حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابرًا قال سفيان: وحدثنا محمد بن المنكدر عن جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: "خرج رسول الله -ﷺ- وأنا معه فدخل على امرأة من الأنصار فذبحت له شاة فأكل، وأتته بقناع من رطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلى، ثم انصرف فأتته بعلالة من علالة الشاة فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ".
[ ١٩ / ٩ ]
قال: وفي الباب عن أبي بكر الصديق وابن عباس وأبي هريرة وابن مسعود وأبي رافع وأم الحكم وعمرو بن أمية وأم عامر وسويد بن النعمان وأم سلمة.
قال أبو عيسى: ولا يصح حديث أبي بكر في هذا الباب من قبل إسناده، إنما رواه حسام بن مِصك عن ابن سيرين عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق عن النبي -ﷺ-، والصحيح إنما هو عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-، هكذا روى الحفاظ، وروي من غير وجه عن ابن سيرين عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-، ورواه عطاء بن يسار وعكرمة ومحمد بن عمرو بن عطاء وعلي بن عبد الله بن عباس وغير واحد عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-، ولم يذكروا فيه عن أبي بكر الصديق، وهذا أصح.
قال أبو عيسى: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- والتابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق رأوا ترك الوضوء مما مست النار، وهذا آخر الأمرين من رسول الله -ﷺ-، وكأن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء مما مست النار.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في ترك الوضوء مما غيرت النار" الحديث الأول: فيه الوضوء مما غيرت النار، والثاني: فيه ترك الوضوء مما غيرت النار فدل على أن الفعل المتعقب للترك أنه متقدم، والترك إنما يكون لفعل متقدم، فالمتروك هو الأول والمصير إليه هو الثاني.
يقول -﵀-: "حدثنا ابن أبي عمر" العدني الذي مر في الحديث السابق "قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل" بن أبي طالب الهاشمي أبو محمد، صدوق في حديثه لين، من الرابعة، مات بعد الأربعين، يعني ومائة، صدوق في حديثه لين، حديثه من قبيل الحسن "سمع جابرًا قال سفيان: وحدثنا محمد بن المنكدر، محمد بن المنكدر" بن عبد الله التيمي ثقة فاضل من الثالثة، وهو متابع لعبد الله بن محمد بن عقيل متابعة صحيحة ما فيها إشكال، فيرتقي حديث ابن عقيل إلى الصحيح.
[ ١٩ / ١٠ ]
قال: "وحدثنا محمد بن المنكدر عن جابر قال: "خرج رسول الله -ﷺ- وأنا معه فدخل على امرأة من الأنصار فذبحت له شاة فأكل" فدخل على امرأة من الأنصار يعني مثل هذا الخبر يطير به أهل الأهواء والأغراض الفاسدة الذين يرون أو يريدون ويخططون لتضييع المرأة، ويوردون مثل هذا أن النبي -﵊- دخل على امرأة من الأنصار، والذي حرره وحققه جمع من أهل العلم أن النبي -﵊- لا حجاب عنه من قبل النساء، لا حجاب عنه -﵊-، أنه لا يجب الحجاب عنه من قبل النساء.
[ ١٩ / ١١ ]
"فدخل على امرأة من الأنصار فذبحت له شاة فأكل" وهذا لعلمها أن زوجها يأذن لها في مثل ذلك، بل يفرح، والمرأة إذا دلت القرائن عندها على التصرف في مال زوجها أنه لا تثريب عليها ولا إثم عليها "فذبحت له شاة فأكل -﵊-، وأتته بقناع" يقولون: هو الطبق الذي يؤكل عليه "بقناع من رطب فأكل منه -﵊-، ثم توضأ -للظهر- وصلى، ثم انصرف فأتته بعلالة" البقية من السابق، من اللحم السابق "بعلالة من علالة الشاة فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ" ومعلوم أن اللحم لا يؤكل إلا بعد أن تمسه النار، مطبوخ، فدل هذا الحديث على أن الأمر بالوضوء مما مست النار منسوخ، فيه دليل على أن الوضوء مما مست النار ليس بواجب بل منسوخ، وإن أمكن أن يصرف الأمر السابق من الوجوب إلى الاستحباب فقد قال بهذا بعض العلماء، وبعضهم يرى أنه منسوخ، فإذا توضأ من لحم الغنم مثلًا بناءً على ما سئل عنه -﵊- أنتوضأ من لحم الغنم؟ قال: «إن شئت» قال: أنتوضأ من لحم الإبل؟ قال: «نعم» على ما سيأتي، فقوله: «إن شئت» دليل على الاستحباب أو الإباحة؟ نعم مرده إلى المشيئة يدل على الإباحة، لكن هذه الإباحة في مقابل المنع من الإسراف وتضييع الماء، يعني عندنا الأصل أن اللفظ دلالته ظاهرة في الإباحة «إن شئت» لأنه رد الأمر إلى مشيئته، فإن شاء فعل وإن شاء ترك، لكن إذا كان هذا في مقابل يعني في مقابل المنع من الإسراف وتضييع الماء، فهل يرجع مثل هذه المشيئة إلى التجديد أو أن هذا مما يتوضأ منه، لكن لا على سبيل الوجوب، يعني لو أن أمرًا لا علاقة له بالأكل والشرب، سأل واحد قال: أتوضأ إذا ذهبت إلى المحل -إلى الدكان- فقيل له: إن شئت، ولا داعي لهذا الوضوء البتة، فرده إلى مشيئته، هل نقول: هذا إباحة أو أنه تجديد لغير عبادة أو أنه ليبقى الإنسان على طهارة؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ١٩ / ١٢ ]
