حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن سليمان التيمي عن أبي حاجب عن رجل من بني غفار قال: "نهى رسول الله -ﷺ- عن فضل طهور المرأة".
قال: وفي الباب عن عبد الله بن سرجس قال أبو عيسى: وكره بعض الفقهاء الوضوء بفضل طهور المرأة، وهو قول أحمد وإسحاق، كرها فضل طهورها ولم يريا بفضل سؤرها بأسًا.
حدثنا محمد بن بشار ومحمود بن غيلان قالا: حدثنا أبو داود عن شعبة عن عاصم قال: سمعت أبا حاجب يحدث عن الحكم بن عمرو الغفاري أن النبي -ﷺ- نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة أو قال: بسؤرها.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن وأبو حاجب اسمه: سوادة بن عاصم وقال محمد بن بشار في حديثه: نهى رسول الله -ﷺ- أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، ولم يشك فيه محمد بن بشار.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في كراهية فضل طهور المرأة"
[ ١٥ / ١٠ ]
والمراد به ما يبقى من سؤرها بعد وضوئها في الإناء، والسؤر البقية، والمراد به بقية ما تتوضأ به المرأة لا سؤر الشرب، ويطلق عليه سؤر، وسيأتي في رواية شعبة أنه نهى أن يتوضأ بفضل طهور المرأة أو قال: بسؤرها، والمراد بالسؤر الذي فيه الكلام في الباب فضل الوضوء، فضل الوضوء، الذي يبقى بعد الوضوء، وهو سؤر وهو البقية، السؤر البقية، سواءً كان من الوضوء أو من الشرب، لكن المراد به هنا الوضوء، وهل المراد به السؤر الباقي في الإناء مما لم تستعمله أو المراد به الماء المستعمل الذي يتقاطر من أعضائها؟ الذي يظهر أنه البقية، الذي يبقى في الإناء، وهو الذي يطلق عليه سؤر في اللغة، أما ما يتقاطر من أعضائها من الماء المستعمل فحمل بعضهم هذا الحديث عليه لكنه بعيد، يعني من يتوضأ بما يتقاطر من أعضاء المرأة، هل يمكن الوضوء بما يتقاطر منها؟ نعم إذا أسرفت في الماء، ومر الماء على أعضائها وتلقي في إناء يمكن أن يخرج منه ما يمكن أن يتوضأ به، لكن هذا على خلاف الاستعمال اللغوي والعرفي للكلام، والسياق يأباه وإن حمله بعضهم على هذا لكي تتحد الأحاديث في الباب.
قال -﵀-:
[ ١٥ / ١١ ]
"حدثنا محمود بن غيلان" العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزي، ثقة من العاشرة، توفي سنة تسع وثلاثين ومائتين "قال: حدثنا وكيع" بن الجراح أبو آسيا، الإمام المشهور "عن سفيان" بن سعيد الثوري الإمام العلم "عن سليمان -بن طرخان- التيمي" ثقة من العباد "عن أبي حاجب" واسمه كما قال المؤلف سوادة بن عاصم، سوادة بن عاصم العنزي صدوق من الثالثة "عن رجل من بني غفار" هو مبهم، بين في الرواية اللاحقة، في رواية شعبة عن عاصم قال: سمعت أبا حاجب يحدث عن الحكم بن عمرو الغفاري، وهذه من أعظم الفوائد التي يستفاد منها في جمع الطرق، فإذا جمعت الطرق استبان كثير من الأمور المشكلة سواءً كان ذلك في الإسناد أو في المتن، ومن ذلك تبيين المبهم على أن الإبهام هنا لا يضر، الإبهام لا يضر في هذه الطبقة التي هي طبقة الصحابة "عن رجل من بني غفار قال: "نهى رسول الله -ﷺ-" والمراد به كما سيأتي الحكم بن عمرو الغفاري وهو صحابي معروف "نهى رسول الله -ﷺ-" هذا رفعه إلى النبي -﵊- لا خلاف فيه، بخلاف ما لو كانت الصيغة نهينا، والجمهور على أنه مرفوع لو قال: نهينا؛ لأنه لا يمكن أن ينهى أو يأمر كما لو قال: أمرنا إلا من له الأمر والنهي وهو النبي -﵊-، لكن هنا بصريح الإضافة "نهى رسول الله -ﷺ- عن فضل طهور المرأة" وهو مرفوع قطعًا، ودلالته على النهي كدلالة لا تفعلوا، كما لو قال النبي -﵊-: لا تتوضئوا بفضل طهور المرأة، مع أنه قال: "نهى رسول الله -ﷺ- عن فضل طهور المرأة" وفي الرواية الثانية اللاحقة: أن النبي -﵊- نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، حديث الباب فيه إجمال، فيه إجمال.
