الحديث باجتهاده ورأيه، وإنما يستدرك على أبي هريرة ظنًا منه أن هذا اجتهاد من أبي هريرة أو فهم يعارضه فهم ابن عباس، فيعارضه بفهمه يقول: أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ وإلا فابن عباس من أحرص الناس على الاتباع والمبادرة والإنكار على من يعارض السنن، يقول ابن عباس -﵄-: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله وتقولون: قال أبو بكر وعمر" هو لا يعارض بقول أبي بكر وعمر فضلًا عن رأيه واجتهاده، لكنه فهم أن هذا اجتهاد من أبي هريرة، ولو نسبه إلى النبي -﵊- فيكون مرده فهم أبي هريرة لما رفع إلى النبي -﵊-، فهم أن الوضوء مما مست النار، وعارضه بفهمه لما فهمه عن النبي -﵊- من ترك الوضوء مما مست النار، وسيأتي الكلام فيه -إن شاء الله تعالى-.
[ ١٩ / ٦ ]
"فقال أبو هريرة: يا ابن أخي إذا سمعت حديثًا عن رسول الله -ﷺ- فلا تضرب له مثلًا" لأن بعض الناس إذا سمع الخبر ينظر يقول: هذه المسألة التي اشتمل عليها الخبر نظير المسألة الأخرى التي جاء فيها كذا باجتهاده، والكلام من صريح قوله -﵊- هذا لا يمكن التنظير فيه، فضلًا عن أن يقول كما قال بعض الشراح: في هذا الحصر نظر، يعني في حديث: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة» قال بعض الشراح: في هذا الحصر نظر، من الذي قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة»؟ الذي لا ينطق عن الهوى في الحديث الصحيح، الذي لا كلام لأحد فيه، قال: في هذا الحصر نظر، فالتنظير في مثل هذا لا شك أنه سوء أدب، وإن كان يعي ما يقول فالأمر خطير جدًا؛ لأنه معارضة لقول النبي -﵊-، أما إذا كان سبب المعارضة ظن المعارض أن هذا من فهم الراوي، وأن المسألة تقبل النقاش، وعندي من الفهم ما يعارض به هذا الفهم، فالمسألة أوسع كما في حديث الباب.
"قال أبو عيسى -﵀-: وفي الباب عن أم حبيبة" وهو مخرج في المسند وسنن أبي داود والنسائي، فيه أيضًا عن "أم سلمة" وهو مخرج عند أحمد في المسند والطبراني، وفيه عن "زيد بن ثابت" عند مسلم، "وأبي طلحة" عند الإمام أحمد والطحاوي والطبراني "وأبي أيوب" عند النسائي والطبراني، ومن حديث "أبي موسى" عند أحمد والطبراني أيضًا.
"قال أبو عيسى: وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء مما غيرت النار" عملًا بحديث الباب "وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- والتابعين ومن بعدهم على ترك الوضوء مما غيرت النار" وسيأتي في الحديث اللاحق ما يدل على النسخ على أن العلماء اختلفوا في التوفيق بين هذا الحديث والذي يليه هل هو من باب النسخ فلا وضوء مطلقًا؟ أو هو من باب الصرف من التحريم إلى الكراهة فيستحب الوضوء مما غيرت النار؟ لأن الأمر به ثابت «توضئوا مما مست النار» في صحيح مسلم.
[ ١٩ / ٧ ]
يقول الحازمي في (الاعتبار في معرفة الناسخ والمنسوخ من الآثار) وهذا كتاب من أفضل كتب الناسخ والمنسوخ بالنسبة للسنة، يعني طالب العلم لزامًا عليه أن يقرأ هذا الكتاب؛ لأن معرفة الناسخ والمنسوخ من أهم الأمور لطالب العلم، فقد يعمل بحديث منسوخ والعبرة بالمتأخر، ولذا وقف علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- على قاص فقال له: "أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت"؛ لأن النسخ معروف في النصوص ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ [(١٠٦) سورة البقرة] فالنسخ ثابت بإجماع من يعتد بقوله من أهل العلم، ولا عبرة بمن ينفيه كاليهود ويزعمون أنه يدل على البداء، كما يقولون، يعني بدا لله -ظهر له-، ويقول به أيضًا الرافضة وأبو مسلم الأصفهاني، ومن المعاصرين من كتب في التفسير تفسير القرآن للقرآن اسمه: عبد الكريم الخطيب، قال من عناوين الجزء الأول من تفسيره: النسخ ولا نسخ في القرآن، ولا شك أن هذا مخالفة لما اتفق عليه سلف هذه الأمة وأئمتها.
قولهم: إنه يدل على البداء وأن الله -جل وعلا- بدا له أي ظهر له أمرًا كان خافيًا عليه، الله -جل وعلا- يعلم السر وأخفى، يعلم ما كان وما يكون، وإنما النسخ من أجل مصلحة المكلف فقد يكون الحكم في هذا الوقت أنفع له، ثم تغييره في وقت آخر أنفع له، وفيه أيضًا امتحان واختبار وابتلاء للمكلفين إذا نقلوا من حال إلى حال ينظر كيف امتثالهم للأوامر والنواهي، في حديث الثلاثة في الصحيح الثلاثة: الأقرع والأعمى والأبرص «ثم بدا لله أن يختبرهم» واللفظة ثابتة في الصحيح، وهذه اللفظة تفسر بما جاء في الصحيح أيضًا «ثم أراد الله أن يختبرهم» فقوله: بدا يفسر بـ (أراد) كما في الرواية الأخرى الصحيحة.
[ ١٩ / ٨ ]
يقول الحازمي في الاعتبار: اختلف أهل العلم في هذا الباب فبعضهم ذهب إلى الوضوء مما مست النار، منهم ابن عمر وأبو طلحة وأنس وأبو موسى عائشة وزيد بن ثابت وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز، نقلوا عنه بالأسانيد الثابتة أن عمر بن عبد العزيز يتوضأ من السكر، وأبو مجلز وأبو قلابة والحسن، وذهب أكثر أهل العلم كما قال الإمام الترمذي -﵀- وفقهاء الأمصار إلى ترك الوضوء مما مست النار، ورأوه آخر الأمرين، يعني كما سيأتي في حديث جابر: "كان آخر الأمرين من رسول الله -ﷺ- ترك الوضوء مما مست النار" ورأوه آخر الأمرين من فعل رسول الله -ﷺ- ومنهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وغيرهم، وسالم والقاسم بن محمد والإمام مالك والشافعي والثوري وأبو حنيفة وابن المبارك وأحمد وإسحاق.
على كل حال هو قول الجمهور ترك الوضوء مما مست النار، والقول الذي يقابله الوضوء من جميع ما مست النار، يعني القول في لحم الإبل على جهة الخصوص يأتي بعد هذا، لكن الخلاف هنا فيما مست النار، هل جميع ما مست النار يتوضأ منه أو لا يتوضأ منه؟ فالخلاف في العموم، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
إي في مقابل النص، إنكار القياس في ما يقابل النص، وهذا قول عامة أهل العلم.
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
يقول: إذا جاءك الخبر، إذا سمعت عن رسول الله -ﷺ-، نعم فهو في مقابل النص، لا شك أنه فاسد الاعتبار، وهذا قول جميع أهل العلم، نعم.
عفا الله عنك.