نعم، يعني بقاء الإنسان على طهارة باستمرار لا شك أنه هو الأولى، فهذه المشيئة مردها على أن ..، المسألة فيها غاية الدقة ترى، المسألة دقيقة؛ لأن قوله: «إن شئت» يعني هل تتوضأ وضوء شرعي مباح؟ يعني هل يمكن أن يوجد الإنسان وضوءًا شرعيًا مباحًا مستوي الطرفين إن شاء تركه وإن شاء فعله؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، يعني مسألة التجديد ذهب بحثها، لكن الآن أكل لحم غنم قال: «إن شئت» توضأ من لحم الغنم قال: إن شئت، والنبي -﵊- أكل من لحم الشاة ولم يتوضأ، فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ، النبي -﵊- كان على وضوء، صلى به الظهر، ثم أكل من لحم الشاة، من علالة لحم الشاة، الذي بقي منها، ولم يتوضأ، الكلام ويش هو عليه؟ هل قوله: «إن شئت» إباحة وإلا استحباب في مقابل المنع من تضييع الماء والإسراف فيه؟ لأن مسألة مستوي الطرفين لا بد لها من مرجح، إما أن تفعل أو لا تفعل، يعني هل وجد ما يوجب الوضوء؟ لا، ما وجد؛ لأنه قال: «إن شئت» فما دام رده إلى مشيئته فلا وجوب، نعم. لكن هل وجد ما يستحب منه الوضوء؟ اللي هو الأكل مما مسته النار، عملًا بحديث الباب السابق، استصحابًا له إلا أن الوجوب المفهوم من الأمر صرف إلى الاستحباب بهذا الحديث، فالنبي -﵊- قد يترك ما أمره به للدلالة على أنه لا على سبيل الوجوب، فالنبي -﵊- كما في الحديث أتي بالعلالة من علالة الشاة فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ، وفي هذا دليل على أن ما جاء في الحديث السابق إما منسوخ كما هو قول أكثر أهل العلم، أو مصروف من الوجوب إلى الاستحباب، فيبقى أن من أكل لحم غنم يستحب له أن يتوضأ؛ لأنه مما مسته النار، وجاء الأمر به.
[ ١٩ / ١٣ ]
كونه -﵊- صلى ولم يتوضأ لا يعني أنه لا يستحب، وقوله: «إن شئت» ورده إلى المشيئة دليل على أنه لا يأثم بترك الوضوء، وأن الأمر فيه سعة، لا يعني أنه مستوي الطرفين على القول الآخر، وكثير من الأوامر والنواهي تصرف من الوجوب والتحريم بفعله -﵊-، وكونه يفعل خلاف المستحب أو يفعل المكروه الذي صرف إليه النهي هذا في حقه هو الأفضل؛ لأنه مشرع، والنص تشريع، وصرفه للأمر من الوجوب إلى الاستحباب هذا تشريع، كما أن صرفه النهي من التحريم إلى الكراهة تشريع.
"قال: وفي الباب عن أبي بكر" عند أبي يعلى والبزار، وفيه كلام الترمذي من قوله: لا يصح على ما سيأتي بيانه "وابن عباس" في الصحيحين "وأبي هريرة" عند ابن حبان وابن خزيمة والبزار وأبي يعلى "وابن مسعود" عند أحمد وأبي يعلى "وأبي رافع" عند مسلم وأحمد في المسند "وأم الحكم" أو أم حكيم كما جاء في بعض الروايات عند أحمد في المسند والطبراني "وعن عمرو بن أمية" عند الشيخين "وأم عامر" عند الإمام أحمد في المسند والطبراني "وسويد بن النعمان" في الصحيحين "وأم سلمة" عند أحمد والطبراني.
على كل حال الأحاديث متظافرة على أنه لا يتوضأ مما مست النار، وأن هذا آخر الأمرين منه -﵊-.
"قال أبو عيسى: ولا يصح حديث أبي بكر" الذي أشار إليه في الباب عن أبي بكر الصديق "حديث أبي بكر في هذا الباب من قبل إسناده، إنما رواه حسام بن مصك، وعامة أهل العلم على تضعيفه" هذا ضعفه عامة أهل العلم "عن ابن سيرين عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق عن النبي -ﷺ-" والصحيح إنما هو عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- "هكذا روى الحفاظ، وروي من غير وجه عن ابن سيرين عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-، ورواه عطاء بن يسار وعكرمة ومحمد بن عمرو بن عطاء وعلي بن عبد الله بن عباس وغير واحد عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-، ولم يذكروا فيه عن أبي بكر الصديق وهذا أصح".