[ ١٥ / ١٢ ]
"نهى رسول الله -ﷺ- عن فضل طهور المرأة" وبعدين؟ نهى عن شربه؟ نهى عن الوضوء به؟ نهى عن الطبخ فيه؟ النهي عن إيش؟ لكن هذا الإجمال بين في الرواية اللاحقة: "نهى أن يتوضأ الرجل" يتوضأ الرجل، ومن المنهي في الرواية الأولى؟ "نهى رسول الله -ﷺ- عن فضل طهور المرأة" وهو أيضًا مجمل لم يفصل، فلا يدرى من المنهي الرجل أو المرأة؟ وهنا الرواية الأخرى: "نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" وهذا مثل ما قلنا: من فوائد جمع الطرق، الطرق قد يكون في بعضها إجمال، يبين ويفسر بالطرق الأخرى، وجاء في الحديث: «يقطع صلاة أحدكم إذا مر بين يديه» وذكر المرأة، هذا اللفظ: "أحدكم" يشمل الرجل والمرأة فهل المرأة تقطع صلاة المرأة إذا مرت بين يديها؟ الرواية الأخرى: «يقطع صلاة الرجل» فهل نقول: إن المرأة لا تقطع صلاة المرأة بناءً على الرواية المفسرة الموضحة؟ أو نقول: إن المرأة تقطع صلاة المرأة كما في الرواية المجملة؟ نعم؟ المفسرة لا تقطع، والمعنى يؤيد ذلك، وهو أن المرأة لا يتعلق قلبها في المرأة بخلاف الرجل إذا مرت بين يدي الرجل تعلق قلبه به، لكن ماذا عن عطف الحمار والكلب بالنظر إلى الإجمال والتفصيل؟ هل نقول: إن الثلاثة تقطع صلاة الرجل فقط، أو نقول: تقطع صلاة أحدكم بما في ذلك الرجل والمرأة؟ أو نقول: إن المرأة تقطع صلاة الرجل دون المرأة، والكلب والحمار يقطع صلاة الجميع؟ ويش الفرق بين أن يمر الحمار بين يدي رجل أو يد امرأة، قلنا: بالنسبة للمرأة المعنى واضح، الرجل يتعلق قلبه بالمرأة، لكن المرأة ما يتعلق قلبها، لكن الحمار في فرق بين الرجل والمرأة أو الكلب؟ في فرق وإلا ما في فرق؟ ما في فرق أبدًا، الذي يظهر يبقى الحديث على الإجمال، وأن النساء تدخل في خطاب الرجال كما هو الأصل.
"نهى رسول الله -ﷺ- عن فضل طهور المرأة" أي عن ما فضل من الماء بعد ما توضأت منه.
[ ١٥ / ١٣ ]
قال: "وفي الباب عن عبد الله بن سرجس" عند ابن ماجه، عبد الله بن سرجس صحابي سكن البصرة، بلفظ: "نهى رسول الله -ﷺ- أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة، والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعًا" وهذا الحديث مصحح، وإن قال ابن ماجه: والصحيح الأول، يعني حديث الحكم بن عمرو، لا حديث عبد الله بن سرجس، والثاني وهم يعني حديث عبد الله بن سرجس، كيف صار الأول محفوظ والثاني وهم؟ كيف صار الأول هو الصحيح والثاني وهم ضعيف؟ هل التضعيف للجملتين أو لجملة واحدة دون الأخرى؟ "نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة" هذا شاهد لحديث الباب، الجملة الأخرى: "والمرأة بفضل الرجل" هذه التي لا يوجد ما يشهد لها، فلعلها هي المقصودة بكلام ابن ماجه.
"قال أبو عيسى: وكره بعض الفقهاء الوضوء بفضل طهور المرأة، وهو قول أحمد وإسحاق، كرها فضل طهورها، ولم يريا بفضل سؤرها بأسًا" ولم يريا بفضل سؤرها بأسًا يعني: ما يبقى من الماء في الإناء بعد شربها هذا ما فيه بأس، هذا لا بأس به، ولم يقل أحد بكراهته.
[ ١٥ / ١٤ ]
يقول ابن قدامة في المغني: اختلفت الرواية عن أحمد، والمشهور عن أحمد: أنه لا يجوز إذا خلت به، وحينئذٍ يكون من النوع الطاهر غير المطهر عند الحنابلة ويذكرونه، إذا خلت به لطهارة كاملة عن حدث، إذا خلت به لا يجوز للرجل أن يتوضأ به، فيجوز للمرأة ويجوز للرجل أن يتوضأ به إذا لم تخل به، إذا وجد من ينظر إليها، أو كانت طهارتها غير كاملة، يعني كملت وضوءها، أو كانت طهارتها كاملة لكن على غير حدث، تجديد وضوء مثلًا ما يؤثر، هذا المشهور عند الحنابلة، قال: والثانية، يعني الرواية الثانية: يجوز، اختارها ابن عقيل وهو قول أكثر أهل العلم، وهل الكراهة المذكورة في كلام الترمذي -﵀- كراهة تنزيه أو تحريم؟ منهم من يقول: إنها كراهة تحريم، وهو المشهور عند الحنابلة، وأنه لا يجوز للرجل أن يتوضأ به بالشروط المذكورة، أن تخلو به عن طهارة كاملة وأن تكون الطهارة عن حدث، وحينئذٍ لا يكون نجسًا، ولكنه غير مطهر، فهو طاهر غير مطهر، يستعمل في غير الوضوء، يمكن أن يشرب منه، يمكن أن يطبخ فيه ما فيه إشكال؛ لأنه طاهر، لكن لا يتوضأ به، وهذا ظاهر صنيع المتأخرين من فقهاء الحنابلة أن المنع تحريم، وأن الوضوء لا يجزئ به.
ومنهم من يقول: إن الكراهة كراهية تنزيه، وذلكم للجمع بين هذا والرخصة الآتية، فالجمع بين النصوص يقتضي أن يحمل النهي في حديث الباب على التنزيه لا على التحريم، والصارف للنهي من التحريم إلى التنزيه الحديث الذي يأتي في الباب اللاحق إن شاء الله تعالى.
"وهو قول أحمد وإسحاق كرها فضل طهورها ولم يريا بفضل سؤرها بأسًا".
قال -﵀-:
[ ١٥ / ١٥ ]
"حدثنا محمد بن بشار ومحمود بن غيلان" محمد بن بشار بندار المعروف، شيخ الأئمة، ثقة من الأثبات، محمود بن غيلان الذي مر ذكره في الرواية السابقة "قالا: حدثنا أبو داود" هو الطيالسي، سليمان بن داود بن الجارود، إمام "عن شعبة" بن الحجاج "عن عاصم" بن سليمان الأحول، ثقة "قال: سمعت أبا حاجب" سوادة بن عاصم العنزي، الذي تقدم في الطريقة السابقة "يحدث عن الحكم بن عمرو الغفاري" صحابي نزل البصرة، "أن النبي -ﷺ- نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" النهي هذا إما أن يكون للتحريم كما هو ظاهر صنيع متأخري الحنابلة، وأنه لا يجوز بحال أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به لطهارة كاملة عن حدث، ويحتمل أن يكون أيضًا للتنزيه، تطلق الكراهة على هذا وهذا، فالكراهة تطلق على كراهة التحريم وكراهة التنزيه، والأصل فيها أنها للتحريم إلا إذا وجد صارف، والصارف ما سيأتي من الرخصة في الباب اللاحق -إن شاء الله تعالى-.
"نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة أو قال: بسؤرها" بسؤرها يعني ما يبقى في الإناء، والسؤر لما يبقى في الإناء بعد الوضوء، ولما يبقى بعد الإناء في الشرب، بعد الشرب، ولذا نص الإمام الترمذي على أن أحمد وإسحاق الذين يكرهون سؤرها في الوضوء أنهم لم يريا بفضل سؤرها يعني في الشرب بأسًا، و(أو) هنا للشك، والشك من شعبة، ولا شك أن يتوضأ بفضل طهور المرأة أو قال: بسؤرها إنما هو احتياط في باب الرواية، فشعبة لم يتثبت من اللفظة هل قال: بفضل أو قال: بسؤر، مع أنه لا يخالف في جواز الشرب فيما بقي بعدها من الإناء.
[ ١٥ / ١٦ ]
"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن" قال ابن حجر: أخرجه أصحاب السنن وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان، والنووي -رحمه الله تعالى- يقول: اتفق الحفاظ على تضعيفه، والبيهقي يقول عن الطريق السابقة الأولى: مرسل، وهذه عادته فيما إذا لم يذكر الاسم، إنما ذكر على الإبهام؛ لأن منهم من ينعت ما فيه راوٍ مبهم بالإرسال، لكن إذا عرفنا أن سلسلة الإسناد لم يسقط منها شيء ما سقط من سلسلة الإسناد شيء فكيف يكون إرسال؟ والإرسال سقط حتى على أوسع معانيه سقط من أي موضع من مواضع الإسناد، فغاية ما فيه أنه متصل، فيه راوٍ لم يسم، وسمي في طريق أخرى فانتفى ما يقوله البيهقي -رحمه الله تعالى-، وأما قول النووي أنه اتفق الحفاظ على تضعيفه فهذا الاتفاق فيه ما فيه؛ لأنه صححه ابن حبان، وحسنه الترمذي، ولا وجه لنقل مثل هذا الاتفاق.
"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وقال أبو حاجب، قال: وأبو حاجب اسمه سوادة بن عاصم" سبق أنه حكم عليه الحافظ في التقريب بأنه صدوق من الثالثة، وإذا كان ممن يستحق هذه المرتبة صدوق، فحديثه حسن، حديثه حسن لا يصل إلى الصحيح، وهو موجود في الطريقين، فمدار الخبر عليه، فالخبر يدور عليه، لذا الحكم عليه بالحسن هو المتجه.
"وقال محمد بن بشار في حديثه: نهى رسول الله -ﷺ- أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة"، "نهى رسول الله -ﷺ- أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة،، ولم يشك فيه محمد بن بشار" يعني ما قال كما قال شعبة: أو بسؤرها، فجاء به على الجزم.
وعلى كل حال جمهور العلماء على أن الوضوء بفضل طهور المرأة لا إشكال فيه، لما سيأتي في الباب اللاحق، نعم.
عفا الله عنك.