ويريد بذلك كله أن يعل حديث أبي بكر -﵁-.
[ ١٩ / ١٤ ]
"قال أبو عيسى: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ-" فالبخاري في صحيحه قال: وأكل أبو بكر وعمر وعثمان -﵃- لحمًا فلم يتوضئوا، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ-، وذكره البخاري في صحيحه عن أبي بكر وعمر، وعثمان أنهم أكلوا لحمًا فلم يتوضئوا "من أصحاب النبي -ﷺ- والتابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق رأوا ترك الوضوء مما مست النار" رأوه الرؤيا هنا من الرأي، يعني اعتقدوه؛ لأن الرؤية تأتي ، يأتي الفعل رأى بالبصر، رأى كذا ببصره، ورآه أيضًا بعقله ورأيه، ورآه أيضًا رؤيا في المنام، المقصود أنه هنا من باب الاعتقاد والرأي "وهذا آخر الأمرين من رسول الله -ﷺ-، وكأن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول" قال: كأن، فأتى به على صيغة التشبيه، لا على صيغة الجزم، ما قال: وهذا الحديث ناسخ، قال: كأن هذا الحديث ناسخ للأول، فدل على أن القول بأنه صارف، صارف للحديث الأول من الوجوب إلى الاستحباب فيبقى الاستحباب، استحباب الوضوء عن كل ما مسته النار "وكأن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء مما مست النار" والحديث الثاني بدل من الحديث الأول، يعني ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء، يعني إعادة المعرفة معرفة تدل على أنه هو عينه عين الأول، فالحديث معرف بـ (أل) وحديث الوضوء معرف بالإضافة فهو هو نفسه، فبدل، حديث الوضوء مما مست النار، وكان الزهري يرى الأمر بالوضوء مما مست النار ناسخ لأحاديث الإباحة، الزهري يرى أن الأمر بالوضوء مما مست النار ناسخ لأحاديث الإباحة، يعني عكس ما يراه الأكثر.
حديث الباب: النبي -﵊- أكل من علالة الشاة فلم يتوضأ، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ١٩ / ١٥ ]
أكل من علالة الشاة فصلى العصر ولم يتوضأ، يرى الزهري أن هذا هو المتقدم، وأن الأمر بالوضوء مما مست النار هو المتأخر، فيرى أن الحكم الأمر بالوضوء هو المتأخر فيكون ناسخًا لأحاديث الإباحة؛ لأن الإباحة سابقة، كيف الإباحة سابقة؟ يعني عندنا نصان متعارضان، متعارضان إذا عرفنا التاريخ فلا إشكال، المتأخر ينسخ المتقدم، لكن عندنا حديث يدل على الإباحة، وحديث يدل على المنع، ولا نعرف المتقدم من المتأخر، لو جهلنا التاريخ لكان كلام الزهري متجه، كلامه متجه، كيف؟ لأن الأكل من لحم الشاة من علالة الشاة والصلاة من دون وضوء جاري على البراءة الأصلية، على الإباحة الأصلية، وحديث: الأمر بالوضوء مما مست النار ناقل عن البراءة الأصلية، وحينئذٍ يكون أقوى، أو ينضوي الأمر تحت قاعدة أخرى: التأسيس أولى من التأكيد، فكونه -﵊- يصلي بدون وضوء بعد أن أكل من علالة الشاة هذا ماشي على البراءة الأصلية ومؤكد لها، وحديث: الأمر بالوضوء مما مست النار مؤسس لحكم جديد، والتأسيس أولى من التأكيد عند التعارض، هذا إذا لم نعرف التاريخ، كيف عرفنا التاريخ أن الترك هو المتأخر؟ من قول جابر -﵁-: "كان آخر الأمرين من رسول الله -ﷺ- ترك الوضوء مما مست النار" ولولا هذا لقلنا: إن رأي الزهري وجيه؛ لأن الصلاة بدون وضوء مما مست النار مؤكد وجارٍ على الإباحة الأصلية، وعلى الأصل، والأمر بالوضوء ناقل عن هذا الأصل ومؤسس لحكم جديد.
وكان الزهري يرى أن الأمر بالوضوء مما مست النار ناسخ لأحاديث الإباحة؛ لأن الإباحة سابقة، واعترض عليه بحديث جابر: "كان آخر الأمرين من رسول الله -ﷺ- ترك الوضوء مما مست النار".
وقال النووي: كان الخلاف معروفًا بين الصحابة والتابعين ثم استقر الإجماع على أن لا وضوء مما مست النار، إلا ما استثني من لحوم الإبل.
وجمع الخطابي بوجه آخر وهو أن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على الوجوب، واختار هذا المجد في المنتقى، فلا يكون فيه نسخ، وإنما يكون فيه صرف، ويبقى الأمر على الاستحباب، نعم.
عفا الله عنك.